من توسُّع (^٢) النفقة
وهذه النفقة غير مخلوفة، وسيعود شرُّها على المنفِق في العاجل والآجل؛ كتكثير الزَّلابية، وكسر البطِّيخ، والتغالي في ألونة الطبيخ، وكصبغ البيض، وشراء البخور؛ ومجموع ذلك لا يرضي المولى الغفور، ويخاف على من وسع في هذه الأوقات النفقات أن يضيق الله تعالى عليه القبور، وأن لا يسلمه من أهوال يوم النشور؛ لتشبهه بهذه الطوائف الملعونة أهل الكفر والفجور، ولتعظيمه عيد هذا الكافر الملعون المغرور.
_________________
(١) النَّيروز فَيْعول بفتح الفاء والنَّوروز لغةٌ، وهو معرَّب، وهو أول السنة، لكنه عند الفرس عند نزول الشمس أول الحمل، وعند القبط أول توت، والياء أشهر من الواو، لفقد فوعول في كلام العرب. قال في «المصباح المنير» (مادة: نزر). قلت: نيروز أكبر أعياد الفرس المجوس، يحتفلون به في الحادي والعشرين من شهر مارس من السنة الميلادية، لا يُعرف إلا بهم، وأصلها في الفارسية «نوروز» ومعناها: اليوم الجديد، ثم استعمل لاحقًا لبداية السنة القبطية في مصر، وهو المعروف بعيد شَمِّ النَّسيم. قال الذهبي ﵀ في «تشبه الخسيس بأهل الخميس» ٤٦: «فأما النيروز، فإن أهل مصر يبالغون في عمله، ويحتفلون به، وهو أول يوم من سنة القبط، ويتخذون ذلك عيدًا، يتشبه بهم المسلمون، وهو أول فصل الخريف». (ت)
(٢) كذا، ولتقرأ: (توسيع).
[ ٥٣٨ ]
وقد جاء في الأخبار المتواترة: من أحب قومًا أو تشبَّه بهم حشر معهم في الآخرة (^١).
_________________
(١) أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» ٣/ ١٩ (٢٥١٩) من حديث أبي قرصافة ﵁، بلفظ: «من أحب قومًا حشره الله في زمرتهم». وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» ١٠/ ٥٠٠: رواه الطبراني، وفيه من لم أعرفه. وقال الألباني في «ضعيف الجامع» (٥٣٤٣): ضعيف. وأخرجه ابن الجوزي في «العلل المتناهية» ٢/ ٩١٦، والديلمي في «مسند الفردوس» (٥٨٧٠) من حديث جابر بن عبد الله ﵁، ولفظه: «من أحب قومًا على أعمالهم حُشر يوم القيام في زمرتهم فحوسب بحسابهم وإن لم يعمل بأعمالهم». وقال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح عن رسول الله ﷺ، والمتهم به إسماعيل، قال ابن عدي: يحدث عن الثقات بالبواطيل. وقال الدارقطني: كذاب متروك. قلتُ: ومراد المؤلف ﵀ بالأخبار المتواترة ليس ما ورد بهذا اللفظ على وجه الخصوص، لكن ما دل على هذا المعنى، وهو صحيح متواتر بيقين، فمن ذلك ما أخرجه البخاري (٦١٦٩)، ومسلم (٢٦٤٠) عن عبد الله بن مسعود ﵁: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، كيف تقول في رجل أحب قومًا ولم يلحق بهم؟ فقال رسول الله ﷺ: «المرء مع من أحب». وما أخرجه البخاري (٦١٧١)، ومسلم (٢٦٣٩) عن أنس بن مالك ﵁، قال: بينما أن ورسول الله ﷺ خارجين من المسجد، فلقينا رجلًا عند سدة المسجد، فقال: يا رسول الله متى الساعة؟ قال رسول الله ﷺ: «ما أعددت لها؟» قال فكأن الرجل استكان، ثم قال: يا رسول الله ما أعددتُ لها كبيرَ صلاةٍ ولا صيام ولا صدقةٍ، ولكني أحب الله ورسوله! قال: «فأنت مع من أحببت». قال أنس: فما فرحنا، بعد الإسلام فرحًا أشدَّ من قول النبي ﷺ: «فإنك مع من أحببت» قال أنس: فأنا أحب الله ورسوله، وأبا بكر وعمر، فأرجو أن أكون معهم، وإن لم أعمل بأعمالهم. وما أخرجه البخاري (٦١٧٠)، ومسلم (٢٦٤١) عن أبي موسى، قال: قيل للنبي ﷺ: الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم؟ قال: «المرءُ مع من أحبَّ». قال الكتاني في «نظم المتناثر في الحديث المتواتر» (٢٤٦) حديث: «المرء مع من أحب» أورده في «الأزهار» في كتاب الأدب من حديث أبي موسى، وصفوان بن عسال، وجابر بن عبد الله، وابن مسعود، وأبي هريرة، وعلي، وأبي قتادة، وأبي سريحة، وعبد الله بن يزيد الخطمي، وصفوان بن قدامة، وعروة بن مضرس الطائي، ومعاذ بن جبل، وأبي أمامة الباهلي ثلاثة عشر نفسًا. قال الكتاني: ورد أيضًا من حديث أبي ذر، وأنس، وفي «شرح المواهب»: هذا الحديث متواتر. قال في «الفتح»: جمع أبو نعيم الحافظ طرقه في كتاب: «المحبين مع المحبوبين»، وبلغ عدد الصحابة فيه نحو العشرين، وفي رواية أكثرهم: «المرء مع من أحب»، وفي بعضها بلفظ حديث أنس: «أنت مع من أحببت». وفي «التيسير» مشهورًا ومتواترًا. وفي «شرح الأحياء»: هو مشهور جدًّا، أو متواتر عن النبي ﷺ لكثرة طرقه. وفي تفسير قوله تعالى: (وإذا النفوس زوجت)؛ قال الربيع بن خثيم ﵀: يحشر المرء مع صاحب عمله. (ت)
[ ٥٣٩ ]
ومن قلة التوفيق والسعادة ما يفعله المسلم الخبيث في يومٍ يعرف بالميلادة، فيشتري لأولاده القصب، والشمع، والقفص، والحطب، أو ما يناسبه ويطرحه في النار، فيقع في البدع، ويخرج عن طريق النبي المختار صلوات الله عليه وسلامه آناء الليل وأطراف النهار، وهو في فعلته هذه قد تشبَّه بالكفار، وفيه إضاعة المال وقد نهينا عن ذلك كلِّه، وصحَّ ذلك في القرآن والأخبار؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١]. وهذا إسراف بلا خلاف، ونهى ﷺ أمته عن إضاعة المال، وعن القيل والقال (^١).
فمن ضيع فلسًا في غير مصلحة فهو داخل في النهي؛ لأن الفلس مال، فكيف يكون حال من ضيع ماله، وأنحس عند الله تعالى حاله بمخالفته للشرع الشريف، ولموافقته لكل عبدٍ كافرٍ ومعتدٍ وكثيف؟ رُوي أن عيسى ﵇ ولد في برية خالية، وكانت ليلة شاتية، فأوقد عندها النار، فصار ذلك سنة للكفار. فمن فعل ذلك فقد تشبه بهم، قال ﷺ: «من
_________________
(١) أخرجه الدارمي في «سننه» (٢٧٥١)، وأحمد في «مسنده» ٤/ ٢٤٦ (١٨١٤٧)، والبخاري في «صحيحه» (٢٤٠٨)، ومسلم في «صحيحه» (١٧١٥) من حديث المغيرة بن شعبة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله حرم عليكم: عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنع وهات، وكره لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال». وأخرجه أحمد في «مسنده» ٢/ ٣٢٧ (٨٣٣٤) من حديث أبي هريرة ﵁، ولفظه: «إن الله كره لكم ثلاثًا، ورضى لكم ثلاثًا: رضي لكم أن تعبدوه لا تشركون به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا، وأن تنصحوا لولاة الأمر، وكره لكم قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال». وأخرجه الطبراني في «المعجم الأوسط» (٥٦٦٧) من حديث معقل بن يسار ﵁، بلفظ: «إن الله كره لكم ثلاثًا: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال».
[ ٥٤٠ ]
تشبه بغيرنا فليس منَّا». فقد برئ ﷺ ممن يفعل ذلك، ونهى أمته أن يتشبهوا بأهل الكتاب، فاعتبروا يا أولي الألباب، فاسمعوا وَعُوا قول مولاكم: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
قال بعض علماء الحنفية: من فعل ما تقدم ذكره ولم يتب فهو كافر مثلهم (^١). وقال بعض أصحاب مالك: من كسر يوم النيروز بطيخة فكأنما ذبح خنزيرًا (^٢).
وقال مالك: يكره معهم الركوب في السفن التي يركبونها لأجل أعيادهم؛ لنزول السخط واللعنة عليهم، فتصيب من جالسهم، فيأثم المسلم بمجالسته لهم، وبإعانته لهم بذبحٍ وطبخ، وإعارة دابة يركبونها لمواسمهم وأعيادهم (^٣).
قال عمر بن الخطاب ﵁: لا تدخلوا عليهم في كنائسهم؛ فإن السخطة تنزل عليهم (^٤).
ثم اعلم بأن من جالس الجماعة المرحومة رحمه الله تعالى؛ إذا نزلت الرحمة عليهم أصابت من جالسهم كما جاء في الحديث الصحيح: «يقول الله تعالى لجليس الذاكرين: هم الجلساء الذين لا يشقى جليسهم» (^٥). وكذلك
_________________
(١) قال ابن نجيم في البحر الرائق ٥/ ١٣٣ فيما يوجب التكفير والحكم بالردة عند الحنفية: وبخروجه إلى نيروز المجوس، والموافقة معهم فيما يفعلون في ذلك اليوم، وبشرائه يوم النيروز شيئًا لم يكن يشتريه قبل ذلك، تعظيمًا للنيروز لا للأكل والشرب، وبإهدائه ذلك اليوم للمشركين ولو بيضة تعظيمًا لذلك اليوم، لا بإجابته دعوة مجوسيٍّ حلق رأس ولده.
(٢) لم أجده، وقد ذكر ابن الحاج العبدري الفاسي المالكي (ت: ٧٣٧) ﵀ في «المدخل» ٢/ ٤٦٥٤؛ فصلًا مطولًا في ذم مشاركة المسلمين لنيروز النصارى. (ت)
(٣) «المدونة» ٣/ ٤٣٥.
(٤) أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» (١٦٠٩). وأخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٢٦٨٠٦) من كلام عطاء.
(٥) أخرجه أحمد في «مسنده» ٢/ ٣٥٨ (٨٧٠٤)، والبخاري في «صحيحه» (٦٤٠٨)، ومسلم في «صحيحه» (٢٦٨٩)، والترمذي في «جامعه» (٣٦٠٠)، وابن حبان في «صحيحه» (٨٥٧) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٥٤١ ]
من جالس الجماعة الملعونة لعنه الله إذا نزلت اللعنة عليهم أصابت من جالسهم، فلا تجالسهم، ولا تكرمهم؛ فمن أكرمهم أهانه الله، ومن أحبهم أبغضه الله، ولا تطعمهم، ولا تقرضهم شيئًا لكي لا يستعينوا به على معصية الله ﷾، فتكون قد ساعدتهم على المعصية، ولا تتصدق عليهم؛ لما جاء في الحديث: «اختاروا لصدقاتكم كما تختاروا لبناتكم» (^١). وكان صلوات الله عليه وسلامه يقول (لمن ضيَّفه) (^٢): «أكل طعامكم الأبرار، وأفطر عندكم الصائمون، وذكركم الله فيمن عنده» (^٣). وقال أيضًا لبعض أصحابه: «لا تصحب إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إلا تقي» (^٤).
وقال أبو الليث في حديث يرفعه إلى النبي ﷺ: «من أقرض شارب خمرٍ درهمًا سلط الله على جسده حيَّةً وعقربًا» (^٥)، ولا يعطي المسلم هذا
_________________
(١) لم أجده بهذا اللفظ، وذكره ابن الحاج في «المدخل» ٣/ ٢٨٣. بلفظ: «اختاروا لنطفكم كما تختارون لصدقاتكم». ولا يصحُّ.
(٢) ليست في (ق)، وفي (خ): فيمن ضيفه.
(٣) أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» (٧٩٠٧)، وابن أبي شيبة في «مصنفه» (٩٨٣٨)، وأحمد في «مسنده» ٣/ ١١٨ (١٢١٧٧)، وعبد بن حميد في «مسنده» (١٢٣٤)، والدارمي في «سننه» (١٧٧٢)، وأبو داود في «سننه» (٣٨٥٤)، والطبراني في «المعجم الأوسط» (٣٠١)، والبيهقي في «السنن الكبرى» ٤/ ٢٣٩ من حديث أنس بن مالك ﵁. وأخرجه ابن ماجه في «سننه» (١٧٤٧) من حديث عبد الله بن الزبير ﵁. وقال الألباني في «صحيح الجامع» (١١٣٧): صحيح.
(٤) سبق تخريجه.
(٥) ذكره أبو الليث السمرقندي الحنفي في تنبيه الغافلين ١٤٧، فقال: وروت عائشة رضي الله تعالى عنها عن رسول الله ﷺ، أنه قال: من أطعم شارب الخمر لقمة، سلط الله على جسده حية وعقربًا، ومن قضى حاجته فقد أعان على هدم الإسلام ومن أقرضه قرضا فقد أعان على قتل مؤمن ومن جالسه حشره الله تعالى يوم القيامة أعمى لا حاجة له، ومن شرب الخمر فلا تزوجوه، فإن مرض فلا تعودوه، وإن شهد فلا تقبلوا شهادته فوالذي بعثني بالحق نبيا إنه ما يشرب الخمر إلا ملعون في التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، ومن شرب الخمر فقد كفر بجميع ما أنزل على أنبيائه. ولا يستحل الخمر إلا كافر، ومن استحل الخمر فأنا منه بريء في الدنيا والآخرة. قلت: لم يسنده أبو الليث ﵀، ولا تعرف لهذا الحديث أصلًا، والنكارة عليه ظاهرة. (ت).
[ ٥٤٢ ]
شيئًا من الزكاة، ولا من الصدقة؛ لأنه من جملة الفسقة؛ فإن أعطاه جاز، ويكره. أما الجواز فلقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠]. ويكره لمخالفة الحديث (^١).
وكذلك تكره الصلاة خلف الفاسق عند أكثر العلماء (^٢)، وإن حفظ القراءات السَّبع والسُّنن، وكلَّ كتاب أُنزل من السماء؛ لأن الشرع قد أمرنا بأن نختار لصدقاتنا، فكذلك نختار لصلاتنا؛ لأن الصلاة هي من أفضل الأعمال، وبها نجا العُمَّال. قال صلوات الله عليه وسلامه: «ألا أنبئكم بما يمحو الله به من الخطايا، ويرفع به الدرجات؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط» (^٣).
فتكره (^٤) الصلاة خلف من هو قليل الدين والمروءة، (وإن قام في مقام النبوة) (^٥). قال ﷺ: «أئمتكم شفعاؤكم، فانظروا بمَنْ تَسْتشْفعوا» (^٦).
_________________
(١) يفهم من سياق المؤلف ﵀ أن هذا آخر كلام أبي الليث السمرقندي ﵀، وقد ذكر الحديث في كتابه: «تنبيه الغافلين» وليس فيه هذا التعليق، كما لم أجده في مظانه من تفسيره المسمى: «بحر العلوم»، ولا في كتابه الفقهي «تحفة الفقهاء» حيث عقد بابًا في من يوضع فيه الصدقة ١/ ٢٩٩؛ فلم يذكر الفاسق بشرب خمر أو غيره. والله أعلم. (ت)
(٢) انظر «المجموع» ٤/ ٢٥٣، و«المبسوط» ١/ ٧٢.
(٣) أخرجه مالك في «الموطأ» (٣٨٤)، وعبد الرزاق في «مصنفه» (١٩٩٣)، وأحمد في «مسنده» ٢/ ٢٣٥ (٧٢٠٩)، ومسلم في «صحيحه» (٢٥١)، وابن ماجه في «سننه» (٤٢٨)، والترمذي في «جامعه» (٥١)، والنسائي في «سننه» ١/ ٨٩ (١٤٣)، وابن حبان في «صحيحه» (١٠٣٨) من حديث أبي هريرة ﵁. وأخرجه أحمد في «مسنده» ٣/ ٣ (١٠٩٩٤)، وابن ماجه في «سننه» (٤٢٧)، وابن حبان في «صحيحه» (٤٠٢) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁. وأخرجه عبد بن حميد في «مسنده» (٩١) من حديث علي بن أبي طالب ﵁، ولفظه: «إسباغ الوضوء في المكاره وإعمال الأقدام إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة تغسل الخطايا غسلًا».
(٤) في (خ): فتركه.
(٥) ليست في (ق).
(٦) لم أقف عليه بهذا اللفظ. وأخرج الدارقطني في «سننه» (١١)، والخطيب البغدادي في «تاريخ بغداد» ٢/ ٥١، وابن الجوزي في «العلل المتناهية» (٧٠٩)، من حديث أبي هريرة ﵁، مرفوعًا: «إن سركم أن تزكوا صلاتكم فقدموا خياركم». وقال الخطيب: هذا حديث منكر بهذا الإسناد، ورجاله كلهم ثقات، والحمل فيه على الرازي.
[ ٥٤٣ ]
وتجوز الصلاة خلفه؛ لأجل الإيمان، وقراءة القرآن، وأتى بجميع الأركان، قال ﷺ: «صلوا خلف كل برٍّ وفاجر» (^١)، وفي حديث آخر: «صلوا خلف من قال: لا إله إلا الله، وعلى من قال: لا إله إلا الله» (^٢).
وعند بعض العلماء: لا تصح الصلاة خلف الفسقة، وهو مذهب سعيد بن جبير (^٣) ومن تابعه ﵃ أجمعين، فقد اختلف في هذه المسألة أولوا الألباب، والله ﷾ أعلم بالصواب.
_________________
(١) أخرجه الدارقطني في «سننه» (١٠)، والبيهقي في «السنن الكبرى» ٤/ ١٩، وابن الجوزي في «العلل المتناهية» (٧١٩) من حديث أبي هريرة ﵁. وقال الدارقطني: مكحول لم يسمع من أبي هريرة. وقال الألباني في «ضعيف الجامع» (٣٤٧٨): ضعيف.
(٢) أخرجه الدارقطني في «سننه» (٣)، وتمام في «الفوائد» (٤٠١)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» ١٠/ ٣٢٠، وابن الجوزي في «العلل المتناهية» (٧١٢)، من حديث ابن عمر ﵄. وأخرجه الديلمي في «مسند الفردوس» (٣٧٠٦) من حديث أبي هريرة ﵁. وقال الدارقطني بعد أن ساق الحديث من عدة طرق: وليس فيها شيء يثبت. وقال البيهقي في «السنن الكبرى» ٤/ ١٩: قد روي في الصلاة على كل بر وفاجر، والصلاة على من قال: لا إله إلا الله. أحاديث كلها ضعيفة غاية الضعف.
(٣) لم أجده. وقال ابن المنذر في «الأوسط» ٤/ ٢٣٢: اختلف أهل العلم في الصلاة خلف من لا يرضى حاله من أهل الأهواء، فأجازت طائفة الصلاة خلفهم، روينا عن أبي جعفر: أنه سئل عن الصلاة خلف الخوارج؟ فقال: صلِّ معهم. وكان الحسن البصري يقول: لا تضر المؤمن صلاته خلف المنافق، ولا تنفع المنافق صلاة المؤمن خلفه. وقال الحسن في صاحب البدعة: صل خلفه وعليه بدعته صاغرًا. وكان الشافعي يقول: ومن صلى من مسلم بالغ يقيم الصلاة أجزأ ومن خلفه صلاتهم، وإن كان غير محمود الحال في دينه، أي بلغ غايةً يخالف الحَمدَ في الدين، وقد صلى أصحاب رسول الله ﷺ خلف من لا يحمدون حاله من السلطان وغيرهم. وكرهت طائفة الصلاة خلف أهل البدع وأمر بعضهم من صلى خلفهم بالإعادة، كان سفيان الثوري يقول: في الرجل يكذِّب بالقدر: لا تقدموه. وقال أحمد في الجهمي يصلي خلفه: يعيد، والقدري إذا كان يرد الأحاديث ويخاصم فليعد، والرافضي يصلي خلفه يعيد. وقال أحمد: لا يصلي خلف أحد من أهل الأهواء إذا كان داعية إلى هواه. وقد حكي عن مالك أنه قال: لا يصلي خلف أهل البدع من القدرية وغيرهم، ويصلي خلف أئمة الجور.
[ ٥٤٤ ]
وينبغي أيضًا للمؤمن أن لا يجالس أصحاب الأفعال الرَّدية، الخارجين عن الطريق المحمدية: كالظلمة وأعوانهم، وشَرَبة الخمر، ولَعَبة النرد وإخوانهم، والمجتمعين على الباطل واللهو والطرب، حين يطربون ويشربون، فإذا نزلت اللعنة عليهم أصابت من جالسهم، كما قيل: إذا دارت الأقداح واحمرت الوجنات، ذهب الإيمان، وتساقطت الحسنات، ولعنهم الله سبحانه من فوق سبع سموات. وقد جاء في الحديث: «من كثَّر سواد قوم فهو منهم» (^١). و: «من أحب قومًا حشر معهم» (^٢). وقال ﷺ: «إن الرحمة لا تنزل على جماعة فيهم قاطع رحم» (^٣).
وفي الجملة: إن الله تعالى يبغض الفسقة، فيجب على المسلم أن لا يحب من أبغضه الله، ولا يصل من قطعه الله، ولا يسلم عليهم، ولا ينظر إليهم؛ لأنهم ساقطون من عين الله سبحانه؛ هذا في مسلم قد بارز بفسقه الواحد القهار، فما بالك بالمجرمين والكفار.
وقد أجمع الأئمة على ما شرط عمر بن الخطاب ﵁، وسائر الصحابة أن أهل الكتاب لا يُظهرون أعيادهم وشعائرهم في بلاد
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) أخرجه هناد في «الزهد» (١٠٠٥)، والبخاري في «الأدب المفرد» (٦٣)، والديلمي في «مسند الفردوس» (٧٤٩٩)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» ٢٠/ ١٦٦ من حديث عبد الله بن أبي أوفى ﵁. وقال الألباني في «ضعيف الجامع» (١٤٦٣): ضعيف.
[ ٥٤٥ ]
المسلمين (^١). فإذا منعهم الشرع، فمن لم ينكر عليهم في إظهار ذلك وشاركهم في شيء من أفعالهم أو ساعدهم بإعارة شيء، أو كثَّر سوادهم حُشر معهم، ولذلك قال بعض العلماء: يصير كافرًا مثلهم (^٢).
ويجب على المسلم أن يحب من أحبه الله تعالى، ويبغض من أبغضه الله، ويعظم ما عظم الله، ويحقر ما حقره، وقد جاء في الحديث: «من أحب لله وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان» (^٣).
ويجب على ولاة الأمر وفقنا الله وإياهم وجميع المسلمين لطاعته زجرهم ومنعهم، ويحرم على المؤمن أن يخالطهم في أعيادهم وشعائرهم في كل مكان وزمان، وإن قصد التفرج لا التعظيم؛ لأن تكثير هذا السَّواد يسخط رب العباد؛ لقوله ﷺ: «من كثَّر سواد قومٍ فهو منهم» (^٤).
وإن كان عيسى ﵇ قد أمرهم بهذه المواسم والأعياد لا يحل للمسلم أن يختلط بهم؛ لأنها منسوخة بشريعة الإسلام، ولو كان عيسى ﵇ حيًّا في زمان النبي ﷺ لاتبعه، فكيف وقد أحدثت هذه الطائفة الملعونة الضالة أعيادًا ومواسم من تلقاء أنفسهم؟ وغرَّهم الشيطان، وما أنزل الله بها من سلطان، فهم على الله يفترون ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ
_________________
(١) هذا ورد في الشروط العمرية، وقد خرجتها بتفصيل مع نقد متنها في «التعامل مع غير المسلمين في السنة النبوية»، ومنعهم من إظهار شعائرهم وأعيادهم في المجتمع الإسلامي يثبت بغير الشروط العمرية، فليس هو موضع اختلاف بين الفقهاء. (ت)
(٢) هذا ليس على إطلاقه، بل فيه تفصيل، فمن شاركهم مستحسنًا لدينهم، أو مستحلًا لمعاصيهم، أو راضيًا بحالهم يكفر، ومن شاركهم بفعله دون استحلال فقد ارتكب محرمًا، إلا إن فعل ما هو كفر بنفسه كالذبح لغير الله، أو السجود للصليب، أو مشاركتهم بكلام فيه كفر صريح كالقول بالتثليث ووصف عيسى ﵇ بالربِّ؛ فيكفر بهذه الأمور. (ت)
(٣) أخرجه أبو داود في «سننه» (٤٦٨١)، والطبراني في «المعجم الكبير» ٨/ ١٣٤ (٧٦١٣) من حديث أبي أمامة ﵁. وأخرجه أحمد في «مسنده» ٣/ ٤٣٨ (١٥٦١٧) من حديث معاذ ابن أنس ﵁. وقال الألباني في «صحيح الجامع» (٥٩٦٥): صحيح.
(٤) سبق تخريجه.
[ ٥٤٦ ]
بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٩].
فمن كثَّر سوادهم، أو انشرح لأجل ذلك اليوم، أو سافر معهم، أو تجمل لأجل ذلك بالثياب خرج عن السنة والكتاب، وخالف أولي العقول والألباب؛ قال ﷺ: «من تشبه بغيرنا فليس منا» (^١).
تدبر أيها المبتدع المخذول! حديث الرسول، وافهم ما أقول: من عظم شعائر الكفرة، هو من المدبرين الفجرة، فإن تاب تاب الله عليه وهو أهل التقوى وأهل المغفرة.
ثم اعلم بأن تعظيم شعائر الكفرة المنكوب من قلة تقوى القلوب، قال بعض العلماء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢] قال: هم الذين لا يشهدون أعياد النصارى (^٢).
وقد أمرنا الواحد الغفار بتعظيم شعائر النبي المختار، فإن بدل شعائر الكفر ليظهر عز الإسلام، ولتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الكفار هي السفلى؛ فمن عظم شعائر الكفرة فقد جعل كلمة الكفار هي العليا، فيكون يوم القيامة من الأسفلين؛ لأنه عظم ما حقر الله تعالى، وأعزهم بعد إذ أذلهم الله، قال ﷺ: «اليهود والنصارى خونةٌ، لعن الله من ألبسهم ثوبَ عِزٍّ» (^٣).
وأشدُّ بلاءً من الأول: سعي المسلم لزيارة رهبانهم، والتبرك بقرصهم؛ من أين تأتي البركة في هذا الطعام، وصاحبه قد باء بغضب الملك العلام، وقد برئ من دين الإسلام، وهو عدو للنبي ﵇؟!
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) انظر «البحر المحيط» ٦/ ٤٧٣ لأبي حيان الأندلسي.
(٣) لا أصل له: قال العجلوني في «كشف الخفاء» (٣٢٤٢): أورده الشيخ عبد الغفار في كتابه الوحيد في سلوك أهل التوحيد، كذا عزاه بعضهم لصاحب الكتاب المذكور ولم يبيِّن من خرَّجه فلينظر، وكثيرًا ما كنت أسمعه من الشيخ تقي الدين الحصني المتأخر.
[ ٥٤٧ ]
والمسلم المغرور هو الذي ينذر للكنائس أو البِيَع النذور، وهذه بدعة محرمة لا ترضي المولى الغفور، ولا يجوز النذر للستِّ نفيسة (^١)، فما بالك بالنذر للديورة (^٢) والبيع والكنيسة؟!
فمن سافر من فسقة المسلمين مع هذه الطائفة الملعونة إلى أعيادهم ومواسمهم فنفقته غير مخلوفة؛ لخروجه عن الشرع، ولدخوله في هذه الأمور المخيفة، فتنقص دنياه، ويسقط من عين الله، فإن مات أحدهم في البَر مات ميتة جاهلية، وإن مات في البحر فيبتلى بالغرق في الدنيا، وبالعذاب في الآخرة وإن كان ماشيًا، فالخُطَا كلها خَطَا؛ لأنه تغرب وهاجر في رضى الشيطان، وفي شيء يغضب الرحمن.
_________________
(١) هي نفيسة بنت الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب (ت: ٢٠٨ هـ)، كانت تقية صالحة، عالمة بالتفسير والحديث، ولدت بمكة ونشأت في المدينة، وتزوجت إسحاق المؤتمن ابن جعفر الصادق، وانتقلت معه إلى القاهرة فتوفيت فيها، حجت ثلاثين حجة، وكانت تحفظ القرآن، وسمع عليها الإمام الشافعي، ولما مات أدخلت جنازته إلى دارها وصلت عليه. وكان العلماء يزورونها ويأخذون عنها، وهي أميَّة، ولكنها سمعت كثيرًا من الحديث. وقد جُعل قبرها وثنًا، وبني عليه مشهد كبير، ما زال قائمًا، يمارس فيه الشرك الصريح من غير نكير، وقد قال الذهبي في ترجمتها في «سير أعلام النبلاء» ١٠/ ١٠٦: «ولجهلة المصريين فيها اعتقادٌ يتجاوز الوصف، ولا يجوز مما فيه من الشرك، ويسجدون لها، ويلتمسون منها المغفرة، وكان ذلك من دسائس دعاة العبيدية». وقال ابن كثير في «البداية والنهاية» ١٠/ ٢٦٢: «وإلى الآن قد بالغ العامة في اعتقادهم فيها وفي غيرها كثيرًا جدًّا، ولا سيما عوام مصر، فإنهم يطلقون فيها عبارات بشيعة مجازفة تؤدي إلى الكفر والشرك، وألفاظًا ينبغي أن يُعرَّفوا أنها لا تجوز، وربما نسبها بعضهم إلى زين العابدين، وليست من سلالته، والذي ينبغي أن يعتقد فيها ما يليق بمثلها من النساء الصالحات، وأصل عبادة الأصنام من المغالاة في القبور وأصحابها، وقد أمر النبي ﷺ بتسوية القبور وطمسها، والمغالاة في البشر حرام، ومن زعم أنها تفكُّ من الخشب، أو أنها تنفع أو تضر بغير مشيئة الله فهو مشرك، رحمها الله وأكرمها».
(٢) أي: الأديرة، جمع الدير.
[ ٥٤٨ ]