اعلم أن قليلَ المزح إن كان حقًّا فهو مباح، ولا يحمد كثير المزح؛ لخروج صاحبه عن طريق أهل الدين والخير والصلاح، لكن لا يأثم الفاعل، وليس عليه جناح؛ لأن له أصلًا في الشرع كما ورد في الأحاديث الصحاح.
فمنه ما يباح، ومنه ما يكره، ومنه ما يحرم، ومنه ما يكفر به الإنسان، ونقولها إن شاء الله في مواضعها (^١) ببيان، فيكره الإكثار منه لأجل قساوة القلب، ولتضييع الوقت والزمان ولمخالفة الأخبار.
والكاذب في مزحه قد وقع في البدعة والعار، وخرج عن طريق الأخيار، وهو ملعون في الكتاب المكنون، قال الله تعالى: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ [الذاريات: ١٠] أي: لعن الكاذبون. والكذب ليس هو من صفة العبد الصالح، ويروى أنه ملعون ولو أنه مازح (^٢).
_________________
(١) في (ق): وذلك نقوله إن شاء الله مواضعه.
(٢) قال السخاوي في «المقاصد الحسنة» (٨٦٣): «حديث: «لعن الله الكذابَ ولو كان مازحًا» ما علمته في المرفوع، نعم؛ في «الأدب المفرد» للبخاريِّ من حديث أبي معمر عن عبد الله بن مسعود قال: لا يصلح الكذب في جدِّ ولا هزل، ولا أن يعد أحدكم ولده شيئًا ثم لا ينجز له. ولأبي داود في «سننه» [٤٩٩١] عن محمد بن عجلان: أن رجلًا من موالي عبد الله بن عامر بن ربيعة العدوي، حدثه عن عبد الله بن عامر أنه قال: دعتني أمي يومًا ورسول الله ﷺ قاعد بيننا، فقالت: ها تعال أعطيك، فقال لها رسول الله ﷺ: «وما أردت أن تعطيه»، قالت: أعطيه تمرًا. فقال لها رسول الله ﷺ: «أما =
[ ٣٢٨ ]
وأعظم الخطايا اللسان الكذوب، ومن تحلَّى به في جِدٍّ أو هزل فقد فاته المطلوب، قال ﷺ: «إنِّي لأمزح ولا أقول إلا حقًّا» (^١).
_________________
(١) = إنَّك لو لم تعطيه شيئًا كتبت عليك كذبة». وكذا أخرجه أحمد والبخاري في «التاريخ»، وابن سعد، والطبراني، والذهلي من طريق ابن عجلان، وسموا المولى زيادًا، وسنده حسن، لكن قال ابن سعد: قال محمد بن عمر يعني الواقدي: ما أدري هذا الحديث محفوظًا. هذا مع نقله عنه أنه يكون عند الوفاة النبوية ابن خمس سنين، ونحوه قول ابن منده: كان ابن خمس، وقيل: أربع. قال شيخنا [ابن حجر]: يحتمل أن تكون أمه أخبرته بذلك، فأرسله هو. انتهى. وقد اعتمد غير واحد هذا الحديث، فذكروا عبد الله في الصحابة، وقال الترمذي: رأى النبي ﷺ وسمع منه حرفًا. وقال أبو حاتم الرازي: إن النبي ﷺ دخل على أمه وهو صغير. وقال ابن حبان في «الصحابة»: أتاهم النبي ﷺ في بيتهم وهو غلام. ولأبي يعلَى من حديث واثلة عن أبي هريرة: «دع الكذب وإن كنت مازحًا تكن أعبد الناس». ورواه أبو نعيم من وجه آخر عن أبي هريرة». قلت: أثرُ عبد الله بن مسعود ﵁ موقوف، وقد صححه الألباني في «صحيح الأدب المفرد» (٢٩٩). وحديث عبد الله بن عامر ﵁ خرَّجه الألباني في «الصحيحة» (٧٤٨) وحسَّنه. وحديث أبي هريرة لم أقف عليه بهذا اللفظ، لكن أخرج أحمد في «المسند» ٢/ ٣٥٢ و٣٦٤ (٨٦٣٠) و(٨٧٦٦)، والطبراني في «الأوسط» (٥١٠٣) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يؤمن العبد الإيمان كله حتى يترك الكذب في المزاحة، ويترك المراء وإن كان صادقًا» وإسناده ضعيف، لانقطاعه وجهالة أحد رواته. وأخرجه أبو يعلى في «المسند الكبير» كما في «المقصد العلي» (٢٣) من حديث عمر ﵁ مرفوعًا، بنحوه وقال: «وإن كان محقًّا». وفي إسناده مجهولان وضعيف. وأخرج أبو داود (٤٨٠٠) من حديث أبي أمامة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «أنا زعيم ببيتٍ في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًّا، وببيتٍ في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحًا، وببيت في أعلى الجنة لمن حسَّن خلقه». وهو حديث حسنٌ خرَّجه الألباني في «الصحيحة» (٢٧٣). (ت)
(٢) أخرجه الطبراني في «الكبير» ١٢/ ٣٩١ (١٣٤٤٣)، و«الأوسط» (٩٩٥، ٦٧٦٤، ٧٣٢٢) من حديث ابن عمر ﵄. قال الهيثمي ٨/ ٨٩: فيه من لم أعرفه. وأخرج أحمد في «مسنده» ٢/ ٣٤٠ (٨٤٨١)، والبخاري في «الأدب المفرد» (٢٦٥)، والترمذي في «جامعه» (١٩٩٠) من حديث أبي هريرة، بلفظ: يا رسول الله، إنك تداعبنا؟ قال: «إني لا أقول إلا حقًّا». قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وقال الألباني في «الصحيحة» (١٧٢٦): صحيح.
[ ٣٢٩ ]
وقد ميَّز ﷺ الموافق من المنافق بقوله: «المؤمن إذا حدَّث صَدق، وإذا وعد لم يُخلف، وإذا اؤتمن لم يخن» (^١).
ووصف المنافق بعكس ذلك؛ قال: «وإن صام (^٢)، وصلَّى، وزعم أنه مؤمنٌ» (^٣).
_________________
(١) ذكره الحافظ المنذري في «الترغيب والترهيب» في بعض نسخ كتابه؛ كما في «ضعيف الترغيب والترهيب» (١١١٨) من حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «المؤمن إذا حدَّث صدق، وإذا عاهد لم يغدر، وإذا ائتمن لم يخن». وقال المنذري ﵀: «رواه البزار والدارقطني بإسناد لا بأس به». ولم يتكلم عليه الألباني واكتفى بإيراده في الضعيف، ولم أجده عند غيره، ونقله عنه ابن حجر الهيتمي في «الزواجر عن اقتراف الكبائر» (الكبيرة: ٢١٨) فلم يصنع شيئًا. وذكره ابن عبد البر في «الاستذكار» ٢٧/ ٣٥١ (٤١٤٢٢) فقال: وقال رسول الله ﷺ: «المؤمن إذا حدث صدق، وإذا وعد نجز، وإذا اؤتمن وفى، والمنافق إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان». كذا ذكره ابن عبد البر ﵀ من غير إسنادٍ، ولم يذكر صحابيَّه، وخرَّجه محقِّق كتابه عبد المعطي قلعجي فعزاه إلى (البخاري ومسلم!) وهذا من أخطائه وأوهامه الكثيرة! وكذا القرطبي في تفسيره «الجامع لأحكام القرآن» [المنافقون: ١]، ووهم في تخريجه أيضًا محققو طبعته الجديدة التي صدرت عن «مؤسسة الرسالة»! وأخرج الحربي في «غريب الحديث» ١/ ٤٥، والمروزي في «تعظيم قدر الصلاة» (٦٤٩) عن طيلسة بن علي، قال: أتيت ابن عمر بعرفة فسأله رجلٌ من أهل العراق: مَنِ المؤمن؟ قال: المؤمن الذي إذا حدث صدق، وإذا وعد أنجز وإذا ائتمن أدَّى، ويأمَنُ مَنْ أمسَى بعَقْوَتِه من عارفٍ أو منكرٍ. وقوله: (بعقوته): عَقْوَةُ الدَّارِ: حَوْلَها وقَريبًا منها. وأخرج ابن وهب في «الجامع» (٥٤٨) عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، قال: ثلاث إذا كن في غيرك فلا تتحرجن أن تشهد عليه أنه منافق: من كان إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان. ومن كان إذا حدث صدق، وإذا اؤتمن أدى، وإذا وعد أوفى فلا تتحرج أن تشهد أنه مؤمن. (ت)
(٢) في (ق، ط): قام.
(٣) أخرجه أحمد في «مسنده» ٢/ ٣٥٧ (٨٦٨٥)، والبخاري في «صحيحه» (٣٣) و(٢٦٨٢)، ومسلم في «صحيحه» (٥٩)، والترمذي في «جامعه» (٢٦٣١)، والنسائي في «المجتبى» ٨/ ١١٦ (٥٠٢١)، وفي «الكبرى» (١١١٢٧) من حديث أبي هريرة بلفظ: «آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان». أخرجه أحمد في «مسنده» ٢/ ٥٣٦ (١٠٩٢٥)، ومسلم في «صحيحه» (٥٩)، والبزار في «مسنده» (٧٨٤٣) و(٨٦٢٤)، والبيهقي في «الكبرى» ٦/ ٢٨٨ من حديث أبي هريرة بلفظ: «ثلاث من كن فيه فهو منافق، وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم: من إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان».
[ ٣٣٠ ]
وفي الحديث أيضًا: «إنَّ العبدَ لا يزال يَصدُق، ويُكرِّر في الصدق حتى يُكتب عند الله صديقًا» (^١).
وقال المولى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩] فجاء الصدق بعد النبوة، وكاد الصدِّيق أن يكون نبيًّا لعظم منزلته عند الله تعالى، ولذلك حرَّض عباده عليه ليقربهم إليه بقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] وقال تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٩].
فالصدق يهدي إلى الجنة، وإلى رضا الرب الغفور، والكذب يهدي إلى النار وإلى الفجور؛ فاحذره أيها العبد المغرور، وفي الحديث: «لا يزال العبد يكذب ويكرر في الكذب حتى يُكتب عند الله كذابًا». (^٢)
قال الله تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٥].
وفي الكذب ما يؤجر العبد عليه، وكذلك في الخيانة، وفي قلة رد الأمانة.
أما الكذب الذي يثاب عليه: كذب ليخلص مظلومًا من ظالم فيقول: ما هو عندي. وهو عنده، أو يقول: لا أعرفه. وهو أعرف الناس به، ويكذب ليصلح بين الرجلين أو القبيلتين، أو ليصلح أهله ويسكن غضبهم
_________________
(١) أخرجه أحمد في «مسنده» ١/ ٣٨٤ (٣٦٣٨)، والبخاري في «صحيحه» (٦٠٩٤)، ومسلم في «صحيحه» (٢٦٠٧)، وأبو داود في «سننه» (٤٩٨٩)، والترمذي في «جامعه» (١٩٧١) من حديث عبد الله بن مسعود بلفظ: «إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكون صديقًا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابًا».
(٢) سبق تخريجه.
[ ٣٣١ ]
بقوله: اليوم أكسيك، أو أعطيك. أو: ما أحب أحدًا كمحبتي فيك. وإن أحب غيرها أكثر منها؛ لأن المحبة بيد الله تعالى لا بيد المخلوقين، وقول الإنسان لولده: يا بابا. أو: يا سيدي. وهو ليس بوالده ولا بسيده.
ويكذب المؤمن لقتل الكافر في دار الحرب؛ فيقلُّ الكفر والفساد، وتستريح منه العباد والبلاد (^١).
وأما الخيانة التي يؤجر المسلم عليها: كمن اؤتمن على (خمرٍ فيخون) (^٢) بإراقة ذلك الخمر إن لم يخف من سطوة صاحبه (^٣)، فتجب هذه الخيانة، ويرجى لفاعلها أن يدخله الله تعالى الجنة ويرزقه أمانَهُ.
وكذلك إذا غصب الرجلُ شيئًا وأمَّنك عليه؛ ادفعه لصاحبه الأول، يقربك الحق إليه، يقال في الثاني كما قيل في الأول: إن لم يخف من سطوة صاحبه (^٤).
ومن وعد آخر بأن يجتمعَا (^٥) على معصية فيجب أن يخلف هذا الوعد، فإن وفَّاه نقص قدره عند خالقه ومولاه.
ثم اعلم بأن المزح جائز مع القريب والغريب إلا أن يكون غلامًا
_________________
(١) هذا ليس على إطلاقه، فإن كان دخوله في ديار الكفار على وجه الحرب والمواجهة جاز له الكذب، لأن الحرب خدعة، ويجوز فيها ما لا يجوز في غيرها. أما إن كانت دارهم دار مصالحة وأمان بحيث يكون كل داخل فيها من المسلمين آمنًا، أو يكون دخلها بأمانٍ خاصٍّ به وإن كان أهل تلك الدار حربًا على المسلمين؛ فحينئذٍ لا يحلُّ له أن يكذب ولا أن يغدر، ويحرم عليه أن يعتدي على دمائهم وأموالهم وأعراضهم، فهم منه في أمانٍ، كما أنه منهم في أمانٍ. بهذا جاءت نصوص الكتاب والسنة، وتتابع الفقهاء على التأكيد عليه، مما تراه مشروحًا موثقًا في كتابي: «الدخول في أمان غير المسلمين وآثاره في الفقه الإسلامي». (ت)
(٢) في (خ) مكانه: (محرَّم أمنه على خمر يخونه).
(٣) في (ق، ب): (إذا أمن على نفسه من ظالم).
(٤) في (ق، ب): (ظالم).
(٥) في (ق، ب): ومن وعد رجلًا أن يجتمع معه.
[ ٣٣٢ ]
جميلًا أو امرأة شابة أجنبية فيحرم عليه ذلك، ويسقط الفاعل من عين مالك الممالك.
والمزح جائز مع العجائز، ويكره المزح مع المبتدع والظالم والفاسق؛ لأنهم خرجوا عن الشرع الشريف، وأسخطوا المولى اللطيف، ولا ينظر المسلم لمن قد تكبَّر قلبُه، ولا إلى ما يناسبه.
قال الفضيل ﵀: نظر المؤمن للمؤمن جلاء للقلب، ونظر المؤمن لصاحب بدعة يورث العمَى (^١).
وقال لرجل: لا تصحب مَنْ فيه أدنى بدعة فيعود شؤمها عليك (^٢).
ومن البدع القولية: مزح الإنسان بشيء من كتاب الله تعالى؛ مما يكفر فاعله أو يذم قائله. أمَّا الذي يكفر فاعله كمن يصعد في مكانٍ مرتفع والناس تحته، فيتشبَّه بالواعظ والخطيب، ويتلو كلام الحبيب، ثم يأخذ في مدِّ صوته وهزِّ رأسه بقوله: أيها الناس. وهم تحته يتضاحكون، كفروا كلهم أجمعون (^٣). وكذلك المدْبِرُ (^٤) الذي يصلي تحت الواعظ على البشير النذير، الكل قد سقطوا من عين الملك القدير، وتجهزوا بهذا الزاد لجهنم وبئس المصير (^٥).
قال رجل لبعض الفقهاء: إن الملائكة لتضع أجنحتها رضًى لطالب العلم. فقال الفقيه وهو مازح: لأجل ذلك سمَّرت قبقابي لكسر
_________________
(١) أخرجه أبو نعيم في «حلية الأولياء» ٨/ ١٠٣، وذكره الذهبي في «السير» ٨/ ٤٣٥.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) لأن في فعلهم هذا استهزاء وسخرية بشعيرة من شعائر الإسلام. (ت)
(٤) في (خ): (المدير). والصواب بالباء كما سيأتي في مواضع، ومراد المصنف ﵀: من أدبر عن الخير وأعرض عنه. (ت)
(٥) لا وجه لتكفير من يرفع صوته بالصلاة والسلام على النبي ﷺ في مجلس الوعظ، أو يصيح بالتكبير والتسبيح ونحو ذلك، إلا إن فعل ذلك على وجه السخرية والاستهزاء. وبعض العوام يفعلون ذلك تأييدًا لقول الخطيب أو الواعظ، أو تعبيرًا عن شدة إعجابهم بما يذكره وانفعالهم لسماعه، فتكفيرهم خطأٌ شنيع، وإن كان صنيعهم منافيًا لآداب مجالس العلم. (ت)
[ ٣٣٣ ]
أجنحتهم. فما كان إلا قليلًا حتى وقع في تهمةٍ، فأمر الحاكم بقطع رجليه (^١).
ومن البدع التي يكره فعلها: أن يكذب الرجل في مزحه ليضحك القوم ومن حضر، فالويل ثم الويل ثم الويل لهذا، كما صحَّ في الخبر (^٢).
واعلم أن ويلًا هو وادٍ في جهنم، وكذلك: سَقَر.
وإذا رجع العبد إلى الله تعالى بالتوبة تاب الله عليه وغفر له، وإذا تكلم الإنسان بكلمة الكفر يجدد التوبة على الفور، ثم يأتي بالشهادتين، ولا يزال نادمًا إلى ما يلقى الله تعالى، فحينئذٍ يرجى له الخير والفلاح، ويحشر مع أهل الدين والصلاح؛ لما ورد أن «النَّدم توبة» (^٣)، و«التائب من الذنب
_________________
(١) في (ق، ب): (قطعت فيها رجلاه). ولم نجد القصة بهذا السياق، وقد أخرج أبو بكر الدينوري في «المجالسة» (٢١٥٤) عن زكريا بن عبد الرحمن البصري قال: سمعت أحمد بن شعيب [هو النسائي] يقول: كنا عند بعض المحدثين بالبصرة فحدثنا بحديث النبي ﷺ: «إن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم»، وفي المجلس معنا رجل من المعتزلة، فجعل يستهزئ بالحديث، فقال: والله لأُقَطِّرنَّ غدًا نعليَّ، فأطأ بهما أجنحة الملائكة! قال: ففعل، ومشى في النعلين، فجفت رجلاه جميعًا، ووقعت في رجليه جميعًا الأَكِلَةُ. وأخرج النووي في «بستان العارفين» ١٢٥ عن أبي داود السجستاني، قال: كان في أصحاب الحديث رجل خليع، إلى أن سمع بحديث النبي ﷺ: «إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضَى بما يصنع»، فجعل في عقبيه مسامير حديد، وقال: أريد أن أطأ أجنحة الملائكة! فأصابه أَكِلَةٌ في رجليه. والأَكِلةُ كفَرِحة: داء في العضو، يأتكل منه. كذا في «القاموس»، وزاد في «تاج العروس»: وهو الحكة بعينها.
(٢) أخرجه أحمد في «مسنده» ٥/ ٢ (٢٠٠٢١)، والدارمي في «سننه» (٢٧٠٢)، وأبو داود في «سننه» (٤٩٩٠)، والترمذي في «جامعه» (٢٣١٥)، والنسائي في «الكبرى» (١١٦٥٥) من حديث بهز بن حكيم عن أبيه، عن جده، بلفظ: «ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك به القوم، ويل له، ويل له». قال أبو عيسى: هذا حديث حسن. وقال الألباني في «صحيح الجامع» (٧١٣٦): حسن.
(٣) أخرجه أحمد في «مسنده» ١/ ٤٢٢ (٤٠١٢)، والبخاري في «التاريخ الكبير» (٣/ ٣٧٣)، وابن ماجه في «سننه» (٤٢٥٢) من حديث عبد الله بن مسعود. وقال البوصيري في «الزوائد» (٤/ ٢٤٨): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات. وصححه الألباني.
[ ٣٣٤ ]
كمن لا ذنب له» (^١). في الأحاديث الصحاح.
اعلموا أهلَ الإيمان! أنَّ آفة الإنسان هو اللسان، وسيأتي ذكره في باب الغيبة ببيان.
قال ﷺ: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالًا فيهوي بها في جهنم (^٢) سبعين خريفًا» (^٣).
وفي حديثٍ آخر: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت؛ يكتب الله تعالى له بها رضوانه إلى يوم القيامة، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى وما كان يظن أن تبلغ ما بلغت؛ يكتب الله تعالى له بها سخطه إلى يوم القيامة» (^٤). وهذا حديث صحيح.
وقال ﷺ: «ويلٌ للذي يتحدث فيكذب ليضحك به القوم، ويلٌ له، ويلٌ له» (^٥).
وفي حديث آخر: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة يضحك فيها جلساءه؛
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) في (ق): النار.
(٣) أخرجه أحمد في «مسنده» ٢/ ٢٣٦ (٧٢١٥)، والبخاري في «صحيحه» (٦٤٧٧)، ومسلم في «صحيحه» (٢٩٨٨)، وابن ماجه في «سننه» (٣٩٧٠)، والترمذي في «جامعه» (٢٣١٤) بألفاظ متقاربة، من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) أخرجه الحميدي في «مسنده» (٩١١)، وأحمد في «مسنده» ٣/ ٤٦٩ (١٥٨٥٢)، وعبد بن حميد في «مسنده» (٣٥٨)، وابن ماجه في «سننه» (٣٩٦٩)، والترمذي في «جامعه» (٢٣١٩) من حديث بلال بن الحارث ﵁. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وقال الألباني في «الصحيحة» (٨٨٨): صحيح.
(٥) سبق تخريجه.
[ ٣٣٥ ]
يهوي بها في النار أبعد من الثريا» (^١). رواه أبو هريرة.
ومثله والله أعلم ما يفعله حمري من حماري (^٢) هذه الأمة، فيؤلِّف كلامًا كذبًا على الناس وعلى بعض الأئمة، ليُضحك جلساءه في وقت فرحهم (^٣) وحلقهم، فينقلب ضحكهم بكاءً في جهنم وغمة.
قال ﷺ: «من عصى الله وهو يضحك؛ دخل النار وهو يبكي» (^٤) فلا يفتري الكذب على العلماء إلا من حلَّ بقلبه الغفلة والعمى.
قال إبراهيم: من اتَّقى الله تعالى لم يدر ما يقول، كأنه يخاف من كل شيء يقوله من الخير والشر، إن تكلم بالخير خاف المقت أن يقول ما لا يفعل، وإن تكلم بالشر خاف العقوبة والسؤال (^٥).
عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: خرج رسول الله ﷺ ذات يوم إلى المسجد، فإذا قوم يتحدثون ويضحكون، فوقف فسلم عليهم، ثم قال: «اذكروا هادم اللذات». فذكرهم بالموت لكي يقل ضحكهم وكلامهم، وخرج مرةً أخرى ورأى قومًا يضحكون فقال: «أما والذي نفسي بيده لو علمتم ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا» (^٦).
_________________
(١) أخرجه أحمد في «مسنده» ٢/ ٤٠٢ (٩٢٢٠)، وابن حبان في «صحيحه» (٥٧١٦)، والبزار في «مسنده» (٨٧٣٢) من حديث أبي هريرة ﵁. وإسناده ضعيف.
(٢) كذا في النسخ، وضبطه في (ط): (حميريٌّ من حَمَّاري). يريد صاحب الحمار الذي يستخدمه في النقل والخدمة ونحوها.
(٣) في (خ): فرجهم.
(٤) أخرجه أبو نعيم في «حلية الأولياء» ٤/ ٩٦، والديلمي في «مسند الفردوس» (٥٨١٠). عن ابن عباس بلفظ «من أذنب وهو يضحك دخل النار وهو يبكي». قال الألباني في «الضعيفة» (١٧): موضوع.
(٥) لم أجده.
(٦) أخرجه أبو يعلى كما في «المطالب العالية» (٣١٤٥)، و«اتحاف الخيرة المهرة» (٧٢٩٨) عن الكوثر بن حكيم، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، قال: خرج رسول الله ﷺ ذات يوم إلى المسجد، وإذا قوم يتحدثون قد علا ضحكهم وحديثهم، فوقف فسلم، فقال: «اذكروا هادم اللذات الموت». وخرج بعد ذلك خرجة أخرى، فإذا قوم يتحدثون ويضحكون، فقال: «أما والذي نفسي بيده لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا». قال البوصيري: رواه أبو يعلى الموصلي بسند فيه كوثر بن حكيم وهو ضعيف. وذكر ابن أبي حاتم في «العلل» (١٨٨٣) من طريق ابن أبي بزة، عن مؤمل بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس قال: مرَّ رسول الله ﷺ بمجلس من مجالس الأنصار، وهم يمزحون ويضحكون، فقال: «أكثروا ذكر هادم اللذات» يعني: الموت. وقال ابن أبي حاتم: قال أبي: هذا حديث باطل لا أصل له. ومتن الحديث دون القصة ثابت في أحاديث أخرى، منها: حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «أكثروا من ذكر هادم اللذات» أخرجه أحمد ٢/ ٢٩٢ (٧٩١٢) وابن ماجه (٤٢٥٨)، والترمذي (٢٣٠٧)، وخرَّجه الألباني في «الإرواء» (٦٨٢). ومنها: حديث أبي هريرة أيضًا قال: قال رسول الله ﷺ: «والذي نفس محمد بيده، لو تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلًا، ولبكيتم كثيرًا» أخرجه البخاري (٦٦٣٧)، ومسلم (٢٧٥١)، وانظر: «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (١٧٢٢) و(٣١٩٤). (ت)
[ ٣٣٦ ]
وروى العلماء: أن ضحك النبي ﷺ كان تبسمًا (^١).
وكثرة البكاء من خشية (^٢) الله تعالى يدل على يقظة قلب صاحبه، ويذهب بالذنوب، وكثرة الضحك تدل على غفلة فاعله، وتقسي القلوب.
ثم اعلم بأن كثرة المزح والضحك فاعلهما مفتون، والضحك من غير عجب نوع من الجنون.
حكي أن الفضيل بن عياض ما ضحك إلا عند موت ولده عليَّ، فقيل له في ذلك، فقال: إن الله تعالى أحب شيئًا فأحببته (^٣).
ولما أمر بعض الظَّلمة بقتل سعيد بن جبير ضحك، فقال له (القاتل (^٤): بلغني أنك لم) (^٥) تضحك قط، فما سبب ضحكك الآن؟ قال: أعجبني كيف شرُّك إلى الله صاعدٌ، وحلمه عليك واردٌ! (^٦).
_________________
(١) سلف تخريجه.
(٢) في (خ): خوف.
(٣) أخرجه أبو نعيم في «حلية الأولياء» ٨/ ١٠٠، وذكره المناوي في «فيض القدير» ٢/ ١٦٣. وهذا مخالف لحال النبيِّ ﷺ الذي بكى لموت ابنه إبراهيم ﵇، وهو الأسوة والقدوة.
(٤) في (خ، ق): القائل. والمثبت أنسب للسياق.
(٥) في (ق، ط): قائل لم نرك.
(٦) أخرجه أبو نعيم في «حلية الأولياء» ٤/ ٢٩٤، وذكره المزي في «تهذيب الكمال» ١٠/ ٣٧٥.
[ ٣٣٧ ]
وكان لسعيد ديك إذا أذن في الليل يقوم سعيد لخدمة المولى المجيد، فنام الديك ليلةً إلى الصبح، فقام الشيخ سعيد وقد فاته قيام ليلته (^١)، فقال: ألا ما له ضرب الله عنقه، فطارت رقبة الديك (^٢).
فإن قال قائل: ما باله دعا على الديك ولم يدع على القاتل له ظلمًا؟ قيل: غضب سعيد على الديك لأجل ربه، ولم يغضب على قاتله لأجل نفسه، ولولا القصاص لقتل الصالحون أنفسهم إذا خالفت أو غفلت، لكن قتلوها بالمجاهدة، فأحيى الله قلوبهم بالمشاهدة.
قيل لعبيدة بنت أبي كلاب: ما تشتهي؟ قالت: الموت. قال: ولم؟ قالت: لأني والله في كل يوم أصبح أخشى أن أجني على نفسي جناية يكون فيها عطبي أمام الآخرة (^٣).
وقفتْ عجوزٌ على شبابٍ عليهم ثيابُ الصوف، وهم يتضاحكون، فقالت: سبحان الله! زِيُّ الناسكين وفعل الغافلين! (^٤) أنكرت عليهم لقلة المناسبة.
ذكرنا شيئًا من صفات الأحباب، ثم نرجع إلى مقصود الكتاب:
قرأ رجل من أهل العراق آية: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (١٢) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾ [المزمل: ١٢ - ١٣]، فقال بعض المفتونين مازحًا: (والله ما هذا إلا) (^٥) كرمٌ عظيمٌ! فأمر إمام من الأئمة بضرب رقبته، فقال الخليفة: بأي دليل كفَّرت هذا وضربت رقبته؟ قال: بقوله تعالى: ﴿ولئن سألتهم
_________________
(١) في (خ): لخدمة قيام الليل.
(٢) لم أجده.
(٣) أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (٩٠٤)، وذكره ابن الجوزي في «ذم الهوى» ١/ ١٧٨، وفي «صفة الصفوة» ٤/ ٣٤. وعبيدة بنت أبي كلاب ذكرها أبو عبد الرحمن الأزدي في «طبقات الصوفية» (٢٧)، وقال: من أهل البصرة وكانت تنزل الطفاوة، عاقلة مجتهدة، جيدة المواعظ.
(٤) لم أجده.
(٥) في (ق): هذا.
[ ٣٣٨ ]
ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦] (^١).
وشفع بعضُ العدول لفقيهٍ عند القاضي بكَّار وقال: يا مولانا، أنت تعلم أن الفقيه هو سيد فاضل، راسخ في العلوم، وهو قليل المعلوم فيشتهي أن تعدَّ له. فأبى القاضي، وقال: حضرنا يومًا في مكان وبين أيدينا قصعة طعام، في (وسط القصعة) (^٢) سَمْنٌ، فطرق بعض الحاضرين للسَّمن طريقًا ليأتي إليه، فقال هذا الفقيه وهو يمزح: ﴿أخرقتها لتغرق أهلها﴾ فسقط من عيني (^٣).
فهذه الأشياء وأمثالها يتداولها الجهال بينهم، فتارة يكفر القائل، وتارة يفسق، ويحسب هذا اللئيم أنه هيِّنٌ وهو عند الله عظيم.
فترى بعضهم يقول إما في مزحه أو غضبه: لو جاء جبريل أو النبي الكريم عليهما الصلاة والتسليم لم يفعل أو يفعل، أو كقول الجاهل المرتاب لغيره: إذا دخلت الجنة فرد الباب.
وكذلك في جواب الجاهل لمن يأمره بالخير والمعروف ليقربه للرب
_________________
(١) لم أجده.
(٢) في (ق): وسطها.
(٣) ذكره ابن حجر في «رفع الإصر عن قضاة مصر» في ترجمة: القاضي الكبير، والفقيه الحنفي، العلامة المحدث بكار بن قتيبة بن أسد الثقفي البصري، المتوفَّي سنة (٢٤٦ هـ) ﵀ فقال (ص: ١٠١ - ١٠٢): وقال أبو حاتم ابن أخي بكَّار: قدم على بكار رجلٌ من أهل البصرة، ذكر أنه كان رفيقه في المكتب، فأكرمه جدًّا، ثم احتاج إلى شهادةٍ فشهد مع رجل مصريٍّ عند بكار، فتوقف عن الحكم، فظن أهل مصر أنه لأجل المصري، فسئل في خلوة عن ذلك، فقال: المصري على عدالته ولكن السبب البصريُّ. وذكر منه أمرًا رآه منه في الصغر، قال: لا تطيب نفسي إذا ذكرت ذلك أن أقبل شهادته. وذكر: أنه أكل معه أرزًا في سمن وعسل، فنفد العسل الذي من ناحية بكار، ففتح من جهة صاحبه حتى جرى العسل، فقال له: ﴿أخرقتها لتغرق أهلها﴾ [الكهف: ٧١]! فقال له بكار: أتهزأ بالقرآن في مثل هذا؟ فبقيتْ في نفسه عليه. وذكره بنحو هذا مختصرًا ابن خلكان في «وفيات الأعيان» ١/ ٢٨١. (ت)
[ ٣٣٩ ]
الرؤوف فيقول للآمر: قتلتنا بدينك، كل شاة معلقة بعرقوبها، ثم يستدل هذا المخذول الخارج عن طريق الرسول بقوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]، فلم يفهم معنى الآية، وتفسيرها بعكس ما يقول. فوقع بجهله في بدعتين: الأولى: أنه فسر القرآن برأيه؛ وصح في الأخبار أن مَنْ قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار (^١).
والبدعة الأخرى قوله لمن أمره بالخير: عليك بنفسك. وهذه كلمة خبيثة برزت من رجل خبيث، يكرهها الله ورسوله؛ لقوله ﷺ: «إن أحب الكلام إلى الله أن يقول العبد: (سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك. وإن أبغض الكلام إلى الله أن يقول العبد) (^٢) لأخيه: اتق الله. فيقول: عليك بنفسك» (^٣). واسمع قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة: ٢٠٦].
_________________
(١) أخرجه الترمذي في «جامعه» (٢٩٥١) من حديث ابن عباس بلفظ: «اتقوا الحديث عني إلا ما علمتم، فمن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار، ومن قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار». قال الترمذي: هذا حديث حسن. وأخرجه النسائي في «الكبرى» (٨٠٨٥) من حديث ابن عباس بلفظ: «من قال في القرآن برأيه أو بما لا يعلم فليتبوأ مقعده من النار». وأخرجه أحمد في «مسنده» ١/ ٢٣٣ (٢٠٦٩)، والترمذي في «جامعه» (٢٩٥٠)، والنسائي في «الكبرى» (٨٠٨٤) من حديث ابن عباس بلفظ: «من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار». قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال ابن القطان في «بيان الوهم والإيهام» ٥/ ٢٥٢: وسكت عنه، والترمذي إنما قال فيه: حسن، وينبغي أن يقال فيه: ضعيف. وقال الألباني في «الضعيفة» (١٧٨٣): ضعيف.
(٢) ليست في (ق).
(٣) أخرجه النسائي في «الكبرى» (١٠٦٨٥)، وفي «عمل اليوم والليلة» (٨٤٩)، وابن منده في «التوحيد» (٧٠١)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٦٣٠)، و«الدعوات الكبير» (١٣٦) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁. قال الألباني في «الصحيحة» (٢٩٣٩): صحيح.
[ ٣٤٠ ]
وكذلك قولُ بعض من خذله الله سبحانه في مزحه: الشيخُ عَديٌّ شيء آخر! فيصير فاسقًا، وإن قالها معتقدًا يصير كافرًا كما يفعله بعض جهلة الأكراد ممن يتغالَى في الشيخ عدي، فيصدِّق بعلو مرتبة النبي ﷺ ويقول: لكن الشيخُ عَديُّ شيء آخر. فمن اعتقد ذلك في الشيخ عدي فهو عبدٌ كافر معتدي (^١).
قال ﷺ: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» (^٢).
ومن ذلك ما يتمَرَّدُ العبدُ بمزحه على الله تعالى، ويضيفه إلى ابن
_________________
(١) هذه إفادة مهمة من المصنِّفُ ﵀ عن الغلو الذي انتشر بين بعض جهلة الأكراد في الشيخ عدي ﵀، وهو عدي بن مسافر بن إسماعيل الهكَّاري (٤٦٧ - ٥٥٧ هـ)، ينتهي نسبه إلى مروان بن الحكم الأموي، من شيوخ المتصوفين، تنسب إليه الطائفة العدوية، كان صالحًا ناسكًا، ولد في بيت قار (من أعمال بعلبك) وجاور بالمدينة أربع سنوات، وبنى زاوية في جبل الهكارية (من أعمال الموصل) فانقطع للعبادة، توفي ودفن بها. وانتشرت طريقته في أهل السواد والجبال. وغالى أتباعه العدوية في اعتقادهم فيه، وأحرق قبره سنة (٨١٧ هـ)، وقد ظهر الانحراف في أتباعه، وتحولوا من ضلالات التصوف إلى دين جديد عُرف باليزيدية. انظر «الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة» (مادة: اليزيدية). وكان الشيخ عدي بن مسافر في نفسه مستقيمًا على السنة، وله رسالة في الاعتقاد طبعها شيخنا حمدي عبد المجيد السَّلفي الكردي في سنة (١٤١٩) عن أصل خطي نفيس، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: والشيخ عدي قدس الله روحه كان من أفاضل عباد الله الصالحين وأكابر المشايخ المتبعين، وله من الأحوال الزكية والمناقب العلية ما يعرفه أهل المعرفة بذلك. وله في الأمة صيت مشهور، ولسان صدق مذكور، وعقيدته المحفوظة عنه لم يخرج فيها عن عقيدة من تقدمه من المشايخ الذين سلك سبيلهم، كالشيخ الإمام الصالح أبي الفرج عبد الواحد بن محمد بن علي الأنصاري الشيرازي ثم الدمشقي، وكشيخ الإسلام الهكاري ونحوهما. وهؤلاء المشايخ لم يخرجوا في الأصول الكبار عن أصول أهل السنة والجماعة، بل كان لهم من الترغيب في أصول أهل السنة والدعاء إليها، والحرص على نشرها، ومنابذة من خالفها، مع الدين والفضل والصلاح ما رفع به أقدارهم، وأعلى منارهم، وغالب ما يقولونه في أصولها الكبار جيد، مع أنه لا بدَّ وأن يوجد في كلامهم وكلام نظرائهم من المسائل المرجوحة والدلائل الضعيفة. (مجموع الفتاوى: ٣/ ٣٧٧).
(٢) سبق تخريجه.
[ ٣٤١ ]
الراوندي، وهل قاله ابن الراوندي أم لا؟ كقولهم: إنه خرج ذات يوم وبيده زِبْدِيَّةٌ (^١)، فوقع عليها بَرَدَةٌ (^٢) فكُسرتْ، فدخل بيته ثم خرج بهاونٍ وألقاه للمطر والبَرَد، وقال: إن كنت شاطرًا فاكسر هذا (^٣).
ويحكون أيضًا عنه أنه أتى الحمام فرأى شابًّا جميلًا عليه ثياب دنسة، وهو يعمل في مستوقد الحمام، ثم رأى عبدًا أسود قد خرج من الحمام وعليه ثياب جميلة، والمسك يفوح من بين ثيابه وقد ركب بغلة ثمينة، فلما خرج من الحمام شم رائحة الهوى ومسح العرق عن وجهه، ثم قال: سافر الله! مراده استغفر الله. فقال ابن الراوندي: يا عبد النحس (^٤)، لو لم يسافر الله ما كنت أنت تتقلب في هذه السعادة والإنعام، وهذا الشاب الجميل يعمل في مستوقد الحمام (^٥).
ومثل هذا كثير يتداوله الفسقة بينهم حين يمزحون، ومن الدين يمرقون، وعن طريق نبيهم يخرجون، ومن عين مليكهم يسقطون، ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠].
وقد قلت بعض ما يقولون حاكيًا لأجل النصح، لا مازحًا، ولا
_________________
(١) الزِّبدية: وعاء من الخزف المحروق المطلي بالميناء، يخثر فيها اللبن.
(٢) البَرَدة: شيء ينزل من السحاب يشبه الحصى، ويسمى حبُّ الغمام وحبُّ المزْن. «المصباح المنير».
(٣) لم أقف على هذا، وابن الراوندي هو الملحد أبو الحسين أحمد بن يحيى بن إسحاق البغدادي (ت: ٢٩٨ هـ)، نسبته إلى (راوند) من قرى أصبهان. قال ابن كثير: أحد مشاهير الزنادقة، طلبه السلطان فهرب، ولجأ إلى ابن لاوي اليهودي (بالأهواز) وصنف له في مدة مقامه عنده كتابه الذي سماه «الدامغ للقرآن». وقال ابن حجر العسقلاني: ابن الراوندي، الزنديق الشهير، كان أولًا من متكلمي المعتزلة ثم تزندق واشتهر بالإلحاد، ويقال كان غاية في الذكاء. قلتُ: الظاهر أن بعض السفهاء كانوا يتناقلون حكايات في الاستهزاء بالدين على لسان ابن الراوندي، لأن هذا كان معروفًا بالإلحاد، لهذا قال المصنف ﵀: وهل قاله ابن الراوندي أم لا؟ فقد يكون نسبة ذلك إليه لتهوين نقله ونشره بين الناس، والله أعلم. (ت)
(٤) في (ق): أنحس
(٥) لم أجده.
[ ٣٤٢ ]
معتقدًا، وليعلم الفاعل كذلك أنه مرق من الدين، وخرج عن طريق سيد المرسلين، وقال ﷺ: «حاكي الكفر ليس بكافر» (^١).
فلا يحل لمسلم أن يمزح بشيء من كتاب الله تعالى ولا بشيء من أحاديث رسول الله ﷺ، كقول بعض من خذله الله في مزحه بالحديث: إن مغربيًّا رمدت عينه، فافتكر الحديث المروي: «شفاء أمتي في ثلاث: آية من كتاب الله، أو لعقة من عسل، أو مشراط من حجام» (^٢). فقرأ المغربي آية فلم تبرأ عينه، ولعق العسل فلم يصح، فشرطها فورمت. فعند ذلك قال: يا حبيبي يا رسول الله، إذا لم تكن تعرف الطب فلم تتكلم فيه. فانظر إلى هؤلاء المفتونين كيف يرمون نبيهم بالجهل حين يمزحون.
ويروى أن طبيبين دخلا على النبي ﷺ الواحد يهودي والآخر
_________________
(١) هذا ليس بحديث، ولا أصل له عن النبي ﷺ، لكنه من كلام بعض العلماء، وهو صحيح إن كان المراد مجرَّد النقل والحكاية. قال العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ في «فتاويه» ١٢/ ١٨٠: «وأما «ناقل الكفر ليس بكافر» فليس بمرفوع، وفي كلام العلماء ما يدل على أن المسألة ليست على هذا الإطلاق، بل فيها تفصيل يتخلص في أن حاكي الكفر عن الغير يختلف حكمه باختلاف القرائن، فإن كانت الحكاية لغرض شرعي فالأمر كذلك، لإجماع أئمة الهدَى على حكايات مقالات الكفرة والملحدين في كتبهم التي صنفوها وبحالهم ليبينوا ما فيها من فساد ليتجنب، وليبطلوا شبهها عليهم، ومن أدلتهم على ذلك أن الله تعالى قد حكى مقالات المفترين عليه، وعلى رسله في كتابه على وجه الإنكار لقولهم، والتحذير من كفرهم، والوعيد عليه بالعقاب في الدارين، والرد عليهم بما بينه في حكم كتابه، وكذلك وقع في أحاديث النبي ﷺ الصحيحة. وإن كانت الحكاية على وجه الاستحسان لمقالة المحكي عنه فلا شك في كفر الحاكي، واستحقاقه ما يستحق المحكي عنه، وقد عقد القاضي عياض في «الشفاء» بابًا أطال فيه في بيان هذه المسألة، فليراجعه السائل، فإن فيه ما يقنعه، والله الموفق».
(٢) أخرجه أحمد في مسنده ١/ ٢٤٥ (٢٢٠٨)، والبخاري في صحيحه (٥٦٨٠، ٥٦٨١)، وابن ماجه في سننه (٣٤٩١) من حديث ابن عباس بلفظ «الشفاء في ثلاثة: في شرطة محجم، أو شربة عسل …». وأخرجه أحمد في مسنده ٣/ ٣٤٣ (١٤٧٠١)، والبخاري في صحيحه (٥٦٨٣، ٥٧٠٢)، ومسلم في صحيحه (٢٢٠٥) (٧١) من حديث جابر بلفظ: «إن كان في شيء من أدويتكم خير ففي شرطة محجم …».
[ ٣٤٣ ]
نصراني، فتكلما في الطب، فلما خرجا من عند النبي ﷺ قال لأصحابه: «لولا الغيبة لقلت لكم أيهما أطب من صاحبه» (^١).
وهذا بعض ما يمزحون به من أنواع الخزي، ولا يفعله إلا كل عبد مطرود، وشؤم ذلك عليه يعود، لتشبهه بالكافر المبعود؛ لأني سمعت أن اليهود لعنهم الله ينتخبون مثل هذه الأشياء، ثم يمزحون بها فيستهزئون بالآيات والأخبار؛ لأنهم باءوا بغضبٍ من الجبار، وهم أيضًا وقود النار، فلا ينبغي للمؤمن أن يمزح بشيء يسخط ربه، ويخالف أوامره، فيضحك القوم ويبكي هو في الآخرة.
يا من يشق عليه أن يفعل شيئًا يصير به مضحكةً بين أبناء جنسه، ولا يشق عليه وقد صار مضحكة للشيطان، قال ﷺ: «إن للموسوسين شيطانًا يضحك بهم يقال له الولهان» (^٢). فإذا كان الشيطان يضحك بأهل الوسوسة، أمَا يضحك بأهل البدع والعصيان؟!
وإذا علم المؤمن بأن الطاعة ترضي الله تعالى، والمعصية فيها سخط رب العالمين، وهو يسارع في المعصية، أما يصير مضحكة للشياطين؟!
لا تكن الثكلى أفقه منك أيها المعرض عن الله! المتعرض لسخطه، قد شُغلت بفقد ولدها عن الأفراح والأعياد، الناس في أعيادهم وأفراحهم والتزاور، وهي منطرحة تبكي في المقابر.
هذا حال من فقد ولدًا له (^٣) (وقد يجد ولدًا غيره، والغافل قد فقد ربه، وليس له إلا هو وهو يضحك، لا جرم أنه يدخل النار وهو يبكي.
_________________
(١) لم أجده وذكر معناه الزرقاني في «شرحه على موطأ مالك» ٤/ ٥٢١.
(٢) أخرجه أحمد في «مسنده» ٥/ ١٣٦ (٢١٢٣٨)، وابن ماجه في «سننه» (٤٢١)، والترمذي في «جامعه» (٥٧) من حديث أبي بن كعب بلفظ: «إن للوضوء شيطانًا يقال له ولهان، فاتقوا وسواس الماء». قال الترمذي: حديث أبي بن كعب حديث غريب، وليس إسناده بالقوى. قال الألباني في «ضعيف الجامع» (١٩٧٠)، و«المشكاة» (٤١٩): ضعيف.
(٣) من هنا بداية سقوط ورقة من (ق).
[ ٣٤٤ ]
رأى الشِّبلي امرأةً خلف جنازة ولدها وهي تصيح: والله ما لي سواه. فصاح الشِّبلي: وامصيبتاه إن طردني من ليس لي سواه (^١).
واعلم أن من بكى على شيء فاته من أمر الدنيا يسأل عنه يوم القيامة؛ لأنه ضيع دمعه في غير مصلحة، قال الله تعالى: ﴿لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آَتَاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣]. أي من أمر الدنيا؛ لأنها كالظل الزائل عن أيامٍ قلائل.
والسفيه لا يكون سفيهًا بتضييع الكثير من المال، بل لو وضع فلسًا في غير مصلحةٍ يكون سفيهًا؛ لأن الفلس مال، وقد نهى الشرع عن إضاعة المال، فإذا سئل العبد عن إضاعة ماله في غير مصلحة، أفما (^٢) يسأل عن إضاعة عمره في غير مصلحة!
كان بعضهم ينشد هذه الأبيات:
كم يذهب هذا العمر في خسران … ما أشغلني عنه وما ألهاني
ضيعت زمانًا ما له من عوضٍ … هل بعدك يا عمري من عمرٍ ثاني
وأنشدوا أيضًا (^٣):
سهر العيون لغير وجهك باطل … وبكاؤهن لغير هجرك ضائع
فالويل، ثم الويل لمن فقد قلبًا واعيًا، وطرفًا باكيًا، واعلم رحمك الله بأنَّ جميع الكائنات لها شبه ونظير، والحق سبحانه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
فإذا علمت أنَّ الحقَّ ﷾ لا مِثل له؛ فلا تضيع وقتك بالاشتغال بالأشكال والأمثال والرسوم والأطلال، فلا تطلب إلا إياه، ولا
_________________
(١) هذا مكرر، فقد ذكر المصنف ﵀ هذا فيما سبق، وعلقنا عليه هناك.
(٢) في (ب): فكيف لا.
(٣) في (ب): أنشد بعضهم.
[ ٣٤٥ ]
تؤثر هواك على رضاه، فتحمُّل المشقات في طلب مَنْ لا مِثل له حسنٌ جميل، وإتعابُ النفس في طلب ما له أمثال كثيرة خسران وبيل.
كان بعضهم ينشد:
أتوب إلى الذي أضحى وأمسى … وقلبي يتقيه ويرتجيه
تشاغل كل مخلوق بشغل … وشغلي في محبته وفيه
سمع هذه الأبيات سفيان الثوري فبكى، وقال: نعم الشغل شغلك.
قال علماء الحنفية (^١): إذا بكى العبد في صلاته من خشية الله تعالى تمت صلاته، وكثرت حسناته، وإن بكى مِنْ نزول مصيبة أو مِنْ فَقْد شيءٍ من الدنيا فسدت صلاته؛ وذلك لأن الله تعالى ما أخذ منه شيئًا إلا ويريد أن يعوضه ما هو خير منه، وأمره بالصبر، فلما لم يصبر ولم يثق بوعد الله تعالى فقد خالف الله، فبطلت صلاته، وهذا إذا ارتفع البكاء، فإن لم يرتفع بكاؤه لم تبطل صلاته، والله أعلم.
كان شيخُنا رحمة الله عليه يقول: إن عُمرًا ضُيِّع أوله لجدير أنْ يُحفظ آخره. وكان يقول: ما أقلَّ بركة مالٍ وقع فيه أيدي الناهبين.
إياك أيها المؤمن! أن تخرج من الدنيا وما ذُقت أطيب شيء فيها، وهي حلاوة حب الله سبحانه؛ فما أحب الصالحون البقاء في الدنيا لجمع المال، ولا لغرس الأشجار، ولا لجري الأنهار، ولكن لظمأ الهواجر، وقيام ليل الشتاء، ولطلب العلم، ولتحصيل الطاعة والأذكار. فالمؤمن الصَّادق لا يفرح إلا بالله، ولا يحزن إلا على ما فاته من معاملة الله، وهذا مراد الحق من عبده.
قال المفسرون في تفسير قوله تعالى: ﴿لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ أي: من الدنيا. ﴿ولا تفرحوا بما آتاكم﴾ [الحديد: ٢٣] أي: بما أعطاكم الله
_________________
(١) «بدائع الصنائع» ١/ ٢٣٥، و«البحر الرائق» ٢/ ٤.
[ ٣٤٦ ]
منها.
لكن ينبغي للعبد المقبل أن يفرح لإقباله على مولاه، قال الله سبحانه: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨].
وينبغي للعبد المُدْبِر أن يطيل الحزن على ما فاته من معاملة الله سبحانه، كما قال بعضهم:
فوا حزني أني مقيم ببلدةٍ … وأنت بها ما لي إليك وصول) (^١)
كالعيس في البيداء يقتلها الظما … والماء فوق ظهورها محمول
وكان أبو حنيفة يكثر من قوله:
كفى حزنًا أن لا حياة هنيئة … ولا عمل يرضى به الله صالح
وقال الشافعي ﵀ في مرضه الذي مات فيه، وقد سأله المزني: كيف حالك؟ فقال ﵁: أصبحت في الدنيا راحلًا، ولإخواني مفارقًا، ولسوء أعمالي ملاقيًا، ولا أدري أنا من أهل الجنة فأُهنَّأ، أم من أهل النار فأُعزَّى. وأنشد فقال:
أسفي أموت وليس لي … عمل به نفسي تطيب
والغبن أني راحلٌ ما … لي من التقوى نصيب (^٢)
فقد علمت تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آَتَاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣] أي: بما أعطاكم الله من الدنيا.
وقد جاء في الحديث: «إذا أحب الله عبدًا زوَى عنه الدنيا» (^٣). فما زواها عنه بخلًا عليه، بل رحمةً منه إليه، ليخفف حسابه، وليتفرغ لخدمة الله، وللوقوف بين يديه، ثم طلب منه الصبر، أي اصبر، فالعوض
_________________
(١) إلى هنا نهاية سقوط ورقة من (ق).
(٢) أخرجه البيهقي في «الزهد الكبير» (٥٧٥)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» ٥١/ ٤٢٩، والسبكي في «طبقات الشافعية» ١/ ٢٩٥، والذهبي في «السير» ١٠/ ٧٥.
(٣) سلف ذكره وتخريجه.
[ ٣٤٧ ]
على من صبر على ذهاب دار الفناء حَصُلْتُ له أنا، فمنهم من ترك الدنيا باختيار موافقةً للنبي المختار ولمن تابعه من الأخيار (^١)، كما قيل: إن الخليفة رأى الفُضيلَ ودفع له كيسًا فردَّه، وقال: أنا ما أرضى الدنيا لكم فكيف آخذها منكم؟!
وورث بعضُ مشايخ «الرسالة» من أبيه مالًا كثيرًا، ففرقه كلَّه على إخوانه صررًا، فلاموه فيما فعل، فقال: أنا أريد لإخواني الآخرة فكيف أبخل عليهم بالدنيا؟!
كل ذلك خوفًا لكي لا تدخل الدنيا عليهم فتفسد قلوبهم كما أفسدت قلوبنا. كان للصالحين قلوب خافوا على فسادها، ومن لا قلب له على أي شيء يخاف؟ (^٢)
البصير يخاف على بصره من العمى والرمد، والأعمى قد أهمل هذه الأمور، قال المولى الغفور: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]. وقال ﷺ: «إن في الجسد مضغةً إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسدُ كله ألا وهي القلب» (^٣).
ومن العباد من زوى الله سبحانه عنه الدنيا بغير الاختيار، وعوضه ما هو خير منها، وهو الكريم الغفار، أنفق بعض الصالحين جميع ماله على إخوانه، وما بقي يقدر على ما يواري به عورته، فقال له بعض الشَّامتين: جاء في الحديث: «من ترك شيئًا لله عوضه الله ما هو خير منه» (^٤) فماذا
_________________
(١) في (ق): الأنصار.
(٢) «الرسالة» هي لعبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك القشيري (٤٦٥ هـ)، وتعرف بالرسالة القشيرية. ولم أظفر بهذه الحكاية فيها.
(٣) أخرجه الحميدي في «مسنده» (٩١٨)، وأحمد في «مسنده» ٤/ ٢٧٠ (١٨٣٧٤)، والدارمي في «سننه» (٢٥٣١)، والبخاري في «صحيحه» (٥٢)، ومسلم في «صحيحه» (١٥٩٩)، وابن ماجه في «سننه» (٣٩٨٤)، والترمذي في «جامعه» (١٢٠٥) من حديث النعمان بن بشير ﵁.
(٤) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» ٢/ ١٩٦، وابن عساكر في «تاريخه» ١٠/ ٣٧٤ من حديث ابن عمر بلفظ: «ما ترك عبد شيئًا لله لا يتركه إلا له إلا عوضه الله منه ما هو خير له في دينه ودنياه». قال أبو نعيم: هذا حديث غريب. وقال الألباني في «ضعيف الجامع» (٥٠٤١): موضوع. وقال في «الضعيفة» (٥): موضوع بهذا اللفظ، نعم صحَّ الحديث بدون قوله في آخره: «في دينه ودنياه». أخرجه وكيع في «الزهد»، وعنه أحمد ٥/ ٣٦٣، والقضاعي في «مسند الشهاب» (١١٣٥) عن أبي قتادة وأبي الدهماء قالا: أتينا على رجل من أهل البادية فقلنا: هل سمعت من رسول الله ﷺ شيئًا؟ قال: نعم، سمعته يقول: «إنَّك لن تدع شيئًا لله ﷿ إلا بدَّلَك الله به ما هو خيرٌ لك منه». وسنده صحيح على شرط مسلم.
[ ٣٤٨ ]
عوضك؟ قال: عوضني الرضى عنه (^١).
وجاء في الحديث: «يؤجر المرء على رغم أنفه» (^٢)، وهذا هو خير، والأول أفضل منه وخير.
وقد يزوى الرجل عن مريضه ما لا يساوي فلسًا ما بخل به عليه، بل شفقة منه عليه، وقد تصعط (^٣) الوالدة ولدها الصَّبر وهي تحبه وتواليه، والوالد يؤلم ولده بالضرب وهو مغرمٌ فيه؛ فالولد لا يتَّهِمُ والديه؛ لعلمه أنهما عملا ذلك مصلحة له وشفقة عليه. وكذلك الدابة، لما علمت أن عنانها بيد مالكها سلمت جميع أمورها إليه، فربما جاءت إلى باب منزلها تعبانةً، فلوى المالك عنانها فسارت مسرعةً راضية غير غضبانة.
_________________
(١) لم أجده، وأخرج نحوه البيهقي في «شعب الإيمان» (٥٧٤٩) عن المفضل بن غسان الغلابي، قال: حدثني أبي، عن رجل قال: كنت مع ابن عيينة وفضيل بن عياض وعبد الله بن المبارك قال: فقال سفيان: قوموا بنا إلى عبد الله بن مرزوق فإنه ثقيل لنعوده، فقاموا حتى دخلوا على عبد الله فوجدوه في بيت ليس بينه وبين الحصى شيء، وعلى عورته خرقة تكاد تستره، ورأسه على دكان وهو مسجد البيت. فقال له سفيان: يا أبا محمد بلغني أنه ليس أحد يدع من الدنيا شيئًا إلا عوضه الله خيرًا من ذلك، وقد تركت أشياء من الدنيا فما عوضك الله منها؟ قال: الرضا بما ترون.
(٢) قال العجلوني في «كشف الخفاء» (٣٢٤١): ليس بحديث.
(٣) في (ق، ط): تسعط. وكلاهما صحيح، والصَّعُوْطُ أو السَّعُوْط: دواء يصب في الأنف.
[ ٣٤٩ ]
فلا يكن أيها المؤمن! الطفلُ والدَّابةُ أفقه منك، الولد لا يتهم أبويه، (والدابة لا تتهم) (^١) مالكها، وقد علمت وتحققت أن الله سبحانه أعلم بمصلحتك منك، وأن عنانك بيده، فإياك إياك أن تتهم أو تتعرض على مولاك، فتكون النار مأواك، وكن من جملة العبيد، فلا يكون أبدًا إلا ما يريد.
دخل بعض الصالحين على أخٍ له في الله، فوجد الوليدات يستتر بعضهم ببعض من العري، فقال له: لم لا تدعو الله لهم؟ قال: هو أعلم بمصالح عباده، دعهم عسى يراهم فيرحمهم (^٢).
وقد ذكرت في كل باب شيئًا من صفات الأحباب، تبركًا لهذا الكتاب، ولنزول الرحمة على القارئ والقائل والمستمع من خزائن الكريم الوهاب، الذي لا يخشى الفاقة، ويعطي بغير حساب.
_________________
(١) في (خ): ولا الدابة.
(٢) لم أجده. قلتُ: مثل هذا التصرف مخالف لشريعة الإسلام، ولسنة خير الأنام، ﵊، فإن أدَّى صنيعُ هذا الجاهل الظالم إلى الإضرار بأولاده وأهله بحيث يصابون بمرض أو عاهة، أو يموتون من الجوع والبرد؛ فهو قاتلهم، وقد باء بإثمهم، وضيَّع رعيَّته الذين يُسأل عنهم يوم القيامة، وقد قال رسول الله ﷺ: «كفى بالمرء إثمًا أن يُضَيعَ مَنْ يَقُوت»، أخرجه أبو داود (١٤٨٥)، وحسَّنه الألباني. (ت)
[ ٣٥٠ ]