فيعصون بسبب ذلك الواحد المنان، ويخرجون عن طريق أهل الخير والإيمان، ويعملون المحرمات على المائدة، ووبالها عليهم عائدة، فيأكلون في آنية الذهب والفضة وما هو من جنسهما من الملاعق، وقد حرَّمه الشرع، وفعله غير لائق.
ومن البدع ما يفعله بعض الأشرار على المائدة: من ضرب قِنْزٍ (^٢) وطار، أو ربابة ومزمار، ونشدهم الأشعار، الكل خرجوا عن طريق النبي المختار، والصحابة الأخيار، والمؤمنين الأبرار.
_________________
(١) الخِوَانُ: ما يؤكل عليه. معرَّب، وفيه ثلاث لغات: كسر الخاء، وهي الأكثر، وضمها حكاه ابن السكيت، وإِخْوَانٌ بهمزة مكسورة حكاه ابن فارس، وجمع الأولى في الكثرة: خُوْنٌ، والأصل بضمتين، مثل كتاب وكتب، لكن سكن تخفيفًا، وفي القلة: أَخْوِنَةٌ، وجمع الثالثة: أَخَاوِينٌ، ويجوز في المضموم في القلة: أَخْوِنَةٌ أيضًا، كغراب وأغربة. «المصباح المنير» (مادة: خان).
(٢) أثبتها في (ط): (وتر)، وفي النسخ الخطية ما أثبتناه وهي إما بالباء كما هي واضحة في (ق)، ولا معنى لها إلا القصير البخيل، ولا يناسب السياق، أو بالياء، ولا أدري وجهه، ولعلَّ لما أثبته وجهًا فقد ذكروا: (القنز) بالكسر، وقالوا: هو الراقود الصغير والرَّاقود: إناء من خزف مستطيل مقيَّر، كالإقنيز كإزميل، وهو الدَّنُّ الصغير. وأقنز الرجل: إذا شرب بالإقنيز طربًا. انظر: «لسان العرب» و«تاج العروس» (مادة: قنز). (ت)
[ ٣٧٤ ]
وأكثر ما تستعمل هذه البدع عند من أعمى الله قلبه من الأمراء والسلاطين؛ فتخرج من بينهم الملائكة، وتحضرهم الشياطين.
وقد أجمع العلماء أن الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة حرام على الرجال والنساء (^١)، وكذلك التطيب والادهان والاكتحال (^٢).
فاترك الكل وخف من شديد المحال، فمن ترك ما حُرم عليه عوضه الله سبحانه ما هو خير منه من الحلال، وهذا الطعام هو شر الطعام؛ لما فيه من البدع والآثام.
ولا ينبغي لمن يدعي الإسلام أن يحضرهم، ولا يجيب دعوتهم؛ لخروجهم عن طريق النبي ﷺ، وعن طريق أصحابه الكرام؛ لقوله ﷺ: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» (^٣).
ثم اعلم بأن الطعام على أقسام: منه ما يفترض وهو طلب الحلال، وهو من أعظم الأحوال، وبه قوام الدين والبدن، وقبول الأعمال، وبوجوده وصل العمَّال، فعلمه يقدَّم على كل حال.
_________________
(١) وقد صحَّ النهي عن ذلك في أحاديث منها ما أخرجه الحميدي في «مسنده» (٤٤٠)، وأحمد في «مسنده» ٥/ ٣٩٨ (٢٣٣٧٤)، والدارمي في «سننه» (٢١٣٠)، والبخاري في «صحيحه» (٥٤٢٦)، ومسلم في «صحيحه» (٢٠٦٧)، وأبو داود في «سننه» (٣٧٢٣)، وابن ماجه في «سننه» (٣٤١٤)، والترمذي في «جامعه» (١٨٧٨)، والنسائي في «المجتبى» ٨/ ١٩٨ (٥٣٠١)، وفي «الكبرى» (٦٨٧٠) من حديث حذيفة ﵁.
(٢) ذكره ابن عبد البر في «الاستذكار» ٨/ ٣٥٠، وابن قدامة في «المغني» ١/ ٩٢.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٣٤٤٠٦) من طريق الحسن، والبغوي في «شرح السنة» ١٠/ ٤٤ من طريق النواس بن سمعان، والطبراني في «الكبير» ١٨/ (٣٨١)، والقضاعي في «مسند الشهاب» (٨٧٣) من طريق عمران بن حصين بلفظه. قال الألباني في «الصحيحة» (١٧٩): صحيح. وأخرجه أحمد في «مسنده» ١/ ٩٤ (٧٢٤)، والبخاري في «صحيحه» (٧٢٥٧)، ومسلم في «صحيحه» (١٨٤٠)، وأبو داود في «سننه» (٢٦٢٥)، والنسائي في «المجتبى» ٧/ ١٥٩ (٤٢٠٥) من حديث علي بلفظ: «لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف».
[ ٣٧٥ ]
قال بعض المتقدمين: أدركت الناس، وما يتعلمون إلا الورع، وإنهم ليتعلمون اليوم الكلام (^١).
قال عبد الله بن عمر ﵁: لو صليتم حتى تكونوا كالحنايا وصمتم حتى تكونوا كالأوتار، ما تقبل الله ذلك منكم إلا بورع حاجز (^٢).
وقال يحيى بن معاذ: لو علمت العلم، وزهدت، وصحبت الأبدال، وكتبت السنن، لم تدخل بستان القوم حتى تعرف من أين الكسرة (^٣).
وقيل لداود الطائي: أوصني. قال: اقرأ القرآن، تريد به وجه الله تعالى؛ وانظر خبزَك من أين هو؟ (^٤).
وقال الفضيل: من عرف ما يدخل بطنه كان صدِّيقًا (^٥). وقال: إذا أحب الله عبدًا طيَّب له مطعمه (^٦). وقال أيضًا: ما تزيَّن المؤمن بأفضل من الصدق وطلب الحلال (^٧).
_________________
(١) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» ١/ ١١، والهروي في «ذم الكلام وأهله» ١/ ١٢٨، وذكره الغزالي في «الإحياء» ١/ ٦٦ عن الضحاك بن مزاحم.
(٢) ذكره الغزالي في الإحياء ٢/ ٩١ عن عبد الله بن عمر بلفظه. وأخرجه ابن منده في مسند إبراهيم بن أدهم (٢٣)، وابن عساكر في تاريخه ٢٣/ ١٣٢، والديلمي في مسند الفردوس (٥١٢٤) من حديث عمر بلفظ: لو صليتم حتى تكونوا كالحنايا وصمتم حتى تكونوا كالأوتار ثم كان الاثنان أحب إليكم من الواحد لم تبلغوا الاستقامة. قال الذهبي في الميزان (٨٠٤٥): أتى بخبر باطل مسلسل بالزهاد. قال الكناني في تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأحاديث الموضوعة (٩٢): قال الذهبي في الميزان: باطل وآفته ابن فارس. وقال الفتني في تذكرة الموضوعات ١/ ١٩٢: هو خبر باطل.
(٣) لم أجده.
(٤) لم أجده.
(٥) أخرجه ابن عساكر في «تاريخه» ٤٨/ ٣٩٣، والغزالي في «الإحياء» ٢/ ٩١.
(٦) أخرجه اللالكائي في «شرح أصول الاعتقاد» (٢٦٣).
(٧) أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (٤٩٠٠) بلفظ: لم يتزين الناس بشيء أفضل من الصدق وطلب الحلال.
[ ٣٧٦ ]
وقال السَّريُّ: طريق النجاة أن يكون معك ثلاث خصال هنَّ سبيل الهدى، وهن: الطهارة من البدع، وكمال التقوى، وطيب الغذاء (^١).
وقيل لبشر الحافي: كيف الطريق إلى الله؟ قال: الصوم والصلاة، ومن أين تأكل (^٢).
سألت عائشة ﵂ النبي ﷺ فقالت: مَنْ المؤمن يا رسول الله؟ قال: «مَنْ حاسَبَ نفسه من أين يدخل قرصاه» (^٣).
فمن حاسب نفسه في الدنيا لم يُحاسب في الآخرة.
وجاء في حديث آخر: «استحيوا من الله حقَّ الحياء». قالوا: يا رسول الله، إنا لنفعل (^٤)، إنا لنستحيي. قال: «ليس كذلك، من استحيَى من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما حوى، والبطن ما وعى، ومن طلب الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيَى من الله حقَّ الحياء» (^٥).
_________________
(١) لم أجده.
(٢) لم أجده.
(٣) روى محمد بن وضاح القرطبي في كتابه: «القطعان» عن عبد الرحمن بن القاسم العُتَقي، عن العمري: أن عائشة قالت لرسول الله ﷺ: يا رسول الله من المؤمن؟ قال: «الذي إذا أصبح سأل من أين قرصته»، قالت: يا رسول الله من المؤمن؟ قال: «الذي إذا أمسى سأل من أين قرصته»، قالت: يا رسول الله! لو علم الناس أَنهم كُلِّفوا علم ذلك لتكلفوه، قال: «قد علموه، ولكنهم غشموا بالمعيشة غشمًا». هكذا نقله أبو الوليد ابن رشد في «البيان والتحصيل» ١٨/ ٥١١. وهذا إسناد ضعيف منقطع، والعمري لعله أحد أبناء عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، وهم: عُبيد الله وهو فقيه ثقة، وعبد الله وعاصم وهما ضعيفان، وأبو بكر. وهم جميعًا من أتباع التابعين الذين لا يروون عن الصحابة، فإن كان المراد من هو فوق طبقتهم صار الانقطاع بينه وبين ابن القاسم. ومهما يكن فهو حديث منكر تناقله بعض المالكية في كتبهم، وقد تلقَّفه أبو بكر ابن العربي المالكي وزعم أنه «حديث صحيح»، فيما نقل عنه ابن الحاج في «المدخل» ٤/ ٥! (ت)
(٤) في (ق، خ): لنفتعل.
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٣٥٤٦١)، وأحمد في «مسنده» ١/ ٣٨٧ (٣٦٧١)، والترمذي في «جامعه» (٢٤٥٨) من حديث ابن مسعود ﵁. قال الترمذي: هذا حديث إنما نعرفه من هذا الوجه. وقال الحاكم في «المستدرك» ٤/ ٣٢٣: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الألباني في «صحيح الجامع» (٩٣٥): حسن.
[ ٣٧٧ ]
فمن استحيا من الله تعالى استحيا الله منه. نبَّه ﷺ بهذه الوصية النافعة الجامعة لخيري الدنيا والآخرة على الجوارح الظاهرة: فالرأس وما حوى ظاهر، والبطن وما وعى عبَّر به عن الباطن؛ ليحفظ المؤمن قلبه عن العقائد الفاسدات، ويصونه عن الوساوس المذمومة والغفلات، ولا يدخل جوفه شيئًا من المحرمات، ويحفظه أيضًا من الشبهات.
قال أبو جحيفة: كنت عند رسول الله ﷺ فتجاشأتُ، فقال: «أقصر عنَّا جشَأَك، فإن أطول الناس جوعًا يوم القيامة أكثرهم شبعًا في الدنيا». قال: فما شبعت بعد (^١).
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين». فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١]. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]، ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمدَّ يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وغذِّي بالحرام؛ فأنَّى يستجاب لذلك؟! (^٢).
_________________
(١) أخرجه البزار في مسنده (٤٢٣١)، والطبراني في الكبير ٢٢/ ١٢٦ (٣٢٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (٥٦٤٣) من حديث أبي جحيفة ﵁. وأخرجه ابن ماجه في «سننه» (٣٣٥٠)، والترمذي في «جامعه» (٢٤٧٨)، والبيهقي في شعب الإيمان (٥٦٤٦) من حديث ابن عمر ﵄، قال: تجشأ رجل عند النبي ﷺ فقال: «كف جشاءك عنَّا، فإن أكثركم شبعًا في الدنيا أكثركم جوعًا يوم القيامة» قال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه. وقال أبو حاتم في العلل» (١٩١٠): هذا حديث منكر. وقال الألباني في الصحيحة (٣٤٣): حسن بمجموع طرقه.
(٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٨٨٣٩)، وأحمد في مسنده ٢/ ٣٢٨ (٨٣٤٨)، والدارمي في سننه (٢٧١٧)، والبخاري في رفع اليدين (٩١)، ومسلم في صحيحه (١٠١٥) (٦٥)، والترمذي في جامعه (٢٩٨٩) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٣٧٨ ]
وفي حديث آخر: «لا يدخل الجنة لحم نبت (^١) من سحت» (^٢).
وقال إبراهيم بن أدهم: ما نَبُل منَّا مَنْ نَبُل بكثرة حجٍّ ولا جهاد، إنما نَبل مَنْ كان يعقِلُ ما يدخل جوفه -يعني الرغيفين- من الحلال. فبكى من كان حوله من الحاضرين، وكان يقول:
لقمة من جريش الملح آكلها … ألذ من تمرة تحشى بزنبور (^٣)
وقال: أطب مطعمك، ولا عليك أن تقوم الليل، ولا تصوم النهار (^٤).
وقيل له: كيف أصبحت؟ قال: بخير، إذا لم يحمل مؤنتي غيري (^٥).
وكان يأكل من عمل يده ﵀.
وقال ﷺ: «أحل ما أكل المؤمن من كسب يمينه، وإن داود نبي الله كان يأكل من كسب يمينه» (^٦).
_________________
(١) في (ق): لحمة نبتت.
(٢) أخرجه الطبراني في «الكبير» ١١/ ٢١٧ (١١٥٤٤) من حديث ابن عباس ﵄ بلفظه. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» ١٠/ ٥٢٤: رواه الطبراني وفيه حسين بن قيس وهو متروك. وأخرجه عبد الرازق في «مصنفه» (٢٠٧١٩)، وأحمد في «مسنده» ٣/ ٣٢١ (١٤٤٤١)، والدارمي في «سننه» (٢٧٧٦)، وابن حبان في «صحيحه» (١٧٢٣) من حديث جابر ﵁. قال الحاكم في «المستدرك» ٤/ ٤٢٢: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» (١٧٢٨): صحيح لغيره.
(٣) أخرجه أبو نعيم في «حلية الأولياء» ٧/ ٣٦٩، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» ٦/ ٢٩٥ عن إبراهيم بن أدهم.
(٤) أخرجه أبو نعيم في «حلية الأولياء» ٨/ ٣١، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» ٦/ ٢٨٢ عن إبراهيم بن أدهم.
(٥) أخرجه ابن منده في «مسند إبراهيم بن أدهم» (٥١).
(٦) أخرجه أحمد في «مسنده» ٤/ ١٣١ (١٧١٨١)، والبخاري في «صحيحه» (٢٠٧٢)، والبغوي في «شرح السنة» ٨/ ٦ من حديث المقداد ﵁، بلفظ: «ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود ﵇ كان يأكل من عمل يده».
[ ٣٧٩ ]
ومن البدع الأكل من غير جوع، وهو إسراف، قال الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١]. وفي الخبر: أن ثلاثة يمقتهم الله تعالى: الأكول، والمتكبر، والضاحك خلف الجنازة (^١).
فمن ضحك في المقابر فهو مبتدع جائر؛ لأن الموت بين عينيه وهو يضحك. وكان ﷺ إذا رأى المقبرة بكى، وكان يقول: «هي أول منزل من منازل الآخرة» (^٢).
وكذلك الضحك عند قراءة القرآن والذكر والأذان، ومن ضحك عند المفجوع بالمصيبة فهو عبد مفتون. والضحك من غير عَجَبٍ نوع من الجنون، وفي الحديث: «ثلاثة أشياء تقسي القلب: كثرة الأكل، وكثرة الضحك، ومجالسة الجهال» (^٣).
وكان ابنُ كثيرٍ أحد القراء السبعة يقول عن نفسه:
_________________
(١) لم أجده، وأخرج عبد الله بن المبارك في «الزهد» (١٥٥٧) عن يحيى بن أبي كثير مرفوعًا: «إن الله تعالى كره لكم العبث في الصلاة، والرفث في الصيام، والضحك عند المقابر». وهذا إسناد ضعيف لإرساله، وذكره الألباني في «الضعيفة» (٣٠٧٩).
(٢) أخرجه أحمد في «مسنده» ١/ ٦٣ (٤٥٤)، وابن ماجه في «سننه» (٤٢٦٧)، والترمذي في «جامعه» (٢٣٠٨) من حديث عثمان بن عفان بلفظ: كان عثمان إذا وقف على قبر بكى حتى يبل لحيته، فقيل له: تذكر الجنة والنار فلا تبكي، وتبكي من هذا؟ فقال: إن رسول الله ﷺ قال: «إن القبر أول منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه». قال: وقال رسول الله ﷺ: «ما رأيت قط إلا القبر أفظع منه». قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وقال الحاكم في «المستدرك» ٤/ ٣٣١: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الألباني في «صحيح الجامع» (١٦٨٤): حسن.
(٣) لم أجده، وأخرج أبو نعيم في «حلية الأولياء» ٨/ ٣٥٠، والبيهقي في «الزهد» (٤١٠)، وابن عساكر في «تاريخه» ٤٨/ ٣١٥ عن الفضيل بلفظ: خصلتان تقسيان القلب: كثرة النوم، وكثرة الأكل. والأزدي في «طبقات الصوفية» ١/ ٢٦ بلفظ: ثلاث خصال تقسي القلب: كثرة الأكل، وكثرة النوم، وكثرة الكلام.
[ ٣٨٠ ]
بُنَيُّ كثيرٍ أَكولٌ نؤومٌ (^١) … وما هذه صفاتُ (^٢) من خافَ ربَّه
بُنَيُّ كثيرٍ يُعلِّمُ علمًا (^٣) … لقد أعجز الصوفُ مَنْ جَزَّ كلبَه
بُنَيُّ كثيرٍ دَهَتْهُ اثنتان: … رياءٌ وعُجبٌ يخالطنَ قلبَه (^٤)
ثم اعلم بأن الشِّبع الزائد أولُّ بدعة أُحدثت في الإسلام، فقد كانوا يجوعون من غير عوز؛ لما يرون فيه من اتباع النبي ﷺ والصحابة والتابعين. وفيه مصالح الدنيا والآخرة، أما من جهة الدنيا فصحة الجسد،
_________________
(١) في (ق): نؤوم أكول.
(٢) في (ق، ب): تلك حالة.
(٣) في (ط): علمًا يقينًا.
(٤) ابن كثير هو الإمام أبو معبد عبد الله بن كثير الداري المكي (ت: ١٢٠ هـ)، أحد القراء السبعة، وكان قاضي الجماعة بمكة وفيها كان مولده ووفاته ﵀. وقد نسب إليه هذه الأبيات: العلامة أبو الحسين محمد بن عبد الله بن الحسن البصري، المعروف بابن اللبان الفرضي (ت: ٤٠٢ هـ)، فقال: أنشدنا أشياخُنا، عن عبد الله بن كثير، حين سأله أهل مكة أن يقرأهم القرآنَ بعد وفاة مجاهد ﵀، فقال: بُنَيُّ كثيرٍ كثيرُ الذُّنوبِ … ففي الحِلِّ والبِلِّ مَنْ كانَ سبَّهْ بُنَيُّ كثيرٍ دَهَتْهُ اثنتان: … رياءٌ وعُجبٌ يُخالِطْنَ قلْبَهْ بُنَيُّ كثيرٍ أَكولٌ نَؤُومٌ … وما ذاكَ مِنْ فِعْلِ من خافَ ربَّهْ بُنَيُّ كثيرٍ يُعلِّمُ علمًا … لقَدْ أَعْوَزَ الصُّوفَ مَنْ جَزَّ كَلبَهْ كذا في ترجمة ابن اللبَّان في «طبقات الفقهاء الشافعية» لابن الصلاح ١/ ١٨٤ (٣٥)، وفي «طبقات الفقهاء الشافعيِّين» لابن كثير الدمشقي ١/ ٣٥٧، وعلَّق عليه ابن كثير بقوله: «ويروي هذه الأبيات محمد بن كثير البغدادي، فالله أعلم». قلتُ: هو المحدِّث محمد بن كثير بن أبي عطاء المِصِّيصي (ت: ٢١٦ هـ) ﵀، وقد روى هذه الأبيات عنه ابن عساكر في «تاريخ مدينة دمشق» ٥٥/ ١٢٦ بإسناده إلى أبي منصور الحسن بن أحمد المعادي، قال: سمعت أبا عمران موسى بن العباس الجويني وهو نازل في دارنا، وكان يقوم الليل ويصلي، ثم يبكي طويلًا، وينشد أبياتًا، فسُئل عن تلك الأبيات التي ينشدها بالليل فقال: سمعت محمد بن عوف يقول: سمعت محمد بن كثير المصيصي يقول: .. فذكر الأبيات، ونقلها الذهبي في «سير أعلام النبلاء» ١٠/ ٣٨٢، وفي «تاريخ الإسلام» ٥/ ٤٥٠، ولفظها موافق لما عند ابن الصلاح وابن كثير، فيظهر من هذا أن المؤلف ﵀ قد أوردها من حفظه بلفظ مقاربٍ، والله أعلم. (ت)
[ ٣٨١ ]
وقلة علله، وتوفير المال، ومن جهة الآخرة رقة القلب، وكسر النفس، والقوة على الطاعة، وخوف الرحمن، وتضييق مسالك الشيطان، والمحافظة على الطهارة، وحياة القلب ومحبة الرب؛ لأن الله تعالى يبغض الأكول، ويحب من يتبع الرسول، ويصفو عقله، ويروق ذهنه، ويورثه الحكمة؛ لأن الحكمة كالعروس تحب البيت الخالي، فترى الحكيم يحمل الحكمة، والحمار يحمل العلف.
وقال خالد بن معدان: إن لقمة السمين تطفئ نور حكمة الحكيم. وكان يقول: ارحموا فقيرًا أفسدت معدته طعام الأغنياء (^١).
وقال ابن عباس ﵁: ليأتين على الناس زمان يكون هَمُّ أحدهم بطنه، ودينه هواه (^٢).
ليس العجب (من بني إسرائيل حين تاهوا في قدر نصف ميل أربعين سنة، إنما العجب) (^٣) فيمن تاه الأربعين والخمسين سنة (^٤) في قدر شبرٍ؛ وهو بطنه!
فأي مكان عُرف (^٥) بالمأكل الكثير (عمل إليه) (^٦) بالمسير، وليس ذلك فعل ولي ولا فقير، ويقبح على الرِّجال (^٧) أن يشدوا لمثل ذلك (^٨) الرِّحال؛
_________________
(١) خالد بن معدان بن أبي كرب الكلاعي، أبو عبد الله الشامي الحمصي، تابعي ثقة، فقيه عابد، كبير الشأن، توفي سنة (١٠٣) أو بعدها رحمه الله تعالى، مترجم في «تاريخ دمشق» ١٦/ ١٨٩، و«سير أعلام النبلاء» ٤/ ٥٣٦. (ت)
(٢) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (٦١٣)، والبغوي في «شرح السنة» ١٤/ ٣٠٥، وابن الجوزي في «ذم الهوى» ١/ ٢٣ عن ابن عباس ﵄.
(٣) ليست في (خ).
(٤) من (ق).
(٥) في (خ): كان معروف.
(٦) في (خ): عملوا عليه.
(٧) في (خ): للرجال.
(٨) في (خ): هذا.
[ ٣٨٢ ]
قال ﷺ: «لا تشدُّ الرحال إلا لثلاث: لبيت الله الحرام، ولمسجدي هذا، والمسجد الأقصى» (^١).
دخل رجل على النبي ﷺ وشرع يصف كثرة (ما يأكل في) (^٢) بلده من اللحم واللبن وغيره، فقال له: «إلى ماذا يذهب» (^٣) قال: إلى ما تعلم يا رسول الله. قال: «فذلك (^٤) مثل الدنيا» (^٥).
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» (٩١٥٨)، والحميدي في «مسنده» (٩٤٣)، وابن أبي شيبة في «مصنفه» (٧٦٢٠)، وأحمد في «مسنده» ٢/ ٢٣٤ (٧١٩١)، والدارمي في «سننه» (١٤٢١)، والبخاري في «صحيحه» (١١٨٩)، ومسلم في «صحيحه» (١٣٩٧)، وأبو داود في «سننه» (٢٠٣٣)، وابن ماجه في «سننه» (١٤٠٩)، والنسائي في «المجتبى» ٢/ ٣٧ (٧٠٠)، وابن حبان في «صحيحه» (١٦١٩) من حديث أبي هريرة ﵁. قلتُ: استشهاد المؤلف بهذا الحديث في غير موضعه، فإنه يدلُّ على النَّهي عن شدِّ الرِّحال على وجه التقرُّب والتعبُّد لغير المساجد الثلاثة المذكورة، أما شدُّ الرِّحال من أجل طلب العلم والرزق فأمر مرغوب فيه، وقد ورد التخفيف في العبادات لرفع الحرج عمَّن يسافر ابتغاء رزقه، قال تعالى: ﴿علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله﴾ [المزمل: ٢٠]، وقال تعالى: ﴿هو الذي جعل لكم الأرض ذلولًا فامشوا في مناكبها وكلو من رزقه وإليه النشور﴾ [الملك: ١٥]. وإنما الذي يقبحُ على الرجال والنساء هو الاشتغال بأمر الدنيا عن أمر الآخرة.
(٢) في (ق، ب): مأكل.
(٣) في (ب): نذهب بها.
(٤) في (ب): فذاك.
(٥) أخرجه أحمد في «مسنده» ٣/ ٤٥٢ (١٥٧٤٧)، والطبراني في «الكبير» ٨/ ٢٩٩ (٨١٣٨)، والبيهقي في «شعيب الإيمان» ٥/ ٢٩ من حديث الضحاك بن سفيان الكلابي: أن رسول الله ﷺ قال له: «يا ضحَّاك! ما طعامك؟» قال: يا رسول الله اللحم واللبن. قال: «ثم يصير إلى ماذا؟» قال: إلى ما قد علمت. قال: «فإن الله ﵎ ضرب ما يخرج من ابن آدم مثلًا للدنيا». وله شاهد من حديث سلمان، أخرجه يحيى بن صاعد في زوائد «الزهد» (٤٩٢)، والطبراني في «الكبير» (٦١١٩) من طرق عن محمد بن يوسف الفريابي، حدثنا سفيان وهو الثوري، عن عاصم وهو الأحول، عن أبي عثمان النهدي، قال سفيان: أراه عن سلمان وجاء عند الطبراني عن سلمان من غير شك قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ، فقال: ألكم طعام؟ إلى أن قال: «فإن معادهما كمعاد الدنيا، يقوم أحدكم خلف بيته، فيمسك على أنفه من نتن ريحه». وأخرج عبد الله بن أحمد في «زوائد المسند» (٢١٢٣٩) عن أُبي بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ مطعم ابن آدم جُعل مثلًا للدنيا، وإنْ قزَّحَه وملَّحَه، فانظر إلى ما يصير». قال المنذري في «الترغيب»: إسناده جيد قوي. وخرَّجه الألباني في «الصحيحة» (٣٨٢).
[ ٣٨٣ ]
فما وصل إلى الله تعالى العمال إلا بأفضل الأعمال وهو الصدق والزهد، وحمل المؤنة عن الناس، واتباع السنة، والرضى عن الله تعالى في كل حال، فنرى بعض الناس يقدمون على رجل ضعيف الحال، فيقدم لهم ما حصل وقدر عليه من الطعام، فلا يرضون به، ويغلظون عليه الكلام، ليأتي لهم بأطيب من ذلك الطعام، فيسخطون بذلك الملك العلام، ويخرجون عن طريق النبي عليه أفضل الصلاة والسلام؛ فهؤلاء المبعودون قد اتصفوا بصفات الصالحين، ولم يبلغوا إلى منازل العوام؛ فالله بريء منهم، والنبي ﵊ وجميع الإسلام. قال صلوات الله عليه وسلامه: «أنا وأمَّتي بُرآءُ من التَّكلُّف» (^١).
فاتصف هؤلاء القوم بزي الفقراء، وما نالوا منهم (^٢) وطرًا، والحق سبحانه ما ينظر للحسن البديع، ولا للثوب الرفيع، ولا لمرقعة مبتدع ورقيع. كما قال في الحديث: «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى لباسكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» (^٣).
فإذا وجد القلب خاليًا من البدع والأكدار ملئ من الخير والحكمة والأنوار. كان بعض الصالحين يقول عند النَّزع: «اللَّهم إنك تعلم ما كنت
_________________
(١) ذكره الغزالي في «الإحياء» ٢/ ١٨٩، وأخرجه ابن عساكر في «تاريخه» ٣٥/ ٢٧٨، والديلمي في «مسند الفردوس» ١/ ٧٦ من حديث الزبير بن العوام ﵁. قال السخاوي في «المقاصد الحسنة» ١/ ١٧١: قال النووي: ليس بثابت. وقد أخرجه الدارقطني في «الأفراد» من حديث الزبير بن العوام مرفوعًا، وسنده ضعيف.
(٢) في (ق): منه.
(٣) أخرجه أحمد في «مسنده» ٢/ ٤٨٤ (٧٨٢٧)، ومسلم في «صحيحه» (٢٥٦٤)، وابن ماجه في «سننه» (٤١٤٣) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٣٨٤ ]
أحب البقاء في الدنيا لبطنٍ، ولا لفرجٍ» (^١)، فقد علمتَ أن في المأكل اليسير الخيرَ الكثير، والمتابعة للبشير النذير، والأكُول متَّبع للبهائم والكفار والحمير.
وقد جمع الحق سبحانه في آية واحدة الطب كله، وهو قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١] فالأمراض المختلفة والتُّخم والعلل والأسقام أصلها من الإسراف بلا خلاف؛ لأن الشِّبَع المفرط أصل كل داء حتى قال بعض الحكماء: من أكل الطعام بغير إسراف لم يعتل إلا علة الموت، وهو أن يأكل بعد الجوع، ويرفع قبل الشبع عملًا بالحديث، يعمل بطنه على ثلاثة أقسام: ثلث للطعام، وثلث للشراب، وثلث للنفس (^٢). والدرجة العليا أنْ يأكل الإنسانُ أكلَ المريض، وينام نوم الغريق (^٣).
ومن السُّنة غسل اليدين قبل الطعام وبعده (^٤)، وتسمية الله تعالى في
_________________
(١) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» ٢/ ٣٦١ عن حزم القطيعي قال: دخلنا على مالك بن دينار في مرضه الذي مات فيه، وهو يكيد بنفسه، فرفع رأسه إلى السماء، ثم قال: … فذكره. (ت)
(٢) أخرجه أحمد في «مسنده» ٤/ ١٣٢ (١٧١٨٦)، وابن ماجه في «سننه» (٣٣٤٩)، والترمذي في «جامعه» (٢٣٨٠)، والنسائي في «الكبرى» (٦٧٧٠) من حديث المقدام بن معدي كرب بلفظ: «ما ملأ آدمي شرًّا من بطنه، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة: فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه». قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال الحاكم في «المستدرك» ٤/ ٣٣٢: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الألباني في «الصحيحة» (٢٢٦٥): صحيح.
(٣) هذا ليس من الدرجة العليا في شيء، فإن من المعلوم أن المرض حال عارضة فيها مشقة وحرج، والمشروع أن يسأل المسلم ربَّه الصحة والعافية والشفاء من كل داء، ويستعيذ به سبحانه من الأمراض والأوجاع والأسقام، فإن العبدَ لا يستطيع القيام بما عليه من حقِّ العبودية لله تعالى على وجه حسن إلا براحة النفس، وقوة الجسد. (ت)
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٦٦٣)، وأحمد في «مسنده» ٦/ ١١٩ (٢٤٨٧٤)، وابن ماجه في «سننه» (٥٩٣)، وأبو داود في «سننه» (٢٢٢)، والنسائي في «المجتبى» ١/ ١٣٩ (٢٥٦) من حديث عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ، وإذا أراد أن يأكل غسل يديه. وصححه الألباني، وانظر «المغني» ٨/ ١٢١.
[ ٣٨٥ ]
الابتداء (^١)، ويحمده في الانتهاء (^٢)، فإن نسي التسميةَ في ابتداء الأكل يسمِّي في أثنائه أو بعد فراغه فيقول: بسم الله أوله وآخره (^٣). فلو كانت الدنيا لقمة وقال آكِلُها: الحمد لله. لأدَّى شكرَها. ويكرم الخبزَ فإنه قوام الدين والدنيا، وما يصير الرغيف رغيفًا حتى يعمل فيه ثلاث مئة وستون صانعًا: أولهم ميكائيل، وآخرهم الخبَّاز، ومن إكرامه أن لا يرفع على الخبز شيئًا، ويلتقط ما سقط منه، وإن قلَّ (^٤).
ورأى ابن عمر ﵄ كسرة في الطريق فقال لغلامه: ارفعها.
_________________
(١) أخرجه الحميدي في «مسنده» (٥٧٠)، وأحمد في «مسنده» ٤/ ٢٦ (١٦٣٣٠)، والدارمي في سننه (٢٠١٩)، والبخاري في «صحيحه» (٥٣٧٦)، ومسلم في «صحيحه» (٢٠٢٢)، وابن ماجه في «سننه» (٣٢٦٧)، والترمذي في «جامعه» (١٨٥٧)، والنسائي في «الكبرى» (٦٧٥٩) من حديث عمر بن أبي سلمة بلفظ: «يا غلام، سمِّ الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك».
(٢) أخرجه أحمد في «مسنده» ٣/ ٣٢ (١١٢٧٦)، وأبو داود في «سننه» (٣٨٥٠)، وابن ماجه في «سننه» (٣٢٨٣)، والترمذي في «جامعه» (٣٤٥٧)، والنسائي في «الكبرى» (١٠١٢٠) من حديث أبي سعيد الخدري بلفظ: كان رسول الله ﷺ إذا أكل طعامًا قال: «الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين».
(٣) أخرجه أحمد في «مسنده» ٧/ ٢٠٧ (٢٥١٠٦)، والدارمي في «سننه» (٢٠٢٠)، وأبو داود في «سننه» (٣٧٦٧)، وابن ماجه في «سننه» (٣٢٦٤)، والترمذي في «جامعه» (١٨٥٨) من حديث عائشة ﵂: أن النبي ﷺ كان يأكل طعامًا في ستة نفرٍ من أصحابه، فجاء أعرابي فأكله بلقمتين، فقال النبي ﷺ: «أما إنه لو كان ذكر اسم الله لكفاكم، فإذا أكل أحدكم طعامًا فليذكر اسم الله، فإن نسي أن يذكر اسم الله في أوله فليقل: بسم الله أوله وآخره». قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال الحاكم في «المستدرك» ٤/ ١٠٨: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وصححه الألباني في «إرواء الغليل» (١٩٦٥).
(٤) وردت أحاديث ضعيفة في إكرام الخبز، وقد مال العلامة الألباني ﵀ في «السلسلة الضعيفة» (٢٨٨٤ - ٢٨٨٥) إلى ثبوت طرفٍ منها، وهو قوله ﷺ: «أكرموا الخبز». ولا يختلف العلماء في أن من آداب الطعام إكرام الخبز، لأنه قوت بني آدم، ففي امتهانه كفر بالنِّعمة، قال المناوي ﵀: وإكرامه أن لا يوطأ ولا يمتهن، كأن يستنجي به، أو يوضع في القاذورة والمزابل، أو ينظر إليه بعين الاحتقار.
[ ٣٨٦ ]
فلما غربت الشمس طلبها، فقال الغلام: أكلتها. فأعتقه، وقال: سمعت النبي ﷺ يقول: «من رفع كسرةً من الأرض وأكلها غُفر له»؛ وأنا لا أستخدم من غُفر له (^١).
فقد علمت أن) (^٢) الشِّبع المفرط مضرة في الدنيا والدين، ويعد فاعله من المسرفين.
_________________
(١) ليس هذا من حديث عبد الله بن عمر ﵁، وإنما رُوي من حديث الحسن بن عليٍّ ﵄، وهو حديث مكذوب، أخرجه أبو يعلى في «مسنده» (٦٧٥٠) قال: حدثنا عيسى بن سالم، قال: حدثنا وهب بن عبد الرحمن القرشي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن الحسن بن علي: أنه دخل المتوضَّأ، فأصاب لقمةً أو قال: كسرة في مجرى الغائط والبول، فأخذها، فأماط عنها الأذى، فغسلها غسلًا نعِمًّا، ثم دفعها إلى غلامه، فقال: يا غلامُ! ذكرني بها إذا توضأتُ. فلما توضأ قال للغلام: يا غلام ناولني اللقمة أو قال الكسرة فقال: يا مولاي أكلتها! قال: فاذهب فأنت حر لوجه الله. قال: فقال له الغلام: يا مولاي لأي شيء أعتقتني؟ قال: لأني سمعت من فاطمة بنت رسول الله تذكر عن أبيها رسول الله ﷺ: «من أخذ لقمةً أو كسرةً من مجرى الغائط والبول، فأخذها، فأماط عنها الأذى، وغسلها غسلًا نعمًّا، ثم أكلها، لم تستقرَّ في بطنه حتَّى يُغفر له» فما كنتُ لأستخدم رجلًا من أهل الجنة! وأخرجه ابن الجوزي في «الموضوعات» (١٤١٨ ط: أضواء السلف) من طريق أبي يعلى، وقال: هذا حديث موضوع، والمتهم بوضعه: وهب بن عبد الرحمن، وهو وهب بن وهب القاضي، وإنما دلسه عيسى بن سالم، وقد دلسه مرة أخرى فقال: وهب بن عبد الرحمن المديني، وقد دلسه محمد بن أبي السري العسقلاني فقال: وهب بن زمعة القرشي، وهو وهب بن كثير بن عبد الله بن زمعة بن الأسود. وهذا كله جهل من الرواة بما في ضمن ذلك من الجناية على الإسلام، لأنه قد يبني على الحديث حكم فيعمل به، لحسن ظنِّ الراوي بالمجهول، ثم انظر إلى جهل من وضع هذا الحديث: فإن اللقمة إذا وقعت في مجرى البول وتداخلتها النجاسة فرَبَت لم يتصور غسلها، وقد سُئل أحمد بن حنبل عن سمسم وقع في النجاسة هل يغسل؟ فقال: كيف يتصور غسله؟ وكأن الذي وضع هذا قصد أذى المسلمين والتلاعب بهم. وقال ابن حجر في «المطالب العالية» (٢٤٢٦): وهب هذا هو أبو البختري القاضي المعروف بالكذب ووضع الحديث، وهذا الحديث مما افتراه، وقد ذكره ابن الجوزي في «الموضوعات» وكشف أمر هذا الحديث فأجاد.
(٢) ليست في (ق، ب).
[ ٣٨٧ ]
ومن البدع قطع الخبز بالسكين (^١)، فأقلل من الأكل تنتفع أيها المسكين، ولا تعد من المسرفين؛ لأنه إذا كثر الأكل قلَّ الخوف، ومات القلب، وعاشت النفس، وإن كان المأكل من حلال، والحرام قليله وكثيره يعمي القلوب، ويبعد عن علام الغيوب، وفي الأخبار: إن تصدق به لم يؤجر عليه، وإن أنفقه لم يبارك فيه، وإن تركه خلفه، كان زاده إلى النار (^٢).
وكان ﷺ يربط الحجر والحجرين على بطنه من الجوع (^٣)، ولو سأل الله تعالى أن يطعمه من طعام الجنَّة لفعل، وكان أكثر أكل البشير النذير الخبز الشعير (^٤)، وهو سنة الأنبياء ﵈.
مرَّ أنس بن مالك ﵁ على جماعة يأكلون لحمًا سميطًا،
_________________
(١) قطع الخبز بالسكين ليس من البدع في شيء، وقد ورد في النهي عنه أحاديث موضوعة مكذوبة.
(٢) يشهد لهذه المعاني أحاديث، منها ما أخرجه أحمد في «مسنده» ٢/ ١٩ (٤٧٠٠)، والدارمي في «سننه» (٦٨٦)، ومسلم في «صحيحه» (٢٢٤)، وأبو داود في «سننه» (٥٩)، وابن ماجه في «سننه» (٢٧١)، والترمذي في «جامعه» (١)، والنسائي في «المجتبى» ١/ ٨٧ (١٣٩) من حديث ابن عمر، وأبي المليح عن أبيه بلفظ: «لا تقبل صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول».
(٣) أخرجه الترمذي في «جامعه» (٢٣٧١)، والطبري في «تهذيب الآثار» (٤٦٠)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (١٠٤٢٨) من حديث أبي طلحة بلفظ: شكونا إلى رسول الله ﷺ الجوع، ورفعنا عن بطوننا عن حجر حجر، فرفع رسول الله ﷺ عن حجرين. قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وضعفه الألباني في «الترغيب والترهيب» (١٩٠٧). قلت: والذي صحَّ إنما كان في واقعة خاصة وهي أثناء حصار المدينة في غزوة الخندق، فعصَّبَ رسولُ الله ﷺ بطنه بعصابةٍ من الجوع؛ كما في «صحيح مسلم» (٢٠٤٠). (ت)
(٤) أخرجه أحمد في «مسنده» ١/ ٢٥٥ (٢٣٠٣)، وعبد بن حميد في «مسنده» (٥٩٢)، وابن ماجه في «سننه» (٣٣٤٧)، والترمذي في «جامعه» (٢٣٦٠) من حديث ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ كان يبيت الليالي المتتابعة طاويًا وأهله لا يجدون عشاء، قال: وكان عامة خبزهم خبز الشعير. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال الألباني في «صحيح الجامع» (٤٨٩٥): حسن.
[ ٣٨٨ ]
وخبزًا مرققًا، فعزموا عليه، فقال: كلوا فما رأيت رسول الله ﷺ أكل لحمًا سميطًا، ولا خبزًا مرققًا، ولا شبع من خبز شعير حتى لقي الله تعالى (^١).
ويحرم على المسلم أن يدخل من غير دعوى؛ لقوله ﷺ: «من دخَل من غير دعوًى دخل سارقًا، وخرج مُغيرًا، ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله» (^٢).
ويحرم على المؤمن أيضًا أن يفرق الطعام بغير دستور صاحبه، فإنه دُعِيَ ليأكل (مَا دُعِي لأجل التَّفرقة) (^٣). ويحرم (على الإنسان) (^٤) أن يخطف اللحم من بين أيدي الآكلين؛ لأنهم فيه مشتركون، وفيه تشبُّهٌ بمن ينتهب، قال ﷺ: «من انتهَبَ فليس منَّا» (^٥).
ومن أباح طعامًا له أو متاعًا للناهبين جاز لهم ذلك، وكذلك ما ينثر في الأعراس والولائم من الذهب والفضة والسكر وغيره، يجوز أخذه من الأرض، ولا يجوز أخذ الطبق من يد حامله قبل نثره، ولا يبسط ثوبه ولا رداءه لنزول الطبق فيه.
_________________
(١) أخرجه أحمد في «مسنده» ٣/ ١٢٨ (١٢٢٩٦)، والبخاري في «صحيحه» (٥٤٢١)، وابن ماجه في «سننه» (٣٣٣٩) عن قتادة، قال: كنَّا نأتي أنس بن مالك ﵁ وخبازه قائم، قال: كلوا فما أعلم النبي ﷺ رأى رغيفًا مرققًا حتى لحق بالله، ولا رأى شاة سميطًا بعينه قط.
(٢) أخرجه أبو داود في «سننه» (٣٧٤١)، والبيهقي في «الكبرى» ٧/ ٦٨، والقضاعي في «مسند الشهاب» (٥٢٨) من حديث ابن عمر بلفظ: «من دُعي فلم يجب فقد عصى الله ورسوله، ومن ودخل على غير دعوة دخل سارقًا وخرج مُغيرًا». قال الألباني في «الإرواء» (١٩٤٨): ضعيف.
(٣) في (ق، ب): لم يدع ليفرق.
(٤) في (ق): عليه.
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٢٢٧٦١)، والترمذي في «جامعه» (١٦٠١)، وابن الجعد في «مسنده» (٢٩٨٣)، والبغوي في «شرح السنة» ٨/ ٢٢٨ من حديث أنس ﵁. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب. قال الألباني في «صحيح الجامع» (٦١٠٥): صحيح.
[ ٣٨٩ ]
وأما النثر على ولاة الأمر كالقضاة والولاة لا يجوز للإنسان أن ينتهب منه؛ لأنه بمنزلة الرشوة، وهدية الأمراء مكروهة إلا للمضطرين، ولأهل السجون، وكذلك من ذبح شيئًا لأجل الأمراء والوزراء يكره أن يأخذ الإنسان من ذلك اللحم شيئًا (^١).
ولا ينتهب من نهبة العساكر، ومن كان أكثر ماله من حلال يجوز قبول هديته، وإن كان أكثره حرامًا فلا يجوز، ومن أتاه شيء بغير سؤال وردَّه فكأنما ردَّه على الله، بهذه المسائل أخبرنا علماؤنا ﵃ أجمعين.
وأول بدعة أحدثت في الملة الإسلامية الأكل الزائد، والمناخل، وغسل البر وهو يذهب ببركته (^٢) وأكل الدسومات، والمرق السمين يورث ما تقدم ذكره من القسوة والمقت، وانتشار الشهوة، ونسيان الآخرة، ولا يترك بالكلية لكي لا يضعف البدن عن القيام لخدمة خالق البرية.
قال السيد الجليل، صاحب المواهب والكرامات: سهل بن عبد الله التستري: لما خلق الله تعالى الدنيا جعل في الشبع الجهل والمعصية، وجعل في الجوع العلم والحكمة (^٣).
وكان عبد الله بن عمر ﵁ يقول: ليت أن الله جعل رزقي في مصِّ حصاة، فقد استحييت من الله من كثرة اختلافي إلى الحُشِّ (^٤). والحش هو المرحاض.
_________________
(١) هذا فيه تفصيل، فإن كان الذبحُ لضيافة من يحضر من الأمراء والوزراء لإطعامهم وإطعام الناس فهذا لا بأس به، وهو عمل مشروع فيجوز الأكل منه، أما إن كان نحرها عند لقاء الملوك أو عند لقاء المعظَّمين، تعظيمًا لهم؛ فهذا شركٌ، لأنه ذبح لغير الله، فيدخل في عموم قوله تعالى: (وما أهل به لغير الله) [البقرة: ١٧٣]، فمثل هذا يحرمُ الأكل منه. انظر: «مجموع فتاوى ابن باز» ١/ ٥٣ و٤٤٢ و٩/ ٣٩٣.
(٢) هذه دعوى لا برهان عليها. (ت)
(٣) ذكره العبدري في «المدخل» ٣/ ١١٣.
(٤) لم نجده عن ابن عمر ﵄، وذكره ابن قدامة في كتاب «التوابين» ص ٢٠ عن سعيد بن المسيب ﵀. وأخرجه أحمد في «الزهد» ١/ ٣٢٢، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» ٢/ ٣٧٠، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٥٦٩٦)، وابن عساكر في «تاريخه» ٥٦/ ٤٠٧ عن مالك بن دينار بلفظ: وددت أن رزقي في حصاةٍ أمصُّها حتى أموت، ولقد اختلفتُ إلى الخلاء حتى استحييت من ربِّي.
[ ٣٩٠ ]
وروى أبو نعيم في «الحلية» (^١) وذكر ابن الجوزي في «صفة الصفوة» (^٢): أن بعض السلف كان يأكل في كل ستة أشهر أكلة، فعجب بعض الناس من ذلك المدد الذي أمده الله تعالى به، فقال لهم: من أي شيء تعجبون؟ سألت الله سبحانه أن يكفيني مؤنة بطني ففعل.
وسأل بعض مشايخ «الرسالة» أن يُمدَّه الله ويُغنيَه عن هذه المآكل، وكان إذا جاع قويَ، وإذا شبع ضعف (^٣).
وهذه من كرامات الأولياء، ولا ينكرها إلا من نكب من الأشقياء؛ فإنه مقام الصالحين، وأجر الإيمان بكرامات أهل اليقين، وقد صحَّ أن أبا ذر ﵁ مكث بزمزم ثلاثين يومًا لم يستطعم طعامًا (^٤) غير ماء زمزم، فسمن على الماء. رواه البخاري ومسلم في إسلام أبي ذر (^٥).
دخل رجل إلى زمزم يريد ماءً، فوجد رجلًا ومعه ركوة وقد ملأها، فقال: يا سيدي، اسقني. فسقاه، فوجد سُويقًا مذابًا بسكر، فقال له: بالله
_________________
(١) «حلية الأولياء» ١٠/ ٢٢٨.
(٢) «صفة الصفوة» ٤/ ١٦٧.
(٣) أخرجه القشيريُّ في «رسالته» فقال: سمعت محمد بن أحمد التميمي يقول: سمعت عبد الله بن علي يقول: سمعت طلحة القصائري يقول: سمعت المنيحي صاحب سهل بن عبد الله هو التستري يقول: كان سهل يصبر عن الطعام سبعين يومًا، وكان إذا أكل ضعف، وإذا جاع قوي. قلتُ: ذكره المؤلف ﵀ اعتمادًا على ذاكرته فزاد فيه. وهذا ليس من الكرامات، بل مما يعتاده الإنسان ويألفه مع طول المعاناة، ففي الناس من لا يستطيع العمل والنشاط إلا مع الشبع، وفيهم من هو على العكس من ذلك، فلكل إنسان طبيعته، مما جبله الله عليه، أو اعتاده والتزمه في حياته، والمعيار في القيام بطاعة الله تعالى واجتناب معاصيه، لا في الجوع والشبع. (ت)
(٤) في (خ): بطعام.
(٥) البخاري في «صحيحه» (٣٥٥٢)، ومسلم في «صحيحه» (٢٤٧٣).
[ ٣٩١ ]
من أنت؟ قال: وتكتم؟ قال: نعم. قال: أنا سفيان الثوري (^١).
ومن الإسراف أن يأكل العبد كل ما تشتهيه نفسه. (^٢) (قال يحيى الوراق: من أرضى الجوارحَ بالشهوات، فقد غرس في قلبه شجرة الندامات (^٣).
وقال الثوري: إذا عصتك نفسك فيما تأمر، فلا تطعها (^٤) فيما تشتهي (^٥).
_________________
(١) أخرجه ابن الجوزي في «مثير الغرام الساكن إلى أشرف الأماكن» ص ٣٢٣ عن عبد الرحمن بن يعقوب، قال: قدم علينا شيخ من هراة يكنَّى: أبا عبد الله، شيخ صدق، قال: دخلت المسجد في السحر، فجلست إلى زمزم، فإذا شيخ قد دخل من باب زمزم، وقد سدل ثوبه على وجهه، فأتى البئر، فنزع بالدلو فشرب، فأخذت فضلته فشربتها، فإذا سويق لوز لم أذق أطيب منه، ثم التفتُّ، فإذا شيخ قد ذهب، ثم عدت من الغد في السحر، فجلست إلى زمزم، فإذا الشيخ قد دخل من باب زمزم، فأتى البئر، فنزع بالدلو فشرب، فأخذت فضلته فشربتها، فإذا ماء مضروب بعسل لم أذق قط أطيب منه، فالتفت فإذا الشيخ قد ذهب، ثم عدت من الغد في السَّحر، فإذا الشيخ قد دخل من باب زمزم، فأتى البئر، فنزع فشرب، فأخذت فضلته، فشربتها، فإذا سكر مضروب بلبن لم أذق قط أطيب منه، فأخذت طرف ملحفته فلففتها على يدي، فقلت: يا شيخُ! بحقِّ هذه البِنْيَة عليك من أنت؟ قال: تكتمُ عليَّ؟ قلتُ: نعم. قال: حتى أموت؟ قلتُ: نعم. قال: سفيان بن سعيد الثوريُّ. قال محقِّق كتاب ابن الجوزي: الخبر أورده ابن قدامة المقدسي في «الرقة» ٢٤٥، وفي إسناده من لم أهتد إلى ترجمته، فضلًا عن جهالة الشيخ الهروي. قلتُ: كان سفيان الثوري إمام أهل مكة في زمانه، ومن أعلام المسلمين، يقصده طلاب الحديث من شتَّى بقاع الأرض، فكيف لم يتعرف عليه هذا الشيخ الهروي، والمظنون فيه أنه من أهل الحديث! وقد كان سفيان ﵀ معروفًا بكثرة الأكل ليستعين بذلك على طاعة الله، أخرج أبو نعيم في «حلية الأولياء» ٦/ ٣٨٩ عن يحيى بن أبي ثابت قال: أُتي سفيان الثوري وهو في المسجد الحرام بسويق فيه نحو من مد أهل مكة، ثلثاه سويق، وثلثه سكر، قال: فشربه حتَّى حلَّ إزاره، قال: ثم شدَّ إزاره، وقال: أشبع الزنجي وكدَّه. ثم قام من أول الليل إلى آخره. (ت)
(٢) من هنا بداية سقوط ورقتين من (ق).
(٣) أخرجه البيهقي في «الزهد» (٣٦٨)، وابن الجوزي في «ذم الهوى» ١/ ٢٧، وذكره الغزالي في «الإحياء» ٣/ ٦٦.
(٤) في (ب): تطعمها.
(٥) لم أجده.
[ ٣٩٢ ]
وقالت امرأة العزيز: إن الحرص والشهوة صَّيرا الملوك عبيدًا، وإن الصبر والتقى صيَّرا العبيد ملوكًا (^١).
والعبد المذموم هو المشغول بهذه الهموم عن خدمة الحي القيوم، قال الله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩].
والمؤمن في الدنيا كالأسير يسعى في فكاك رقبته، همُّه الطاعة لا تقرُّ عينه إلا بها، وقرة عين المنافق في الزينة؛ فترى هذا العبد المتعوس، المخالف للملك القدوس، العالم بما في النفوس، يتحلى بلبس الذهب والحرير، ويتزين كما تتزين العروس، وقرة عين الحمار في العلف، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ﴾ [محمد: ١٢].
وإياك أيها المؤمن! أن تترك طريق نبيك ﵊، وتتشبه بالمنافقين، أو تتصف (^٢) بصفات الكفار والأنعام، وتنسى ما مَنَّ عليك به من الخيرات والإنعام، فتخالف الملك العلام على ممر الشهور والأعوام، فإذًا يخاف عليك عند الموت من تغير الأحوال؛ لإعراضك عن الرب الباقي، ولإقبالك على هذه الطلول الفانية والأعلام.
ثم اعلم بأن النبي ﷺ وصف المؤمن ووصف الكافر؛ فقال: «حسب المؤمن لقيمات يقمن صلبه» (^٣). وقال: «المؤمن يأكل في معاء واحد، والكافر يأكل في سبعة معاء» (^٤).
_________________
(١) أخرجه الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول في أحاديث الرسول» ٢/ ١٨١، ٣/ ٢٥، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (١١٧٢٤)، وذكره الغزالي في «إحياء علوم الدين» ٣/ ٦٦. وهو من الإسرائيليات.
(٢) في (ب): فتتصف.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٢٥٠٣٦)، وأحمد في «مسنده» ٢/ ٤١٣ (٨٨٧٩)، والدارمي في «سننه» (٢٠٤٣)، والبخاري في «صحيحه» (٥٣٩٧)، ومسلم في «صحيحه» (٢٠٦٢)، وابن ماجه في «سننه» (٣٢٥٦)، وأبو يعلى في «مسنده» (٢٠٦٩) من حديث أبي هريرة ﵁. وللحوادث شواهد عن جابر، وابن عمر، وأبي سعيد، وأبي بصرة الغفاري، وأبي موسى، وجهجاه الغفاري، وميمونة، وعبد الله بن عمرو ﵃.
[ ٣٩٣ ]
وقال أيضًا: «أكثركم شبعًا في الدنيا، أكثركم جوعًا يوم القيامة» (^١).
فجوَّعْ نفسك أيها المؤمنُ! لوليمة الآخرة، وتشبَّه بعباد الله الصالحين، لكي لا تنسى الجائعين، واجلس على الطعام بأدبٍ، ولا تتجشأ منه؛ فإنك تودُّ بعد أكله لو خلَّصك الله منه، فمن أكل بغير مقدار، فقد تشبَّه بالثور والحمار، وخرج عن طريق الأولياء والأخيار، وخالف القرآن العظيم والأخبار، فترى بعض المترفين يتجشأ منه، فيثقل الطعام على معدته، فيسعى في حطِّ حمله بالمعاجين والسفوف (^٢) وما هذه صفات من يخشى المولى الرؤوف، فإذا أكل الإنسان؛ يحمد الله تعالى، ويسأله أن لا يؤاخذه بجائعي أمة محمد ﷺ، ويدعو الله سبحانه أن يهديه ويقويه، حتى يصرف رزق الله تعالى في طاعته، وفيما يرضيه، فيكون شاكرًا لإنعامه وأياديه، والفاجر من حمد الله تعالى عَقِيبَ أكله، ثم صرف الطعام في مخالفة الله سبحانه ومعاصيه. قال المولى الغفور: ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبأ: ١٥] وقال في آية أخرى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]. وقد بيَّنت الشاكر والفاجر، وذكرت في هذا الباب شيئًا من البدع ومما عليه يثاب، وأما آداب الأكل ومنافعه فلا يحتمله هذا الكتاب. وقد جمع الطب كلَّه في ثلاث كلمات: الحمية رأس الدواء، والمعدة بيت الداء، وعوِّدوا كلَّ جسدٍ بما اعتاد (^٣).
_________________
(١) سلف تخريجه.
(٢) المَعاجِين: ما عُجِن من الأدوية. والسَّفوف: ما يُسفُّ من الدواء اليابس.
(٣) قال الألباني في «السلسلة الضعيفة» (٢٥٢): حديث: «البطنة أصل الداء، والحمية أصل الدواء، وعودوا كل جسم ما اعتاد»؛ لا أصل له. وقد أورده الغزالي في «الإحياء» مرفوعًا إلى النبي ﷺ! فقال الحافظ العراقي في تخريجه: لم أجد له أصلًا. وأقره الحافظ السخاوي في «المقاصد الحسنة» (١٠٣٥)، وقال المحقق ابن القيم في «زاد المعاد»: «وأما الحديث الدائر على ألسنة كثير من الناس: «الحمية رأس الدواء، والمعدة بيت الداء، وعودوا كل جسم ما اعتاد»، فهذا الحديث إنما هو من كلام الحارث بن كلدة، طبيب العرب، ولا يصح رفعه إلى النبي ﷺ. قاله غير واحد من أئمة الحديث». لكن ذكر السخاوي أن الخلال روى من حديث عائشة: «الأزم دواء، والمعدة داء، وعودوا بدنًا ما اعتاد». وظاهره أنه مرفوع، وقد صرح بذلك السيوطي =
[ ٣٩٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) =في «الدرر» كما في «كشف الخفاء» (١٧٨٨)، وأورده في «الجامع الكبير» ولكنهم لم يذكروا إسناده لينظر فيه، وغالب الظن أنه لا يصح، والله أعلم. ثم رأيت ابن القيم ذكره في «الزاد» من كلام الحارث بن كلدة أيضًا بهذا اللفظ وهو الأشبه، ثم قال ابن القيم: والأزم: الإمساك عن الأكل، يعني به الجوع، وهو من أكبر الأدوية في شفاء الأمراض الامتلائية كلها بحيث أنه أفضل في علاجها من المستفرغات.
[ ٣٩٥ ]