اعلم أيها العبد المتعوس! أنَّ بدعتك هذه لا تُرضي الملك القدوس، لما فيها من البدعة والتَّشبه بالمجوس، ويكره فعلها اليهود والنصارى، واستحبتها هذه الطائفة الضالة الحيارى، لأن الفاحشة تسخط رب الأرباب، ولم يرض بها أحدٌ من أهل الكتاب، فاعتبروا يا أولي العقول والألباب، فتزيَّن العروسة ثم تجلا على الكبار والصغار، ويدخلون بها على زوجها التَّيس المستعار، قبَّح الله رجلًا لا يغار، وهذه فاحشة كبيرة، وهي تأتي من قلة الدين والغيرة، قال صلوات الله عليه وسلامه: «الغيرة من الإيمان» (^١). فمن كثرت غيرته كثر إيمانه، ومن قلَّت غيرته قلَّ إيمانه، ومن لا غيرة له لا إيمان له.
دخل ابن أم مكتوم على النبي ﷺ فأمر عائشة بأن تختبئ، فقالت: إنه
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» (١٩٥٢١)، والبيهقي في «الكبرى» ١٠/ ٢٢٥ من حديث زيد بن أسلم، والقضاعي في «مسند الشهاب» (١٥٤) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁. قال الألباني في «الضعيفة» (١٨٠٨): ضعيف. ويغني عنه أحاديث صحيحة في الغيرة، منها: حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ: «إن الله يغار، وإن المؤمن يغار، وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم عليه». أخرجه البخاري (٥٢٢٣)، ومسلم (٢٧٦١).
[ ٣٢١ ]
أعمى وكان ممن أعمى الله عينيه ونوَّر قلبه فقال لها: إن كان هو ما يراك فأنت ترينه (^١).
فمن فعل هذه الفاحشة أو رضي بها؛ لم يرض الله عنه.
ورأى علي بن أبي طالب كرم الله وجهه امرأةً تمشي في سوق البصرة فغضب على أهلها، وقال: أما يستحي أحدكم أن يترك زوجته أو كريمته تعالج الرجال في الأسواق، قبَّح الله رجلًا لا يغار (^٢).
وقيل لسعد: لو رأيت رجلًا مع امرأتك؟ قال: كنت أضربه بالسيف غير مصفح. فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: «أتعجبون من غيرة سعد؟ والله أنا أغير منه، وربي أغير مني، ولذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن» (^٣).
فكلُّ عبدٍ لا يغار هو مبتدع، خارج عن طريق النبي المختار، والصحابة الأخيار، والمؤمنين الأبرار، داخل في طريق الفجار، قد رضي لنفسه بعذاب النار، وسخط الجبار، فإن تاب تاب الله عليه وهو العزيز الغفار.
فأهل العروس والعروسة ومن رضي بهذه الفاحشة، الكل قد اشتركوا في الذنوب والعصيان، وتعاونوا على الإثم والعدوان، قال المبعوث
_________________
(١) أخرجه أحمد في «مسنده» ٦/ ٢٩٦ (٢٦٥٣٧)، وأبو داود في «سننه» (٤١١٢)، والترمذي في «جامعه» (٢٧٧٨) عن نبهان مولى أم سلمة: أن أم سلمة حدثته أنها كانت عند رسول الله ﷺ، وميمونة، قالت: فبينا نحن عنده أقبل ابن أم مكتوم فدخل عليه، وذلك بعدما أمرنا بالحجاب، فقال رسول الله ﷺ: «احتجبا منه» فقلت: يا رسول الله أليس هو أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلك: «أفعمياوان أنتما؟ ألستما تبصرانه؟». قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وقال الألباني في «الضعيفة» (٥٩٥٨): ضعيف.
(٢) لم أجده عن علي، ووجدته من كلام الحسن في «إحياء علوم الدين» ٢/ ٤٦.
(٣) أخرجه أحمد في «مسنده» ٤/ ٢٤٨ (١٨١٦٨)، وعبد بن حميد في «مسنده» (٣٩٢)، والدارمي في «سننه» (٢٢٢٧)، والبخاري في «صحيحه» (٦٨٤٦)، ومسلم في «صحيحه» (١٤٩٩).
[ ٣٢٢ ]
بالرسالة: «لا تجتمع أمتي على ضلالة» (^١). وهؤلاء القوم قد اجتمعوا على ضلالة، وعصوا الله تعالى بلا محالة.
ولا تجلا العروس على خصيِّ؛ لأنه (^٢) في حكم الرجال، وإنْ قُطِع ذَكَرُه لم تُقطع نفسه، فخلوته بالنساء واختلاطه بهم من خلو دينه، ومن قلة غيرة سيده، ومن عدم مروءة زوجته، الكل قد خالفوا المولى اللطيف، وخرجوا عن الشرع الشريف.
دخل خصيٌّ على بعض الخلفاء وزوجته إلى جانبه، فغطَّت وجهها منه، فقال الخليفة: إنه خصيّ. فقالت: يا أمير المؤمنين، مُثْلَتكم هذه أباحت له ما حرم الله؟! فأمره بأن لا يدخل بعدها على حرمه (^٣).
ثم اعلم بأن فاسق الخُدَّام يحب المرأة الحسناء، ويعشق الغلام، ودَيِّنُهُم يتزوج ويتسرى، ويجتهد في دينه ويتحرى، والخصي في حكم الشرع رجل؛ لأنه يرث ميراث الرجال من ميِّته، ويقف مع صفِّ الرجال في الصلاة، ويقدم على المرأة في القبر الواسع، وفي الصلاة (^٤).
ولا يحل لخصيٍّ، ولا مجبوب، ولا لخنثى، ولا مخنث الدخول على النساء، ولا يحل للنساء (أن يظهرن) (^٥) عليهم؛ لأنهم يَشتهون ويُشتهَوْن.
قال ﷺ: «مَنْ كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بامرأة إلا أن يكون ذا محرم أو زوج» (^٦).
وعن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: «إن الله تعالى لعن أربعة فأمَّنت عليهم الملائكة: رجل تحصَّر ولم يجعله الله حصورًا، وامرأة تذكَّرت
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) في (ق): فإنه.
(٣) لم أجده، وفي (ق): حرم.
(٤) في (خ): المصلاة.
(٥) في (ق، ب): الظهور.
(٦) أخرجه أحمد في «مسنده» ٣/ ٣٣٩ (١٤٦٥١)، والطبراني في «الكبير» ١١/ ١٩١ (١١٤٦٢)، قال الألباني في «الإرواء» (١٨١٣): صحيح فإن له شواهد تقويه.
[ ٣٢٣ ]
وإنما جعلها الله امرأة، ورجل تخنث (^١) والله تعالى خلقه ذَكرًا، والذي يُضلُّ الأعمى عن الطريق» (^٢).
وفي الحديث: «ثلاثة حق على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والناكح المتعفف، والمُكاتب يريد الأداء» (^٣).
فقد علمت أن المرأة لا تظهر على مَنْ تقدم ذكرهم، ولا على الرَّجل الضرير، فإن فعلت خرجت عن طريق البشير النذير، وعصت المولى القدير.
دخل خصيٌّ على زوجة بعض الكبراء، وكانت قد كشفت رأسها، فطلبت حجَّامةً، وحلقت رأسها، وقالت: لا حاجة لي بشعر رآه غير بعلي (^٤).
فانظر إلى قلوب هؤلاء النِّسوة كيف هي بخوف الله تعالى عامرة، وقد جمع الله لهنَّ بين خيري الدنيا والآخرة.
ومن البدعة أيضًا (تحلية المرأة للفرح) (^٥)، والاختلاط بالنَّاس،
_________________
(١) في (ط): مخنث.
(٢) لم أجده عن أنس، وأخرجه الجرجاني في «تاريخ جرجان» (٦٣١) بإسناد فيه جهالة عن ابن عمر مرفوعًا بلفظ: «إن الله ﷿ لعن أربعة وأمنت الملائكة: رجل تأنث، وامرأة تذكرت، ورجل تحصر وليس بحصور، ورجل قعد على الطريق يستهزئ بالناس ويضل الأعمى عن الطريق». وأخرجه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» ٦٤/ ١٩٦ عن معاوية بن صالح، عن بعضهم رفع الحديث، قال: «لعن الله والملائكة رجلًا تأنث، …» فذكره. وهذا أيضًا منكر، فيه إرسال وجهالة.
(٣) أخرجه أحمد في «مسنده» ٢/ ٤٣٧ (٩٦٣١)، وابن ماجه في «سننه» (٢٥١٨)، والترمذي في «جامعه» (١٦٥٥)، والنسائي في «المجتبى» ٦/ ١٥ (٣١٢٠)، وفي «الكبرى» (٤٣٢٨) من حديث أبي هريرة. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن. وقال الحاكم في «المستدرك» ٢/ ١٧٤: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وقال الألباني في «المشكاة» (٣٠٨٩): حسن.
(٤) لم أجده.
(٥) في (ق، ط): تخلية المرأة للأفراح.
[ ٣٢٤ ]
والرَّقص في السماع والأعراس، وهذه بدعة منكرة، وفاعلها فاسق خارج عن طريق البررة، قد خالف الحق تعالى فيما أمره؛ لوقوف زوجته مع الأجانب والمغاني (^١) والزُّمرة، خرج عن طريق النبوة، وهو قليل الدين والغيرة والمروة، كما يفعله بعض فسقة التركمان، فترقص المرأة مع الرجل وقد أحاط بهم الرجال من كل مكان.
ومن البدع أيضًا هروب العريس من (^٢) أبي العروسة إلى حين دخول بيته، ثم يعمل العريس لأجل اجتماعه بصهره وليمة، وهذه أعمال ذميمة.
ومن سنَّتهم استتار العروسة من أبي العريس وأمه، وتكليمها لهما بالإشارة، والمسلم المتبع لا يفعل هذا، ولا (^٣) يختاره، ولا يخالف نبيه ولا أخباره.
فانظر ماذا يجتمع في حلال واحد من بدع وحرام، ويريد مع ارتكاب هذه الآثام أن يأتي من ظهره ذرية صالحة، ويكون في الجنة مع بدر التمام، فلا تَعْرِض أيها الغافل! حريمك على قلوب فارغة من خوف الله تعالى فتنتقش صورتها في قلبه، فيبتلى بحبها، فتورثه تلك النظرة بلاءً وحسرة، وتزرع في قلبه شيئًا لا تحصده المنَاجل، فيقابلك الله تعالى بذلك في العاجل والآجل؛ لأنك كنت السبب في فساد قلب مؤمن، أو ترى هي من يشغل (^٤) قلبها؛ لأن شهوتها أغلب، فإذا رأى الرجل ما يعجبه لا يتمالك، وهي أيضًا كذلك، فتسعى في الطلاق والتفريق، أو تفعل معه فعلًا لا يليق، ويكون أيضًا خطيئتهما في رقبتك، لأنك كنت السبب في ذلك، لولا أنها رأته ورآها ما خالفت النفس سيدها ومولاها، كما يقال في المثل: عين لا ترى، قلبٌ لا يحزن!
_________________
(١) في (خ): الأغاني.
(٢) في (ط): إلى.
(٣) في (ق، ط): لن.
(٤) في (ق، ط): يشتغل به.
[ ٣٢٥ ]
ومن قلة دين المرأة أنها لا تلبس أفخر ثيابها لزوجها، وتتجمل ببدلتها إذا خرجت من بيتها، فتفتن قلوب العباد، وتوقعهم في الذنوب والفساد، ولذلك كنَّ أكثر أهل النار (^١)، وشهد عليهن الصادق الأمين بأنهن ناقصات عقل ودين.
ومن البدع ما يفعله بعض الأشرار، (فيشترون الجَوار ويعلمونهن) (^٢) الغناء والأشعار، والضرب بالكف والطار، لأجل حطام هذه الدار، أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار.
وقال ﵊: «كسب المغني والمغنية حرام» (^٣).
فمن فعل ذلك بطلت شهادته، وسقطت روايته، وثبت سفهه، ولا يحل سماع غناء الجارية مكشوفة كانت أو مغطية.
قال الشافعي رحمة الله عليه: إذا جمع سيد الجارية الجموع وأمرها أن تغني لهم؛ بطلت عدالته، وسقطت روايته، ويكون ديوثًا (^٤).
قال القاضي أبو الطيب: إنما جعل ديوثًا فاسقًا؛ لأنه دعا الناس إلى الباطل (^٥).
وقال الشعبي: لعن المغنِّي والمغنى له (^٦).
اعلم رحمك الله أن الوقت عزيز، ومن عزته لا عِوَض لما فات منه، فلا تذهبه في الباطل والغناء، فتقع في الحسرة والعناء، والعاقل لمَّا عَلِم أن الأجل قريب تزوَّد بالأعمال الصالحة (^٧) للقاء الحبيب.
_________________
(١) زاد في (خ): حطبًا.
(٢) في (ق): من تعليم.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) سبق تخريجه.
(٥) سبق تخريجه.
(٦) سبق تخريجه.
(٧) في (ق): الصالحات.
[ ٣٢٦ ]
وأشرُّ مما تقدم ذكره ما يفعله المالك، ويسقط بفعله من عين مالك الممالك، فيشتري الجارية الولود، ويرضى بالفاحشة هذا المبعود من رحمة المولى الودود، فتزيد دنياه، ويسقط من عين خالقه ومولاه، ولا خير في دنيا تزيد مع نقصان الآخرة، وهذا من الفسقة الكبار، المتعرضين لسخط الجبار، وهو نوع من القيادة، وذلك من قلة التوفيق والسعادة، ويُخاف على فاعلها من أن يحرمه الله تعالى عند الموت الإيمان والشهادة؛ لخروجه عن طريق السادة، ولقلة حيائه من عالم الغيب والشهادة.
قال ﷺ: «الحياء من الإيمان» (^١)، وفي حديث آخر: «الحياء خير كله» (^٢). الحياء لا يأتي إلا بخير، فمن فاته الحياء فقد فاته الخير كله.
مرَّ بعضُ الصحابة بوادٍ فيه قردة، ورآهم قد اجتمعوا ورجموا قردةً زنت، فرجمها معهم (^٣).
فانظر أيها المبعود، من رحمة الملك المعبود! هذا الذي تحبه أنت، يكرهه القرود. لا تكن أيها المؤمنُ! البهيمةُ أفقه منك، وأحسن حالًا؛ تكره الفاحشة وأنت تحبها، قال المولى: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤] الآية.
كلُّ عليلٍ يمكن العلاج فيه إلا عليلًا يعجبه مرضه، وقلوب هؤلاء القوم قد كادها باريها، فملئت بحب الدنيا والكدر، ونسأل الله لنا ولهم ولجميع المسلمين اللطف والتدبير في القضاء والقدر.
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) أخرجه البخاري في «صحيحه» (٣٨٤٩) من حديث عمرو بن ميمون تابعي ثقة، أدرك الجاهلية ولم يلق النبي ﷺ: رأيت في الجاهلية قِرْدَةً اجتمع عليها قِرَدَةً، فرجموها، فرجمتها معهم. قلتُ: وهذا كما ترى ليس بحديث عن النبي ﷺ، ولا هو عن صحابيٍّ بخلاف ما صرَّح به المصنف، وإنما هو حكاية واقعة رآها عمرو بن ميمون ﵀ فظنها رجمًا، والله أعلم بصحة ظنه، وقد استنكر الحافظ ابن عبد البر هذه القصة. انظر: «فتح الباري» ٧/ ٢٠٢.
[ ٣٢٧ ]