من أكل وشرب وعقر شيء من الأنعام عند قبور موتاهم
وهذه البدعة توافق الجاهلية، وتخالف الإسلام؛ صحَّ في الأخبار أن الجاهلية كانوا يعقرون الإبل عند قبر ميتهم (^١)، ويقولون: تكون مطعمًا للميت بعد مماته؛ فإنه كان يطعمها للأضياف قبل مماته، ومنهم من كان يذهب في ذلك أنه إذا عُقرت راحلته عند قبره، حشر يوم القيامة راكبًا، ومن لم يُعقر عنه حُشِر راجلًا، وهذا رأي من كان يرى البعث بعد الموت، فنهى النبي ﷺ عن ذلك وقال: «لا عقر في الإسلام» (^٢).
_________________
(١) في (ب): قبور موتاهم.
(٢) أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» (٦٦٩٠)، وأحمد في «مسنده» ٣/ ١٩٧ (١٣٠٣٢)، وأبو داود في «سننه» (٣٢٢٢)، وابن حبان في «صحيحه» (٣١٤٦)، والبيهقي في «الكبرى» ٤/ ٥٧ من حديث عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن ثابت، عن أنس بن مالك ﵁. ورجاله ثقات، رجال الشيخين، فظاهر إسناده الصحة، لكن أعلَّه الحافظ بتفرد عبد الرزاق به، فقال ابن حجر في «التلخيص» (٨٣٠): وهو من أفراد عبد الرزاق عن معمر عن ثابت عنه، قاله البخاري والبزار وغيرهما، وقد قيل: إن حديث معمر عن غير الزهري فيه لين، وقد أعله البخاري، والترمذي، والنسائي فقال: هذا خطأ فاحشٌ. وأبو حاتم فقال: هذا منكر جدًّا. وقد أخرجه النسائي من وجه آخر عن حميد عن أنس، وقال: الصواب عن حميد عن الحسن عن عمران. قال الخطابي في «معالم السنن»: كان أهل الجاهلية يعقرون الإبل على قبر الرجل الجواد، يقولون: نجازيه على فعله، لأنه كان يعقرها في حياته فيطعمها الأضياف، فنعقرها عند قبره، فتأكلها السباع والطير، فيكون مطعِمًا بعد مماته، كما كان مطعِمًا في حياته، ومنهم من كان يذهب في ذلك إلى أنه إذا عقرت راحلته حشر يوم القيامة راكبًا، ومن لم يعقر عنه حشر راجلًا، وكان هذا على مذهب من يرى منهم البعث بعد الموت. وقال ابن الأثير في «النهاية»: كانوا يعقرون الإبل على قبور الموتى، أي ينحرونها، ويقولون: إن صاحب القبر كان يعقر للأضياف أيام حياته فنكافئه بمثل صنيعه بعد وفاته، وأصل العقر ضرب قوائم البعير، أو الشاة بالسيف، وهو قائم. وقد احتجَّ الإمام المبجَّل أحمد بن حنبل ﵀ بهذا الحديث، فقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في «اقتضاء الصراط المستقيم» عند كلامه على ما يُفعل عند القبور: «وأما الذبح هناك فنهى عنه مطلقًا، ذكره أصحابنا وغيرهم، لما روى أنس عن النبي ﷺ قال: «لا عقر في الإسلام»، رواه أحمد وأبو داود، وزاد: قال عبد الرزاق: كانوا يعقرون عند القبر بقرة أو شاة. قال أحمد في رواية المروزي: قال النبي ﷺ: «لا عقر في الإسلام»، كانوا إذا مات لهم الميت نحروا جزورًا على قبره، فنهى النبي ﷺ عن ذلك. كره أبو عبد الله أكل لحمه». (ت)
[ ٣٩٦ ]
والعقر للإبل، والذبح لغيره، وإن عكس جاز مع الكراهية لخروجه عن السنة.
رأى الحسن البصري رجلًا يأكل في المقبرة فقال لأصحابه: هذا رجل منافق، الموت بين عينيه، وهو يشتهي الطعام (^١). وفي يومنا هذا قد جعلوا زيارة القبور ملعبة ومنزهة ضد المقصود، وشؤم (^٢) ذلك عليهم يعود؛ لاختلاط الرجال بالنساء، ولرقصهم وضربهم بالطَّار والعود، ولنسيانهم للموت، ولقلة تفكرهم لأهوال القيامة واليوم الموعود، فمن أطلق زوجته أو كريمته أو جاريته في هذه الأوقات فهو شريكهم في السيئات؛ لقلة غيرته، ولخروجه عن طريق السادات (^٣).
والمعاصي في القبور لا يفعلها إلا كل عبدٍ معتدٍ مغرور، قد نسي الموت والقيامة والنشور؛ لأن المقبرة تذكر الآخرة، ولا يُمكِّن أيضًا الرجلُ
_________________
(١) ذكره أبو الليث السمرقندي في «تنبيه الغافلين» ٥٦٢.
(٢) في (ب): ضد.
(٣) في (ب): العبادات.
[ ٣٩٧ ]
ولدَه من الخروج للفرج وحده، إن كان له حسن ظاهر كي لا (^١) يعبث به الرجل الفاجر، وهذه النصيحة لمن كان له غيرة (^٢)، وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وكان ﷺ إذا مرَّ بمقبرة بكى (^٣)، وكذا السلف الصالح، وكان لا يعرف صاحب الجنازة من غيره لكثرة البكائين.
ومن البدع: كتب القرآن أو شيئًا من أسماء الله تعالى على القبور، ونشر المصاحف عليها، وتزيينها بالياسمين والرياحين، وإطلاق العود والبخور، وأما إيقاد الشمع عليها بالنهار أو السرج بالليل، فهو إسراف بلا خلاف.
وهذه النفقة معصية غير مخلوفة، ووقع (^٤) الفاعلون لها في أمور مخيفة؛ لخروجهم عن الشريعة الشريفة، فإن أنفق الوصي من التركة ضمنه، فإن أوصى الميت بذلك لم تقبل وصيته؛ لأنها معصية، وقال ﷺ: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» (^٥). لأن الميت لا ينتفع بشيء من ذلك؛ فيضيع المال في غير مصلحة.
وقد نهى النبي ﷺ عن إضاعة المال، وعن القيل والقال (^٦)، وعن البذخ (^٧) في الطعام (^٨).
فمثل من يَقِدُ السراج على القبر كمثل من يقِدُ (^٩) السراج على سطح
_________________
(١) في (خ): لكي.
(٢) في (ب): صفته الغيرة.
(٣) لا يصح هذا بإطلاقه، وإنما ورد هذا في بعض الأحوال، وسبق تخريج حديث فيه.
(٤) في (ب): دفع.
(٥) سبق تخريجه.
(٦) سبق تخريجه.
(٧) في (خ): النفخ. والمثبت من (ب) وهو أنسب للسياق.
(٨) يشير بهذا إلى حديث: «ما ملأ ابن آدم وعاءً شرًا من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يُقِمْن صلبه، فإن كان لا محالة فاعلًا فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه». وقد سبق.
(٩) في (ب) في الموضعين: يعد.
[ ٣٩٨ ]
بيته؛ لأن النور لا ينزل إلى البيت، كذلك لا يدخل إلى القبر ولا ينتفع الميت بشيء من المشموم؛ إلا بالصدقة للسائل والمسكين والمحروم، أو بدعاء ولد، أو ما قدمه هو لنفسه من الأعمال الصالحة لينجو بها من عذاب جهنم ومن الأحزان والهموم، أو أن يقرأ له شيء من كلام الحي القيوم.
وكذلك لا ينتفع الميت بظلِّ خيمةٍ ولا قُبَّةٍ، وإنما يُظِلُّ الميتَ عملُه.
ومن البدع أن يُعمل على القبر مسجدٌ؛ لقوله ﷺ: «لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (^١).
ونهى النبي ﷺ عن الصلاة في المقبرة (^٢)، وقال: «اللهم لا تجعل
_________________
(١) أخرجه أحمد في «مسنده» ٢/ ٣٦٦ (٨٧٨٨)، والبخاري في «صحيحه» (٤٣٧)، ومسلم في «صحيحه» (٥٣٠)، وأبو داود في «سننه» (٣٢٢٧)، والنسائي في «المجتبى» ٤/ ٩٥ (٢٠٤٧)، وفي الكبرى (٢١٧٤)، وأبو يعلى في «مسنده» (٥٨٤٤)، وابن حبان في «صحيحه» (٢٣٢٦) من حديث أبي هريرة ﵁. والحديث متواتر عن جماعة من الصحابة، منهم: زيد بن ثابت، وعائشة، وابن عباس ﵃، راجع تخريجها في «تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد» للعلامة الألباني ﵀. وبناء المساجد على القبور من البدع المحرمة، ومن كبائر الذنوب، وذريعة للشرك والوثنية. قال العلامة ابن القيم ﵀ في «زاد المعاد»: فيُهدم المسجد إذا بُنيَ على قبر، كما يُنبش الميتُ إذا دُفنَ في المسجد، نصَّ على ذلك الإمام أحمد وغيرُه، فلا يجتمع في دين الإسلام مسجدٌ وقبر، بل أيُّهما طرأ على الآخر منع منه، وكان الحكم للسابق، فلو وُضِعا معًا لم يجز، ولا يصح هذا الوقف ولا يجوز، ولا تَصِحُّ الصلاة في هذا المسجد لنهي رسولِ الله ﷺ عن ذلك، ولعنه مَنْ اتخذ القبر مسجدًا، أو أوقد عليه سراجًا، فهذا دينُ الإسلام الذي بعث الله به رسول ونبيه، وغربتُه بينَ الناس كما ترى! (ت)
(٢) أخرجه ابن حبان في «صحيحه» (٢٣١٩). من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁، بلفظه. وأخرجه أحمد في «مسنده» ٣/ ٩٦ (١١٩١٩)، والدارمي في «سننه» (١٣٩٠)، وأبو داود في «سننه» (٤٩٢)، وابن ماجه في «سننه» (٧٤٥)، والترمذي في «جامعه» (٣١٧)، وابن خزيمة في «صحيحه» (٧٩١) من حديث أبي سعيد الخدري بلفظ: «الأرض كلها مسجد إلا الحمام والمقبرة». قال الترمذي: هذا حديث فيه اضطراب. وقال الحاكم في «المستدرك» ١/ ٢٥٠: هذه الأسانيد كلها صحيحة على شرط البخاري ومسلم ولم يخرجاه. وقال الألباني في الإرواء ١/ ٢٣٠: هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين.
[ ٣٩٩ ]
قبري وثنًا يُعبد» (^١).
واختلف العلماء في الصلاة في المقبرة، فتكره عند جماعةٍ، وتحرم عند آخرين (^٢)، فإن عمل أحد على القبر بناءً؛ هو من المسرفين؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١]. وقال ﷺ: «شر المال ما ذهب في الماء والطين» (^٣)، ولأن الميت لا ينتفع بالبناء، فإن وصى الميت بشيء مما تقدم ذكره فيعذب، وإلا فالإثم على من يفعلها وحده، وإن كان برضاهما يأثمان جميعًا.
ومن أوصى بنياحة عليه يصل شؤمها ووبالها إليه، وإلا فالإثم على النائحة، وعلى من كان السبب، وعلى المستمعين، قال ﷺ: «النائحة ومن حولها من المستمعين، عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» (^٤).
_________________
(١) أخرجه مالك في «الموطأ» (٤١٤) من حديث عطاء بن يسار بلفظ: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». وأخرجه الحميدي في «مسنده» (١٠٢٥)، وأحمد في «مسنده» ٢/ ٢٤٦ (٧٣٥٨)، وأبو يعلى في «مسنده» (٦٦٨١) من حديث أبي هريرة بلفظ: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا لعن الله قوما اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». صححه الألباني في «مشكاة المصابيح» (٧٥٠).
(٢) «المجموع» ٣/ ١٥٨، و«المغني» ١/ ٧٥٣.
(٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في «قصر الأمل» (٢٣٣)، والطبراني في «الأوسط» (٨٩٣٩)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (١٠٧٢٠) من حديث محمد بن بشير بلفظ: «إذا أرد الله بعبد هوانًا أنفق ماله في البنيان، أو في الماء والطين». وذكره الغزالي في «الإحياء» ٤/ ٢٣٦ بلفظ: «إذا أراد الله بعبد شرًا أهلك ماله في الماء والطين». قال الألباني في «الضعيفة» (٢٢٩٥): ضعيف.
(٤) أخرجه الطبراني في «الكبير» ١٢/ ٤٢٦ (١٣٥٦٧)، والقضاعي في «مسند الشهاب» (٣١١) من حديث العبادلة بلفظ: «القاص ينتظر المقت والمستمع ينتظر الرحمة والتاجر ينتظر المقت والتاجر ينتظر الرزق والمحتكر ينتظر اللعنة والنائحة ومن حولها من امرأة مستمعة عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين». قال السيوطي في «اللآلي المصنوعة» ٢/ ١٢٣: لا يصح؛ عبد الوهاب ليس بشيء، والقرني متروك. وقال الألباني في «الضعيفة» (٤٠٧٠): موضوع.
[ ٤٠٠ ]
وفي «صحيح مسلم»: «إن النائحةَ تُكسى يوم القيامة سربالًا من قَطَران ودرعًا من جرب» (^١).
والنوح هو من دعوى الجاهلية، وقد تبرأ من فاعله خير البرية، فقال ﷺ: «ليس منَّا من لطم الخدود، وشقَّ الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية» (^٢). وفي حديث آخر: «ليس منَّا من حلق ومن صلق» (^٣). ومن البدع ما يفعل بين يدي الميت من قراءة وذكر، وحمل خبز وخرفان، الكل لا يرضي الواحد الديَّان.
وكذلك ما يفعل خلفها من تغيير الزي: كسواد الوجه، ولطم الخد، وقطع الثياب (^٤)، وكشف الرأس، والمشي حفاة، وحل الضفائر، كل ذلك بدعٌ لا ترضي السيد الغافر؛ لأنهم تشبهوا بقوم قد سخطوا بقضاء الله تعالى، وترك التسليم لأمره. وفي الحديث: «إنَّ من رضي فله الرضى، ومن سخط فله السخط» (^٥).
_________________
(١) أخرجه مسلم في «صحيحه» (٩٣٤) من حديث أبي مالك الأشعري ﵁. ولفظه: «النائحة إذا لم تتب قبل موتها، تقام يوم القيامة، وعليها سربال من قطرانٍ، ودرع من جرب». قال المناويُّ: أي يصير جلدها أجرب، حتى يكون جلدها كقميص على أعضائها، والدرع قميص النساء، والقطران دهن يدهن به الجمل الأجرب، فيحترق لحدته وحرارته، فيشتمل على لذع القطران وحرقته، وإسراع النار في الجلد، واللون الوحش، ونتن الريح، جزاءً وفاقًا، فخصت بذلك الدرع لأنها كانت تجرح بكلماتها المؤنقة قلب المصاب، وبلون القطران لكونها كانت تلبس السواد في المآتم.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) أخرجه أحمد في «مسنده» ٤/ ٣٩٦ (١٩٥٣٥)، ومسلم في «صحيحه» (١٠٤)، وأبو داود في «سننه» (٣١٣٠)، وابن ماجه في «سننه» (١٥٨٦)، والنسائي في «المجتبى» ٤/ ٢١ (١٨٦٥) من حديث أبي موسى، وفيه قصة.
(٤) في (خ): الشعر.
(٥) سبق تخريجه.
[ ٤٠١ ]
وقد تجرؤوا على الحق سبحانه) (^١) بأقوالهم وأفعالهم: كسَبِّ الموت، ولعن الساعة واليوم، وكسر الأواني، ورشِّ التِّبن، وما يشبه ذلك من أنواع الخزي. وأما المؤمن الصالح فقد رضي عن الله في كل شيء، والله تعالى راضٍ عنه، قال الله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: ٨]، وقال ﷺ: «من رضي فله الرضى، ومن سخط فله السخط» (^٢).
لمَّا مات علي بن الفضيل تبسَّم أبوه فقيل له: ما رأيناك ضاحكًا قط، فكيف الآن؟! قال: إن الله سبحانه أحب شيئًا فأحببته (^٣).
متى يلحق البطَّال بهؤلاء الأبطال؟ لا في الشدة صابرًا، ولا في النعمة شاكرًا، ولا في الطاعة مخلصًا حاضرًا، ولا في المعصية تائبًا نادمًا معتذرًا؛ كالعبد المدبر أينما يوجهه سيده لا يأت بخير، فيجب على المسلم الرضى بالقضاء.
قال ابن عباس ﵁: أول شيء كتبه الله تعالى في اللوح المحفوظ: إنني أنا الله، لا إله إلا أنا، محمد رسولي، من استسلم لقضائي، وشكر لنعمائي، وصبر على بلائي؛ كتبته في اللوح المحفوظ صديقًا، وبعثته يوم القيامة مع الصديقين، ومن لم يستسلم لقضائي، ويشكر لنعمائي، ويصبر على بلائي، فليخرج من بين أرضي وسمائي، وليتخذ إلهًا سواي (^٤).
فمن فاته درجة الرضى عن الله تعالى فعليه بالصبر، قال ربُّ الأرباب:
_________________
(١) هنا انتهى السقط من (ق).
(٢) سبق تخريجه.
(٣) سلف ذكره، وقد نبَّهنا هناك إلى أنَّ هذا مخالف لحال النبيِّ ﷺ وهديه في بكائه على ابنه إبراهيم ﵇ كما سيذكره المؤلف قريبًا.
(٤) ذكره المناوي في «الأحاديث القدسية» (٩٦) وعزاه إلى الديلمي في «مسند الفردوس» من حديث ابن عباس ﵄. وقال الكناني في «تنزيه الشريعة المرفوعة» ١/ ٢٤٢: إسناده ظلمات. وقال الألباني في «الضعيفة» (٥٤٢٩): موضوع.
[ ٤٠٢ ]
﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]. وفي الحديث: «إذا مات ولد العبد يقول الله تعالى لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم. فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع. فيقول تعالى: ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة وسموه بيت الحمد» (^١).
وقال ﷺ: «من استرجع عند المصيبة جبر الله مصيبته وأحسن عقباه، ورزقه خلفًا صالحًا يرضاه» (^٢).
والاسترجاع قول العبد عند المصيبة: إنا لله وإنا إليه راجعون. قال المولى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٧].
ثم اعلم بأن الجزع والنوح حرام، والبكاء مباح، والجزع ليس هو أن لا يجد الإنسان مرارة وحزنًا، بل الجزع إظهار ما لا ينبغي إظهاره من قول وفعل.
قيل لبعض الحكماء وقد دخل عليه الهمُّ والحزن: أَخرج هذا الهمَّ من قلبك. فقال: ليس بإذني دخل! (^٣)
وصحَّ أن النبي ﷺ بكى عند موت ولده إبراهيم ﵁؛ وقال: «تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب تعالى» (^٤).
_________________
(١) أخرجه أحمد في «مسنده» ٤/ ٤١٥ (١٩٧٢٥)، وعبد بن حميد في «مسنده» (٥٥١)، والترمذي في «جامعه» (١٠٢١). قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وقال الألباني في «الصحيحة» (١٤٠٨): حسن.
(٢) أخرجه الطبراني في «الكبير» ١٢/ ٢٥٥ (١٣٠٢٧)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٩٦٨٩) من حديث ابن عباس ﵄. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٣/ ٧٧: رواه الطبراني في الكبير وفيه علي بن أبي طلحة وهو ضعيف. وقال الألباني في «الضعيفة» (٥٠٠١): ضعيف.
(٣) لم أجده.
(٤) أخرجه أحمد في «مسنده» ٣/ ١٩٤ (١٣٠١٤)، وعبد بن حميد في «مسنده» (١٢٨٧)، والبخاري في «صحيحه» (١٣٠٣)، ومسلم في «صحيحه» (٢٣١٥)، وأبو داود في «سننه» (٣١٢٦)، من حديث أنس، وفيه قصة.
[ ٤٠٣ ]
فمتى فقد الإنسان الصبر وابتدع في أقواله وأفعاله، كما تقدم ذكره، فتتشعب المصيبة ببقاء مصائب موت النساء أو الرجال، وذهاب المال وقلة الأجر.
ومن السنة المشي خلف الجنازة للرجال دون النساء (^١)؛ لأن خروجهن فتنة، وهُنَّ وأصواتهنَّ عورة (^٢)، وصحَّ أن النبي ﷺ لعن زُوَّارات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج (^٣)، وفي حديث آخر قال لزوَّارات
_________________
(١) «المجموع» ٥/ ٢٧٩ - ٢٨٠، و«المغني» ٢/ ٣٥٤.
(٢) أطلق بعض فقهاء الحنفية القول بأن صوت المرأة عورة، وبيَّن بعضهم أن المراد بذلك رفع صوتها وتزيينها، فقال ابن نُجيم في «البحر الرائق» ١/ ٢٨٢: … المراد بالنغمة ما فيه تمطيط وتليين لا مجرد الصوت، وإلا لما جاز كلامها مع الرجال أصلًا، لا في بيع ولا غيره، وليس كذلك، ولما كانت القراءة مظنة حصول النغمة معها ومنعت من تعلمها من الرجل، ويشهد لما قلنا ما في «إمداد الفتاح» عن خط شيخه العلامة المقدسي: ذكر الإمام أبو العباس القرطبي في كتابه «السماع»: ولا يظن من لا فطنة عنده أنا إذا قلنا: «صوت المرأة عورة»؛ أنا نريد بذلك كلامها؛ لأن ذلك ليس بصحيح، فإنا نجيز الكلام مع النساء الأجانب ومحاورتهن عند الحاجة إلى ذلك ولا نجيز لهن رفع أصواتهن، ولا تمطيطها ولا تليينها وتقطيعها، لما في ذلك من استمالة الرجال إليهن، وتحريك الشهوات منهم، ومن هذا لم يجز أن تؤذِّن المرأة. انتهى. وهذا يفيد أن العورة رفع الصوت الذي لا يخلو غالبًا عن النغمة، لا مطلق الكلام.
(٣) أخرجه أحمد في «مسنده» ١/ ٢٢٩ (٢٠٣٠)، وأبو داود في «سننه» (٣٢٣٦)، وابن ماجه في «سننه» (١٥٧٥)، والترمذي في «جامعه» (٣٢٠)، والنسائي في «المجتبى» ٤/ ٩٤ (٢٠٤٣)، وفي «الكبرى» (٢١٧٠) من حديث ابن عباس بلفظ: لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج. قال الترمذي: حديث حسن. قال الألباني في «الضعيفة» (٢٢٥)، و«الإرواء» (٧٦١): ضعيف. والحديث صحيح كما قال المؤلف دون لفظه الأخير، فالفقرة الأولى صحَّت بلفظ: لعن رسول الله ﷺ زُوَّارات القبور؛ من حديث أبي هريرة ﵁ عند أحمد في «المسند» ١/ ٣٣٧ (٨٤٤٩)، وابن ماجه (١٥٧٦)، والترمذي (١٠٥٦)، وأبو يعلى (٩٥٠٨)، وابن حبان (٣١٧٨). ومن حديث حسان بن ثابت ﵁ عند أحمد ٢/ ٢٤٣ (١٥٦٥٧)، وابن ماجه (١٥٧٤)، والحاكم ١/ ٣٧٤، والبيهقي في «السنن» ٤/ ٧٨. وصححه الألباني في «أحكام الجنائز» ص ١٨٥. ولعن المتخذين المساجدَ على القبور: متواترٌ عنه ﷺ في «الصحيحين» وغيرهما من حديث عائشة، وابن عباس، وأبي هريرة، وزيد بن ثابت، وأبي عبيدة بن الجراح، وأسامة بن زيد ﵃. قال الألباني ﵀: وأما لعن المتخذين عليها السرج؛ فلم نجد في الأحاديث ما يشهد له، فهذا القدر من الحديث ضعيف.
[ ٤٠٤ ]
القبور: «ارجعن مأزورات لا مأجورات؛ تفتنَّ الأحياء، وتؤذين الأموات» (^١).
فإن قيل: قد جاء في الحديث: «زوروا القبور فإنها تذكر الموت» (^٢)؟! قال العلماء: هذا الخطاب للرجال (^٣). ولأنَّ النبي ﷺ لم يأمر النساء بالخروج لصلاة الجماعة، وهي من أفضل الأعمال، فكيف يأمرهن بالخروج إلى المقابر؟ وقال الشيخ الإمام صاحبُ كتاب «الأحكام»: «تستحبُّ زيارة القبور للرجال دون النساء» (^٤).
_________________
(١) أخرجه ابن الجوزي في «العلل المتناهية» (١٥٠٦) من حديث أنس بلفظ: أن النبي ﷺ تبع جنازة فإذا هو بنسوة خلف الجنازة، فنظر إليهن وهو يقول: «ارجعن مأزورات غير مأجورات، مفتنات الأحياء، مؤذيات الأموات». قال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح، وفيه أبو هدبة، وقد أجمعوا على أنه كذَّاب. وأخرجه ابن ماجه في «سننه» (١٥٧٨)، والبزار في «مسنده» (٦٥٣)، والبيهقي في «الكبرى» ٤/ ٧٧ من حديث علي بلفظ: خرج رسول الله ﷺ فإذا نسوة جلوس، فقال: «ما يجلسكن؟» قلن: ننتظر الجنازة. قال: «هل تغسلن؟» قلن: لا. قال: «هل تحملن؟» قلن: لا. قال: «هل تدلين فيمن يدلي؟» قلن: لا. قال: «فارجعن مأزورات غير مأجورات». قال الألباني في «الضعيفة» (٢٧٤٢): ضعيف.
(٢) أخرجه أحمد في «مسنده» ٥/ ٣٥٥ (٢٣٠٠٥)، ومسلم في «صحيحه» (١٩٧٧)، وأبو داود في «سننه» (٣٢٣٥، ٣٦٩٨) وابن ماجه في «سننه» (٣٤٠٥)، والترمذي في «جامعه» (١٠٥٤)، والنسائي في «المجتبى» ٨/ ٣١٠ (٥٦٥٢) من حديث بريدة بألفاظ متقاربة.
(٣) انظر: «المجموع» ٥/ ٣١٠، و«المغني» ٢/ ٤٢٣، ٤٣٠.
(٤) يظهر لي أن المؤلف ﵀ يقصد كتاب: «المنتقى من الأخبار في الأحكام» وهو للإمام الكبير مجد الدين عبد السلام بن عبد الله الحراني المعروف بابن تيمية (ت: ٦٥٢ هـ)، وهو جدُّ شيخ الإسلام أبي العباس ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) رحمهما الله تعالى ففي أواخر كتاب الجنائز منه: «باب: استحباب زيارة القبور للرجال دون =
[ ٤٠٥ ]
ومن البدع ما يفعله أهل القرى من تشييع ميتهم إلى قبره بالنياحة والطار، فتخرج من بينهم الملائكة، وتحضرهم الشياطين، ويلعنهم الواحد القهار.
ومن السُّنة إسراع الميت إلى قبره في الليل والنهار، ليكون العبد الضعيف نزيلًا لسيده اللطيف. قال ﷺ: «أسرعوا بالجنازة، فإن تك صالحة، فخير تقدمونها إليه، وإن تكن سوءً (^١)؛ فشرًّا تضعونه عن رقابكم» (^٢).
_________________
(١) =النساء، وما يقال عند دخولها». انظر: «نيل الأوطار من أسرار منتقي الأخبار» للشوكاني ٥/ ٢٢٣ (١٥٢٠) ط: دار ابن عفان. وهذه المسألة اختلف فيها العلماء، فالأصح عند الحنفية كما قال السرخسي في «المبسوط» ٢٤/ ١٩ أن الرخصة ثابتة في حق الرجال والنساء جميعًا. وقال ابن عبد البر في «الاستذكار» ما ملخصه: إن العلماء اختلفوا في ذلك على وجهين، فقال بعضهم: كان النهي عن زيارة القبور عامًّا للرجال والنساء ثم ورد النسخ كذلك بالإباحة عامًّا أيضًا، فدخل في ذلك الرجال والنساء. وقال آخرون: إنما ورد النسخ في زيارة القبور للنساء لا للرجال، لأن رسول الله ﷺ لعن زوارات القبور، ونحن على يقين من تحريم زيارة النساء للقبور بذلك، ولسنا على يقين من الإباحة لهن، لأنه ممكن أن تكون الزيارة أبيحت للرجال دونهن للقصد في ذلك باللعن إليهن. واختار هذا ابن تيمية الحفيد، وقال: فالذين يتخذون عليها المساجد والسرج لعنهم الله، سواء أكانوا ذكورًا أو إناثًا، وأما الذين يزورون فإنما لعن النساء الزوارات دون الرجال، وإذا كان هذا خاصًّا ولم يعلم أنه متقدم على الرخصة، كان متقدمًا على العام عند عامة أهل العلم، كذلك لو علم أنه كان بعدها. (مجموع فتاوى شيخ الإسلام: ٢٤/ ٣٦٠). (ت)
(٢) زاد في (خ): ذلك.
(٣) أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» (٦٢٤٧)، والحميدي في «مسنده» (١٠٢٢)، وأحمد في «مسنده» ٢/ ٢٤٠ (٧٢٧١)، والبخاري في «صحيحه» (١٣١٥)، ومسلم في «صحيحه» (٩٤٤)، وأبو داود في «سننه» (٣١٨١)، وابن ماجه في «سننه» (١٤٧٧)، والترمذي في «جامعه» (١٠١٥)، والنسائي في «المجتبى» ٤/ ٤١ (١٩١٠)، وفي «الكبرى» (٢٠٣٧)، وابن حبان في «صحيحه» (٣٠٤٢) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٤٠٦ ]
ومن السنة أن لا يجلس أحد حتى تحط الجنازة إكرامًا لها (^١)، وكان في ابتداء الإسلام يقام لها، ثم نسخ فصار آخر الأمر أن لا يقوم لها إلا من يريد أن يشهدها أو يصلي عليها، أو يحضر دفنها (^٢).
ثم اعلم أن تشييع الجنازة من فروض الكفاية (^٣)، إذا قام به البعض سقط عن الباقين فصار مستحبًّا، فإن تبع الجنازة لا ينقلب (^٤) المستحب هنا واجبًا، وكذلك يستحب صلاة التطوع، وصيام التطوع، ما لم يشرع فيهما، فإذا شرع انقلب واجبًا يجب عليه القضاء إذا أفسده؛ لأن الإنسان إذا دخل في عمل صالح لا يبطله؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]، وهذا مذهب الإمام أبي حنيفة. ومذهب الشافعي بعكس ذلك: لا يجب القضاء بل يستحب (^٥).
_________________
(١) أخرجه أحمد في «مسنده» ٣/ ٥١ (١١٤٥١)، والبخاري في «صحيحه» (١٣١٠)، ومسلم في «صحيحه» (٩٥٩)، أبو داود في «سننه» (٣١٧٣)، والترمذي في «جامعه» (١٠٤٣)، والنسائي في «المجتبى» ٤/ ٤٤ (١٩١٧)، وفي «الكبرى» (٢١٢٥)، وابن حبان في «صحيحه» (٣١٠٤) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، بلفظ: «إذا رأيتم الجنازة فقوموا، فمن تبعها فلا يقعدن حتى توضع».
(٢) أخرجه مالك في «الموطأ» (٥٥١)، والحميدي في «مسنده» (٥١)، وأحمد في «مسنده» ١/ ٨٢ (٦٢٣)، ومسلم في «صحيحه» (٩٦٢)، وابن ماجه في «سننه» (١٥٤٤)، وأبو داود في «سننه» (٣١٧٥)، والترمذي في «جامعه» (١٠٤٤)، والنسائي في «المجتبى» ٤/ ٧٧ (١٩٩٩)، وفي «الكبرى» (٢١٢٦). من حديث علي بألفاظ متقاربة.
(٣) انظر: «الإنصاف» ٢/ ٣٨١، و«كشاف القناع» ٢/ ١٢٨، و«إعانة الطالبين» ٤/ ١٨٤.
(٤) كذا في النسخ: (لا ينقلب) بإثبات حرف النفي، والصواب بحذفه، فمراده أن المستحب ينقلب واجبًا بعد الشروع فيه، على مذهب الحنفية، كما سيبيِّنه.
(٥) ذهب بعض العلماء إلى أن النفل يجب على المكلف بالشروع فيه، فإذا أبطله وجب عليه قضاؤه صومًا كان أم صلاةً أم غيرهما، وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، والظاهرية، ومذهب الشافعية والحنابلة استحباب الإتمام ولا قضاء عليه. وهذا قول الأكثر من أئمة السلف، وأخرج عبد الرزاق ٤/ ٢٧١ عن عطاء: أن ابن عباس كان لا يرى بأسًا أن يفطر إنسان في التطوع، ويضرب أمثالًا: طاف سبعًا فقطع ولم يوفه فله ما احتسب، أو صلى ركعة ولم يصل أخرى فله ما احتسب، أو يذهب بمال يتصدق به، فيتصدق ببعضه وأمسك بعضه.=
[ ٤٠٧ ]
قال ﷺ: «من صلى على جنازةٍ فله قيراط من الأجر، فإن شهد دفنها فله قيراطان أصغرهما كأُحُد» (^١).
فإن أراد الإنسان الرجوع من المصلى لضرورة رجع بإذن صاحب الجنازة، وهذه المسائل الشريفة على قاعدة مذهب الإمام أبي حنيفة، ونسأل الله حسن الخاتمة بقدرته اللطيفة، فقد قرَّب (الآجال، وبعَّد الآمال) (^٢).
قال ابن عباس ﵄: كان ﷺ إذا أراد أن يهريق الماء، تيمم بالتراب، فأقول: يا رسول الله، إن الماء منك قريب. فيقول: «لعلِّي لا أدركه» (^٣).
_________________
(١) = ونقل الزركشي في «البحر المحيط» ١/ ٣٨٤ عن ابن عبد البر قال: من احتج على المنع بقوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ [محمد: ٣٣]؛ فإنه جاهل بأقوال العلماء، فإنهم اختلفوا فيها على قولين، فأكثرهم قالوا: لا تبطلوها بالرياء وأخلصوها، وهم أهل السنة. وقيل: لا تبطلوها بالكبائر وهو قول المعتزلة. انتهى. ويستثنى من ذلك التطوع بالحج أو العمرة فإنهما يجب إتمامهما إذا ابتدأهما المسلم ولو كان أصلهما تطوعًا لقوله تعالى: (وأتموا الحج والعمرة لله) [البقرة: ١٩٦]. (ت)
(٢) أخرجه الحميدي في «مسنده» (١٠٢١)، وأحمد في «مسنده» ٢/ ٢٤٦ (٧٣٥٣)، ومسلم في «صحيحه» (٩٤٥)، وأبو داود في «سننه» (٣١٦٨)، والترمذي في «جامعه» (١٠٤٠)، وأبو يعلى في «مسنده» (٦٦٥٩) من حديث أبي هريرة.
(٣) في (ق): الأجل وبعد الأمل.
(٤) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (٢٩٢)، وأحمد في «مسنده» ١/ ٢٨٨ (٢٦١٤)، والطبراني في «الكبير» ١٢/ ٢٣٨ (١٢٩٨٧)، والبغوي في «شرح السنة» ١٤/ ٢٣٢ عن عبد الله بن لهيعة، عن عبد الله بن هبيرة، عن حنش، عن ابن عباس ﵄: أنَّ رسول الله ﷺ كان يخرج فيهريق الماء فيتمسح بالتراب، فأقول: يا رسول الله، إن الماء منك قريب. فيقول: «وما يدريني لعلِّى لا أبلغه». قال ابن أبي حاتم في «العلل» (٩٤): لا يصح هذا الحديث، ولا يصح في هذا الباب حديث. وقال العراقي في «تخريج الإحياء»: أخرجه ابن المبارك في «الزهد»، وابن أبي الدنيا في «قصر الأمل» والبزار بسند ضعيف. وقال ابن حجر في «المطالب العالية» (١٥٨): ضعيف. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» ١/ ٢٦٣: رواه أحمد والطبراني في «الكبير»، وفيه ابن لهيعة، وهو ضعيف. =
[ ٤٠٨ ]
قيل لإبراهيم بن أدهم: ما لَنَا ندعو الله تعالى ولا نرى الإجابة؟! قال: لأنكم عرفتم الله تعالى فلم تطيعوه، وعرفتم النبي ﷺ فلم تتبعوا سنته، وعرفتم القرآن فلم تعملوا بأحكامه، وأكلتم نِعَمَ الله تعالى ولم تؤدوا شكرها، وعرفتم الجنة فلم تطلبوها، وعرفتم النار فلم تهربوا منها، وعرفتم عداوة (^١) الشيطان ووافقتموه، وعرفتم الموت فلم تستعدوا له، ودفنتم الأموات ولم تعتبروا بهم، وتركتم عيوبكم واشتغلتم بعيوب الناس (^٢).
وليس للإنسان أنفع من الصبر لمصالح الدنيا والآخرة، وما فُجع المؤمن وخرج عن طريق صاحب المعجزات والشفاعة إلا لفقد صبر ساعة.
ولما توفي رسول الله ﷺ سمعوا قائلًا يقول: إنَّ في الله تعالى لعزاءً من كلِّ مصيبةٍ، وخَلَفًا مِنْ كلِّ هالكٍ، ودَركًا من كل فائتٍ؛ فبالله ثِقُوا، وإياه فارجوا فإنَّ المصاب مَنْ حُرِم الثَّواب (^٣).
_________________
(١) = وتعقبه الألباني في «الصحيحة» (٢٦٢٩) فقال: لكن رواية ابن المبارك مع سائر العبادلة عن ابن لهيعة صحيحة عند العلماء كما ذكروا في ترجمته، ولذلك فالإسناد عندي صحيح لأن سائر رجاله ثقات معروفون من رجال مسلم، وحنش هو ابن عبد الله السبائي الصنعاني الدمشقي … ثم ذكر ما يشهد له. قلتُ: وقد كان الألباني خرَّج هذا الحديث في «الضعيفة» (١٦٣٥)، ووهم في حنش فظنَّه الحسين بن قيس الرحبي، وهو متروك، لهذا حكم على الإسناد بالضعف الشديد. وعاد بأخرة فخرَّج الحديث في «الصحيحة» كما رأيتَ، وغفل عن صنيعه في «الضعيفة»؛ على خلاف عادته في تجويد الإحالات بين كتبه، وربط تخريجاته بعضها ببعض، فإنه كان ذكيًّا نبيهًا، متيقظًا متقنًا، رحمه الله تعالى وأسكنه فسيح جناته. (ت)
(٢) في (خ، ب): بعداوة.
(٣) ذكره الغزالي في «الإحياء» ٣/ ٣٨، والقرطبي في «الجامع لأحكام القرآن» ٢/ ٣١٢، والثعلبي في «الكشف والبيان» ٢/ ٧٦.
(٤) أخرجه الشافعي في «مسنده» (١٦٦١) ومن طريقه البيهقي في «السنن الكبرى» ٤/ ٦٠ قال: أخبرنا القاسم بن عبد الله بن عمر، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، قال: لما توفي رسول الله ﷺ وجاءت التعزية سمعوا قائلًا يقول: فذكره. وإسناده ضعيف جدًّا، فالقاسم متروك الحديث متهم بالكذب. وهو مرسل أيضًا. وخرَّجه الألباني في «الضعيفة» (٥٣٨٤)، وذكر طرقه وسياقه بتمامه، وقال: موضوع. (ت)
[ ٤٠٩ ]
ومن السُّنة أنَ يُقال عند رُؤية الجنازة: هذا ما وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله، اللهم زدنا إيمانًا وتسليمًا (^١).
ويُكْثِر خلف الجنازة مِنْ ذكر الله تعالى والدعاء لها، ولا يرفع صوته، ويترك الضحك وكلام الدنيا خلفها.
ويُستحب أن يُكبِّر ويقول: أشهد أن الله يحيي ويميت وهو حي لا يموت، سبحان من تعزز بالقدرة والبقاء، وقهر العباد بالموت والفناء (^٢).
جاء في السِّير: أن بعض الخلفاء بنى قبةً في وسط لجة ماء، وأحكمها (^٣) المهندسون، فصار الماء يصعد إلى رأس القبة ويتفجر من أعلاها، فلمَّا فرغت دخلها فأخذته (^٤) سنة من النوم، فسمع قائلًا يقول:
أتبني بناء الخالدين وإنما … مقامك فيها لو عقلت قليل
لقد كان في ظل الأراك كفايةً … لمن كل يوم يعتريه رحيل
فمات الخليفة بعد جمعة (^٥).
_________________
(١) أخرجه الطبراني في «الدعاء» (١١٦٠) من حديث عبد الله بن عمر ﵄. وذكره الفتني في «تذكرة الموضوعات» ١/ ٥٨، وقال: فيه كذاب.
(٢) رواه الديلمي في «الفردوس» (٦٦٧٤) من حديث أبي هريرة بلفظ: «الملائكة تمشي مع الجنازة تقول: سبحان من تعزز بالقدرة، وقهر العباد بالموت». وهو حديث لا يصح، وعدَّ الألباني هذا الذكر من بدع الجنائز وقال: استحبه في «شرح شرعة الإسلام» (ص ٦٦٥). انظر: «أحكام الجنائز» ٢٥٠.
(٣) في (خ): وأحكم.
(٤) في (خ، ق): فأخذه.
(٥) ذكره المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» ٤/ ٣٥٣، فقال: حكاه غير واحد عن القصر العظيم الذي شاده ملك طليطلة المأمون ابن ذي النُّون بها، وذلك أنّه أتقنه إلى الغاية، وأنفق عليه أموالًا طائلة، وصنع في وسطه بحيرة، وصنع في وسط البحيرة قبَّة من زجاج ملوَّن منقوش بالذهب، وجلب الماء على رأس القبة بتدبير أحكمه المهندسون، فكان الماء ينزل من أعلى القبة على جوانبها محيطًا بها ويتَّصل بعضه ببعض، فكانت قبة الزجاج في غلالة ممَّا سكب خلف الزجاج لا يفتر من الجري، والمأمون قاعد فيها لا يمسُّه من الماء شيء ولا يصله، وتوقد في =
[ ٤١٠ ]
ويوضع الميت نحو القبلة، ويقول الواضع: بسم الله، وعلى ملة رسول الله، اللهم هذا عبدك وابن أمتك، نزل بك وأنت خير منزول به، وخلَّف الدنيا خلف ظهره، اللهم اجعل ما قدم عليه خيرًا مما خلَّفه وراء ظهره، وألحقه بنبيك ﷺ. وهذا مستحبٌ (^١).
ويستحب أيضًا لمن يحثو عليه التراب أنْ يدعو له بالمغفرة والرِّضوان ويقرأ: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧]، ويتلو: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥].
ويستحبُ عند رؤية المقابر أن يقرأ: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧]، ثم يقول: أشهد أن الله يحيى ويميت، أعوذ بالله من شر ما بعد الموت. قال وهب: مَنْ قالهن كُتب له بعدد كل ميت في الأرض حسنة (^٢).
ومن السُّنة أن لا يذكر الميت إلا بخير (^٣)، ويخلع الزَّائر نعله بين
_________________
(١) =الشموع، فيرى لذلك منظر بديع عجيب، وبينما هو فيها مع جواريه ذات ليلة إذ سمع منشدًا ينشد: أتبني بناء الخالدين، وإنّما … بقاؤك فيها لو علمت قليل لقد كان في ظل الأراك كفاية … لمن كلُّ يوم يقتضيه رحيل فنغَّص عليه حاله، وقال: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، أظنُّ أن الأجل قد قربَ، فلم يلبث بعدها غير شهرٍ وتوفِّي، ولم يجلس في تلك القبَّة بعدها، وذلك سنة (٤٦٧)، تجاوز الله تعالى عنه، هكذا حكاه بعض مؤرخي المغرب.
(٢) أخرجه البزار (٢/ ١٢٣ رقم ٤٨٠) من حديث علي بن أبي طالب، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٣/ ١٦١: فيه عبد الله بن أيوب، وهو ضعيف.
(٣) ذكر الألباني في بدع الجنائز القراءة على مقابر أهل الكتاب بهذه الآية من سورة التغابن. وقال: استحبه في «شرع الشرعة» (ص ٥٦٨)، ولا أصل له في السنة، بل فيها خلافه. «أحكام الجنائز» ٢٦٠. أما الذكر المذكور وقول وهب فلم نجده، والله أعلم.
(٤) أخرج البخاري في «صحيحه» (١٣٩٣) من حديث عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ: «لا تسبوا الأموات؛ فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا».
[ ٤١١ ]
المقابر إكرامًا للموتى (^١).
وفي الخبر أنه يثاب المسلم لإكرام الموتى، ويغفر لمن شهد جنازته (^٢)، ومَن صلَّى عليه أربعون رجلًا شفَّعهم الله فيه (^٣)، ومَن صلَّى عليه مئةُ رجل غفر الله له (^٤)؛ صحَّ ذلك كله في الحديث.
ومن البدع: بوس القبر والتمسح به، وسواء كان القبرُ لنبيٍّ أو لوليٍّ، ولا يسجدُ لقبرٍ (^٥).
_________________
(١) أخرج أحمد في «مسنده» ٥/ ٨٣ (٢١٠٦٨)، وابن ماجه في «سننه» (١٥٦٨)، وأبو داود في «سننه» (٣٢٣٠)، والنسائي في «المجتبى» ٤/ ٩٦ (٢٠٤٨) من حديث بشير بن الخصاصية ﵁، قال: كنت أماشي رسول الله ﷺ آخذًا بيده، فقال لي: «يا ابن الخصاصية، ما أصبحت تنقم على الله؟ أصبحت تماشي رسوله»، قلت: ما أصبحت أنقم على الله شيئًا، قد أعطاني الله كل خير. قال: فأتينا على قبور المشركين، فقال: «لقد سبق هؤلاء خيرًا كثيرًا» ثلاث مرات، ثم أتينا على قبور المسلمين، فقال: «لقد أدرك هؤلاء خيرًا كثيرًا» ثلاث مرات، يقولها، قال: فبصر برجل يمشي بين المقابر في نعليه، فقال: «ويحك يا صاحب السبتيتين، ألق سبتيتيك»، مرتين أو ثلاثًا، فنظر الرجل، فلما رأى رسول الله ﷺ خلع نعليه. وقال الحاكم في «المستدرك» ١/ ٣٧٣: صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي، وأقره ابن حجر في «الفتح»، وقال ابن ماجه عقبه: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: كان عبد الله بن عثمان يقول: حديث جيد، ورجل ثقة. ونقل ابن القيم في «تهذيب السنن» ٤/ ٣٤٣ عن الإمام أحمد أنه قال: إسناده جيد. وقال النووي في «المجموع»: إسناده حسن.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) أخرجه مسلم في «صحيحه» (٩٤٨) من حديث عبد اللَّه بن عباس؛ أَنَّه مات ابن له بِقديد أَوْ بعسفان، فقال: يا كريب، انظر ما اجتمع له من الناس. قال: فخرجت فإذا ناس قد اجتمعوا له فأَخبرته، فقال تقول هم أَربعون؟ قال نعم. قال: أَخرجوه فإِنِي سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: «ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلًا لا يشركون بالله شيئا إلا شفعهم الله فيه».
(٤) أخرجه ابن ماجه في «سننه» (١٤٨٨) من حديث أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: «من صلى عليه مئةٌ من المسلمين غُفِرَ له». وقال البوصيري في «الزوائد»: إسناده صحيح، ورجاله رجال الصحيحين.
(٥) ذكر الألباني في «أحكام الجنائز» ٢٦٣، في بدع زيارة القبور: استلام القبر وتقبيله. وعزاه إلى ابن تيمية في «الاقتضاء»، والشاطبي في «الاعتصام»، وابن القيم في «إغاثة اللهفان»، والبركوي في «أطفال المسلمين»، وأبو شامة في «الباعث على إنكار البدع والحوادث»، وعلي محفوظ في «الإبداع في مضار الابتداع»، وقد أنكر ذلك الغزالي في «الإحياء» وقال: «إنه عادة النصارى واليهود». وأخرج مسلم (٩٧٢) من حديث أبي مَرثَد الغنَويِّ ﵁، قال: قال ﷺ: «لا تجلسوا على القبور، ولا تُصلُّوا إليها».
[ ٤١٢ ]
والصبحة ليست بسنة، فمن لم يقل بأنها سنةٌ وفعلها جبرًا للمؤمنين؛ يُجبر إن شاء الله رب العالمين (^١).
_________________
(١) الصُّبْحة بالضمِّ ويفتح وهي أول النهار: هي تبكيرهم إلى قبر ميتهم الذي دفنوه بالأمس هم وأقاربهم ومعارفهم. كما قال الألباني في «أحكام الجنائز» ٢٥٧ وعدَّه من البدع، وعزاه لابن الحاج في «المدخل» ونصَّ ابن الحاج على بدعية الصبحة. وقال جمال الدين القاسمي في «إصلاح المساجد من البدع والعوائد»: كانت العادة في دمشق أن يعزِّي أهل الميت في مسجد محلته الكبير ثلاثة أيام صباحًا يتوافد عليه من يعزيهم من بعد الفجر إلى أن تطلع الشمس وترتفع، ولذلك يسمى الاجتماع المذكور: «صباحية». وكان يحصل من ذلك حجب الناس عن صلاة الصبح، وهم الذين يأتون إلى المسجد لأدائها بعد جماعتها الأولى، فإذا دخل أحد يخجل ويدهش لهذا الجمع، فإما أن يصلي في زاوية المسجد على استحياء، وإما أن يرجع إلى إيوانه، وقد يكون الوقت شاتيًا والبرد قارسًا. عادة استمرت قرونًا لا تحصى إلى أن ارتأى من نحو عشر سنين أحد الأكابر الاجتماع بعد العشاء، ففعل في أحد المساجد، وقلده سائر الناس في الشام، فالآن لا يجتمع للتعزية إلا بعد العشاء ثلاث ليال، فارتفع بها ضرر حجب المصلين، إلا أنه بقي من المحظورات في هذا الاجتماع شيء، وهو أنه جرت العادة أن يؤتى بقارئ أو قراء يقرؤون أعشارًا، كل واحد بعد الآخر، وفي الخلال يقوم خادم المسجد فيفرق أجزاء القرآن على الحاضرين فيقرأ كثير منهم، وكان نهاهم أحد الشيوخ عن الجمع بين الشيئين، وقال لهم: إما أن تفرقوا الأجزاء وتأمروا القارئ يقرأ سرًّا أو تأذنوا للقارئ فيقرأ جهرًا ولا تفرقوا الأجزاء. وذلك لما يحصل في التشويش على القارئين برفع صوت القارئ. إلا أن هذه العادة أيضًا تركت في كثير من الجوامع الشهيرة، وذلك بإحضار قارئ يقرأ حزبً طويلًا أو سورة من المفصل والناس يستمعون، إلا من لا فقه له ممن يتكلم، والقارئ يقرأ، نعوذ بالله، وفي بعض الجوامع العادة الأولى موجودة فينبغي التنبه لإصلاحها. وكان كثير من الحفظة بعد ختمهم أعشارهم يهللون وينشدون، ويحصل في المسجد ضجة كبرى، فاقتصر الآن على قراءة عشر يختم بعده قارؤه بالدعاء، وفيها تخفيف من بدعة الضجة الشنيعة. نعم لم تزل الضجة بعد العشر في الجامعين الكبيرين بدمشق بسبب اجتماع المؤذنين =
[ ٤١٣ ]
قال مالك بن دينار (^١): أتيت القبور وقلت فيها بيتين، وهي:
أتيت القبور فناديتها … أين المعظم والمحتقر
وأين المذل بسلطانه … وأين العزيز إذا ما افتخر
قال: فنوديت من بينهم أسمع صوتًا ولا أرى شخصًا يقول:
تفانوا جميعًا ولا مخبر … وماتوا جميعًا وهذا الخبر
فصاروا إلى ملكٍ قاهرٍ … عزيزٍ مطاعٍ إذا ما أمر
تروح وتغدو بنات الثرى … فتمحو محاسن تلك الصور
فيا سائلي عن أناسٍ مضوا … أما لك فيما مضى (^٢) معتبر
وهذه الأشياء هي من كرامات الأولياء؛ لأن الله تعالى إذا أحب عبدًا كان له سمعًا وبصرًا، ويدًا ومؤيدًا، كما جاء في الحديث الصحيح (^٣).
_________________
(١) = في السُّدة، واشتغالهم بالإنشاد لقصائد معروفة لهم. ويا حبذا لو أمكن إبطال هذه الضجات والصيحات، بل إبطال هذه المجامع للتعزية المسماة بالصباحيات، لأنها من البدع والمنكرات. قلتُ: وما ذكره المؤلف غفر الله له من جواز فعلها جبرًا لخاطر أهل الميت، وأنه يؤجر على ذلك؛ بعيد عن الصواب فكل بدعة ضلالة، والضلالة لا أجر فيها، بل عليها وعيد أكيد، وتأمل رحمك الله! ما ذكره القاسمي من مفاسد هذه البدعة، وتلاعب الناس في تغييرها على أوجه، فكل ذلك من شرور سكوت أهل العلم، وإقرارهم لمثل هذه البدع مداراة للغوغاء والعامة. (ت)
(٢) أورده الغزالي في «إحياء علوم الدين» ٤/ ٤٨٧.
(٣) في (خ): ترى.
(٤) أخرجه البخاري في «صحيحه» (٦٥٠٢)، وابن حبان في «صحيحه» (٣٤٧) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول اللهِ ﷺ: «إن الله قال: من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليَّ ممَّا افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنَّوافل حتَّى أحبَّه، فإذا أحببته كنت سمعه الَّذي يسمع به، وبصره الَّذي يبصر به، ويده الَّتي يبطش بها، ورجله الَّتي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما تردَّدت عن شيء أنا فاعله تردُّدي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته».
[ ٤١٤ ]
والتعزية سُنَّة ولا حجر في لفظها.
عزَّى الشافعي (^١) رجلًا فكتب إليه:
إني معزيك (^٢) لا أني على ثقة … من الخلود ولكن سنة الدين
فلا المعزي بباقٍ بعد ميته … ولا المعزي ولو عاشا إلى حين
ولما مات ابن الشافعي (^٣) رحمهما الله أنشد:
وما للدهر إلا هكذا فاصطبر له … رزية مال أو فراق حبيب
روي عن الحارث بن نبهان أنه قال: كنت أخرج إلى الجبانات، أترحَّم (^٤) على أهل القبور (^٥) وأتفكر وأعتبر، وأنظر إليهم سكوتًا لا يتكلمون، وجيرانًا لا يتزاورون (^٦)، وقد صار لهم من بطن الأرض وِطَاءً، ومن ظهرها غطاء، وأنادي: يا أهل القبور، محيت من الدنيا آثاركم، وما محيت عنكم أوزاركم، وسكنتم دار البلاء فتورمت أقدامكم. قال: ثم يبكي بكاءً شديدًا، ثم يميل إلى قبة فيها قبر، فينام في ظلها، قال: فبينما أنا نائم إلى جانب القبر فإذا أنا بحس مقمعة يضرب بها صاحب القبر، وأنا أنظر إليه، والسلسلة في عنقه: وقد ازرقت عيناه واسود وجهه، وهو يقول: يا ويلي، ماذا حلَّ بي؟ لو رآني أهل الدنيا، ما ركبوا معاصي الله أبدًا، طولبت والله باللذات فأوثقتني، وبالخطايا فأغرقتني، فهل من شافعٍ أو مخبرٍ أهلي بأمري؟
قال الحارث: فاستيقظت مرعوبًا، وكاد أن يخرج قلبي من هول ما
_________________
(١) انظر: «ديوان الشافعي» (ص ١١٦).
(٢) في (ق): أعزيك.
(٣) انظر: «ديوان الشافعي» (ص ٢٩).
(٤) في (خ): فارحم.
(٥) في (ق): الموتى.
(٦) في (ق): يتحاورون.
[ ٤١٥ ]
رأيت، فمضيت إلى داري فبتُّ ليلتي وأنا متفكر فيما رأيت، فلما أصبحت قلت: دعوني أعود إلى الموضع لعلي أجد به أحدًا من زوار القبور، فأعلمه بالذي رأيت. قال: فمضيت إلى المكان الذي كنت فيه بالأمس، فلم أرَ أحدًا فأخذني النوم فنمت، فإذا أنا بصاحب القبر وهو يسحب على وجهه ويقول: يا ويلتاه ماذا حلَّ بي؟ ساء في الدنيا عملي، وطال فيها أجلي، حتى غضب عليَّ رب الأرباب. فالويل لي إن لم يرحمني ربي.
قال الحارث: فاستيقظت وقد تولَّه عقلي مما رأيت وسمعت، فمشيت إلى داري وبتُّ ليلتي، فلما أصبحت أتيت القبر لعلي أجد أحدًا من زوار القبور فأعلمه بما رأيت، ثم نمت فإذا أنا بصاحب القبر قد قرن بين قدميه، وهو يقول: ما أغفل أهل الدنيا عني، ضوعف عليَّ العذاب، وتقطعت عني الحيل والأسباب، وغضب علي ربُّ الأرباب، وغلَّق في وجهي كل باب؛ فالويل لي إن لم يرحمني العزيز الوهاب.
قال الحارث: فاستيقظت من منامي مرعوبًا وهممت بالانصراف، وإذا بثلاث جوارٍ قد أقبلن، فتباعدت لهن عن القبر وتواريت لكي أسمع كلامهن فتقدمت الصغرى ووقفت على القبر، وقالت: السلام عليك يا أبتاه، كيف هدوؤك في مضجعك، وكيف قرارك في موضعك؟ ذهبت عنا بودك، وانقطع عنا سؤالك، فما أشد حسرتنا عليك. ثم بكت بكاءً شديدًا.
ثم تقدمت الابنتان فسلمتا على القبر وقالتا: هذا قبر أبينا الشفيق علينا، والرحيم بنا آنسك الله بملائكة رحمته، وصرف عنك عذابه، ونقمته؛ يا أبتاه جرت بعدك أمور لو عاينتها لأهمتك، ولو اطلعت عليها لأحزنتك، كشف الرجال وجوهنا وقد كنت أنت سترتها.
قال الحارث: فلما سمعت كلامهن بكيت، ثم قمت مسرعًا إليهن، فسلمت عليهن، وقلت لهن: أيها الجوار إنما الأعمال ربَّما قُبلت وربَّما رُدَّت على صاحبها، فما كان عمل أبيكما المخلد في هذا القبر الذي عاينت من أمره ما أحزنني، واطلعت من حاله على ما آلمني.
قال الحارث: فلما سمعن كلامي كشفن عن وجوههن، وقلن: أيها
[ ٤١٦ ]
العبد الصالح، وما الذي رأيت؟ قلت لهن: لي ثلاثة أيام أختلف إلى هذا القبر أسمع صوت المقمعة والسلسلة فيه. قال: فلما سمعن ذلك مني. قلن لي: بشارة ما أضرَّها، ومصيبة ما أحزنها. ونحن نقضي الأوطار، ونعمِّر الدِّيار، وأبونا يُحرق بالنَّار؛ فوالله لا قرَّ (^١) بنا قرار، ولا ضمنا للذة العيش دار، بل (^٢) نتضرع للجبار لعله أن يعتق أبانا وينقذه من النار. ثم مضين يتعثرن في أذيالهن.
قال الحارث: فمضيت إلى داري فبتُّ ليلتي، فلما أصبحت أتيت القبر، فجلست عنده، فغلبني النَّوم، فإذا أنا بصاحب القبر له حُسن وجمال، وفي رجليه نعل من ذهب، ومعه حورٌ وغلمان.
قال الحارث: فسلَّمت عليه، وقلت له: رحمك الله من أنت؟ فقال: أنا الرجل الذي عاينت من أمره ما أحزنك، واطلعت منه على ما أفجعك، فجزاك الله خيرًا؛ فما أيمن طلعتك عليَّ. فقلت له: وكيف حالك؟ فقال: لما اطَّلعت عليَّ وأخبرت بناتي بالأمس بحالي؛ أعرين أبدانهن وأسبلن شعورهن (^٣)، وتضرعن لمولاهن، ومرغن خدودهن في التراب، وأهملن دموعهن بالانسكاب، واستوهبنني من العزيز الوهاب؛ فغفر لي الذنوب والأوزار، وأنقذني من النار، وأسكنني دار القرار بجوار محمد النبي المختار، فإذا رأيت بناتي فأعلمهن بأمري وما كان من قصتي ليزول عنهن روعهن، ويفارقن حزنهن.
قال الحارث: فاستيقظت فرحًا مسرورًا لمَا رأيت وسمعت، ثم مضيت إلى داري وبتُّ ليلتي، فلما أصبحت أتيت القبر (^٤) فوجدتهن حافيات الأقدام، فسلمت عليهن وقلت لهن: أبشرن، فقد رأيت أباكن في خير
_________________
(١) في (خ): يقر.
(٢) في (خ): و.
(٣) تعرية البدن وإسبال الشعور عند الدعاء من أفعال أهل الجاهلية، وهو مخالف كل المخالفة لشريعة الإسلام.
(٤) في (ق): القبور.
[ ٤١٧ ]
عظيم وملك مقيم، وقد أعلمني أن الله تعالى قد أجاب دعاءكن ولم يخيب مسعاكن، وقد وهب لكن أباكن؛ فاشكرنه على ما أولاكن.
قال: فقالت الصغرى: يا مؤنس القلوب، ويا ساتر العيوب، ويا كاشف الكروب، ويا غافر الذنوب، ويا عالم الغيوب، ويا مبلغ أمل المطلوب، قد علمت ما كان من مسألتي، ورغبتي واعتذاري في خلوتي، واستقامتي من زلتي، وتنصُّلي من خطيئتي، وأنت اللهم تعلم همتي، والمطلع على نيتي، والعالم بطويتي، ومالك رقبتي، والآخذ بناصيتي، وغايتي في طلبتي، ورجائي عند شدتي، ومؤنسي في وحدتي، وراحم غربتي، ومقيل عثرتي، ومجيب دعوتي، فإن كنت قصرت فيما (^١) أمرتني، وركنت إلى ما عنه نهيتني، فبحلمك حملتني، وبسترك سترتني، فبأي لسان أذكرك؟ وعلى أي نعمك أشكرك؟ ضاق بكثرتها تضرعي (^٢)، فيا أكرم الأكرمين، ويا غاية الطالبين، ويا مالك يوم الدين، الذي يعلم ما يخفى (^٣) في الضمير، وتدبَّر من الصغير والكبير، فإن كنت قضيت الحاجة بفضلك وشفعتني في عبدك؛ فاقبضني إليك إنك (^٤) على كل شيء قدير. ثم صرخت صرحة فارقت الدنيا رحمة الله علينا وعليها.
قال: ثم قامت الثانية، فنادت بأعلى صوتها: يا رب، يا رب، فرِّج كربتي، وخلِّص من الشك قلبي، يا من أقامني من صرعتي، وأقالني من عثرتي، ودلَّني من حيرتي، وأعانني في شدتي؛ إن كنت قبلت دعوتي، وقضيت حاجتي، وأنجحت طلبتي، فألحقني بأختي. ثم صاحت صيحة فارقت الدنيا رحمة الله علينا وعليها.
قال: ثم قامت (^٥) الثالثة، ونادت بأعلى صوتها: اللَّهم أيها الجبار
_________________
(١) في (خ، ب): عما.
(٢) في (خ): ضرعي. وفي (ق): ذرعي.
(٣) في (خ، ب): أخفي.
(٤) في (خ، ب): وأنت.
(٥) في (خ، ط): قالت.
[ ٤١٨ ]
الأعظم، والملك الأكرم المكرم، والعالم بمن سكت وتكلم، لك الفضل العظيم، والملك القديم، والوجه الكريم، العزيز من أعززته، والذليل من أذللته، والشريف من شرفته، والسعيد من أسعدته، والشقي من أشقيته، والقريب من أدنيته، والبعيد من أبعدته، والمحروم من أحرمته، والرابح من أوهبته، والخاسر من عذبته، أسألك باسمك العظيم، ووجهك الكريم، وعلمك المكنون الذي بعد عن إدراك الأفهام، وغمض عن مناولة الأوهام، وباسمك الذي جعلته على الليل فدجى، وعلى النهار فأضاء، وعلى الجبال (^١) فدكدكت، وعلى الرياح فهبت (^٢)، وعلى السماوات فارتفعت، وعلى الأصوات فخشعت، وعلى الملائكة فسجدت، اللَّهم إني أسألك إن كنت قضيت حاجتي، وأنجحت طلبتي، فألحقني بصويحباتي. ثم صاحت صيحة فارقت الدنيا، تغمدها الله برحمته وإيانا ووالدينا برحمته وجميع المسلمين (^٣).
نختم هذا الباب بمسائل (^٤) من السنة والكتاب: يجوز للمؤمن أن يجعل ثواب عمله لغيره صلاةً كان، أو صيامًا، أو حجًّا، أو صدقة، أو قراءةً، أو غير ذلك عند أبي حنيفة وأصحابه (^٥)، وأحمد بن حنبل (^٦) ومن تابعهم من المسلمين.
رُوي في «البخاري ومسلم»: أنَّ النبي ﷺ ضحى بكبشين أملحين:
_________________
(١) في (خ، ط): البحار.
(٢) في (خ): فتناثرت.
(٣) أورد القرطبي هذه القصة في «التذكرة» باب: ما جاء في قراءة القرآن عند القبر حالة الدفن (ص ٨٩)، والنكارة ظاهرة عليها، والحارث بن نبهان، ضعيفٌ جدًّا، متروكٌ، فلا يعتمد في رواية الحديث ولا في مثل هذه الحكاية. قال الإمام: كان رجلًا صالحًا، ولكن لم يكن يعرف الحديث ولا يحفظه. وقال ابن حبان: كان من الصالحين الذين غلب عليهم الوهم حتى فحش خطؤه، وخرج عن حدِّ الاحتجاج به.
(٤) في (ق): بشيء.
(٥) «البحر الرائق» لابن نجيم الحنفي ٣/ ٦٣.
(٦) «المغني» لابن قدامة ٢/ ٤٢٧.
[ ٤١٩ ]
أحدهما عن نفسه، والآخر عن أمته؛ أي جعل ثوابه لأمته (^١).
وذكر عبد الحق صاحب «الأحكام» في «العاقبة» قال: روي عن النبي ﷺ قال: «الميت في قبره كالغريق ينتظر دعوة تلحقه (^٢) من ابنه أو أخيه، أو صديق له؛ فإذا لحقته كان أحب إليه من الدنيا وما فيها» (^٣).
روى الدارقطني عن علي بن أبي طالب ﵁؛ أن النبي ﷺ قال: «من مرَّ على المقابر فقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] إحدى عشرة مرة، ثم وهب أجرها للأموات، أُعطي من الأجر بعدد الأموات» (^٤).
وروى الحافظ من «شرح السنة» عن أبي هريرة ﵁ قال: يموت الرجل ويدع ولدًا، ترفع له درجة، فيقول: يا رب ما هذا؟ فيقول:
_________________
(١) أخرجه البخاري في «صحيحه» (٥٥٦٤)، ومسلم في «صحيحه» (١٩٦٦) من حديث أَنَسٍ ﵁: أن النبي ﷺ كان يضحي بكبشين أملحين أقرنين، ووضع رجله على صفحتهما ويذبحهما بيده. وزاد مسلم: قال: وسمَّى وكبَّر. وليس فيهما موطن الشاهد أنه ﷺ وهب ثواب أحد الكبشين لأمته، لكن أخرجه أبو داود (٢٧٩٥) والترمذي (١٥٢٠) عن جابر بن عبد الله ﵄، قال: شهدت مع رسول الله ﷺ الأضحى بالمصلى، فلما قضى خطبته، نزل من منبره، وأتى بكبش، فذبحه رسول الله ﷺ بيده، وقال: «بسم الله، والله أكبر، هذا عنِّي، وعن من لم يضح من أمتي». وصححه الألباني في «إرواء الغليل» (١١٣٨).
(٢) في (خ، ق): ملحقة. وما أثبتناه من (ب)، والمصدر.
(٣) «العاقبة في ذكر الموت» وهو للعلامة عبد الحق بن عبد الرحمن بن عبد الله الأزدي الإشبيلي، أبو محمد، المعروف بابن الخراط (ت: ٥٨١ هـ)، صاحب كتاب الأحكام، وهو في ثلاث نسخ: كبرى، وصغرى، ووسطى. والحديث خرَّجه الألباني في «الضعيفة» (٧٩٩) وقال: منكر جدًّا.
(٤) لم أقف عليه فيما لدي من مصنفات الدارقطني، والحديث أخرجه أبو محمد الخلال في «فضائل سورة الإخلاص» (٦٦)، وأورده العجلوني في «كشف الخفاء» (٢٦٣٠)، والسيوطي في «ذيل الأحاديث الموضوعة» (ص ١٤٤). وقال الشيخ الألباني في «السلسة الضعيفة» (١٢٩٠): موضوع.
[ ٤٢٠ ]
استغفار ولدك لك (^١).
وقال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣] يفهم من هذا أن استغفارهم مفيد للمؤمنين.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا﴾ الآية [الحشر: ١٠] دلَّ أن هذا الدعاء ينفعهم.
وأما قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]. فقد اختلف العلماء في هذه الآية على ثمانية أقوال:
أحدها: أنها منسوخة. قاله ابن عباس، منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: ٢١]. أدخل الأبناءُ الجنةَ بصلاح الآباء.
وقال بعض العلماء: المراد بالإنسان هاهنا الكافر، أما المؤمن فله ما سعى وما سُعي له. قاله الربيع.
وقال الحسن بن الفضيل (^٢): ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾
_________________
(١) لعل مراد المصنِّف ﵀ بالحافظ هو أبو القاسم هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري الرازي اللالكائي (ت: ٤١٨ هـ)، فقد روى هذا في كتابه: «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» (٢١٧١) هكذا موقوفًا عن ذكوان، عن أبي هريرة، قال: يموت الرجل، ويدع ولدًا فترفع له درجة، قال: فيقول: يا رب ما هذا؟ قال: فيقول: استغفار ولدك لك. وأخرجه محيي السنة أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغويُّ الشافعي (ت: ٥١٦ هـ) في «شرح السنة» (١٣٩٦) من طريق أبي صالح، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ، قال: «إن الله ﷾ ليرفع العبد الدرجة، فيقول: ربِّ أنَّى لي هذه الدرجة؟ يقول: بدعاء ولدك لك». وهكذا أخرجه مرفوعًا: أحمد في «المسند» ٢/ ٣٦٣ (١٠٦١٠)، وابن ماجه في «السنن» (٣٦٦٠). وصححه الألباني في «الصحيحة» (١٥٩٨).
(٢) كذا، وصوابه: الحسين بن الفضل، وهو: أبو علي المفسر البجلي الكوفي ثم النيسابوري (ت: ٢٨٢ هـ)، إمام عصره في معاني القرآن، كان محدثًا لغويًا عالمًا جليل القدر، ﵀.
[ ٤٢١ ]
[النجم: ٣٩] عن طريق العدل، وأما من طريق الفضل فجائز أن يزيده الله تعالى ما شاء، قال الله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥]. وهذا تفضلًا من عند الله، وطريق العدل أن ليس للإنسان إلا ما سعى؛ إلا أن الله سبحانه يتفضل على عبده بما لا يستحقه: كتب له بالحسنة الواحدة عشرة إلى سبع مئة ضعف، إلى ألف ألف حسنة، كما قيل لأبي هريرة: أسمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله ليجزي على الحسنة الواحدة ألف ألف حسنة؟ قال: سمعته يقول: «إن الله ليجزي على الحسنة ألفي ألف حسنة» (^١)، وهذا من فضل الله تعالى، وقد تفضل الحق سبحانه على الأطفال والمجانين بإدخالهما الجنة بغير عمل.
والقول الآخر: ليس له إلا سعيه، غير أن الأسباب مختلفة، فتارة سعيه في تحصيل ولد أو صديق يستغفر له، وتارةً يسعى في خدمة أهل الدين والعبادة، فيكسب محبة أهل الدين، فيكون ذلك سببًا حصل له بسعيه. حكى هذين القولين أبو الفرج ابن الجوزي (^٢).
_________________
(١) أخرجه أحمد في «مسنده» ٢/ ٢٩٦ (٧٩٤٥) وابن أبي شيبة في «مصنفه» (٣٥٨٤٨). وقال الألباني في «السلسة الضعيفة» (٣٩٧٥): ضعيف.
(٢) نقله المصنف ﵀ باختصار وتصرف وزيادة، ونصه في «زاد المسير في علم التفسير» لابن الجوزي ﵀: «واختلف العلماء في هذه الآية على ثمانية أقوال: أحدها: أنها منسوخة بقوله: ﴿وأتبعتهم ذريتهم بإيمان﴾ فأُدخل الأبناء الجَنَّة بصلاح الآباء، قاله ابن عباس، ولا يصحُّ، لأن لفظ الآيتين لفظ خبر، والأخبار لا تُنسَخ. والثاني: أن ذلك كان لقوم إبراهيم وموسى، وأما هذه الأمَّة فلهم ما سَعَوا وما سعَى غيرُهم، قاله عكرمة. واستدلَّ بقول النبيِّ ﷺ للمرأة التي سألته: إنَّ أبي مات ولم يحُجَّ؟ فقال: «حُجِّي عنه». والثالث: أن المراد بالإنسان هاهنا: الكافر، فأمَّا المؤمن فله ما سعى وما سُعي له، قاله الربيع بن أنس. والرابع: أنه ليس للإنسان إلا ما سعى من طريق العدل، فأما مِنْ باب الفضل، فجائز أن يزيده الله ﷿ ما يشاء، قاله الحسين بن الفضل. والخامس: أن معنى «ما سعى»: ما نوى، قاله أبو بكر الورَّاق. والسادس: ليس للكافر من الخير إلا ما عمله في الدُّنيا، فيُثاب عليه فيها حتى لا يبقى له في الآخرة خيرٌ، ذكره الثعلبي. والسابع: أن اللام بمعنى «على» فتقديره: ليس على الإنسان إلا ما سعى. والثامن: أنه ليس له إلا سعيُه، غير أن الأسباب مختلفة، فتارة يكون سعيه في تحصيل قرابة وولد يترحم عليه وصديق، وتارة يسعى في خِدمة الدِّين والعبادة، فيكتسب محبة أهل الدِّين، فيكون ذلك سببًا حصل بسعيه، حكى القولين شيخنا علي بن عبيد الله الزاغوني».
[ ٤٢٢ ]
قوله ﷺ: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث» (^١)، لا يدل انقطاع عمله أنه ينقطع عمل غيره عنه، ولهذا أجمع العلماء على وصول (^٢) الحج والصدقة إليه، وقضاء الدين عنه، قال ﷺ: «الآن بردت جلدته» (^٣).
ثم إن حقيقة الثواب لا فرق بين أن يكون ثواب حجٍّ، أو صدقة، أو وقف، أو صلاة، أو استغفار، أو قراءة القرآن (^٤)، أو قضاء دين، فقدرة الله تعالى صالحة للرجل من غير فرق لمن أنصف، وتطابق الأحاديث التي رويت تدل دلالة ظاهرة على ذلك، والذي جاء في «الصحيحين» أن النبي ﷺ مرَّ بقبرين وشقَّ عسيبًا رطبًا، وجعل على هذا نصفًا، ووضع على القبر الآخر نصفًا، وقال: «إنَّه يهوِّن عليهما ما دام فيهما من بلولتهما شيء» (^٥).
قال العلماء: إن الأشياء ما دامت على أصل خلقتها أو خضرتها وطراوتها تسبح الله تعالى حتى تجف رطوبتها وتزول خضرتها.
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) في (ق): انقطاع.
(٣) أخرجه أحمد في «مسنده» ٣/ ٣٣٠ (١٤٥٣٦)، والبيهقي في «السنن الكبرى» ٦/ ٧٤ من حديث جابر ﵁. قال الألباني في «إرواء الغليل» ٥/ ٢٤٨: إسناده حسن.
(٤) في (ق): قرآن.
(٥) أخرجه أحمد في «المسند» (٢٠٤١١)، وابن ماجه في «السنن» (٣٤٩) من حديث أبي بكرة، قال: كنت أمشي مع النبي ﷺ فمرَّ على قبرين، فقال: «من يأتيني بجريدة نخل؟» قال: فاستبقت أنا ورجل آخر، فجئنا بعسيب، فشقه باثنين، فجعل على هذا واحدة، وعلى هذا واحدة، ثم قال: «أما إنه سيخفف عنهما ما كان فيهما من بُلُولَتِهِمَا شيءٌ»، ثم قال: «إنهما ليعذبان في الغيبة والبول». وأخرج البخاري في «صحيحه» (٢١٨)، ومسلم في «صحيحه» (٢٩٢) من حديث ابن عباس ﵄، قال: مرَّ النبيُّ ﷺ بقبرين فقال: «إنَّهما ليعذَّبان، وما يعذَّبان في كبير: أمَّا أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأمَّا الآخر فكان يمشى بالنَّميمة»، ثمَّ أخذ جريدةً رطبةً، فشقَّها نصفين، فغرز في كلِّ قبرٍ واحدةً، قالوا: يا رسول اللَّه، لم فعلت هذا؟ قال: «لعلَّه يخفَّف عنهما ما لم ييبسا».
[ ٤٢٣ ]
ويستفاد من الحديث عند القبر غرس الأشجار وقراءة القرآن، فإذا خفف عنهم بالأشجار فما بالك (^١) بقراءة المؤمن القرآنَ، أيخفف عن المؤمن إذا وضع على قبره الجريدُ، ولا يخفف (بقراءة كلام) (^٢) المولى المجيد؟! (^٣).
_________________
(١) في (ق): فكيف.
(٢) في (خ): بكلام.
(٣) قال السيوطي في «شرح الصدور بشرح حال الموتى والقبور» ٣٠٥: قال القرطبي استدل بعض علمائنا على نفع الميت بالقراءة عند القبر بحديث العسيب الذي شقه النبي ﷺ اثنتين وغرسه، وقال: «لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا»، قال الخطابي: هذا عند أهل العلم محمول على أن الأشياء ما دامت على خلقتها أو خضرتها وطراوتها فإنها تسبح حتى تجف رطوبتها أو تحول خضرتها أو تقطع عن أصلها. وقال غير الخطابي: فإذا خفف عنهما بتسبيح الجريد فكيف بقراءة المؤمن القرآن؟! وقال ابن دقيق العيد في «إحكام الأحكام» ١/ ١٠٦: «أخذ بعض العلماء من هذا: أن الميت ينتفع بقراءة القرآن على قبره، من حيث إن المعنى الذي ذكرناه في التخفيف عن صاحبي القبرين هو تسبيح النبات ما دام رطبًا فقراءة القرآن من الإنسان أولى بذلك، والله أعلم بالصواب». قلت: هذا قياس بعيد، فليس بين وضع الجريد على القبر وقراءة القرآن عنده علة جامعة معقولة، وقراءة القرآن عبادة، ولا شكَّ أن القرآن أعظم بركة وأشدُّ تأثيرًا وأثرًا، فلو كانت القراءة عند القبر جائزة لفعلها الرسول ﷺ لأنه يأخذ بالأحسن والأكمل، وقد علَّمنا ﷺ أن نسلِّم على أهل القبور وندعو لهم، فلو كانت القراءة مشروعة لكان أرشدنا إليها، فدل هذا على أن وضع الجريد من خصائصه ﷺ كما سيأتي. قال الشيخ علي محفوظ في «الإبداع في مضار الابتداع»: «ومن هذا الأصل العظيم تعلم أن أكثر أفعال الناس اليوم من البدع المذمومة كقراءة القرآن الكريم على القبور رحمةً بالميت، تركه النبي ﷺ، وتركه الصحابة مع قيام المقتضى للفعل وهو الشفقة بالميت، وعدم المانع منه، فعلى هذا الأصل المذكور يكون تركه هو السنة وفعله بدعة مذمومة. وكيف يعقل أن يترك الرسول ﷺ شيئًا نافعًا يعود على أمته بالرحمة وهو بالمؤمنين رؤوف رحيم، فهل يعقل أن يكون هذا بابًا من أبواب الرحمة ويتركه الرسول طول حياته، ولا يقرأ على ميت مرة واحدة، مع العلم بأن القرآن الحكيم ما نزل للأموات، وإنما نزل للأحياء، نزل ليكون ترغيبًا للمطيع وترهيبًا للعاصي، نزل لتهذيب نفوسنا وإصلاح شؤوننا، أنزل الله ﷿ القرآن كغيره من الكتب السماوية ليعمل على طريقه العاملون ويهتدي بهديه المهتدون، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ =
[ ٤٢٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (٩) وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٠)﴾ [الإسراء: ٩ - ١٠]، فهل سمعتم أن كتابًا من الكتب السماوية قرئ على الأموات أو أخذت عليه الأجور والصدقات، والله يقول لنبيه: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٨٧)﴾ [ص: ٨٦ - ٨٧]، لهم أن يتصدقوا عن موتاهم، لكن لا ثمنًا للقرآن». وقال الألباني في «أحكام الجنائز» ٢٠٠: «حديث ابن عباس في وضع النبي ﷺ شقي جريدة النخل على القبرين وقوله: «لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا» متفق عليه؛ خاصٌّ به ﷺ بدليل أنه لم يجر العمل به عند السلف ولأمور أخرى يأتي بيانها. قال الخطابي رحمه الله تعالى في «معالم السنن» تعليقًا على الحديث: «إنه من التبرك بأثر النبي ﷺ ودعائه بالتخفيف عنهما، وكأنه جعل مدة بقاء النداوة فيهما حدًا لما وقعت به المسألة من تخفيف العذاب عنهما، وليس ذلك من أجل أن في الجريد الرطب معنى ليس في اليابس، والعامة في كثير من البلدان تغرس الخوص في قبور موتاهم، وأراهم ذهبوا إلى هذا، وليس لما تعاطوه من ذلك وجه». قال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على «الترمذي» عقب هذا: «وصدق الخطابي، وقد ازداد العامة إصرارًا على هذا العمل الذي لا أصل له، وغلو فيه، خصوصًا في بلاد مصر، تقليدًا للنصارى، حتى صاروا يضعون الزهور على القبور، ويتهادونها بينهم، فيضعها الناس على قبور أقاربهم ومعارفهم تحية لهم، ومجاملة للأحياء، وحتى صارت عادة شبيهة بالرسمية في المجاملات الدولية، فتجد الكبراء من المسلمين إذا نزلوا بلدة من بلاد أوربا ذهبوا إلى قبور عظمائها أو إلى قبر من يسمونه (الجندي المجهول) ووضعوا عليها الزهور، وبعضهم يضع الزهور الصناعية التي لا نداوة فيها تقليدًا للإفرنج، واتباعًا لسنن من قبلهم، ولا ينكر ذلك عليهم العلماء أشباه العامة، بل تراهم أنفسهم يضعون ذلك في قبور موتاهم، ولقد علمت أن أكثر الأوقاف التي تسمى أوقافًا خيرية موقوف ريعها على الخوص والريحان الذي يوضع على القبور، وكل هذه بدع ومنكرات لا أصل لها في الدين، ولا سند لها من الكتاب والسنة، ويجب على أهل العلم أن ينكروها، وأن يبطلوا هذه العادات ما استطاعوا». قلت: ويؤيد كون وضع الجريد على القبر خاصٌّ به، وأن التخفيف لم يكن من أجل نداوة شقها أمور: (أ) حديث جابر ﵁ الطويل في «صحيح مسلم» وفيه قال ﷺ: «إني مررت بقبرين يعذبان، فأحببت بشفاعتي أن يرد عنهما ما دام الغصنان رطبين». فهذا صريح في أن رفع العذاب إنما هو بسبب شفاعته ﷺ ودعائه، لا بسبب النداوة، وسواء كانت قصة جابر هذه هي عين قصة ابن عباس المتقدمة كما رجحه العيني وغيره، أو غيرها كما رجحه الحافظ في «الفتح»، أما على الاحتمال الأول فظاهر، وأما على الاحتمال الآخر، فلأن النظر =
[ ٤٢٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الصحيح يقتضي أن تكون العلة واحدة في القصتين للتشابه الموجود بينهما، ولأن كون النداوة سببًا لتخفيف العذاب عن الميت مما لا يعرف شرعًا ولا عقلًا، ولو كان الأمر كذلك لكان أخف الناس عذابًا، إنما هم الكفار الذين يدفنون في مقابر أشبه ما تكون بالجنان، لكثرة ما يزرع فيها من النباتات والأشجار التي تظل مخضرة صيفًا وشتاء! يضاف إلى ما سبق: أن بعض العلماء كالسيوطي قد ذكروا أن سبب تأثير النداوة في التخفيف كونها تسبح الله تعالى، قالوا: فإذا ذهبت من العود ويبس انقطع تسبيحه! فإن هذا التعليل مخالف لعموم قوله ﵎: ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم﴾ [الإسراء: ٤٤]. (ب) في حديث ابن عباس نفسه ما يشير إلى أن السر ليس في النداوة، أو بالأحرى ليست هي السبب في تخفيف العذاب، وذلك قوله: ثم دعا بعسيب فشقه اثنين، يعني طولًا، فإن من المعلوم أن شقه سبب لذهاب النداوة من الشق ويبسه بسرعة، فتكون مدة التخفيف أقل مما لو لم يشق، فلو كانت هي العلة لأبقاه ﷺ بدون شق، ولوضع على كل قبر عسيبًا أو نصفه على الأقل، فإذا لم يفعل دل على أن النداوة ليست هي السبب، وتعين أنها علامة على مدة التخفيف الذي أذن الله به استجابة لشفاعة نبيه ﷺ، كما هو مصرح به في حديث جابر، وبذلك يتفق الحديثان في تعيين السبب، وإن احتمل اختلافهما في الواقعة وتعددها. فتأمل هذا، فإنما هو شيء انقدح في نفسي، ولم أجد من نصَّ عليه أو أشار إليه من العلماء، فإن كان صوابًا فمن الله تعالى وإن كان خطأ فهو مني، وأستغفره من كل ما لا يرضيه. (ج) لو كانت النداوة مقصودة بالذات، لفهم ذلك السلف الصالح ولعملوا بمقتضاه، ولوضعوا الجريد والآس ونحو ذلك على القبور عند زيارتها، ولو فعلوا لاشتهر ذلك عنهم، ثم نقله الثقات إلينا، لأنه من الأمور التي تلفت النظر، وتستدعي الدواعي نقله، فإذ لم ينقل دل على أنه لم يقع، وأن التقرب به إلى الله بدعة، فثبت المراد. انتهى كلام الألباني ﵀. ومذهب جمهور العلماء على أن القراءة على القبور غير مشروعة، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد في رواية عنه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في «اقتضاء الصراط المستقيم»: «ولا يحفظ عن الشافعي في هذه المسألة كلام، لأن ذلك كان عنده بدعة، وقال مالك: ما علمت أحدًا يفعل ذلك. فعلم أن الصحابة والتابعين ما كانوا يفعلونه». وقال في «الفتاوى الكبرى» ٤/ ٢٣٧: «والعلماء لهم في وصول العبادات البدنية: كالقراءة والصلاة والصيام إلى الميت قولان أصحهما أنه يصل، لكن لم يقل أحد من العلماء بالتفاضل في مكان دون مكان، ولا قال أحد قطُّ من علماء الأمة المتبوعين: أن الصلاة أو القراءة عن القبر أفضل منها عند غيره، بل القراءة عند القبر قد اختلفوا =
[ ٤٢٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) =في كراهتها، فكرهها أبو حنيفة ومالك والإمام أحمد في إحدى الروايتين، وطوائف من السلف. ورخص فيها طائفة أخرى من أصحاب أبي حنيفة، والإمام أحمد وغيرهم. وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وليس عن الشافعي في ذلك كله نص نعرفه. ولم يقل أحد من العلماء أن القراءة عند القبر أفضل، ومن قال إنه عند القبر ينتفع الميت بسماعها دون ما إذا بعُدَ القارئ؛ فقوله هذا بدعة باطلة، مخالفة لإجماع العلماء. والميت بعد موته لا ينتفع بأعمال يعملها هو بعد الموت لا من استماع ولا قراءة، ولا غير ذلك باتفاق المسلمين، وإنما ينتفع بآثار ما عمله في حياته، كما قال النبي ﷺ: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له». وينتفع أيضًا بما يهدَى إليه من ثواب العبادات المالية كالصدقة والهبة باتفاق الفقهاء، وكذلك العبادات البدنية في أصح قوليهم». وقال في «الاختيارات العلمية»: «والقراءة على الميت بعد موته بدعة، بخلاف القراءة على المحتضر فإنها تستحب ب: (يس)». ونقله الألباني في «أحكام الجنائز» ١٩٢ وقال: لكن حديث قراءة ياسين ضعيفٌ، والاستحباب حكم شرعي، ولا يثبت بالحديث الضعيف، كما هو معلوم من كلام ابن تيمية نفسه في بعض مصنفاته وغيرها. وفي «الشرح الكبير» من كتب المالكية: «وكره قراءة بعده، أي بعد موته وعلى قبره لأنه ليس من عمل السلف». وقال الدسوقي في حاشيته عليه ١/ ٤٢٣: «قوله: لأنه ليس من عمل السلف؛ أي فقد كان عملهم التصدق والدعاء لا القراءة». وقال الألباني في «أحكام الجنائز» ١٩١: «وأما قراءة القرآن عند زيارتها، فمما لا أصل له في السنة، بل الأحاديث المذكورة في [السلام على الميت والدعاء والاستغفار له] تشعر بعدم مشروعيتها، إذ لو كانت مشروعة، لفعلها رسول الله ﷺ وعلمها أصحابه، لا سيما وقد سألته عائشة ﵂ وهي من أحب الناس إليه ﷺ عما تقول إذا زارت القبور؟ فعلمها السلام والدعاء، ولم يعلمها أن تقرأ الفاتحة أو غيرها من القرآن، فلو أن القراءة كانت مشروعة لما كتم ذلك عنها، كيف وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز كما تقرر في علم الأصول، فكيف بالكتمان، ولو أنه ﷺ علمهم شيئًا من ذلك لنقل إلينا، فإذ لم ينقل بالسند الثابت دلَّ على أنه لم يقع. ومما يقوى عدم المشروعية قوله ﷺ: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر، فإن الشيطان يفرُّ من البيت الذي يقرأ فيه سورة البقرة». أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁. فقد أشار ﷺ إلى أن القبور ليست موضعًا للقراءة شرعًا، فلذلك حضَّ على قراءة القرآن في البيوت، ونهَى عن جعلها كالمقابر التي لا يقرأ فيها، كما أشار في الحديث الآخر إلى أنها ليست موضعًا لصلاة أيضًا، وهو قوله: «صلوا في بيوتكم، ولا تتخذوها قبورًا». أخرجه مسلم وغيره عن ابن عمر، وهو عند البخاري بنحوه، وترجم =
[ ٤٢٧ ]
وأجمع العلماء أنَّ المسلم يؤجر على الأمراض والأعراض حتى الشوكة يشاكها، يرفع له بها درجة، ويحط عنه بها خطيئة، وهذا ليس من سعيه، وقد حصل له الأجر. قال بعضهم: مات أخ لي، فرأيته في المنام، فسألته عن حاله، فقال: أتاني آتٍ بشهابٍ من نار، فلولا أن داعٍ دعا لي لرأيت أنه سيضربني به.
وحكي: أن رجلًا مرَّ بمقبرة فصلى على النبي ﷺ، وكان في المقبرة جماعة في العذاب، فرُفِعَ عنهم.
_________________
(١) = له بقوله: (باب كراهية الصلاة في المقابر)، فأشار به إلى أن حديث ابن عمر يفيد كراهة الصلاة في المقابر، فكذلك حديث أبي هريرة يفيد كراهة قراءة القرآن في المقابر، ولا فرق. ولذلك كان مذهب جمهور السلف كأبي حنيفة ومالك وغيرهم كراهة القراءة عند القبور، وهو قول الإمام أحمد فقال أبو داود في مسائله (ص ١٥٨): سمعت أحمد سئل عن القراءة عند القبر؟ فقال: لا». (ت)
[ ٤٢٨ ]