أما ما يبتدع من السماع، فقد انتشر في جميع الأقطار، فترى أهله يتواجدون على سماع الأشعار، ويطربون على ذكر الخدِّ والقدِّ والعِذَار (^٢)، ويرقصون على ضرب الكفِّ والقُضُبِ (^٣) والطَّار (^٤). فتُضَرُّ المساجد والزوايا لنَطِّهم، وتتلاشى الحُصُرُ وينكسر البلاط والأحجار، فيخرجون بقولهم وفعلهم عن طريق النبي المختار، والصحابة الأخيار والتابعين الأبرار.
_________________
(١) مراده: التفريق بين السماع المبتدع، والسماع المشروع الذي يحصل بسببه الخير والانتفاع. (ت)
(٢) العذار: عذار الغلام جانب لحيته، وما سال من اللجام على خد الفرس، ويقال: خلع فلان عذاره: انهمك في الغي ولم يستح. «المعجم الوسيط» ٢/ ٥٩٠.
(٣) في جميع النسخ: (القصب) بالصاد المهملة، ويظهر أنه تصحيف، وصوابه بالضاد، وهو جمع القَضيب، وهذا اسم يقع على ما قطعت من الأغصان للسهام أو القسي، والمراد: الضرب بعودٍ على أديم أو نحوه، كما سيأتي. (ت)
(٤) الطَّارُ هو الدفُّ، قال ابن باز في «مجموع الفتاوى» ٢١/ ١٧٨: «الدف فيما ذكر العلماء أنه الطار الذي يكون له وجه واحد، والوجه الثاني مفتوح، يستعمله النساء في الأعراس». وقال ابن الحاج في «المدخل» ٢/ ٢ في بدعة الاحتفال بالمولد النبوي: وقد احتوى على بدع ومحرمات جمَّة، فمن ذلك: استعمالهم المغاني، ومعهم آلات الطرب، من الطار المصرصر، والشبابة، وغير ذلك مما جعلوه آلة للسماع. (ت)
[ ١٧٥ ]
وقد حرم هذا السماع أبو حنيفة، وأحمد، ومالك (^١)، فلا تلق نفسك أيها الراقص في البدعة والمهالك فتهلك هذه النفس المسكينة لخراب المساجد، ولخروجها عن طريق صاحب المعجزات والسكينة.
وقال الشافعي في كتاب «أدب القضاء»: إن الغناء لهو مكروه يشبه الباطل والمحال. من استكثر منه فهو سفيه. وقال أيضًا: أكره من جهة الخبر اللعب بالنَّرْد، ولا أحب اللعب بالشطرنج، وأكره كل ما يلعب به الناس؛ لأن اللعب ليس من صنعة أهل الدين ولا المروءة (^٢).
وكان ﵁ يكره الطقطقة بالقضيب ويقول: وضعته الزنادقة، واشتغلوا به عن القرآن (^٣).
_________________
(١) انظر: «الهداية شرح البداية» ٤/ ٨٠، «البحر الرائق» ٨/ ٢١٤، «مسائل أحمد رواية عبد الله» (١١٧٥)، «المغني» ١٢/ ٤٠، «المدونة» ٣/ ٤٣٢.
(٢) «الأم» ٦/ ٢٠٨ (شهاد أهل اللعب)، «الحاوي» للماوردي ١٧/ ٣٨٥، ٣٩٠.
(٣) ذكره بهذا اللفظ الغزَّالي في: «إحياء علوم الدين» ٣/ ٢٣٧، وابن القيم في «إغاثة اللهفان» ١/ ٢٣٠، وأخرج ابن أبي حاتم في «آداب الشافعي ومناقبه» (٣٤٧) أنه قال: خلَّفتُ بالعراق شيئًا يسمَّى التَّغبير، وضعته الزنادقة، يشغلون الناس عن القرآن. وفي «لسان العرب» (مادة: غبر): والغُبْرَة: لَوْنُ الغُبار، وقد غَبِرَ واغْبَرَّ اغْبِرَارًا، وهو أَغْبَرُ. والغُبْرة: اغْبِرار اللوْن يَغْبَرُّ للهمِّ ونحوه. والمُغَبِّرة قوم يُغَبِّرون بذكر الله تعالى بدعاء وتضرُّع، قال الأَزهري: وقد سَمَّوْا ما يُطَرِّبون فيه من الشِّعْر في ذكر الله تَغْبيرًا كأَنهم تنَاشَدُوهُ بالأَلحان طَرَّبوا فَرَقَّصوا وأَرْهَجوا، فسُمّوا مُغَبِّرة لهذا المعنى. وقال الزجاج: سُمّوا مُغَبِّرين لتزهيدهم الناس في الفانية، وهي الدنيا، وترغيبهم في الآخرة الباقية. وقال ابن القيسراني في «السماع» ١٦: استماع القضيب والأوتار يقال له: التغبير، ويقال له: الطقطقةُ أيضًا. وفي «المدخل» لابن الحاج ٣/ ١٠٠: قال الشيخ الإمام أبو بكر الطرطوشي ﵀: في كتابه المسمى بكتاب «النهي عن الأغاني»: وقد كان الناس فيما مضى يستتر أحدهم بالمعصية إذا واقعها، ثم يستغفر الله ويتوب إليه منها، ثم كثر الجهل، وقل العلم، وتناقص الأمر، حتى صار أحدهم يأتي المعصية جهارًا، ثم ازداد الأمر إدبارًا، حتى بلغنا أن طائفة من إخواننا المسلمين وفقنا الله وإياهم استزلهم الشيطان، واستهوى عقولهم في حب الأغاني واللهو، وسماع الطقطقة، واعتقدته من الدين الذي يقربهم =
[ ١٧٦ ]
وقد ذمَّ الله تعالى قومًا اتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا، ولقد أحسن مَنْ قال:
النَّقرُ بالطَّار والتشبيب بالقصب … شيئان قد عُرفا للهو واللعب
والمطربون فلا تسمع لقولهم … فالشرع قد حرَّم الإصغاء للطرب
إن حركوا الطَّار أمسوا يرقصون له … شِبْهَ الذباب، ألا سُحقًا لمرتكب
قوم لقد أحدثوا في ديننا بدعًا … وخالفوا الحقَّ دين الهاشمي العربي
تبًّا لمن أحدثوا في الدين وابتدعوا … ما ليس منه بلا علم ولا أدب
ويدعي الصدق في التصويف جاهلهم … ويربط الناس بالبهتان والكذب
يا مدعي الزور يا شر الورى خَلَفًا … هل أنزل الله نقر الطار في الكتب
أو أرسل الله صدِّيقًا بطقطقة … على الوسادة إنْ تابعتهم تخب
ما صفَّق القوم يومًا، لا ولا رقصوا … وما لهم في الغنا والرقص من أرب
بل كان القوم في خوفٍ وفي وجل … ما بين باكٍ وأوَّاهٍ ومنتحِب
فاتَّبِع القومَ أيها العابدُ لتحشر معهم (^١)، وتنجوَ من الكرب
_________________
(١) = من الله تعالى، وجاهرت به جماعة المسلمين، وشاقت به سبيل المؤمنين، وخالفت العلماء والفقهاء وحملة الدين: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا﴾ [النساء: ١١٥]. قلتُ: وفي زماننا هذا ورثت الحركة الإسلامية هذه البدعة الصوفية، فأخرجتها للناس باسم الأناشيد الإسلامية، وجعلت ذلك من وسائل الدعوة، وادعت أنها من أسباب القربى إلى الله تعالى، وصار لهذه البدعة القبيحة أعلام ونجوم مثل نجوم الغناء والطرب، ثم جاءت القنوات الفضائية، فانتقل المنشدون الإسلاميون من المساجد والمراكز الإسلامية إلى (استوديوهات) المطربين والمطربات، وزاحموهم حتى في (الفيديو كليب)، وفي فنون اللباس والزينة و(الماكياج) وغيرها، واحتاجوا في ذلك إلى دراسة علوم الموسيقى والطرب، فالتحق بعضهم بمعاهدها، فإلى الله المشتكى من رقَّة دينهم وخفَّة عقولهم، وسفاهة أحلامهم. (ت)
(٢) يعني القومَ المذكورين في البيت الأخير، وظن ناسخ (ق) أن المراد من تقدَّم ذمُّهم فجعله: (فلا تتَّبع …).
[ ١٧٧ ]
والشدائد واجتنب الأكل الزائد، ودع النطَّ والتمايل والتواجد، ولا تخرب بنطِّك الزوايا والمساجد.
واعلم أن طريق الآخرة لا تنقطع بالنطِّ، وقد ندب الحق تعالى عباده إلى الدخول في طريق توصلهم إليه، بقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ وحذَّر عن الانقطاع عنه بالدخول في طريق الأهواء والبدع، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلكم وصَّاكم به﴾ [الأنعام: ١٥٣] وقد بين ﷺ الصراط المستقيم بقوله: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور» (^١).
وهذه الأشياء بدعة مخالفة لسنة النبي ﷺ وسنة صحابته، وسنة السلف الصالح من أمته، وكل بدعة ضلالة، وشر الأمور محدثاتها؛ لقوله ﷺ في حديثٍ آخر: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (^٢).
وقال ﷺ: «لستُ من دَدٍ، ولا الدَّدُ منِّي» (^٣).
والدد في اللغة والددن والددأ هو اللعب واللهو (^٤). ولا يقبل في ذلك عذر من اعتذر بأن الحامل على هذه الحالة محبة الله تعالى، وذلك لوجهين؛ أحدهما: من جهة النقل، والثاني: من جهة العقل.
أما الأول: فإن الحق سبحانه جعل عنوان محبته في اتباع نبيه ﷺ
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) سبق تخريجه، وسبق أيضًا تخريج حديث: «شر الأمور محدثاتها … وكل بدعة ضلالة».
(٣) أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» (٧٨٥)، والبزار في «مسنده» (٦٢٣١)، والطبراني في «الكبير» ١٩/ ٣٤٣ (٧٩٤)، و«الأوسط» (٤١٣)، قال الألباني في «الضعيفة» (٢٤٥٣): ضعيف.
(٤) ذكر البيهقي في «السنن الكبرى» ١٠/ ٢١٧: قال عليُّ ابن المديني: سألتُ أبا عبيدةَ صاحبَ العربية عن هذا، فقال: يقول: لست من الباطل، ولا الباطل منِّي. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: الدَّدُ هو اللعب واللهو.
[ ١٧٨ ]
فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١].
وفي آيةٍ أخرى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤]، ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
فمن لم يتبع النبي ﷺ في أفعاله وأقواله لا يصح منه دعوى المحبة، فإذا انتفت المحبة الرَّبانية تعيَّن أن تكون هذه الأفعال من حظوظ النفس وتسويل الشيطان وتمويهه؛ لأن علامة المحبة المبادرة إلى طاعة المحبوب، والمسارعة إلى كل ما يرضيه، والتَّحرز من أسباب سخطه.
وأمَّا من جهة العقل: فإنَّ أحدهم لو لم يكن محجوبًا بالهوى لاستفتى قلبه، وراجع عقله، ولو فعل لظهر له ببديهة عقله أن هذا الرَّقص الموزون، الموافق لتوقيعات الألحان، وآلات الطرب، ومراعاة التصنع في الحركات، يستقبح من النساء وأهل المجانة، فكيف يستحسن من أهل الزهد والمحبة والدِّيانة. فنعوذ بالله من مكابرة العقول، ومخالفة المنقول.
وأما فِعْل ذلك في المساجد فأشدُّ بلاءً؛ لما فيه من إظهار البدعة في بيوت الله تعالى؛ لأن المساجد ما بنيت إلا للصلاة ولذكر الله؛ قال الله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: ٣٦]، وقد وجب تنزيهها من المباحات كالبيع والشراء، ونشدان الضالة، كما ثبت في الحديث الصحيح، وهو قوله ﷺ لمن يبيع في المسجد: «لا أربح الله تجارتك». ولمن ينشد الضالة: «لا ردَّها الله» (^١). فتنزيهها من البدع المستنكرة وإعلان المعصية بطريق الأولى.
_________________
(١) أخرجه الدارمي في «مسنده» (١٤٠١)، والترمذي في «جامعه» (١٣٢١)، والنسائي في «الكبرى» (١٠٠٠٤)، وابن خزيمة في «صحيحه» (١٣٠٥)، وابن حبان في «صحيحه» (١٦٥٠) من حديث أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: «إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد؛ فقولوا: لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم من ينشد فيه ضالة فقولوا: لا رد الله عليك». وأخرجه مسلم في «صحيحه» (٥٦٨) (٧٩) مقتصرًا على إنشاد الضالة.
[ ١٧٩ ]
وأما فعل ذلك في البيوت فإن كان بإذن أربابها فقد شاركهم الإذن في الإثم وسقط الضمان؛ لما أخربوه (^١) من السقف والحيطان، وإن كان بغير إذن فحرام انضم إلى حرام، ويجب ضمان الناقص بفعل الراقص.
فعليك أيها المؤمن بالسماع، الذي يحصل به الخير والانتفاع، وهو القرآن العظيم، سماع من أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين والعارفين.
سمع صوفيٌّ قارئًا يقرأ: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٧ - ٢٨] فاستعادها من القارئ. وقال: كم أقول لها ارجعي ولا ترجع، وصرخ صرخةً خرجت فيها روحه.
فانظر إلى قلوب أوليائه، لما كانت واعية أثَّر فيها القرآن، طهَّروا قلوبهم من الأغيار؛ فصلحت لنزول الأنوار، طهِّر المنزلَ لشَرَفِ مَنْ يَنزلُ (^٢)؛ يقول الله ﷿: «لا يسعني أرضي ولا سمائي، ويسعني قلب عبدي المؤمن» (^٣).
ومن حصل له الساكن، طابت له المساكن، ومن لم تفتح له المنازل رضي بالمزابل، وكان بعضهم يقول:
إن بيتًا أنت ساكنه … غير محتاج إلى السُّرُج
ومريضًا أنت عائده … قد أتاه الله بالفرج
وجهك المأمول حجتنا … يوم يأتي الناس بالحجج
وكان الشبلي ينشد على سور عسقلان (^٤):
اطلبوا لأنفسكم … مثل ما وجدت أنا
قد (^٥) وجدت لي سكنًا … ليس يشبه السكنا
_________________
(١) في (ط): يخربونه.
(٢) في (خ): (طهِّر المنزل حتى ينزل). وهذا يمكن أن يضبط: (تنزل) أو: (ننزل). (ت)
(٣) باطل لا أصل له، قال ابن تيمية ﵀ في «منهاج السنة» ٥/ ٢٦٢: هو من الإسرائيليات. وقال العراقي في «تخريج أحاديث الإحياء» (٢٥٩٩): لم أر له أصلًا.
(٤) في (ق): وأنشد الشبلي ﵀.
(٥) (ط): كم.
[ ١٨٠ ]
إن دنوت قرَّبني … أو بعدت عنه دنا
قال بعض الصالحين: البيت إذا خلا من الساكن خربَ، والقلب إذا خلا من خوف الله خرب.
وقد أجمع العلماء والإجماع من أقوى الحجج؛ لقول المبعوث بالرسالة: «لا تجتمع أمَّتى على ضلالة» (^١) أجمعوا على مدح من يقبل على سماع كتاب الله تعالى وعلى ذم من أعرض عنه، كما يفعله بعض المفتونين وقت اجتماعهم لسماعهم ورقصهم، فيقرأ القارئ العشر فإنْ طوَّله، لوَّحوا له أنْ قَصِّر (^٢). وبعضهم يصرخ ويقول: طوَّلت علينا. ويقول بعض المخذولين: اقرأ عُشر المسافرين، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
فيا خيبة قوم يستثقلون القرآن، ويستريحون بالرقص والغناء والألحان. هؤلاء والله من حزب الشيطان، ومن أعداء الرحمن؛ قال الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللهِ» [الزمر: ٢٢]. وقال ﷺ: «من لم يشفه القرآن لا شفاه الله» (^٣).
فهذه قلوب كادها باريها، وهي غافلة غير حاضرة. والويل لمن يجتمع عليه فقر الدنيا وعذاب الآخرة، قال الله سبحانه: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ [المدثر: ٤٩ - ٥٠]. وقال المولى: ﴿ومن أظلم
_________________
(١) أخرجه عبد بن حميد في «مسنده» (١٢٢٠)، وابن ماجه في «سننه» (٣٩٥٠) من حديث أنس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أمتي لا تجتمع على ضلالة؛ فإذا رأيتم اختلافًا فعليكم بالسواد الأعظم». وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه» (٣٩٥٠) دون الشطر الثاني منه.
(٢) زاد في (ط): عشر.
(٣) جزء من حديث أخرجه ابن قانع في «معجم الصحابة» ١/ ٢١٥، وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» ٢/ ١١٢٧ (٢٨٣١) من حديث رجاء الغنوي. قال المناوي في «فيض القدير» ١/ ٦٢٧: وقد أشار الذهبي في «تاريخ الصحابة» إلى عدم صحة هذا الخبر، فقال في ترجمة (رجاء) هذا: له صحبة نزل البصرة، وله حديث لا يصح في فضل القرآن. وضعفه الألباني في «ضعيف الجامع» (٨١٠).
[ ١٨١ ]
ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون﴾ [السجدة: ٢٢].
أفٍّ لقوم يعرضون عن كلام الرحمن، ويقبلون ويطربون على مزامير الشيطان، وهذا دليل على الطرد والحرمان، وهذه الأشياء تأتي من حظوظ النفس وتسويل الشيطان؛ لأنه أول من ناح، وأول من غنى. لو اتبع السنة المريد، لانتفع وحصل له ما يريد. وما فاته الوصول، إلا لتضييعه الأصول، وهو طريق الرسول.
فإنْ قال أحدهم: إن هذا السماع جعلناه شبكة نصطاد به قلوب الغافلين! (^١)
صدق الشيخ في قوله؛ لأن جماعة منهم جعلوه شبكة لأجل أكل التراث وجمع الحطام؛ موافقة لليهود عليهم اللعنة من الملك العلام قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ [التوبة: ٣٤].
وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رحمة الله عليه في قوله تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢]: نزلت في اليهود ومَن كان من فقراء هذا الزمان مُؤْثرًا للسماع بهواه، آكلًا مما حرَّمه مولاه، فهي نزعة يهوديةٌ؛ لأنَّ القوَّالَ يذكُر العشقَ وما هو بعاشق، ويذكر المحبةَ وما هو بمُحبٍّ، والوَجدَ وما هو بمتواجد. فالقوَّال يقول الكذبَ، والمستمعُ سمَّاعٌ له. ومن أكل من الفقراء طعامَ الظَّلَمة حين يُدعَى إلى السَّماع؛ فهو ممن يَصْدُق عليه قوله تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢] (^٢).
فمن قال: إنا جعلنا السَّماع شبكةً!
_________________
(١) وهذا ما يقوله اليوم المنشدون الإسلاميون! وانظر كيف ينطبق عليهم جواب المؤلف!
(٢) هذا النص بطوله وحروفه في «لطائف المنن» لابن عطاء الله الإسكندري: ١٨٢، نقلًا عن شيخه: أبي العباس المرسي. وقد وهم المؤلف فنسبه إلى أبي الحسن الشاذلي.
[ ١٨٢ ]
يُقال له: شبكةٌ مخرَّقةٌ يخرج منها الصيد، وهي رَديَّة، عليك أيها المؤمن بالشبكة الصحيحة المحمدية، الموصلة إلى خير الدنيا والآخرة، وإلى الحضرة الصمدية. فمن ترك هذه الشبكة المباركة، ثم دخل في شبكة الطائفة الهالكة، فقد خرج عن السنة وعصى مالكه، وقد نصحتك يا أخي! والدين هو النصيحة، فاترك هذه البدع والفضيحة، واسمع ما أقول لكي لا تندم يوم القيامة ندمًا لا آخر بعده، وتقول: ﴿يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَ﴾ [الأحزاب: ٦٦]. فالخير كله في السنة، وهو مفتاح الجنة.
والأولياء ﵈ ما جعلوا حركاتهم إلا في شيء يثابون عليه، مثل أداء الفرائض، والتقرب إلى الله تعالى بالنوافل، قال تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٧ - ١٩] ﴿… يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان: ٦٤] ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢]، ﴿… يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٩]، ﴿… تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح: ٢٩]، ﴿… يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢]، ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]. وفي القرآن مثل هذا كثير، وفي هذا كفاية للمؤمن المتبع البصير.
كان داود الطائي (^١) وهو تلميذ أبي حنيفة ﵀ كان من التابعين، أي من التابعين للحق وما أمر به الرسول ﷺ وأصحابه ﵃ أجمعين، ولم يكن من التابعين الذين رأوا الصحابة، ورووا عنهم الحديث على اصطلاح المحدثين من التابعين ومن المُتَّبَعِين، وكان من كثرة اجتهاده لا يأكل خبزًا، بل يسكب على فتيت ماء ويشربه إذا احتاج
_________________
(١) أبو سليمان داود بن نصير الطائي (ت: ١٦٥ هـ)، كان في أيام المهدي العباسي، أصله من خراسان، ومولده بالكوفة، رحل إلى بغداد، فأخذ عن أبي حنيفة وغيره، وعاد إلى الكوفة، فاعتزل الناس، ولزم العبادة إلى أن مات فيها. قال أحد معاصريه: لو كان داود في الأمم الماضية لقص الله تعالى شيئًا من خبره. وله أخبار مع أمراء عصره وعلمائه. مترجم: في «تاريخ بغداد» ٨/ ٣٤٧، و«حلية الأولياء» ٧/ ٣٣٥. (ت)
[ ١٨٣ ]
إليه، فقيل له: نفسك ما تشتهى الخبزَ؟ فقال: إنَّ بين مضغ الخبز وشرب الفتيت قراءة خمسين آية (^١).
وصحَّ عن بعض الأئمة، وعن بعض مشايخ «الرِّسالة»، أنهم صلَّوا بوضوء العشاء الصبحَ أربعين سنة (^٢)
_________________
(١) أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (٥٦٩٤)، والخطيب البغدادي في «تاريخ بغداد» ٨/ ٣٥٣. وفي هذا تكلُّف ظاهر، وقد كان رسول الله ﷺ يأكل الخبزَ، وكذلك الصحابة الكرام ﵃. (ت).
(٢) كتاب «الرسالة» لأبي نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم بن هوازن القشيري (ت: ٥١٤ هـ)، ولم أجد فيه هذا، إلا قوله (ص: ١٣١): سمعت محمد بن أحمد الصوفي ﵀، يقول: سمعت علي بن عبد الله التميمي يقول: حكي عن محمد بن إسماعيل الفرغاني أنه قال: كنا نسافر مقدار عشرين سنة، أنا وأبو بكر الزقاق، والكتاني، لا نختلط بأحد، ولا نعاشر أحدًا، فإذا قدمنا بلدًا؛ فإن كان فيه شيخ سلمنا عليه، وجالسناه إلى الليل، ثم نرجع إلى مسجد، فيصلي الكتاني من أول الليل إلى آخره ويختم القرآن، ويجلس الزقاق مستقبل القبلة، وكنت أستلقي متفكرًا، ثم نصبح ونصلي صلاة الفجر على وضوء العتمة، فإذا وقع معنا إنسان ينام كنَّا نراه أفضلنا. وما ذكره المؤلف من صلاتهم الفجر بوضوء العشاء أربعين سنة؛ ذكره أبو طالب المكي في «قوت القلوب» ١/ ٧٣، فقال: ذكر من روي عنه أنه أحيى الليل كله، ومن اشتهر بإحياء الليل كله، وصلّى الغداة بوضوء العشاء الآخرة أربعين سنة، أو ثلاثين سنة، حتى نقل عنه ذلك؛ أربعون من التابعين، منهم: سعيد بن المسيب، وصفوان بن سليم المدنيان، وفضيل بن عياض، ووهيب بن الورد المكيان، وطاووس، ووهب بن منبه اليمانيان، والربيع بن خيثم، والحكم بن عيينة الكوفيان، وأبو سليمان الداراني، وعلي بن بكار الشاميان، وأبو عبد الله الخواص، وأبو عاصم العباديان، وحبيب أبو محمد، وأبو جابر السلماني الفارسيان، ومالك بن دينار، وسليمان التيمي، ويزيد الرقاشي، وحبيب بن أبي ثابت، ويحيى البكاء البصريون، وكهمس بن المنهال، وكان يختم في الشهر تسعين ختمة، وما لم يفهم رجع فقرأه مرة أخرى، وأيضًا: من أهل المدينة أبو حازم، ومحمد بن المنكدر، في جماعةٍ يكثر عددهم، هؤلاء المشهورون منهم. قلتُ: لا يسلِّم بهذا النقل حتى يتثبَّت فيه عن كلِّ واحد منهم، ويعرف صحة إسناده، وقد يتصوَّر وقوع هذا من بعض الزهاد بعد عصر الصحابة وأئمة التابعين، أما سعيد بن المسيِّب وأمثاله من الأئمة فلا يسلَّم بوقوع هذا منهم، فإن فيه نقصًا وعيبًا، وتضييعًا للحقوق، ومخالفة لطبيعة الإنسان، فإنه يمرض وتعرض عليه آفات. (ت).
[ ١٨٤ ]
متى تلحق بهؤلاء الأبطال يا بطَّال؟ تمحو عمرك في الأكل والرقص والنوم، وتتصف بصفات القوم. تعمل عمل الفجار، وتطلب منازل الأخيار، أما سمعت قوله ﷺ: «الكيِّس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أَتبَعَ نفسَه هواها، وتمنَّى على الله» (^١).
كان بعض الصالحين يقول عند النزع: اللَّهم إنك تعلم، ما كنت أحب البقاء في الدنيا لغرس الأشجار، ولا لجري الأنهار، لكن لظمأ الهواجر، وقيام ليل الشتاء، ومزاحمة العلماء في حلق الذِّكْر (^٢).
أين هذا من فقير يأكل بالنهار، ويرقص بالليل، ويزاحم الجهال في خراب المساجد.
قال الجنيد ﵀: إذا رأيت المريد يطلب السماع، فاعلم أن فيه بقية من البطالة (^٣). والله لا يحبُّ الرجل (^٤) البطال.
_________________
(١) أخرجه عبد الله بن المبارك في «الزهد» (١٧١)، والطيالسي في «المسند» (١٢١٨)، وأحمد في «مسند» ٤/ ١٢٤ (١٧١٢٣)، وابن ماجه في «السنن» (٤٢٦٠)، والترمذي في «الجامع» (٢٤٥٩)، والبزار في «المسند» (٣٤٨٩)، والطبراني في «المعجم الكبير» (٣٦) و(٧١٤١) و(٧١٤٣)، وفي «مسند الشاميين» (٤٦٣)، والحاكم في «المستدرك» ١/ ٥٧ و٤/ ٢٥١، والقضاعي في «مسند الشهاب» (١٨٥)، والبيهقي في «السنن» ٣/ ٣٦٩، وفي «شعب الإيمان» (١٠٥٤٦)، والخطيب في «تاريخ بغداد» ١٣/ ٥٠٧، والبغوي في «شرح السنة» (٤١١٦) و(٤١١٧)، من حديث شداد بن أوس ﵁. قال الترمذي والبغوي: هذا حديث حسن. وقال الحاكم: صحيح على شرط البخاري! فردَّه ابن حجر في «إتحاف المهرة» (٦٣١٥) بقوله: لا والله، بل أبو بكرٍ ضعيف جدًّا. وضعفه الألباني في «ضعيف سنن الترمذي» (٤٣٦).
(٢) سيكرره المؤلف ﵀ في مواضع، ويذكر في موضع أن سبب الحديث أن رجلًا مُدح بين يدي النبي ﷺ بالكياسة فقال هذا الحديث. وليس في شيء من ألفاظ الحديث بيان هذا السبب، ولكن ورد في حديث آخر موضوع، سنذكره في موضعه. () أخرجه أبو نعيم في «الحلية» ١/ ٢٣٩، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» ٥٨/ ٤٤٩ من كلام معاذ بن جبل ﵁.
(٣) انظر «الاعتصام» للشاطبي ١/ ٢٠٨.
(٤) في (خ): الرجال.
[ ١٨٥ ]
اسمع يا من دُهِي في عمره، وجعل صنعته في الأكل الزائد، والنط في الزوايا والمساجد؛ متى تلحق بقوم تتجافى جنوبهم عن المضاجع:
عندَ الصَّباح يَحمَدُ القومُ السُّرَي
ولكن من لم يستحِ يعمل (^١) ما يشتهي، قال صلوات الله عليه وسلامه: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحي فاصنع ما شئت» (^٢)، وفي حديث آخر: «الحياء من الإيمان» (^٣).
_________________
(١) في (ب): يفعل.
(٢) أخرجه أحمد في «مسنده» ٤/ ١٢١ (١٧٠٩٠)، والبخاري في «صحيحه» (٣٤٨٣)، وفي «الأدب المفرد» (٥٩٧)، وأبو داود في «سننه» (٤٧٩٧)، وابن ماجه في «سننه» (٤١٨٣) من حديث أبي مسعود الأنصاري.
(٣) أَخرجه مالك في «الموطأ» (١٦١١)، والحميدي في «مسنده» (٦٢٥)، وأحمد في «مسنده» ٢/ ٩ (٤٥٥٤)، وعبد بن حميد في «مسنده» (٧٢٥)، والبخاري في «صحيحه» (٢٤) وفي «الأدب المفرد» (٦٠٢)، ومسلم في «صحيحه» (٣٦) (٥٩)، وأبو داود في «سننه» (٤٧٩٥)، وابن ماجه في «سننه» (٥٨)، والترمذي في «جامعه» (٢٦١٥)، والنسائي في «المجتبى» ٨/ ١٢١ (٥٠٣٣)، وفي «السنن الكبرى» (١١٧٦٤) من حديث ابن عمر ﵄. وهنا في حاشية (ب) تعليق، وهم فيه (ق) فأدخله في صلب الكتاب، وهو تعقُّب على المؤلف، نصُّه: (قالوا: هذا خطأٌ، ومعناه: إذا فعلت ما لا ينبغي أن تستحي بفعله من الله تعالى أو من الناس فافعله، وإلا فلا تفعله) وهذا أحد القولين في تفسير الحديث، ذكرهما ابن الأثير في «النهاية في غريب الحديث والأثر» (مادة: حيا). أما القول الأول: فهو ظاهر الحديث، وهو المشهور، وهو: إذا لم تستح من العيب، ولم تخش العار، ممَّا تفعله، فافعل ما تحدّثك به نفسك من أغراضها حسنًا كان أو قبيحًا، ولفظه أمر، ومعناه توبيخ وتهديد، وفيه إشعار بأنَّ الذي يردع الإنسان عن مواقعة السوء هو الحياء، فإذا انخلع منه كان كالمأمور بارتكاب كل ضلالة، وتعاطي كل سيئة، والقول الثاني: أن يحمل الأمر على بابه، ويكون المعنى: إذا كنت في فعلك آمنًا أن تستحيي منه، لجريك فيه على سنن الصواب، وليس من الأفعال التي يستحيا منها، فاصنع منها ما شئتَ منها. وهذا ما ذُكر في التعليق. =
[ ١٨٦ ]
وقالوا فيمن هذه حرفتهم:
أيا جيلَ التصوفِ شرَّ جيل … لقد جئتم بشيء مستحيلِ
أفي القرآن قال لكم إلهي … كلوا أكلَ البهائم وارقصوا لي (^١)
قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي ﵀: سألت أستاذي عن السماع فأجابني بقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آَبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلَى آَثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ [الصافات: ٦٩ - ٧٠].
وقال السيد الجليل المحتَرِقُ البصريُّ: رأيتُ إبليس لعنه الله في المنام، فقلت له: كيف رأيتنا عزفنا عن الدُّنيا ولذاتها وأموالها، فليس لك إلينا طريقٌ؟ فقال: كيف رأيتم ما استجلبت به قلوبكم؟ استجلبتها باستماع
_________________
(١) = وقال ابن القيم في «الجواب الكافي»: فالمعنى على الأول يكون تهديدًا كما في قوله تعالى: ﴿اعملوا ما شئتم﴾ [فصلت: ٤٠]، وعلى الثَّاني إذنًا وإباحةً، ولا يمكن حمل الحديث على المعنيين جميعًا لما بين الإباحة والتهديد من المنافاة، واعتبار أحد المعنيين يوجب عدم اعتبار الآخر. وقال ابن حجر في «فتح الباري» ١٠/ ٥٢٣: قال الخطابيُّ: الحكمة في التعبير بلفظ الأمر دون الخبر في الحديث أن الذي يكف الإنسان عن مواقعة الشر هو الحياء، فإذا تركه صار كالمأمور طبعًا بارتكاب كل شرٍّ. وقال النووي في «الأربعين»: الأمر فيه للإباحة، أي إذا أردت فعل شيء فإن كان مما لا تستحي إذا فعلته من الله، ولا من الناس فافعله، وإلا فلا، وعلى هذا مدار الإسلام، وتوجيه ذلك أن المأمور به الواجب والمندوب يستحي من تركه، والمنهي عنه الحرام والمكروه يستحي من فعله، وأما المباح فالحياء من فعله جائز، وكذا من تركه فتضمن الحديث الأحكام الخمسة. وقيل: هو أمر تهديد، ومعناه: إذا نزع منك الحياء فافعل ما شئت، فإن الله مجازيك عليه، وفيه إشارة إلى تعظيم أمر الحياء، وقيل: هو أمر بمعنى الخبر، أي: من لا يستحيي يصنع ما أرادَ.
(٢) ذكره الصفدي في «الوافي بالوفيات» ١٥/ ٧٨، وابن شاكر الكتبي في «فوات الوفيات» ٢/ ٤٥، وابن العديم في «بغية الطلب» ٤/ ٢٣٠، ونسبوه إلى سداد بن إبراهيم الظاهر الجزري، المتوفي في حدود الأربع مئة، ونص البيتين عندهم: أرى جيل التصوف شر جيلٍ … فقل لهم وأهون بالحلول أقال الله حين عشقتموه … كلوا أكل البهائم وارقصوا لي
[ ١٨٧ ]
السماع، ومعاشرة الأحداث (^١).
ومن ابتلاه الله تعالى بشيء من ذلك، فهو عبدٌ أهانه الله سبحانه وخذله، بإجماع أهل الطريق الذي شغله بغيره.
كان بعض الصالحين يقول:
أتوب إلى أضحى وأمسى … وقلبي يتَّقيه ويرتجيه
تشاغل كل مخلوق بشغلٍ … وشغلي في محبته وفيه
فلما سمعه سفيان بكى، وقال: نعم، الشغل شغلك (^٢).
وأصعب ما تقدم ذكره تهوين ذلك: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥]. فمن ارتكب هذه المحظورات، وزعم أن النظر إلى المردان استدلال على صنعة الواحد الديان، وهذا أيضًا زور وبهتان، فقد خرج فاعله عن السنة والقرآن. قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠]. وقال ﷺ: «النظر سهم مسموم من سهام إبليس» (^٣).
فاحذر أيها الغافل! لأن السُّم قاتل. ثم يتعامى أحدهم عن قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: ١٧ - ٢٠]، وإلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠].
_________________
(١) أخرجه الخطيب البغدادي في «تاريخ بغداد» ١٤/ ٤٢٩ في ترجمة: (أبي الفرج الرستمي الصوفي) قال: سمعت المحترق البصري يقول: فذكره. وأخرجه ابن الجوزي في «ذم الهوى» ١١٤. وعندهما: (المحترق) كما أثبتناه، ولم أجد له ترجمة، وفي (ب، خ): (المحترف)، وهو تحريف، وفي موضعه بياض في (ق). (ت)
(٢) لم أقف عليه.
(٣) أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» ١٠/ ١٧٣ (١٠٣٦٢) من حديث ابن مسعود ﵁، والحاكم في «المستدرك» ٤/ ٣١٤ من حديث حذيفة ﵁. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. قال الألباني في «السلسلة الضعيفة» (١٠٦٥): ضعيف جدًّا.
[ ١٨٨ ]
وقال سبحانه: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥].
وما من شيء من خلق الله تعالى إلا وفيه عبرة لمن اعتبر، فيتعامون عن ذلك كله ويخالفون الله تعالى فيما أمر، ولا يسمعون من الحديث والأثر (^١)، قال سيد البشر: «زنا العين النظر» (^٢).
وصحَّ أنَّ النبي ﷺ نهى أن يحدَّ الرجلُ النظر إلى الغلام الأمرد، الحسن الوجه (^٣).
ونهى أيضًا عن مجالسته وأقام أمرد من بين يديه وأجلسه خلفه (^٤).
فاسمعْ وعِ (^٥) يا مَنْ حضر.
وروي أنَّ أنس بن مالك، ومالك بن أنس، وأحمد بن حنبل، وسفيان
_________________
(١) (ب): والخبر. وأثبتها (ط): (من الحدث والنشو)، وعلق عليه بقوله: النشو باللهجة، وهو النشء بالفصحى (!)
(٢) أخرجه أحمد في «مسنده» ٢/ ٢٧٦ (٧٧١٩)، والبخاري في «صحيحه» (٦٢٤٣)، ومسلم في «صحيحه» (٢٦٥٧) (٢٠)، وأبو داود في «سننه» (٢١٥٢)، والنسائي في «السنن الكبرى» (١١٥٤٤) دون قوله: وزنا العين النظر، وابن حبان في «صحيحه» (٤٤٢٠) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) أخرجه ابن عدي في «الكامل» ٧/ ٩٦ وفي إسناده الوازع بن نافع، قال ابن عدي: عامة ما يرويه غير محفوظ. قال ابن القطان في «أحكام النظر» (ص ١١٨): وإسناده في غاية الضعف. وقال الألباني في «السلسلة الضعيفة» (٥٩٦٩): موضوع.
(٤) ذكره ابن القطان الفاسي في «أحكام النظر» (ص ١١٩) قال: رواه ابن شاهين بإسناد مجهول إلى أبي أسامة حماد بن أسامة عن مجالد عن الشعبي قال: قدم وفد عبد القيس على رسول الله ﷺ، وفيهم غلام أمرد ظاهر الوضاءة؛ فأجلسه النبي ﷺ وراء ظهره، وقال: «كانت خطيئة داود النظر». قال ابن القطان: من دون أبي أسامة مجهول، ومجالد ضعيف، وهو مع ذلك مرسل. وقال ابن حجر في «التلخيص» ٣/ ٣١٥: وإسناده واهٍ.
(٥) في (خ): فاسمعوا وعوا.
[ ١٨٩ ]
الثوري والحسن البصري، وجماعة كثيرة من التابعين: لا يَدَعون الأمردَ يحضر مجلسهم (^١).
وكان أبو حنيفة ﵁ يُعلِّم محمد بن الحسن من وراء ظهره، فلما طلعت لحيته أجلسه بين يديه، وكان السلف الصالح إذا أقبل الأمرد الحسن غمض عينيه، وفر كفراره من الأسد، وقال قائلهم (^٢):
فوالله ما أدرى أنفسي ألومها … على الحب أم عيني المشومة أم قلبي
فإن لمت قلبي قال لي العين أبصرت … وإن لمت عيني قالت الذنب للقلب
فعيني وقلبي قد تشاركن في دمي … فيا رب كن عوني على العين والقلب
فإن تأول أحد من هؤلاء الخارجين، فهو من وساوس الشياطين. كقول أحدهم إنه يشاهد صنعة الله تعالى، وما في قلبه شيء. هذا الرجل أنطقه الله سبحانه الذي أنطق كل شيء. إن ما في قلبه شيء صدق، ما في قلبه حياء ولا إيمان؛ لما جاء في الحديث الصحيح: «إن الحياءَ من الإيمان» (^٣): فمن لا حياء له، لا إيمان له. وفي حديث آخر: «الحياء خير كله» (^٤)، الحياء لا يأتي إلا بخير فمن فاته الحياء فقد فاته الخير كله، ويخاف على من ادَّعى أنه عبادة، أن يحرم عند الموت الخير والشهادة.
قيل للشيخ إبراهيم بن معضاد الجَعْبَريُّ (^٥): يا سيدي، النظر إلى المردان هو عبادة؟ قال: لا، بل قيادة، وهي -واللهِ! - من قلَّة الدين والسعادة.
وقيل له: قد كنت تحضر السماع فلم تركته؟ قال: خرجت من البدعة، ودخلت في السنة.
_________________
(١) انظر «سلوة الأحزان في النهي عن مجالسة الأحداث» (ص ٢٨).
(٢) في (ق): وأنشد.
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) أخرجه أحمد في «مسنده» ٤/ ٤٢٦ (١٩٨١٧)، والبخاري في «صحيحه» (٦١١٧)، وفي «الأدب المفرد» (١٣١٢)، ومسلم في «صحيحه» (٣٧) (٦٠)، وأبو داود في «سننه» (٤٧٩٦) من حديث عمران بن حصين ﵁.
(٥) توفي سنة (٦٨٧) ﵀، وسيذكره المؤلف في موضع لاحق، ونترجم له هناك.
[ ١٩٠ ]
فإن ادعى الناظرُ العصمة، فهو ضمير الكفر (^١)، ويكفي هذا المغرور اشتغال قلبه بمخلوق عن الخالق، قال ﷺ حاكيًا عن ربه جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: «حرامٌ على قلبٍ، يسكنُه غيري أن يسكنه حُبِّي» (^٢).
يا هذا، لو أحبك الله سبحانه لجمعك عليه، ولحبَّب إليك الطريق الموصلة إليه. كما قال بعضهم:
قل لمن أعرض عنَّا … إن إعراضك منَّا
لو أردناك لأضحى … كل ما فيك يردنا
ثم اعلم أيها المملوك! ما كلُّ أحد يصلح لمجالسة الملوك، ما كل بدن يصلح لخدمته، ولا كل قلب يصلح لمعرفته (^٣)، فمن سلك الطريق، فهو مؤمن صِدِّيق، ومن خرج عنها، فهو قليل التوفيق، ومن جحدها فهو عبد زنديق، كمن ادعى الحقيقة ونبذ الشريعة.
وقد أجمع العلماء والأولياء أن كل حقيقة لا توافق الشريعة فهي زندقة، فمن قال: نحن رجال أصحاب أحوال، وهؤلاء الفقهاء أصحاب قيل وقال. تهاونًا بالشريعة المطهرة، يصير كافرًا، وما نال أحد شيئًا من الحقيقة، إلا ببركةِ دخوله في الطريقة؛ لأن الطريقة كالباب، والحقيقة كالمنزل. ولا يمكن الدخول إلى المنزل إلا من الباب (^٤).
_________________
(١) (ضمير الكفر) كذا في النسخ.
(٢) في (ق): (تسكنه محبَّتي). وهذا الحديث القدسي لم نقف له على أصل، وإنما ذكره ابن الحاج في «المدخل» ٣/ ١١٦، فقال: وفي الحديث: «يقول الله تعالى: حرام على قلب سكنه حب غيري أن أُسكِنَه حبي». كذا ذكره، ولم يعزوه لأحدٍ!
(٣) في (ب): لمحبته.
(٤) إن كان يقصد بالطريقة: الطريقة المحمدية وهي اتباع الكتاب والسنة على منهج سلف الأمة وأئمة الدين، وبالحقيقة: التوحيد والإيمان واليقين والإخلاص والصدق مع الله تعالى؛ فهذا حقٌّ، فإن حقيقة التوحيد والإيمان لا تنال إلا من طريق ما جاء به النبي ﷺ. وظننا في المؤلف أنه يقصد هذا المعنى الصحيح، أما الصوفية فلهم اصطلاحهم الخاص في استخدام كلمة (الطريقة) حيث تدل على منهج الشيخ الصوفي في تربية أتباعه على عقائد وممارسات الصوفية المبتدعة، يزيد فيها وينقص بما يوافق هواه، ويناسب البيئة التي يعيش فيها. أما (الحقيقة) فهي ما تقابل (الشريعة)، وهي في حقيقتها باطنية وزندقة تقتضي الاستخفاف بالشريعة والانسلاخ منها. (ت)
[ ١٩١ ]
فإن قيل لبعض المفتونين: إن هذا في الشرع حلال، وهذا حرام. فيقول: أنتم تقولون من القال، ونحن نقول من الحال، أنتم تقولون من الشريعة، ونحن نقول من الحقيقة.
جوابه: اعلم أيها المبتدع المنكوب في الأقوال والأحوال، أن كل حال لا يوافق القال، فهو زُورٌ وَمُحالٌ، وصاحبه بطَّال. فلا تفعله، وخف من شديد المحال.
ونعوذ بالله من أُخوَّة النسوان، ومن صحبة المردان، ومن قول أحدهم: ومن لا شيخ له فشيخه الشيطان! وأَنَّ السماعَ بالكفِّ أو الدف مع الغناء، والهُنُوك، والألحان؛ حقٌّ، ويقرب إلى الرحمن! كل ذلك زور وبهتان، وما أنزل الله به من سلطان.
وكذلك المخبر إذا صحا من وَجده: قيل لي! ومنهم من يشير إلى قوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١]؛ أي أُسري بروحه. وقول أحدهم: شربت. وقول الآخر: اسقني. وقول أحدهم:
أنت لي وحدي حلال … وعلى غيري حرام
أنت إن واصلت غيري … فعلى الدنيا السلام
ومنهم من يقول غير هذا؛ ويكثر الهذيان، والجميع من البدع، ولا يرضي الواحد الدَّيَّان.
فمن ادعى أنه صاحب حال، مع مباشرة هذه الأحوال، فإنه في ضلال؛ لأنها أفعال مليمة، واجتماعات ذميمة، وأحوال صادرة عن اعتقادات سقيمة. فما هي إلا أهواء صحيحة، وعقول مريضة.
والدليل على ذلك أن النبي ﷺ لم يفعل شيئًا من ذلك ولا الصحابة ولا التابعون. ولا نطقوا بتلك العبارات. ولا أشاروا بتلك الإشارات. ولا اجتمعوا كذلك، ولا حوَّموا على شيء من هنالك. وهم قدوة العارفين. وخِيرة الله من العالمين. الفاهمون عن الله تعالى. الآخذون عن رسول الله ﷺ.
[ ١٩٢ ]
اختارهم لحمل أمانته، وبيان شريعته. فلو كان الأمر على ما اخترعه أصحاب التواجد لسارع السلف الصالح إليه، ولتراموا عليه، ولشاع في السابقين المتشرعين، كما شاع في المتأخرين المبتدعين. وكلما هبت رياح الباطل، سكَّنتها زعازع الدلائل.
قال الله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦].
وقال ﷺ: «ما تركت شيئًا يقربكم إلى الجنة إلا وأمرتكم به» (^١).
وقال خير البرية: «تركتها بيضاء نقية» (^٢).
وقد أجمع العلماء أن هذا السماع الذي يرقص فيه على الدف أو الكف محدث في دين الإسلام بعد القرون الثلاثة الذين أثنى عليهم ﷺ بقوله: «خير القرون الذين بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» (^٣).
والحديث الذي ترويه هذه الطائفة أن النبي ﷺ تواجد هو وأصحابه، واهتز حتى سقط الرداء عن منكبيه، فأخذوه وجعلوه أربع مئة قطعة، فأخذ كل واحد قطعة. الحديث بطوله باطل غير صحيح عند أهل الحديث (^٤).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٣٥٤٧٣)، والبغوي في «شرح السنة» (٤١١١) من حديث ابن مسعود ﵁. وصححه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٢٨٦٦).
(٢) أخرجه أحمد ٤/ ١٢٦ (١٧١٤٢) من حديث العرباض بن سارية قال: «وعظنا رسول الله ﷺ موعظة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب. قلنا: يا رسول الله إن هذه لموعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ قال: «قد تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك، ومن يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بما عرفتم من سنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، وعليكم بالطاعة، وإن عبدًا حبشيًّا، عضوا عليها بالنواجذ، فإنما المؤمن كالجمل الأنف حيثما انقيد انقاد». وقد تقدم تخريجه.
(٣) تقدم تخريجه بلفظ «خير الناس قرني».
(٤) لم أقف عليه مسندًا، وقال ابن تيمية ﵀ في «الفرقان» (ص ١٠٣): هذا كذب باتفاق أهل العلم.
[ ١٩٣ ]
وكذلك قول بعضهم: إنَّ الملائكة والنبيين والصالحين تحضر هذا السماع، وترغب في هذا الاجتماع.
وهذا أيضًا لا يصح، والصحيح أنه تحضره الشياطين وتنفخ فيهم؛ لما روى الطبراني عن ابن عباس ﵁، مرفوعًا إلى النبي ﷺ: «إن الشيطان قال: يا رب اجعل لي بيتًا. قال: بيتك الحمام. قال: اجعل لي قرآنًا. قال: قرآنك الشعر. قال: اجعل لي مؤذنًا. قال: مؤذنك المزمار» (^١).
قال الله تعالى مخاطبًا للشيطان: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤]. وقد فسره طائفة من السلف بصوت الغناء، وهو شامل له ولغيره من الأصوات المستفزة لأصحابها عن سبيل الهدى. وقال ﷺ: «إنما نُهيت عن صوتين فاجرين؛ صوتِ لهو ولعب، ومزامير الشيطان» (^٢).
فإن قالوا: إن الشعرَ قد قيل بين يدي النبي ﷺ (^٣)! لا ننكر ذلك؛ بل ننكر الألحان والصنعة التي تحدث (^٤) الطرب كالتغزُّل، وما يضاف إليه من
_________________
(١) أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» ١١/ ١٠٣ (١١١٨١)، وعنه أبو نعيم في «حلية الأولياء» ٣/ ٢٧٨ وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» ١/ ١١٤: رواه الطبراني في الكبير وفيه يحيى ابن صالح الأيلي ضعفه العقيلي. وقال الألباني في «السلسلة الضعيفة» (٦٠٥٥): منكر.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (١٢٢٥١)، عبد بن حميد في مسنده (١٠٠٦)، والترمذي في جامعه (١٠٠٥) من حديث جابر ﵁. قال الترمذي: هذا حديث حسن. وصححه الألباني في صحيح الجامع (٥١٩٤).
(٣) من ذلك حديث سعيد بن المسيب، قال: مر عمر بحسان بن ثابت وهو ينشد في المسجد، فلحظ إليه فقال: قد أنشدت وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة فقال: أسمعت رسول الله ﷺ يقول: «أجب عنِّي، اللهم أيده بروح القدس»؟ قال: اللهم نعم. أخرجه الحميدي في «مسنده» (١١٠٥)، وأحمد في «مسنده» ٥/ ٢٢٢ (٢١٩٣٦)، والبخاري في «صحيحه» (٣٢١٢)، ومسلم في «صحيحه» (٢٤٨٥) (١٥١)، وأبو داود في «سننه» (٥٠١٣)، والنسائي في «المجتبى» ٢/ ٤٨ (٧١٦)، وفي «السنن الكبرى» (٧٩٥).
(٤) في (ب): تورث.
[ ١٩٤ ]
ضرب الدُّف أو الكفِّ والشبابة، وذِكْر القَدِّ والخَدِّ والأعطَاف والعذار، لم يأت قطُّ في الأخبار أن مثل هذه الأشعار ذُكِر بين يدي النَّبي المختار. والأشعار التي كانت تُقال بين يديه ﷺ، هي مما تهيج الحروب أو ما فيه حكمة وموعظة للقلوب في إنشادها حكمة، وتحث أهل الإيمان على جهاد أهل الكفر والطغيان؛ فأبيح لذلك.
وكذلك ما جرى للحبشة يوم لعبهم بالدرق (^١)، والحراب في مسجد النبي ﷺ (^٢)؛ لأنه كان يوم عيد. وهذا لا يتناول محل النزاع؛ لأن ذلك لم يكن من الحبشة رقصًا على ضرب دُفٍّ أو كفٍّ أو غناء، ولا تحركًا عن هوى، ولا ضربًا بالأقدام، ولا إشارة بالأكمام. بل كان لعبًا بالسلاح وتهيئًا للكفاح في الحرب، وتعليم الكَرِّ والفرِّ، والطعن والضرب، فأبيح كذلك. والضرورات تبيح المحذورات. فلا يقاس عليه غيره، لكي لا يكون ذلك سببًا لخراب المساجد والزوايا من نط هؤلاء البطَّالين.
وقد صح أن النبي ﷺ دعا على من يبيع في المسجد، وعلى من ينشد الضالة فيه (^٣).
وروي أن عمر بن الخطاب ﵁ بنى بناءً خارجًا عن المسجد، وقال للناس: من أراد أن ينام أو ينشد شعرًا أو يتكلم بكلام الدنيا فليذهب إليه، ومن أراد الصلاة والذكر والقراءة يأتي إلى المسجد (^٤).
_________________
(١) الدرق: جمع الدرقة وهي الترس إذا كان من جلد ليس فيه خشب ولا عصب. انظر «لسان العرب» (مادة: درق).
(٢) أخرجه الحميدي في «مسنده» (٢٥٤)، وأحمد في «مسنده» ٦/ ٥٦ (٢٤٢٩٦)، والبخاري في «صحيحه» (٤٥٥)، ومسلم في «صحيحه» (٨٩٢) (١٧)، والنسائي في «المجتبى» ٣/ ١٩٥ (١٥٩٥) من حديث عائشة ﵂ قالت: رأيت رسول الله ﷺ يسترني بردائه، وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد، حتى أكون أنا أسأم، فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن الحريصة على اللهو.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) أخرجه مالك في «الموطأ» (٤٢٢) عن عمر بلاغًا، ووصله البيهقي في «السنن الكبرى» ١٠/ ١٠٣ من طريق مالك، ولفظه: أن عمر بن الخطاب بنى رحبة في ناحية المسجد تسمى البطيحاء وقال: من كان يريد أن يلغط، أو ينشد شعرًا، أو يرفع صوته؛ فليخرج إلى هذه الرحبة.
[ ١٩٥ ]
وكذلك ما جرى لعائشة ﵂ من إنشاد الشعر وضرب الدفِّ؛ كان يوم عيد، وكانت طفلة، وكان في ابتداء الإسلام (^١). وصحَّ عنها بعد بلوغها ذم المعازف والغناء (^٢)، ولا يستدل بما نشدت عائشة من الأشعار، ولا بقول بنات النجَّار. وقد أباحه بعض العلماء، وقال: لا بأس به، ومن جملتهم عُبيد الله بن الحصين العَنْبريُّ، وهو مطعون فيه. وكفَّره القاضي أبو بكر في كتاب «الهداية» (^٣).
_________________
(١) أخرجه أحمد في «مسنده» ٦/ ٣٣ (٢٤٠٤٩)، والبخاري في «صحيحه» (٩٥٠) نحوه، ومسلم في «صحيحه» (٨٩٢)، وابن ماجه في «سننه» (١٨٩٨)، والنسائي في «المجتبى» ٣/ ١٩٥ (١٥٩٣) من حديث عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ دخل عليها وعندها جاريتان تضربان بدفين، فانتهرهما أبو بكر. فقال النبي ﷺ: «دعهن فإن لكل قوم عيدًا». وألفاظهم متقاربة وأثبتنا لفظ النسائي. أما قول المؤلف ﵀: (وكان ذلك في ابتداء الإسلام) فغير صحيح، فمعلوم أن هذه الحادثة كانت في المدينة، ولم يأت ما يدل على نسخه، لكنه يقصد أن عائشة ﵂ كانت صغيرة في ذلك الوقت، لهذا ذكر بعده ما ذكر. (ت)
(٢) يعني حديث: أنَّ بنات أخي عائشة خُتِنَّ فقيل لعائشة: ألا ندعو لهن من يلهيهن، قالت: بلى فأرسلتْ إلى عديٍّ فأتاهن، فمرت عائشة في البيت فرأته يتغنَّى، ويحرِّك رأسه طربًا وكان ذا شعر كثير فقالت: أفٍّ شيطان. أخرجوه أخرجوه. أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» (١٢٤٧)، والبيهقي في «السنن الكبرى» ١٠/ ٢٢٣. وصححه الحافظ ابن رجب في «نزهة الأسماع في مسألة السماع» (ص ٥٥)، وحسنه الألباني في تعليقه على «الأدب المفرد».
(٣) في النسخ: (عبد الله بن الحصين الطبري)، والصواب ما أثبتناه، وهو: عُبيد الله بن الحسن بن الحصين بن أبي الحرِّ العنبري البصري القاضي، من كبار التابعين، قال ابن حبان: من سادات أهل البصرة فقهًا وسماعًا. توفي سنة (١٦٨). قال الطرطوشي في «تحريم الغناء والسماع» ١٦٤: «وما خالف في الغناء إلّا رجلان: إبراهيم بن سعدٍ، فإن الساجي حكى عنه أنه كان لا يرى به بأسًا. والثاني: عبيد الله بن الحسن العنبري قاضي البصرة، وهو مطعون فيه، قال القاضي أبو بكر في كتاب «الهداية»: يجب تكفير عبيد الله بن الحسن العنبري وعمرو بن بحر الجاحظ في قولهما: «كل مجتهد مصيب من أهل الأديان» ». وأبو بكر هو ابنُ الباقلانيِّ (ت: ٤٠٣) من أئمة الأشاعرة، وكتابه: «هداية المسترشدين» في علم الكلام لا يزال مخطوطًا، وتكفيره للعنبري من مجازفات المتكلِّمين، وقد بيَّن شيخُ الإسلام ابن تيمية أن مراد العنبري أنه معذور لا يأثم، لأنه بذل وسعه في طلب الحقِّ، لا أنَّ كلَّ واحدٍ من المجتهدين في مسألةٍ إذا قالا قولين متناقضين يكون قول كلِّ واحدٍ منهما صوابًا. انظر: «المجموع» ١٩/ ١٣٨ و١٣/ ١٢٥، و«منهاج السنة» ٥/ ٨٧.
[ ١٩٦ ]
وأهدر النبي ﷺ دم بعض الشعراء، فهام على وجهه وانقطع عن أهله فتاب، وجاء معتذرًا مستسلمًا (^١)، وجاء في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: ٦]. قال ابن عباس: هو الغناء والاستماع له (^٢).
_________________
(١) في (ط): مسلمًا. وهو كعب بن زهير، وأخرج حديثه الحاكم في «المستدرك» ٣/ ٥٨٣ - ٥٨٤ من طريق محمد بن إسحاق قال: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة منصرفه من الطائف وكتب بجير ابن زهير بن أبي سلمى إلى أخيه كعب بن زهير بن أبي سلمى يخبره أن رسول الله ﷺ قتل رجالًا بمكة ممن كان يهجوه ويؤذيه، وأنه من بقي من شعراء قريش: ابن الزبعرَى، وهبيرة بن أبي وهب، قد هربوا في كل وجه فإن كانت لك في نفسك حاجة فطر إلى رسول الله ﷺ؛ فإنه لا يقتل أحدًا جاءه تائبًا، وإن أنت لم تفعل فانج بنفسك إلى نجائك. وقد كان كعب قال أبياتًا نال فيها من رسول الله ﷺ حتى رويت عنه وعرفت وكان الذي قال: ألا أبلغا عني بجيرًا رسالة … وهل لك فيما قلت ويلك هل لكا فخبرتني إن كنت لست بفاعل … على أي شيء ويح غيرك دلكا على خلق لم تلف أمًّا ولا أبا … عليه ولم تلف عليه أبا لكا فإن أنت لم تفعل فلست بآسف … ولا قائل لما عثرت لعالكا سقاك بها المأمون كأسًا روية … فانهلك المأمون منها وعلكا قال: وإنما قال كعب المأمون؛ لقول قريش لرسول الله ﷺ، وكانت تقوله فلما بلغ كعب ذلك ضاقت به الأرض، وأشفق على نفسه وأرجف به من كان في حاضره من عدوه فقالوا: هو مقتول فلما لم يجد من شيء بدًا. قال قصيدته التي يمدح فيها رسول الله ﷺ، وذكر خوفه وإرجاف الوشاة به من عنده، ثم خرج حتى قدم المدينة، فنزل على رجل كانت بينه وبينه معرفة من جهينة كما ذُكر لي فغدا به إلى رسول الله ﷺ حين صلى الصبح، فصلى مع الناس ثم أشار له إلى رسول الله ﷺ، فقال: هذا رسول الله ﷺ، فقم إليه فاستأمنه. فذُكر لي أنه قام إلى رسول الله ﷺ حتى وضع يده في يده، وكان رسول الله ﷺ لا يعرفه، فقال: يا رسول الله، إن كعب بن زهير جاء ليستأمن منك تائبًا مسلمًا، هل تقبل منه إن أنا جئتك به؟ فقال رسول الله ﷺ: «نعم» فقال: يا رسول الله، أنا كعب بن زهير … وذكر الحديث.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٢١٥٤٤)، والبخاري في «الأدب المفرد» (٧٨٦)، والبيهقي في «السنن الكبرى» ١٠/ ٢٢٣ من قول ابن عباس ﵄. وصححه الألباني في «صحيح الأدب المفرد».
[ ١٩٧ ]
وفي الحديث أيضًا أن إبليس أوَّل من ناح، وأول من غنَّى (^١).
وقال ﷺ: «كسب المغني والمغنية حرام، وكسب الزانية سحت، وحق على الله أن لا يدخل الجنة لحمًا نبت من سحت» (^٢).
ونهى أيضًا عن لعب الدُّف (^٣)، ولعب الطبل، وصوت الزمارة. وجاء في التفسير عن الصحابة المكرمين، وعن جماعة من التابعين ﵃ أجمعين، في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: ٣٥]. المكاء كالصفير ونحوه، والتصويت مثل الغناء، والتصدية: التصفيقُ باليد (^٤).
فقد أخبر المولى بأن المشركين جعلوا التصفيق عبادة وصلاة وقُربة ﴿اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا﴾ [الأعراف: ٥١]، فمن تشبه بهم في الدنيا يخاف عليه أن يحشر معهم في الآخرة لقوله ﷺ: «من تشبه بغيرنا فليس منا» (^٥).
فهؤلاء المساكين استزلهم الشيطان، واستغوى عقولهم في حب الأغاني والسماع، فاعتقدوه من الدين الذي يقربهم لرب العالمين. وجهرت به طائفة
_________________
(١) قال العراقي في «المغني عن حمل الأسفار» (٢٢٠٢): لم أجد له أصلًا من حديث جابر، وذكره صحب الفردوس من حديث علي بن أبي طالب، ولم يخرجه ولده في مسنده.
(٢) أخرجه أبو بكر الشافعي في «الغيلانيات» (٨٤)، من حديث علي بن أبي طالب ﵁. وإسناده ضعيف جدًّا. وأخرج أحمد في «المسند» ٥/ ٢٥٧ (٢٢٢١٨) من حديث أبي أمامة ﵁ مرفوعًا: «وأمرني ربي أن أمحق المزامير والكنَّارات يعني البرابط والمعازف والأوثان التي كانت تعبد في الجاهلية». وإسناده ضعيف جدًا.
(٣) أخرجه الخطيب البغدادي في «تاريخ بغداد» ١٣/ ٣٠٠ من حديث عليِّ ﵁. وقال الألباني في «السلسلة الضعيفة» (٤٧٢٩): ضعيف جدًّا.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم في «تفسيره» (٩٠٤٥)، والطبري في «تفسيره» ١٣/ ٥٢٢ من تفسير ابن عباس ﵁.
(٥) تقدم تخريجه.
[ ١٩٨ ]
من المسلمين. وشاقت سبيل المؤمنين، وخالفت الفقهاء والعلماء أئمة الدين. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥].
وهذه الأشياء لا تليق بالمؤمنين العقلاء، فكيف تليق بالمتديِّنين الأتقياء الذين اختصهم الله سبحانه لمعرفته، ونوَّر قلوبهم بمشاهدته، وحمى ظواهرهم عن مخالفته، وبواطنهم عن الركون لغير ألوهيته، عن التوسع في مباحاته، فهمُّهم التقرب إليه، وسلوك السبيل الذي دلَّهم ﷺ عليه. فهم بهداه يهتدون. وبسنته يقتدون. وقد كشف لهم على القطع والثبات، أن ما سوى سبيله أباطيل وترَّهات. ولم يُنقل ذلك عن نبي من الأنبياء، ولا عن ولي من الأولياء، ولا عن أحد من العلماء إباحة الرقص على المزامير والأوتار؛ لتحريم سماعه، ولأنه من شعار أهل الفسق والخمور، ومما لا يرضاه (^١) الرب الغفور، وفيه تهييج الشهوات.
ومن أباحه من المتأخرين لا يعتمد على قوله؛ لأنه خرج عن طريق المرسلين، واتبع غير سبيل المؤمنين. فأبدى نظرًا سقيمًا اقتحم فيه أمرًا عظيمًا وصار به للخائنين خصيمًا.
ثم اعلم بأن الشِّعر حسنه حسن، وقبيحه قبيح. فشِعرٌ فيه حكمة، أو ما يذكر بالآخرة أو شيئًا من العلوم فهو حسن، ويقرب عامله للحي القيوم، وأما شعر يحرك دواعي الصبا، ويذكر بما مضى من شهوات الإنسان وانقضى، فيلزم (^٢) أن يكون حرامًا؛ لأنه يسخط رب العباد؛ وهو مطية الفساد.
قال الفضيل رحمة الله عليه: الغناء رقية الزنا (^٣).
_________________
(١) في (خ): يرضي.
(٢) في (خ): فلزم.
(٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في «ذم الملاهي» (٥٥)، وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» ٦/ ٥٠٦ لابن أبي الدنيا والبيهقي.
[ ١٩٩ ]
وقال الضحاك: الغناء مفسدة للقلب، مسخطة للرب (^١).
وقال عمر بن عبد العزيز: الغناء ينبت النفاق في القلب (^٢).
ومرَّ ابن عمر برجل يغني فقال: لا سمع الله لكم (^٣).
فإن قالوا: إن الغناء مطية الفساد في العوام، لغلبة الشهوات عليهم. ومِن عدم مجاهداتهم لأنفسهم. ولذلك فرَّق بعض المشايخ المحققين بين أحوال السامعين فقال: السماع حرام على العوام لعدم المجاهدة، وعلى المريدين مكروه لبقاء نفوسهم. ومباح للعارفين لصفاء قلوبهم.
جوابه: إن هذا التفريق ليس وراءه ذرة من التحقيق؛ لأنه يضاهي قول القائل: الخمر حلال في حق من شرب ولم يسكر، والخلوة جائزة بالأجنبية لمن لا أرب له في النساء، وهذا قول باطل. وسببه أن النفوس لا تؤمن غلبتها وتسويلها.
ثم اعلم بأن تعاطي السماع فيه تشبه بأهل الفسوق والمجان، والتشبه بهم حرام، وإن نوى به الخير في الباطن؛ لكن ظاهره هو غناء مطرب، ولهو، ورقص وطبل وزمر. وفى الخبر الصحيح: أنَّ من تشبه بقوم فهو منهم (^٤).
_________________
(١) ذكره ابن القيم في «إغاثة اللهفان» ١/ ٢٥٠.
(٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في «ذم الملاهي» (٤٩).
(٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في «ذم الملاهي» (٤٩)، ومن طريقه أخرجه البيهقي في «السنن الكبرى» ٥/ ٦٨.
(٤) أَخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٣٣٦٨٧)، وأحمد في «مسنده» ٢/ ٥٠ (٥١١٤)، وعبد بن حميد في «مسنده» (٨٤٨)، وأبو داود في «سننه» (٤٠٣١) من حديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «بعثت بالسيف حتى يعبد الله لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم». وصححه العراقي في «المغني عن حمل الأسفار» (٨٥١)، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٢٨٣١).
[ ٢٠٠ ]
ولعن ﷺ المتشبهات من النساء بالرجال، والمتشبهين من الرجال بالنساء (^١).
وقال العلماء: لو أن جماعة اجتمعوا وأداروا أقداحًا على نوع أقداح الخمر كما يديرها الندماءُ، كان ذلك حرامًا؛ ولو كان في الأقداح السكر والليمون. فاعقل قول العلماء أيها المجنون.
وأما سماع غناء المرأة والأمرد: جمهور من يقول بإباحة السماع حكموا بتحريمه إذا كانت المرأة أجنبية، والأمرد حسن الوجه، على الرجال والنساء. ولا فرق بين سماع القرآن والشعر منهما؛ وهو الصحيح لما يؤدي إليه من الاطلاع على العورة وتهييج الشهوة وخوف الفتنة.
قال ﷺ: «لا تبيعوا المغنيات، ولا تشتروهن، ولا تعلموهن، ولا خير في تجارتهن، وثمنهن حرام. وفي مثل هذا نزلت هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ … [لقمان: ٦] إلى آخر الآية» (^٢).
_________________
(١) أخرجه أحمد في «مسنده» ١/ ٢٥١ (٢٢٦٣)، والبخاري في «صحيحه» (٥٨٨٥)، وابن ماجه في «سننه» (١٩٠٤)، والترمذي في «جامعه» (٢٧٨٤) من حديث ابن عباس ﵄.
(٢) أخرجه الحميدي في «مسنده» (٩١٥)، وأحمد في «مسنده» ٥/ ٢٥٢ (٢٢٢٨٠)، والترمذي في «جامعه» (١٢٨٢) من حديث أبي أمامة ﵁. وبيَّن الألباني في «الصحيحة» (٢٩٢٢)، وفي «تحريم آلات الطرب» ٦٧؛ أن الحديث ضعيف، إلا ذكر نزول الآية في تحريم المعازف، ففيه آثار صحيحة عن الصحابة والتابعين: فأولهم: ترجمان القرآن عبد الله بن عباس ﵄ قال: نزلت في الغناء وأشباهه. أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» (١٢٦٥). وثانيهم: عبد الله بن مسعود أنه سئل عن هذه الآية المذكورة؟ فقال: هو الغناء والذي لا إله إلا هو. يرددها ثلاث مرات. أخرجه ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي الدنيا والحاكم وقال: صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي، وهو كما قالا، وصححه ابن القيم. وثالثهم: عكرمة. قال شعيب بن يسار: سألت عكرمة عن لهو الحديث؟ قال: هو الغناء. أخرجه البخاري في «التاريخ» ٢/ ٢١٧، وابن جرير أيضًا وابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا واللفظ له ومن طريقه البيهقي. وهذا أثر صحيح. ورابعهم: مجاهد مثله. أخرجه ابن أبي شيبة، وابن جرير وابن أبي الدنيا من طرق عنه بعضها صحيح. ولهذا قال الواحدي في تفسيره «الوسيط»: أكثر المفسرين على أن المراد بلهو الحديث: الغناءُ، قال أهل المعاني: ويدخل في هذا كل من اختار اللهو والغناء والمزامير والمعازف على القرآن، وإن كان اللفظ ورد بالاشتراء، لأن هذا اللفظ يذكر في الاستبدال والاختيار كثيرًا. انتهى ملخصًا من «تحريم آلات الطرب» ١٤٢.
[ ٢٠١ ]
وروى الترمذي عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ: «من مات وعنده جارية مغنية، فلا تصلوا عليه» (^١).
وفي الخبر أيضًا: «إن النظر إلى المغنية حرام؛ وغناؤها حرام، وثمنها كثمن الكلب سحت. ومن نبت لحمه من السحت فإلى النار». رواه أبو هريرة (^٢).
وهذه الأحاديث مشهورة عند أهل الحديث. وقد جاء في كتاب الله ﷿ ذم اللهو واللعب في غير موضع، ونذكر طرفًا منها.
قال الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا﴾ [الأعراف: ٥١]، ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا﴾ [الزخرف: ٨٣] ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ [التوبة: ٦٥].
ثم لا يغتر المسلم بما ظهر لأهل السَّماع من الكرامات. فهي إمِّا حِيَل، وإمِّا فتن كالخوارق التي تظهر على الدَّجال، لعنه الله. وكما كُشِف للسامري وهو عدو الله، فينظر إلى حال من ظهرت له الكرامة: إن وافقت الشرع، فهي كرامة، وإن كانت خارجة تسمى استدراجًا، فصاحبها إما مفتون، وإما زنديق. وكذلك قال الجنيد: إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء
_________________
(١) ليس هو في الترمذي، بل ولم أقف عليه مسندًا، وضعفه ابن حزم في «المحلى» ٩/ ٥٧.
(٢) أخرجه ابن عدي في «الكامل» ٧/ ٢٦٢ من حديث عمر بن الخطاب ﵁. وأعله ابن عدي بيزيد بن عبد الملك، وقال: عامة ما يرويه غير محفوظ، وأسند إلى النسائي أنه قال فيه: متروك. وأما من حديث أبي هريرة فلم أقف عليه.
[ ٢٠٢ ]
أو على الهواء فلا تغتروا به، حتى تنظروا صاحب استدراج كيف حاله عند الأمر والنهي. وكذلك قال الشافعي والليث بن سعد (^١).
سمع الشبليُّ برجل قد اشتهر بالولاية فمشى إليه هو وأصحابه، ودخل عليه في المسجد، فرآه قد تنخم في قبلة المسجد. فقال لأصحابه: ارجعوا، فإن الله تعالى لم يأمن هذا على أدب من آداب شريعته، فكيف يأمنه على أسراره؟ (^٢) وهذا هو الحق الذي لا غبار عليه.
وصدق بعض العلماء في قوله وإنْ أنِفَ منه الجهال: إن من رقص على كف أو طار، وسمع غناء الفساق والفجار، لا يعد من الصلحاء الأخيار. ونسأل الله تعالى أن يحرسنا من البدع، والفتن والابتلاء والمحن.
ومن أباح السماع منهم، شرط له المكانَ والإمكانَ والإخوانَ، وأن يكون خاليًا من اللهو، والجهال، والنسوة والمردان، وأن لا يكون القوَّال من أهل الفسق؛ لأن الفسقة لا يسمع قولهم، يحرم مجالستهم، ولا يعطوا شيئًا لكي لا يستعينوا به على فسقهم؛ لقوله ﷺ لبعض أصحابه: «لا تَصْحَبْ إلا مؤمنًا، ولا يأكلْ طعامك إلا تقي» (^٣).
فإن من سنتهم متى وقع شيء من الراقص فهو للمغنِّ، ويستدلون بقوله: «من قتل قتيلًا، فله سَلَبه» (^٤)، وبعضهم يقول: بل هو للشيخ، يفعل
_________________
(١) أخرجه اللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة» (٢٩٧).
(٢) لم أقف عليه.
(٣) أخرجه أحمد في «مسنده» ٣/ ٣٨ (١١٣٣٧)، والدارمي في «سننه» (٢٠٥٧)، وأبو داود في «سننه» (٤٨٣٢)، والترمذي في «الجامع» (٢٣٩٥)، وابن حبان في «صحيحه» (٥٥٤) من حديث أبي سعيد الخدري. قال أبو عيسى: هذا حديث غريب. وحسنه الألباني في «صحيح الجامع» (٧٣٤١).
(٤) أخرجه مالك في «الموطأ» (٩٧٣)، وأحمد في «مسنده» ٥/ ٣٠٦ (٢٢٦٠٧)، والبخاري في «صحيحه» (٣١٤٢)، ومسلم في «صحيحه» (١٧٥١)، وأبو داود في «سننه» (٢٧١٧)، وابن ماجه في «سننه» (٢٨٣٧) مختصرًا، والترمذي في «جامعه» (١٥٦٢) مختصرًا، وابن حبان في «صحيحه» (٤٨٠٥) من حديث أبي سعيد ﵁.
[ ٢٠٣ ]
فيه ما يريد. وكل هذه الأقوال لا ترضي المولى المجيد؛ لأنها خلاف السنة، فابتدعت هذه الطائفة في أفعالها وأقوالها. وقد تبرَّأ ﷺ من أصحاب البدع. فيجب على المؤمن البصير أن يتبع السنة، ويطيع الملك القدير، ويقول: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٦]. فقد جعل الله الخير كله والشفاء في طاعته، واتباع نبيه المصطفى، وصحابته أهل الخير والجود والوفاء، فمن تبعهم حشر معهم، ومن أبى فقد خاب وجفا.
ثم اعلم بأن الله تعالى لا يحب أحدًا يأتيه من غير طريق نبيه وحبيبه ﷺ، فمن أتاه من طريقه، قَبِلَه. ومن جاء من غير طريقه ردَّه خائبًا.
وسواء كان ذلك قولًا أو فعلًا؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]. ولقوله ﷺ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو رد» (^١).
وقال العلماء في تفسير قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]. قالوا: ما كان موافقًا للسنة والكتاب، فاعتبروا يا أولي الألباب.
وقال ﷺ: «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي» (^٢).
وقال السيد الجليل سهل بن عبد الله التُّستري: كلُّ فعل لا يشهد له الكتاب والسنة فهو باطل (^٣).
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) ذكره مالك في «الموطأ» (٢٦١٨) بلاغًا من غير إسناد. وأخرجه الحاكم ١/ ٩٣ من حديث ابن عباس ﵄ مرفوعًا، وفيه ضعف. وقال ابن عبد البر في «التمهيد» ٢٤/ ٣٣١: «وهذا محفوظ معروف مشهور عن النبي ﷺ عند أهل العلم شهرةً يكاد يستغنى بها عن الإسناد، وروى في ذلك من أخبار الآحاد أحاديث من أحاديث أبي هريرة وعمرو بن عوف». ثم ساق حديثهما بإسنادين ضعيفين جدًّا، لكن معنى الحديث مما عُلم من دين الإسلام بالضرورة، فطاعة رسول الله ﷺ مقرونة بطاعة الله ﷿ في مواضع كثيرة من القرآن الكريم. (ت)
(٣) تقدم.
[ ٢٠٤ ]
فمن أدركته المنَّة دخل في السنة، قال صلى الله عليه سلم: «من أحيى سنتي كان معي في الجنة» (^١)، فمن اتبع المحبوب، غفر الله له وحصل له المطلوب، ومن أبى فهو عبد مُدْبِر منكوب، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١]. فاقتد أيها المؤمن ولا تعتدي، فمن لم يتبع نبيه وحبيبه لا يهتدي، ولم تصح منه دعوى المحبة؛ فهو عبد ردي. ومن تَبع أهل الخير والدين والصلاح، أتاه التوفيق والفلاح، وبُدِّل ليلُ إدباره بصباح؛ بدل ليل البدعة بصباح السنة.
كان بعض الصالحين ينشد ويقول:
ليلِي بوجهك مشرق … وظلامه في الكون ساري
فالناس في سدف الظلام … ونحن في ضوء النهار
اللهم اهدنا من عندكَ، وأَفضْ علينا من فضلك، وأيقظنا من سِنَةِ الغفلة.
_________________
(١) تقدم.
[ ٢٠٥ ]