من شراء الشِّبِت (^١) لأجل البركة، والاكتحال لزوال الرَّمد، وهذه البدع تغضب المولى الصمد، ولا ترضي الرب الغفور.
ومن البدعة أيضًا ما تفعله المسلمة الخبيثة الرَّدية من دخولها الحمام في هذا اليوم، والتدلك باللبنيَّة (^٢)، كل ذلك مصيبة عليها في الدين وبليَّة؛ لتعظيمها هذه الأيام، ولخروجها عن طريق خير البرية، وجميع ما ينفقه المسلم على ما تقدم ذكره في ذلك اليوم يكون وبالًا عليه يوم يوقفه الحق بين يديه، وهي نفقة غير مخلوفة؛ لتهجم صاحبها على هذه البدع والأمور المخيفة، وجميع ما ينفقه المسلم في هذا اليوم على شربه، أو دواء يكون عليه بلاءً وداءً؛ لأن في ذلك تعظيم شعائر الكفرة، وليس هو من أفعال المؤمنين البررة، فإن تاب المسلم عن ذلك كله غفر الله له، وهو أهل التقوى وأهل المغفرة.
ثم اعلم بأن مَنْ عظَّم يوم سبت النُّور لم يعظم الله قدره، ويورثه
_________________
(١) الشِّبِت: نَبَات عشبي من الفصيلة الخيمية، تسْتَعْمل أوراقه وبذوره في إكساب الأطعمة نكهة طيبةً. «المعجم الوسيط». وراجع «المدخل» لابن الحاج ٢/ ٥٦ فصل في ذكر اليوم الذي يزعمون أنه سبت النور.
(٢) في (خ): بالبنية.
[ ٥٥٤ ]
ضيقًا في القبور، وظلمةً يوم النشور، والظلام أحب إلى الله تعالى من هذا النور، وهم سموه سبت النور، وليس هو كذلك عند الرب الغفور، كما قال الواحد المنان: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم: ٢٣] فصار مثل هؤلاء المدبرين كمثل رجل دنيء الأصل، كثيف، سموه: أيها السيد الشريف، أو كلِصٍّ اسمه عفيف! فهذه الأسماء ليس لها فائدة، وشؤم هؤلاء القوم وكذبهم عليهم عائدة، والحق سبحانه لا يكرم أحدًا لأجل اسمه، ولا يبجل قدر أحد لأجل علمه إذا كان الاسم على غير مسمى، والعلم مع غير عامل، واسمعوا ما قال مولاكم: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، فلو أحيَى الله تعالى قلوب هؤلاء المسلمين ما عظموا شعائر الكافرين.
قد تسبخت أرض قلوبهم لارتكاب السيئات، والأرض السَّبِخَةُ لا ينتج فيها النبات، عالية على البلاد، لا تروى من نيل- نيل الأفضال والأمداد يسقي الحياض بفيض المدد الرباني، وهي يابسة عطشانة من لطائف المعاني، وإن بذر فيها حبًّا، انمحق وتلاشى بالأذى، قال المولى: ﴿وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ [الأعراف: ٥٨]. لا ترى فيها مسجدًا ولا مشهدًا، شيخ بلدها وهو القلب بيته مسودًّا ظالمًا مبتدعًا خارجًا (^١)، أضحى عن طلب الحق مفندًا، شيخ من أهل الفسوق لا يقوم بواجبات الحقوق، قد صيَّر بيته خانًا، مأوى للبهائم، وهو في كل وادٍ من أودية الهوى والغفلة هائم، لا يرده إلى الله تعالى لومة لائم، ولا يصغي لقول ناصح، وليس له ورع يحجزه عن المحارم؛ فأفٍّ لهذا القلب من بين القلوب؛ ينسى الله تعالى في الرخاء، ولا يذكره إلا عند الكروب.
فلذلك لا يأخذ الله بيده ولا يغيثه كإغاثة المحبوب، إن وعد أخلف، وإن اؤتمن خان، وإن حدث فهو عبد كذوب، وما أصاب هذا العبد المتعوس هذه المصائب إلا لركونه إلى النفوس، فحُرم الوصول،
_________________
(١) كذا تقرأ في النسخ: (بيته …) وما بعده منصوب، وأقترح: (تجده مسودًّا …)؛ فتستقيم الجملة. (ت)
[ ٥٥٥ ]
وهو في حيف الجفاء محبوس، وعلم إيمانه دون الألوية منكوس، ألم تسمع قول الملك الجبار: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: ١١٣]، فمن وافق نفسه فليس هو من أهل الطاعة، ومن اشتغل بها غفل عن أهوال يوم الساعة، ومن كانت هذه بضاعته فبئس والله البضاعة، فأرض النفس خربة لا يجد فيها غصنًا رطبًا بذكر الله، ولا عينًا جاريةً من خشية الله، ولا جامعًا يجتمع فيه لذكر الله غير أعراب منافقين، كأنهم قد أخذوا عهدًا من الله ووثاقًا، فلا يزدادون إلا إثمًا وشقاقًا، ﴿الأعراب أشد كفرًا ونفاقًا﴾ [التوبة: ٩٧]. فنفاق العين لعدم غضها، ونفاق اللسان بالغيبة والبهتان، والقذف لأعراض الإخوان، ونفاق الأذن لسماعها الباطل، فلا تصغي (^١) إلى الخيرات والنصيحة، وتجتهد في سماع الأفعال القبيحة، ونفاق اليد المنع عند الرخاء، وفي فقرها التقاعد عن الدعاء، فلا تنبسط في حالة الغنى بالعطية، ولا في حالة فقرها، بالأدعية المرضية، ونفاق الأقدام في سعيها وإسراعها في الخطِيَّة، وإذا لاح لها طريق الآخرة، فترى خطاها بطِيَّة، وفساد هذه الجوارح من فساد القلب؛ لأنه هو الملك وهم الرعية، قال ﷺ: «إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهو القلب» (^٢). روي ذلك عن خير البرية.
فلو لم تفسد قلوب هؤلاء الغافلين ما عظموا شعائر الكافرين، فدل على أن القلب فاسد؛ لتعظيمه أيام الكافر الجاحد، ولسماعه من نفسه الخبيثة، ومن شيطانه المارد، ولمخالفته لنبيه وحبيبه، وللسيد الماجد، فمن عظَّم هذه الأفعال أو الفاعلين حُشر معهم، وسقط من عين رب العالمين. ولا يحبهم أيضًا خوفًا من قوله ﷺ: «المرء مع من أحب» (^٣). كما يفعله بعض فسقة المسلمين من صحبتهم ومخالطتهم للنصارى، ومؤاكلتهم
_________________
(١) في (ق): تسعى.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) سبق تخريجه.
[ ٥٥٦ ]
وإعارتهم الأشياء؛ ليتجملوا بها في مواسمهم وأعيادهم وإعارتهم كتب المسلمين حتى القرآن العظيم الذي لا يمسه إلا المطهرون.
ولقد رأيت نصرانيًّا لعنه الله يقرأ القرآن العظيم بغير لحنٍ، ويجادل به المسلمين، ويقول: قد مدحنا الله تعالى في القرآن، وقرأ قوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُون﴾ [المائدة: ٨٢]. ثم سكت، فقال له صاحبي: اقرأ ما بعدها. قال النصراني: (حفظي إلى هاهنا) (^١). فقال له صاحبي: اسمع أيها الملعون، إن الله سبحانه أول ما ذم اليهود ثم أنتم؛ لقوله: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة: ٨٢] الذين أشركوا هم أنتم. وأما قوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ [المائدة: ٨٢]. هذا المدح إلى آخر الآية هو في حق النجاشي وأصحابه ﵁ قرأ عليهم جعفر الطيار ﵁ (كهيعص). فلما قرأ هذه السورة بكى النجاشي وأصحابه ثم أسلموا. ألم تسمع قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٨٣]. فعندها سكت النصرانيُّ (^٢).
_________________
(١) في (خ): حفظني لا هنا.
(٢) قال ابن الجوزي في «زاد المسير»: قوله تعالى: (والذين أشركوا) يعني: عبدة الأوثان. فأما: (الذين قالوا إنا نصارى) فهل هذا عامٌّ في كل النصارى أم خاصٌّ؟ فيه قولان: أحدهما: أنه خاصٌّ، ثم فيه قولان: أحدهما: أنه أراد النجاشي وأصحابه لما أسلموا، قاله ابن عباس وابن جبير. والثاني: أنهم قوم من النصارى كانوا متمسِّكين بشريعة عيسى، فلما جاء محمد ﵇ أسلموا، قاله قتادة. والقول الثاني: أنه عامٌّ. قال الزجَّاجُ: يجوز أن يراد به النصارى لأنهم كانوا أقلَّ مظاهرةً للمشركين من اليهود. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في «الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح» ٣/ ١٠٧ في رد دعوى النصارى أن القرآن نفى عنهم الشرك: ثم قالوا: وكذلك جاء في هذا الكتاب يقول: ﴿لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين=
[ ٥٥٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون﴾ [المائدة ٨٢]. فذكر القسيسين والرهبان، لئلَّا يقال: إن هذا قيل عن غيرنا، ودل بهذا على أفعالنا وحسن نياتنا، ونفي عنا اسم الشرك بقوله: اليهود والذين اشركوا أشدُّ الناس عداوةً للذين آمنوا، والذين قالوا: إنا نصارى؛ أقربهم مودة. والجواب أن يقال: تمام الكلام: ﴿وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين (٨٣) وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين (٨٤) فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزآء المحسنين﴾ [المائدة: ٨٣٨٥]، فهو سبحانه لم يعد بالثواب في الآخرة إلا لهؤلاء الذين آمنوا بمحمد ﷺ الذين قال فيهم: ﴿وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين﴾ [المائدة: ٨٣]. والشاهدون هم الذين شهدوا له بالرسالة فشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله ﷺ وهم الشهداء الذين قال فيهم: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا﴾ [البقرة: ١٤٣]. ولهذا قال ابن عباس وغيره في قوله: ﴿فاكتبنا مع الشاهدين﴾ [آل عمران: ٥٣]، قال مع محمد ﷺ وأمته. وكل من شهد للرسل بالتصديق فهو من الشاهدين كما قال الحواريون: ﴿ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين﴾ [آل عمران: ٥٣]. وقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون، وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس﴾ [الحج: ٧٧ - ٧٨]، وأما قوله في أول الآية: ﴿لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى﴾ [المائدة: ٨٢]. فهو كما أخبر ﷾ فإن عداوة المشركين واليهود للمؤمنين أشد من عداوة النصارى، والنصارى أقرب مودة لهم، وهذا معروف من أخلاق اليهود، فإن اليهود فيهم من البغض والحسد والعداوة ما ليس في النصارى، وفي النصارى من الرحمة والمودة ما ليس في اليهود، والعداوة أصلها البغض فاليهود كانوا يبغضون أنبيائهم، فكيف ببغضهم للمؤمنين. وأما النصارى فليس في الدين الذي يدينون به عداوة ولا بغض لأعداء الله الذين حاربوا الله ورسوله وسعوا في الأرض فسادًا، فكيف بعداوتهم وبغضهم للمؤمنين المعتدلين أهل ملة إبراهيم، المؤمنين بجميع الكتب والرسل؟ وليس في هذا مدح للنصارى بالإيمان بالله، ولا وعد لهم بالنجاة من العذاب، واستحقاق الثواب وإنما فيه أنهم أقرب مودة، =
[ ٥٥٨ ]
=وقوله تعالى: ﴿ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون﴾ [المائدة: ٨٢]، أي بسبب هؤلاء، وسبب ترك الاستكبار يصير فيهم من المودة ما يصيرهم بذلك خيرًا من المشركين وأقرب مودة من اليهود والمشركين. ثم قال تعالى: ﴿وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق﴾ [المائدة: ٨٣]، فهؤلاء الذين مدحهم بالإيمان ووعدهم بثواب الآخرة، والضمير وإن عاد إلى المتقدمين، فالمراد جنس المتقدمين لا كل واحد منهم، كقوله تعالى: ﴿الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل﴾ [آل عمران: ١٧٣]، وكأن جنس الناس، قالوا لهم: إن جنس الناس، قد جمعوا ويمتنع العموم، فإن القائل من الناس، والمقول له من الناس، والمقول عنه من الناس، ويمتنع أن يكون جميع الناس قال لجميع الناس: إنه قد جمع لكم جميع الناس. ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿وقالت اليهود عزير ابن الله﴾ [التوبة: ٣٠]، أي جنس اليهود قال هذا، لم يقل هذا كل يهودي. ومن هذا أن في النصارى من رقة القلوب التي توجب لهم الإيمان ما ليس في اليهود، وهذا حق، وأما قلوبهم: ونفى عنا اسم الشرك، فلا ريب أن الله فرق بين المشركين، وأهل الكتاب في عدة مواضع، ووصف من أشرك منهم في بعض المواضع، بل قد ميَّز بين الصابئين والمجوس وبين المشركين في بعض المواضع، وكِلا الأمرين حق، فالأول كقوله تعالى: ﴿لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين﴾ [البينة: ١]. وقوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا﴾ [الحج: ١٧]، وقال تعالى: ﴿لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا﴾ [المائدة: ٨٢]، وأما وصفهم بالشرك ففي قوله: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون﴾ [التوبة: ٣١]، فنزه نفسه عن شركهم، وذلك أن أصل دينهم ليس فيه شرك، فإن الله إنما بعث رسله بالتوحيد، والنهي عن الشرك، كما قال تعالى: ﴿وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون﴾ [الزخرف: ٤٥]. وقال تعالى: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾ [النحل: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾ [الأنبياء: ٢٥]، فالمسيح صلوات الله عليه وسلامه ومن قبله من الرسل إنما دعوا إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وفي التوراة من ذلك ما يعظم وصفه، لم يأمر أحد الأنبياء بأن يعبد ملك ولا نبي ولا كوكب ولا وثن، ولا أن تسأل ولا تطلب الشفاعة إلى الله من ميت ولا غائب، لا نبي ولا ملك، فلم يأمر أحد من الرسل بأن يدعو الملائكة، ويقول: اشفعوا لنا إلى الله ولا يدعو الأنبياء والصالحين الموتى والغائبين، ويقول: اشفعوا لنا إلى الله ولا =
[ ٥٥٩ ]
فيحرم على المؤمن البصير أن يفعل شيئًا من ذلك، فإن فعل يخاف عليه من سوء الخاتمة، فيحُشر معهم في جهنم وبئس المصير.
لا يظلم المسلمُ النصرانيَّ ولا يسبُّه في وجهه لأجل كفره، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨]، وإذا سبَبْتَهُ (^١) ظاهرًا سبَّ هو دينك باطنًا، وإذا ظلم الإنسانُ دابةً أو كلبًا يُقتصُّ منه يوم القيامة، والنصراني هو مفضَّل عليهما في حكم الدنيا؛ لأجل الآدمية والعقل، قال المولى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠].
وقال أبو حنيفة ﵀: إذا قتل مسلم ذميًّا بغير حق، يُقتل المسلم به عاملًا بقوله تعالى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] (^٢)، هذا في حكم
_________________
(١) = تصور تماثيلهم لا مجسدة ذات ظل، ولا مصورة في الحيطان، ولا بجعل دعاء تماثيلهم وتعظيمها قربة وطاعة، سواء قصدوا دعاء أصحاب التماثيل، وتعظيمهم والاستشفاع بهم، وطلبوا منهم أن يسألوا الله تعالى، وجعلوا تلك التماثيل تذكرة بأصحابها، أو قصدوا دعاء التماثيل ولم يستشعروا أن المقصود دعاء أصحابها، كما فعله جهال المشركين، وإن كان في هذا جميعه إنما يعبدون الشيطان وإن كانوا لا يقصدون عبادته، فإنه قد يتصور لهم في صورة ما يظنون أنها صورة الذين يعظمونه، ويقول: أنا الخضر، أنا المسيح، أنا جرجس، أنا الشيخ فلان. كما قد وقع هذا لغير واحد من المنتسبين إلى المسلمين والنصارى، وقد يدخل الشيطان في بعض التماثيل فيخاطبهم، وقد يقضي بعض حاجاتهم، فبهذا السبب وأمثاله ظهر الشرك قديمًا وحديثًا، وفعل النصارى وأشباههم ما فعلوه من الشرك. وأما الأنبياء والرسل صلوات الله عليهم وسلامه فنهوا عن هذا كله، ولم يشرع أحد منهم شيئًا من ذلك، والنصارى لا يأمرون بتعظيم الأوثان المجسدة، ولكن بتعظيم التماثيل المصورة، فليسوا على التوحيد المحض، وليسوا كالمشركين الذين يعبدون الأوثان ويكذبون الرسل، فلهذا جعلهم الله نوعًا من غير المشركين تارة، وذمهم على ما أحدثوه من الشرك تارة.
(٢) في (خ، ق): سبيته.
(٣) انظر «البحر الرائق» لابن نجيم الحنفي ٨/ ٣٣٦ - ٣٣٧.
[ ٥٦٠ ]
الدنيا، وأما في حكم الآخرة فالكلب والخنزير أفضل من الكفار؛ لأنهم باءوا بغضب من الله، وهم وقود النار؛ لأن الحقَّ سبحانه إذا أخذ حقوق البهائم يوم القيامة ممن ظلمها يصيرها ترابًا، فحينئذٍ يقول الكافر: ﴿يا ليتني كنت ترابًا﴾. فيودُّ من مات كافرًا أن لو كان في الدنيا بهيمةً أو خنزيرًا لكي ينجو من عذاب الآخرة.
فيجب على المسلم أن يشكر الله تعالى الذي جعله مؤمنًا، ويسأله على الدوام أن يختم له بخير ويثبته على دين الإسلام، ولا يسخر من أحد من الكفار، ويحمد الله تعالى الذي عافاه مما ابتلاهم به من الكفر والأزوار.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ …﴾ [الحجرات: ١١] الآية. وقال ﷺ: «إذا رأيتم أهل البلاء فسلوا الله العافية» (^١). وإذا رأى المؤمن رجلًا قد ابتلي في بدنه رحمه، والكافر قد ابتلي في دينه، فصار أشد بلاءً فارحمهما جميعًا.
وضاع لبعض الصالحين حمار، فخرج في طلبه فاستقبله يهودي فرجع ودخل بيته، وقال: الحمد لله الذي ضيَّع حماري، وأبقى على ديني. كان بعضهم يقول: إذا كنتَ لي، ما ضرَّني من عدمته.
وينبغي للمؤمن أن لا يخون الكافر في جداره إذا كان في جواره؛ لأن الحقَّ سبحانه لا يهدي كيد الخائنين، وأوجب لعنته وغضبه على الظالمين.
اعلم أيها الظالم المبعود! أن الله سبحانه يوم القيامة يسأل العود: لمَ خَدَشَ العود؟
وكذلك إذا دخل المسلم إلى بلاد الكفار تاجرًا، لا يسرق لهم شيئًا، ولا يقتل منهم أحدًا، إذا قدر على قتله، ويكرمهم إذا خاف من شرَّهم:
_________________
(١) سبق تخريجه.
[ ٥٦١ ]
دارهم ما دمتَ في دارهم … وأَرْضِهم ما دمتَ في أرضهم
اعلم أن الكلام إذا كان يوافق السنة يقبل من القائل، وسواء كان منظومًا أو منثورًا، وهذا الكلام هو موافق للسنة؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: ٢٨].
متى خاف الإنسان على نفسه، أو على تلاف عضو من أعضائه أن يقطع، أو يقتل بسيف أو سنان، يكفر بلسانه إذا طلبوا منه ذلك، وقلبه مطمئن بالإيمان، ويبنى على ذلك السبُّ والتَّبري من الدين والسجود للصليب، كل ذلك لا يأثم به إذا كان قلبه مطمئنًا بالحبيب، فإن لم يفعل المسلم شيئًا من ذلك وقتلوه يُحشر يوم القيامة مع الشهداء ومع كل عبد صالح منيب.
رُوي أن سعدَ بن مالك ﵁ قال: كنت رجلًا بارًّا بأمي، فلما أسلمت قالت: يا سعدُ! ما هذا الدين الذي قد أحدثته؟ لتدعن دينك هذا أو لا آكل ولا أشرب حتى أموت فتُعيَّر بي، فيقال لكَ: يا قاتل أمه. قلت: لا تفعلي يا أماه، إني لا أدع ديني هذا لشيء. قال: فمكثَتْ لا تأكل شيئًا يومًا وليلةً، فأصبحتْ وقد جهدتْ، ثم مكثت يومًا آخر وليلة أخرى لا تأكل، قلت: تعلمين والله يا أماه لو كانت لك مئة نفس فخرجت نفسًا نفسًا، ما تركت ديني هذا لشيء، فكلي إن شئت أو لا تأكلي. فلما رأت ذلك أكلت، فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ [لقمان: ١٥] (^١).
قال ابن عباس ﵁ في تفسير هذه الآية: قال: إذا كان
_________________
(١) أخرجه مسلم في «صحيحه» (١٧٤٨)، والترمذي في «جامعه» (٣١٨٩)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» ٢٠/ ٣٣١ من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁. وفي النسخ في الموضعين: (سعيد)، وهو خطأ.
[ ٥٦٢ ]
الأبوان كافران (^١)، والولد مسلم ينفق عليهما ما عاشا، ويزور قبرهما إذا ماتا (^٢).
فإن قال الكافر لولده المسلم: امض بي إلى الكنيسة، أو إلى بِيَع اليهود، أو إلى شيء لا يرضي الملك المعبود. فلا يطعه؛ لقوله ﷺ: «لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق» (^٣).
فإن قال لولده: أخرجني من الكنيسة وامض بي إلى البيت فليطعه ويريحه من الكفر.
وكذلك لا يطيع المسلم أحدًا من الأبوين المسلمين في ترك شيء فرضه الله عليه: كالصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد وغيره.
وكذلك إذا أمره بشراء (^٤) محرم، أو بشرب خمر، وما يشبه ذلك مما فيه معصية الله تعالى، أو خروج عن سنة رسول الله ﷺ فلا يطعهما، فإن كان ما أمره به تطوعًا فليطعهما كصلاة التطوع، وصوم التطوع، والحج، والجهاد. فإن خالفهما وفعل شيئًا من التطوعات لم تقبل منه. فإن مات غازيًا لا يكتب شهيدًا، فمن أراد القبول فليطع الوالدين ولا يخرج عن طريق الرسول.
فإن مات أحد الوالدين كافرًا والعياذ بالله يغسله ولده المسلم (^٥)
_________________
(١) كذا في النسخ، وصوابه: (كافرين).
(٢) لأنَّ تمام هذه الآية من سورة لقمان (١٥): ﴿وصاحبهما في الدنيا معروفا﴾. وهذا الأثر عن ابن عباس ﵄ لم يذكره السيوطي في «الدر المنثور»، وذكر ما أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة ﵀ في قوله: ﴿وصاحبهما في الدنيا معروفا﴾ قال: تعودهما إذا مرضا، وتتبعهما إذا ماتا، وتواسيهما مما أعطاك الله.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) في (خ): بشر أو.
(٥) غسل جثة الكافر مذهب الحنفية والشافعية، انظر: «البناية شرح الهداية» للعيني ٣/ ٢٣٧، و«الأوسط» لابن المنذر ٥/ ٣٤١، ولا يصح دليل الغسل، انظر: «أحكام الجنائز» للألباني (٨٧).
[ ٥٦٣ ]
ويكفنه، ويواريه التراب، ولا يتغالى في جميع ذلك، فيخرج عن السنة والكتاب، فيغسله كما يغسل الثوب النجس، ويكفن في ثوب خلق، وتحفر له حفرة بغير لَحْدٍ، ويرمى فيها كما يرمى الكلب (^١)، فإنه يتمنى لو كان كلبًا من كلاب الدنيا، لكي ينجو من عذاب الآخرة. ألا تراه كيف يقول يوم القيامة: ﴿يا ليتني كنت ترابًا﴾ [النبأ: ٤٠].
_________________
(١) هذا تعبير غير جيِّد، والذي ورد في أمر النبي ﷺ لعليِّ ﵁ بدفن عمِّه أبي طالب: «اذهب فوارِه». والمواراة: الدفنُ والسِّترُ. (ت)
[ ٥٦٤ ]