الحمد لله ذي الطَّول والمِنَّة، والحول والقوة والمُنَّة، الذي شهدت بأحديته وفرديته السماوات والأرض ومن فيهن، وكلٌّ يسبح بحمده، ولكن لا تفقهنَّه، الذي أوجبَ محبَّتَه ورضوانه ومغفرته لمن أطاعه وتمسك بالكتاب والسنة، الذي عهد لجميع أنبيائه ورسله ليؤمننَّ بنبيه وحبيبه ﷺ ولينصرنَّه (^١)، وأخذ ميثاق الذين أوتوا الكتاب بأن لا يكتموه؛ وليبيننَّه. (^٢)
وأعدَّ سبحانه لمن اتَّبع نبيَّه بما لا عينٌ رأتْ، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب أحدٍ من الإنس والجِنَّة، وحشره مع متبوعه فأقر بذلك عينه، وجبر قلبه، وأضحك سِنَّه. وهذا الخيرُ كلُّه لمؤمنٍ عمل صالحًا وأحسن بالله ظنَّه، واتبع ما فرضه الله تعالى عليه وسَنَّه، وقضى على أهل الزيغ والبدع بالخذلان والبعد واللعنة، فتبرأ منهم الرسولُ وحُرموا الخيرات والوصول، والجود والمنَّة.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً توجب لقائلها
_________________
(١) يشير بهذا إلى قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آَتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١].
(٢) يشير بهذا إلى قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٧].
[ ٦٩ ]
رضى الله والجنة، وتكون له يوم الفزع الأكبر وقايةً من النار وجُنَّة.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المبعوث بالرأفة والرحمة والحنَّة (^١)؛ أرسله والقلوب القاسية قد أطلقت في ميادين كُفرها وبدعها للأزمة والأعنة، والأنفس الأمَّارة بالسوء إلى غير الحق والرشاد مطمئنة، فجاهدهم ﷺ بسيف الصدق ورماح الحق والسِّهام والأسنة، فدخلوا في الدين، واتبعوا ما فرض الله عليهم وسنَّه، وسارَعوا لمَّا سمعوا قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ﴾ [آل عمران: ١٣٣].
فلو رأيت أحدهم إذا أظلم عليه الليل وجنَّه، من شدة خوفه كأن به وَلهًا أو جِنَّة؛ فكان أمير المؤمنين ﵁ يقول: ليتَ أمَّ عمرَ لم تلدْهُ (^٢). وقال علي كرَّم الله وجهه: ليتني لم أكُ شيئًا (^٣). ورأى أبو بكر الصديق ﵁ تبنة، فقال: ليتني كنت هذه التبنة (^٤).
فانظر رحمك الله إلى خوف هؤلاء القوم مع صحبتهم للنبي ﷺ واجتهاده في الدين، وجهادهم بين يديه، وبشارته لهم بالجنة. فيا حسرة من لعبت به الدنيا، وفاتته هذه الخيرات والمنة، ويا خيبة عبدٍ ادعى محبة الله ورسوله، ثم خرج عن حكم الكتاب والسنة، ويا سعادة عبد تخلَّق بأخلاق القوم وجعل سنة نبيه وحبيبه دأبه وفنَّه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، جُنَّة التوحيد وحصنه، صلاة تصلنا بهم وتدخلنا معهم الجنة.
_________________
(١) الحنَّة: رقة القلب، والرَّحمة.
(٢) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (٢٣٤)، وابن أبي شيبة في «مصنفه» (٣٥٦٢١)، وابن شبة في «أخبار المدينة» (١٥٧٩).
(٣) لم أقف عليه بهذا اللفظ. والمروي عنه أنه انتهى إلى طلحة بن عبيد الله وقد مات فنزل عن دابته وأجلسه فجعل يمسح الغبار عن وجهه ولحيته وهو يترحم عليه ويقول: ليتني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة. أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» ١/ ١١٣ (٢٠٢).
(٤) لم أقف عليه من كلام الصديق ﵁، وإنما هو من كلام عمر ﵁. وقد سبق تخريجه. وتحرف في (خ) إلى (بتينة) و(التينة).
[ ٧٠ ]
اعلم رحمك الله تعالى وإيانا وجميع المسلمين، أن البدع على أقسام: مباح، وثواب، ومكروه، وحرام.
فالمباح: ليس على فاعله جناح، والثواب: يقرب لرب الأرباب، وتارك المكروه عليه يثاب، وفاعل الحرام هو عبد مُدبِر مذموم، بالبعد والحرمان موسوم (^١)، والذي يُذكر في هذا الكتاب هو من البدع الذي يُذم فاعله، ولا يحمد قائله؛ لأن البدع تارة تكون في الأفعال، وتارة تكون في الأقوال.
قال الله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]. قال المفسرون: الكلم الطيب والعمل الصالح هو الموافق للسنة، وإلا فهو خبيث لا يرفعه الله إليه، ولا يضع كنفه عليه. ونسأل الله تعالى الخاتمة والمسامحة إذا وقفنا بين يديه، فقد علمت رحمك الله أن الكلم الطيب والعمل الصالح ما كان موافقًا للسنة، فمن أدركته المنَّة دخل في السنة، قال ﷺ: «من أحيى سنتي كان معي في الجنة» (^٢). فمن أراد المرافقة فعليه بالموافقة، ومن أحب أن يكون وليًّا لله سبحانه صاحبَ كشف واطلاع فعليه بالاتباع (^٣).
_________________
(١) في (خ): مرسوم.
(٢) أخرجه الترمذي في «جامعه» (٢٦٧٨)، والطبراني في «المعجم الأوسط» (٩٤٣٩) من حديث أنس بن مالك ﵁. قال الترمذي: ذاكرت به محمد بن إسماعيل يعني البخاري فلم يعرفه. وضعفه الألباني في «السلسلة الضعيفة» (٤٥٣٨).
(٣) لا شكَّ أن وَلاية الله لا تُنال إلا بالتوحيد والإخلاص والاتباع، ولا يكون العبدُ مخلصا حتى يجرِّد عبوديته لربه ﷿ من كل غرض وغاية، سوى التقرُّب إليه سبحانه وابتغاء مرضاته، أما من كان غرضه (الكشف والاطلاع) ففي نيته وإخلاصه دخل وانحراف. ثم إنَّ (الكشف والاطلاع) من أوهام الصوفية وسخافاتهم ودعاويهم الكاذبة، حيث يزعمون أنهم بالعبادة والرياضة والزهد والتقشف تنكشف لهم الأسرار، فيطلعون على علم الغيب، ويعرجون بأرواحهم إلى السماوات العلى، فيطلعون على اللوح المحفوظ، ويعلمون الماضي والحاضر والمستقبل، ثم تقودهم هذه الجرأة إلى الاستخفاف بعلوم الشريعة، والإعراض عن حملتها، وجعل الأولياء في مرتبة الأنبياء، =
[ ٧١ ]
قال المولى الكريم: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١] فقد تبين لك أن الخير كله والشفاء في اتباع النبي المصطفى، وقد نصحتك فيما قلته وكفى.
قال صلوات الله عليه وسلامه: «الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة» (^١)، فمن ترك النصيحة يخاف عليه في عرصات القيامة من الحسرة والفضيحة، وقد جاء في الأخبار: «من كتم علمًا نافعًا ألجمه الله
_________________
(١) = أو أعلى، فينسلخون من الإسلام جملة. قال الله ﵎: ﴿وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين﴾ [الأنعام: ٥٩]، وقال: ﴿ولله غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر كله﴾ [هود: ١٢٣]، وقال: ﴿إن الله عالم غيب السماوات والأرض إنه عليم بذات الصدور﴾ [فاطر: ٣٨]، وأخبر عن نفسه بنفسه: ﴿عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال﴾ [الرعد: ٩]، و: ﴿عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم﴾ [التغابن: ١٨]، وأمر نبيه ﷺ أن يقول: ﴿قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله﴾ [النمل: ٦٥]، كما أمر نبيه ﷺ أن ينفي عن نفسه الغيب: ﴿قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب﴾ [الأنعام: ٥٠]، ونقل عن مصطفاه ﵊ أنه قال: ﴿ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير﴾ [الأعراف: ١٨٨]. وقال نبيه مخاطبًا إياه: ﴿تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنَّك أنت علام الغيوب﴾ [المائدة: ١١٦]، والآيات في هذا المعنى كثيرة جدًّا، والأحاديث النبوية كذلك. ولكن الصوفية يقولون عكس ذلك متأثرين بالتشيع، وآخذين أفكارهم ومعتقداتهم، ولهم في ادعاء معرفة الغيب أقوال كثيرة، تجد جملة منها في: «التصوف: المنشأ والمصادر» لإحسان إلهي ظهير ﵀، و«تقديس الأشخاص في الفكر الصوفي» للدكتور محمد أحمد لوح. قلتُ: والمصنِّف ابن بيدكين ﵀ قد دخل عليه هذا من مجتمعه وبيئته التي كان لسخافات الصوفية وجود قويٌّ وغلبة وتأثير فيها، فلم يستطع التخلص من تأثيراتها، رغم حرصه على اتباع السنة، واجتناب البدع، والمعصوم من عصمه الله تعالى. (ت)
(٢) أخرجه الحميدي في «مسنده» (٨٣٧)، وأحمد في «مسنده» ٤/ ١٠٢ (١٦٩٤٠)، ومسلم في «صحيحه» (٥٥) (٩٥)، وأبو داود في «سننه» (٤٩٤٤)، والنسائي في «المجتبى» ٧/ ١٥٦ (٤١٩٧)، وفي «السنن الكبرى» (٧٨٢٠) من حديث تميم الداري ﵁.
[ ٧٢ ]
بلجام من نار» (^١). واسمع قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧]، فحينئذٍ يجب على كل من علم علمًا نافعًا أن يبينه ولا يكتمه؛ قال الله سبحانه: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤] فيجب على العلماء بالله والقادرين على الأمر بالمعروف وإعزاز الدين، وإخماد المبتدعين عملًا بقول رب العالمين. فجهاد العلماء بالعلم واللسان، وجهاد الملوك بالسيف والسِّنان، وكما لا يجوز للملوك إغماد أسلحتهم عن المشركين والملحدين، كذلك لا يجوز للعلماء إغماد ألسنتهم عن الزائغين والمبتدعين، فمن فعل ذلك (^٢) حرسه الله تعالى بعينه التي لا تنام، وطهره من الذنوب والآثام. فليس شيء أفضل عند الله تعالى من رد العبيد إلى الرب المجيد.
قال ﷺ: «يا علي، لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك مما طلعت عليه الشمس» (^٣). ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض (^٤). فسبحان من رضي عن المتبعين فقرَّبهم منه وأدناهم، وسخط على المبتدعين فأبعدهم وأقصاهم، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في «سننه» (٢٦٥) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁. وقال الألباني في «ضعيف سنن ابن ماجه» (٥٦): ضعيف جدًّا. وقد صح الحديث دون قيد النفع؛ فأخرجه أحمد ٢/ ٢٦٣ (١٠٤٨٧)، وأبو داود (٣٦٥٨)، والترمذي (٢٦٤٩)، وابن ماجه (٢٦١)، وابن حبان (٩٥) من حديث أبي هريرة: عن رسول الله ﷺ، قال: «من كتم علمًا تلجم بلجام من نار يوم القيامة». وإسناده صحيح، وأخرجه ابن حبان (٩٦) من حديث عبد الله بن عمرو ﵄.
(٢) يعني: قام بما يجب عليه. (ت)
(٣) أخرجه أحمد في «مسنده» ٥/ ٣٣٣ (٢٢٨٢١)، والبخاري في «صحيحه» (٢٩٤٢)، ومسلم في «صحيحه» (٢٤٠٦)، وأبو داود في «سننه» (٣٦٦١)، والنسائي في «سننه الكبرى» (٨١٤٩) من حديث سهل بن سعد.
(٤) يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [محمد: ٤].
[ ٧٣ ]
قال ﷺ: «من نقل عني حديثًا واحدًا لأمتي لتقام به سنة أو لتثلم به بدعة فله الجنة» (^١).
قال الله ﷿: ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٢].
المراد من هذا الحديث التعلم والإرشاد لطريق خير العباد، فلولا العلماء لصار الناس كالبهائم، فببركة العلم خرجوا من حد البهيمية إلى حد الإنسانية، ونسأل الله تعالى العلم والعمل وحسن الخاتمة عند فروغ الأجل. فإن الخاتمة والهداية ليسا بكثرة العلم والرِّواية، والعلم والخبر لا يحجزان أحدًا عن القضاء والقدر؛ ليس لها من دون الله كاشفة. قال الله ﷿: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ١٠٥]، وقال ﷾: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٣] فيجب على العبد أن يتبرأ (^٢) من العلم والعمل، ويجتهد في طاعة الله تعالى، ويسأله الخاتمة عند فروغ الأجل، فمن محا نفسه ولم يثبت لها علمًا ولا عملًا، أثبته الكريم الوهاب الذي يمحو ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب.
قيل لرسول الله ﷺ: أيدخل أحد الجنة بعمله؟ قال: «لا». قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته» (^٣). فأصغ أيها الطالب لقول سيد العلماء والعمال، فما بعد الحق إلا الضلال، ولأهل العلم باب في هذا الكتاب.
نرجع إلى مسألة السنة:
قال ﷺ لأبي هريرة: «علِّم الناسَ القرآنَ وتعلَّمه؛ فإنك إن متَّ وأنت
_________________
(١) أخرجه ابن شاذان في «مشيخته» (٤٦)، والخطيب في «شرف أصحاب الحديث» ص ١٢٠، وقال الألباني في «ضعيف الجامع» (٥٣٧٢): موضوع.
(٢) كذا تقرأ في (ق)، وفي (خ): (أن لا يتبرأ). وفي (ب): (أن لا يترك شيئًا) وهي غير واضحة، فكُتبت في الحاشية مجوَّدة. ويظهر لي أن ما في (ق) هو الصواب، ويوضحه قوله الآتي: (ولم يثبت لها علمًا ولا عملًا) يعني: لم يدَّع العلم والعمل، ولا منَّ على الله بعمله. (ت)
(٣) أخرجه البخاري في «صحيحه» (٥٦٧٣)، ومسلم في «صحيحه» (٢٨١٦) من حديث أبي هريرة ﵁. وأخرجه مسلم (٢٨١٧) من حديث جابر ﵁.
[ ٧٤ ]
كذلك زارت الملائكة قبرك كما يزار البيت العتيق، وعلِّم الناس سنتي وإن كرهوا ذلك، وإن أحببت لا توقف على الصراط طرفة عين حتى تدخل الجنة فلا تحدث في دين الله برأيك» (^١). وقال ﵇: «على خلفائي رحمة الله» (^٢)، قيل: ومن خلفاؤك يا رسول الله؟ قال: «الذين يُحيون سنتي ويعلمونها عباد الله» (^٣).
ثم اعلم بأن جميع سنن النبي ﷺ عن الله تعالى لا من تلقاء نفسه. قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤]، ولذلك تبرأ ﷺ ممن نبذ السنة، وقال: «من أحيَى سنتي كان معي في الجنة» (^٤) فهي زاد التقى وسبب لوجود اللقاء، قال الله سبحانه: ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦] فالبدعة توجب الفرقة والقطيعة والشقاء. واسمعوا أيها المؤمنون قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]، وقال ﷺ: «كلُّ الناس يدخلون الجنة إلا من أبى». قالوا: ومن أبى؟ قال: «من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى» (^٥). وقال صلوات الله عليه وسلامه: «لا يؤمن أحدكم حتى
_________________
(١) أخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» ٤/ ٣٨٠، وأبو طاهر السلفي في «معجم السفر» (١٢٣١). وقال الألباني في «السلسلة الضعيفة» (٢٦٥): موضوع.
(٢) من (ق)، وكذا (ب) لكن غيَّرها أحدُهم إلى: ﵇ خلفائي رحمة الله)، وفي (خ): (وقال ﵇ خلفائي رحمة الله)، وألحق أحدهم ميما بأخر (رحمة). وفي مصادر التخريج: «اللهم ارحم خلفائي». (ت)
(٣) أخرجه الخطيب في «جامع بيان العلم وفضله» (١٦٩)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» ٥١/ ٦١ عن الحسن بن على. وأورده الألباني في «ضعيف الترغيب والترهيب» (٧٤).
(٤) سبق تخريجه، وهو ضعيف.
(٥) أخرجه أحمد في «مسنده» ٢/ ٣٦١ (٨٧٢٨)، والبخاري في «صحيحه» (٧٢٨٠) من حديث أبي هريرة.
[ ٧٥ ]
يكون هواه تبعًا لما جئت به» (^١).
وقال ﷺ: «عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» (^٢) وقال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (^٣)، وقال: «من تشبه بغيرنا فليس منا» (^٤).
فليس بعد اتباع النبي ﷺ وأصحابه السادة الكرام والطوالع العالية إلا البدع والظُّلَم المتوالية. قال ﷺ: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» (^٥).
فكل من اتبع النبي ﷺ وأصحابه دخل (^٦) الجنة دار القرار. والخوارج مصيرهم إلى النار؛ لما صح في الأخبار أن أمة محمد ﷺ ستفترق على
_________________
(١) أخرجه ابن أبي عاصم في «السنة» (١٥)، والخطيب في «تاريخ بغداد» ٤/ ٣٦٨ من حديث عبد الله بن عمرو، وضعفه الألباني في «ظلال الجنة» (١٥).
(٢) صحيح: أخرجه أحمد في «مسنده» ٤/ ١٢٦ (١٧١٤٤)، والدارمي في «سننه» (٩٥)، وأبو داود في «سننه» (٤٦٠٧)، وابن ماجه في «سننه» (٤٢)، والترمذي في «جامعه» (٢٦٧٦) من حديث العرباض بن سارية رضي الله تعالى عنه. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
(٣) أخرجه أحمد في «مسنده» ٦/ ٢٤٠ (٢٦٠٣٣)، والبخاري في «صحيحه» (٢٦٩٧)، ومسلم في «صحيحه» (١٧١٨)، وأبو داود في «سننه» (٤٦٠٦)، وابن ماجه في «سننه» (١٤) من حديث عائشة ﵂.
(٤) أخرجه الترمذي في جامعه (٢٦٩٥)، والطبراني في معجمه الأوسط (٧٣٨٠) من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ، قال الترمذي عقبه: هذا حديث اسناده ضعيف، وروى ابن المبارك هذا الحديث عن ابن لهيعة فلم يرفعه.
(٥) أخرجه ابن عبد البر في «جامع بيان العلم وفضله» (٢/ ١٨٣)، وابن منده في «الفوائد» (١١) من حديث جابر بن عبد الله ﵄، وقال ابن عبد البر: هذا إسناد لا تقوم به حجة. وقال الألباني في «السلسلة الضعيفة» (٥٨): موضوع. وأخرجه عبد بن حميد في «مسنده» (٧٨٣)، من حديث ابن عمر ﵁، وفيه حمزة الجزري؛ قال ابن معين: لا يساوي فلسًا. وقال أحمد بن حنبل: مطروح الحديث. انظر «تهذيب الكمال» ٧/ ٣٢٤. وقال ابن الملقن: هذا الحديث غريب؛ لم يروه أحد من أصحاب الكتب المعتمدة، وله طرق. انظر «البدر المنير» ٩/ ٥٨٤.
(٦) في (ب): أدخل.
[ ٧٦ ]
ثلاث وسبعين فرقة: فرقة ناجية والباقون إلى النار. قالوا: وما الفرقة النَّاجية يا رسول الله؟ قال: «ما كنت أنا وأصحابي عليه» (^١)، فمن تبعهم سعد واهتدى، ومن خرج عن سنتهم أبعده الله من رحمته ولم يجمع شمله بهم فضل واعتدى.
قال الفضيل لبعض أصحابه: إياك أن تصحب من فيه أدنى بدعة فيعود شؤمها عليك (^٢).
_________________
(١) صحيح: أخرجه أحمد في «مسنده» ٢/ ٣٣٢ (٨٣٩٦)، وأبو داود في «سننه» (٤٥٩٦)، وابن ماجه في «سننه» (٣٩٩١)، والترمذي في «جامعه» (٢٦٤٠) من حديث أبي هريرة ﵁. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وأمَّا قوله: «ما أنا عليه وأصحابي» فزيادة خرَّجها الترمذي في «جامعه» (٢٦٤١) من حديث ابن عمرو، وقال: حسن غريب. وانظر: «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (٢٠٣) و(٢٠٤).
(٢) الإمام القدوة أبو علي الفضيل بن عياض بن مسعود التميمي اليربوعي، شيخ الحرم المكي، من أكابر العباد الصلحاء، كان ثقة في الحديث، أخذ عنه خلق منهم الإمام الشافعي. ولد في سمرقند، ونشأ بأبيورد، ودخل الكوفة وهو كبير، وأصله منها. ثم سكن مكة وتوفي بها سنة (١٨٧ هـ) ﵀. وله كلام كثير طيب في التحذير من أهل البدع ومن مجالستهم، من ذلك ما أخرجه اللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» (٢٦١ - ٢٦٨) بإسناده عنه قال: من أتاه رجل فشاوره فدله على مبتدع فقد غش الإسلام، واحذروا الدخول على صاحب البدع فإنهم يصدون عن الحق. وقال الفضيل: لا تجلس مع صاحب بدعة فإني أخاف أن ينزل عليك اللعنة. وقال: لا تجلس مع صاحب بدعة، أحبط الله عمله، وأخرج نور الإسلام من قلبه، وإذا أحب الله عبدًا طيَّب له مطعمه. وقال: صاحب البدعة لا تأمنه على دينك، ولا تشاوره في أمرك، ولا تجلس إليه، فمن جلس إلى صاحب بدعة ورَّثه الله العمى. وقال: إن لله ملائكة يطلبون حلق الذكر، فانظروا مع من يكون مجلسك، لا يكون مع صاحب بدعة، فإن الله لا ينظر إليهم، وعلامة النفاق أن يقوم الرجل ويقعد مع صاحب بدعة. وقال: الأرواح جنوده مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف، ولا يمكن أن يكون صاحب سنة يمالئ صاحب بدعة إلا من النفاق. وقال: أدركت خيار الناس كلهم أصحاب سنة، وينهون عن أصحاب البدع. وقال: طوبَى لمن مات على الإسلام والسنة، فإذا كان كذلك فليكثر من قول: ما شاء الله. (ت)
[ ٧٧ ]
نهى الشيخ عن ذلك لكي ينقذ أخاه من البدعة القبيحة؛ لما ورد في الأحاديث الصحيحة: «إنَّ الدين النصيحة» (^١). قال الله تعالى تكريمًا لنبيه وتعظيمًا: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
اعلم رحمك الله تعالى أن إثبات الكاف في قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ﴾ [النساء: ٦٥]، ونحوها في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠] ما قال: «كأنَّما» في فضله وشرفه كافٍ، وقال المولى تشريفًا لنبيِّه وحبيبه وتكريمًا: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] وفي آية أخرى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧١] معناه: أي يا محمد من أطاعك أطاعني، ومن بايعك بايعني، ومن أنكرك ما عرفني.
قال المؤلف لهذا الكلام: بدأت فيه وأنا نزيل مكة زادها الله تعالى تعظيمًا وشرفًا، ومتعنا وجميع المسلمين بالحج المبرور وزيارة النبي المصطفى ويجعلنا وجميع المسلمين من أهل السنة والخير والوفاء.
وكنت وقت أن بدأت فيه ضعيفًا من جميع الجهات: من جهة البدن، ومن جهة العلم والعمل، والعربية، وبُعد الذهن، وقلة الكتب في هذا الفن، وما يرادفها من الأحاديث النبوية. وقد قلت بعض الأحاديث والحكايات بالمعنى، وقد جوز ذلك بعض العلماء، وفيه تيسير لمن قد حل بقلبه الغفلة والعمى، وقد قرأ خطيب مكة بعض هذا الكتاب على نزيل مكة وقاضيها، واختار بعض صلحاء مكة أن يكون لهذا الكتاب اسم فسميته كتاب: «اللمع في الحوادث والبدع». نفع الله به القائل والقارئ والناظر ومن استمع؛ وصلواته على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، ما غاب نجم أو طلع.
اعلم يا أخي: أن الله سبحانه ندب عباده إلى الدخول في طريق توصلهم إليه بقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٣].
_________________
(١) سبق تخريجه.
[ ٧٨ ]
وحذَّر عن الانقطاع عنه بالدخول في طرق الأهواء والبدع فقال تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣].
وهذه الآيات محكمات بإجماع المفسرين لم ينسخهنَّ شيء؛ من عمل بهن دخل الجنة، ومن تركهن دخل النار. والناس لهم طرق: الكل تُبعد عن الله تعالى، والطريق الموصلة المستقيمة هي طريق النبي ﷺ صاحب المعجزات والكرم والفضائل العميمة. قال الله تعالى: ﴿يس (١) وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس: ١ - ٤] وقال المولى الغفور: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاءُ مَنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [الشورى: ٥٢ - ٥٣].
فعليك أيها المؤمن بالطريق المستقيم إن اخترت الوصول. وائت البيوت من أبوابها إن أردت الدخول.
واعلم رحمك الله أن طريق النبي ﷺ قريب، ويوصل إلى الحبيب، فمن عدل عنه وسلك الأوعار، يُخاف عليه من العار، ومن عذاب النار؛ لما ورد في الأخبار، أن الخوارج كلاب النار (^١). وقال ابن مسعود ﵁: خط رسول الله ﷺ خطًّا، ثم خَطًّ إلى جانبه خطوطًا، ثم قال للخط الأول: «هذه سبيل الله يدعو إليه». وقال للخطوط: «هذه سُبُلُ الشيطان على كل سبيل شيطان يهدي إليه»، ثم قرأ: «﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ
_________________
(١) في (ق): (الجوارح عذاب النار) وهذا تحريف ظاهر، وحديث: «الخوارج كلابُ النَّار»؛ أخرجه الحميدي في «مسنده» (٩٠٨)، وأحمد في «مسنده» ٥/ ٢٥٣ (٢٢١٨٣)، وابن ماجه في «سننه» (١٧٦)، والترمذي في «جامعه» (٣٠٠٠) من حديث أبي أمامة ﵁. قال الترمذي: هذا حديث حسن. وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٣٣٤٧).
[ ٧٩ ]
وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]» (^١). فحذَّر من البدع ومحدثات الأمور.
وروى البخاري ومسلم أن النبي ﷺ قال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لاتبعتموهم». قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ فقال: «فمن!» (^٢).
ثم اعلم بأن الله سبحانه يحب المتبع ويبغض المبتدع. قال المولى الكريم: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١].
ومن أحبه الله تعالى أحبه من في السماوات والأرض، والمبغض بعكس ذلك، فاتبع رحمك الله ولا تخترع؛ لأن البدع اختراع الشيء من غير أصل سبق ولا مثال ولا ألف مثله. ومنه قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٠١] وقوله: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩] معنى الآية: ما أنا أول رسول إلى أهل الأرض. وهذا الاسم يدخل فيما تخترعه القلوب، وفيما تنطق به الألسنة، وفيما تفعله الجوارح بهذا أخبرنا علماؤنا ﵃ أجمعين، فمن علامة المحبة لله تعالى اتباع أوامره، وترك ما نهى عنه.
قال الفقيه أبو الليث (^٣):
_________________
(١) أخرجه أحمد في «مسنده» ١/ ٤٣٥ (٤١٤٢)، والدارمي في «سننه» (٢٠٢)، والنسائي في «سننه الكبرى» (١١١٧٤). وحسنه الألباني في «المشكاة» (١٦٦).
(٢) أخرجه أحمد في مسنده ٣/ ٨٤ (١١٨٠٠)، والبخاري في صحيحه (٣٤٥٦)، ومسلم في صحيحه (٢٦٦٩) (٦) عن أبي سعيد الخدري.
(٣) هو العلامة الفقيه أبو الليث نصر بن محمد بن أحمد بن إبراهيم السمرقندي (ت: ٣٧٣ هـ)، من أئمة الحنفية، ولقبوه بإمام الهدى، له تصانيف مشهورة، منها تفسير القرآن، وبستان العارفين، وخزانة الفقه، وتنبيه الغافلين، وغيرها. قال الذهبي في تاريخ الإسلام ٨/ ٤٢١: وفي كتابه تنبيه الغافلين موضوعات كثيرة. والبيتان ليسا لأبي الليث، وإنما ذكرهما في «تفسيره» [آل عمران: ٣١] لغيره، فقال: «كما قال القائل»، وهما لمحمود بن الحسن الوراق كما قال الثعالبي في الإعجاز والإيجاز، وفي التمثيل والمحاضرة، وفي لباب الألباب، وأبو بكر ابن داود الظاهري في الزهرة، والمبرِّد في الكامل، والحصري في زهر الآداب وثمر الألباب، وينسبان للإمام الشافعي، ولأبي العتاهية، ولغيرهما. وفي جميع هذه المصادر: (في القياس) مكانَ: (في الفعال). (ت)
[ ٨٠ ]
تَعصي الإلهَ وأنتَ تُظهر حبَّه … هذا محالٌ في الفعالِ بديعُ
لو كان حبُّك صادقًا لأطعتَه … إنَّ المحبَّ لمن يحبُّ مطيعُ
وعلامة محبة الرسول اتباع سنته؛ فالمحب من اتبع، والشيطان من ابتدع.
افرح أيها التابع لما خصَّك الله به من الخير والمنافع؛ فقد حصل لك المطلوب، وذهبت عنك الأحزان والذنوب.
الفرح هنا جائز؛ أما يفرح المملوك لهدايا الملوك؟! متى كنت متبعًا لنبيك فافرح؛ قال المولى: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨] ومتى كنت مبتدعًا خارجًا لا تفرح؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦] وهذا جمع بين الآيتين.
أصبح بعض العصاة يومًا ونفسه تحب الطاعة وتكره المعصية، فقام من شدة فرحه يتبختر في بيته، والبيت لا يكاد يسعه، فقالت له زوجته: ما هذه المشية التي لم أرها على شمائلك من قبل؟ قال: ومن أولى منِّي بها، وقد أصبح لي مولى، وأصبحت له عبدًا. كان عبد نفسه صار عبد ربه، أما يحق له الفرح؟
فإذا كنت متصلًا (^١) بربك فافرح ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨] وإذا كنت بنفسك (^٢) لا تفرح ﴿إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦].
الثكلى لا يحق لها الفرح لفقد ولدها وإن كان لها ولدٌ غيره، فكيف يفرح من فقد ربه وما له غيره؟
_________________
(١) ليست في (خ).
(٢) في (ط): بربك.
[ ٨١ ]
يحكى أن الشبليَّ (^١) رأى امرأةً تصيح خلف جنازة ولدها وتقول: والله ما لي سواه. فصاح الشبلي وقال: آه! إن طردني من ليس لي سواه (^٢). فقد علمت أن الله سبحانه علق طاعته بطاعة رسوله، وحكمه بحكمه، قال المولى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
وقرن اسمه باسمه فحيث ذُكر الله تعالى، ذُكر معه: لا إله إلا الله محمد رسول الله؛ وفي الأذان والإقامة إلى يوم القيامة.
فلا تخرج عن طريقه أيها المؤمن وعليك بالاستقامة، فلن يقبل الله سبحانه من أحد طاعة حتى تكون موافقة لصاحب الكرم والشجاعة والشفاعة، ولا يقبل من أحد لا إله إلا الله حتى يعتقد أن محمدًا رسول الله.
فمن عمل عملًا أو تكلم بكلام أو أشار بشيء لا يوافق الكتاب والسنة والخلفاء الراشدين، وإجماع المسلمين فهو بدعة وضلالة وترد على القائل أو الفاعل؛ لقوله ﷺ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (^٣). ونعوذ بالله العظيم من مكابرة العقول، ومخالفة المنقول، ونسأله الحراسة من
_________________
(١) هو أبو بكر البغدادي، من مشايخ الصوفية، اختلف في اسمه، فقيل: دلف بن جحدر. وقيل: جعفر بن يونس. وقيل: جعفر بن دلف، أصله من الشبلية، قريةٌ. ومولده بسامراء. وكان أبوه من كبار حجاب الخلافة. وولى هو حجابة أبي أحمد الموفق، ثم لما عزل أبو أحمد من الولاية، حضر الشبلي مجلس بعض الصالحين. فتاب ثم صحب الجنيد وغيره، وصار من شأنه ما صار. قال الذهبي في «سير أعلام النبلاء» ١٥/ ٣٦٧: وكان فقيهًا عارفًا بمذهب مالك، وكتب الحديث عن طائفة. وقال الشعر، وله ألفاظ وحكم وحال وتمكُّن، لكنه كان يحصل له جفاف دماغ وسُكر. فيقول أشياءَ يعتذر عنه، فيها بأْوٌ لا تكون قدوة. وكان ﵀ لهجًا بالشعر الغزل والمحبة. وله ذوق في ذلك، وله مجاهدات عجيبة انحرف منها مزاجه. توفي ببغداد سنة (٣٣٤ هـ)، عن نيف وثمانين سنة.
(٢) لم أقف على هذه الحكاية. وذكر الذهبي في السير ١٥/ ٣٦٨: قيل: إن الشبلي مرة قال: آهٍ! فقيل له: من أي شيء؟ قال: من كل شيء.
(٣) سبق تخريجه.
[ ٨٢ ]
البدع والعمل بما نقول؛ فإن القول بلا عمل كقوس بلا وتر؛ أو كسحاب بغير مطر، وهو من حظوظ النفس وتسويل الشيطان، ومن قلة التوفيق ولزوم الخذلان؛ لأن النفس الأمارة ترى القبيح حسنًا.
قال المولى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاء﴾ [فاطر: ٨] الآية. وقال من لا يخلف الميعاد: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: ٢٣].
وقال بعضهم في هذا المعنى:
يا غاديًا في جهله ورائحًا … إلى متى تستحسن القبائحا
يا عجبًا منك وأنتَ مبصر … كيف تجنبت الطريق الواضحا
والناس مكلفون إلى يوم القيامة بأن يقتدوا بمن ظللته الغمامة، ويتبعوه في أقواله وأفعاله، ويتأدبوا بآدابه.
فمن فعل ذلك جعله الله تعالى من أوليائه وأحبابه. ومن أبى صرفه الله عن رحمته وطرده عن بابه، وأذاقه أليم عذابه.
فمن أدركته المنَّة دخل في السنة؛ لأن المتابعة تثبت الاتصال، وعدمها يثبت الانفصال.
قال الله تعالى حكاية عن إبراهيم ﵇: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [إبراهيم: ٣٦] يفهم من هذا أن من لم يتبعه ليس منه.
وقوله ﷺ: «سلمانُ منَّا أهلَ البيتِ» (^١)، ومعلوم أن سلمان من فارس لكن لمتابعة المحبوب حصل له المطلوب، وعدم المتابعة للحبيب تبعد القريب. قال المولى حكاية عن نوح ﵇: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود: ٤٥] فأجابه الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود: ٤٦].
_________________
(١) أخرجه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» ٤/ ٨٢ - ٨٣، والطبراني في «معجمه الكبير» ٦/ ٢١٢ (٦٠٤٠) من حديث عمرو بن عوف المزني. قال الهيثمى في «مجمع الزوائد» ٦/ ١٣٠: فيه كثير بن عبد الله المزني، وقد ضعفه الجمهور، وحسن الترمذي حديثه، وبقية رجاله ثقات. وقال الألباني في «السلسلة الضعيفة» (٣٧٠٤): ضعيف جدًّا.
[ ٨٣ ]
فالمتابعة تجعل التابع كأنه جزء من المتبوع وإن كان أجنبيًّا في النسبة إليه كسلمان ﵁.
وقيل للنبي ﷺ: من آلك؟ قال: «كلُّ تقي» (^١)، فالمتبع هو من آل محمد ﷺ، والمبتدع ليس هو من آله لقلَّة حظه ولسوء حاله.
كان بعض الصالحين يبكي ويقول: إلهي لا أبكي لأجل المعصية؛ إني لا أصلح لها، لكن أبكي الذي كان هذا حظي منك.
وصح أن النبي ﷺ تبرأ من أصحاب البدع، فكل من قال: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كان للمتبع نصيب من دعاء المسلمين؛ لأنه من آل محمد ﷺ؛ فإذا ثبت هذا فينبغي لمن بصَّره الله تعالى وكحَّل عيني قلبه بنور الهدى أن لا يخرج عن طريق نبيه وحبيبه ولا عن طريق أصحابه الفرقة الناجية السعداء، ويجتهد بالتمسك (^٢) بسنتهم غاية الاجتهاد، وإن كرهت النفس ذلك وطال عليها المدى.
فمن أكره نفسه اليوم على متابعة نبيه وحبيبه يكون معه في الجنة غدًا، وقد صح في الحديث والآيات أن الجنة حفت بالمكاره، وحفت النار بالشهوات (^٣)؛ فاعمل على نجاة نفسك بالاتباع، ولا تبتدع، فتلقيها في المهالك (^٤) والردى، وتحشر يوم القيامة مع مَنْ ضلَّ واعتدى، ونعوذ بالله العظيم من الجهل بعد العلم، ومن الضلالة بعد الهدى، ونلجأ إليه من
_________________
(١) أخرجه الطبراني في «معجمه الأوسط» (٣٣٣٢)، والبيهقي في «سننه الكبرى» ٢/ ٨٣ من حديث أنس. قال الحافظ في «فتح الباري» ١١/ ١٦١: إسناده واهٍ جدًّا. وقال الألباني في «ضعيف الجامع» (١٢): ضعيف جدًّا.
(٢) في (ط): على التمسك.
(٣) أخرجه أحمد في «مسنده» ٣/ ٢٥٤ (١٣٦٧١)، وعبد بن حميد في «مسنده» (١٣١١)، والدارمي في «سننه» (٢٨٤٣)، ومسلم في «صحيحه» (٢٨٢٢) (١)، والترمذي في «جامعه» (٢٥٥٩) من حديث أنس بن مالك ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «حُفَّت الجنةُ بالمكاره، وحفت النار بالشهوات».
(٤) في (ط): المكاره.
[ ٨٤ ]
مكابرة العقول ومخالفة المنقول، ونسأله الحراسة من البدع، والعمل بما يقول.
فقد كان الصحابة ﵃ إذا طرأ أمر وفيه مصلحة للمسلمين يتوقفون عن إمضائه خوفًا من البدعة، وهم القدوة المستضاء بنورهم، والهداة المهتدى بهداهم الذين (^١) أدركتهم المنَّة، وشهد لهم النبي ﷺ بالجنة: أبو بكر وعمر وغيرهم من الصحابة (^٢)، وهم القدوة لمن اقتدى، والنجوم لمن اهتدى.
ومع ذلك كله كانوا يتحرزون من إحداث شيء حتى يستشيروا فيه غيرهم، ويجتمع عليه رأيهم.
روي عن زيد بن ثابت ﵁ أنه قال: أرسل إلي أبو بكر ﵁ بعد مقتل أهل اليمامة وإذا عمر جالس عنده، فقال أبو بكر الصديق: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحرَّ (^٣) في أهل اليمامة في قراء المسلمين، وإني أخشى أن يستحر (^٤) القتل في القراء فيذهب كثير من القرآن لا يوعى، وإني أرى أن تأمر من يجمع القرآن. فقلت لعمر: كيف أفعل شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ؟ فقال عمر: هو والله خير. قال: فلم يزل يراجعني حتى شرح الله صدري ورأيت الذي رآه عمر. قال زيد: [قال لي أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك وكنت تكتب الوحي
_________________
(١) في (ط): إذا.
(٢) أخرجه أحمد في «مسنده» ١/ ١٨٨ (١٦٣٧)، وأبو داود في «سننه» (٤٦٤٩)، وابن ماجه في «سننه» (١٣٣)، والترمذي في «جامعه» (٣٧٥٧)، والنسائي في «سننه الكبرى» (٨١٩٣) من حديث سعيد بن زيد ﵄، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «النبي في الجنة، وأبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد في الجنة». ولو شئت أن أسمي العاشر. وصححه الألباني في «المشكاة» (٦١٠٩).
(٣) في (خ): استجر.
(٤) في (خ): يستجر.
[ ٨٥ ]
لرسول الله ﷺ فاتبع القرآن فاجمعه] (^١).
قال زيد: والله لو كلفوني نقل جبل من الجبال، لكان ما أمرني به من جمع القرآن أثقل علي. قال: كيف كنتم تفعلون شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ؟ قال: هو والله خير. فلم يزل أبو بكر ﵁ يراجعني حتى شرح الله تعالى صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر ﵄. فتتبعت القرآن أجمعه من الرِّقاع والأكتاف، والأقتاب وصدور الرجال (^٢).
فانظر إلى مراجعتهم وقول بعضهم لبعض: كيف نفعل شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ؟! وقد قرن النبي ﷺ بهم الهدى لمن اقتدى وأرشد إلى سبيلهم عند اختلاف الأهواء، وتشتت الآراء بقوله ﷺ: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي» (^٣)، وبقوله: «اقتدوا باللذين من بعدي: أبو بكر وعمر» (^٤).
ولا يشك أحد في عظيم نفع جمع (^٥) القرآن لأهل الإيمان. وفي زماننا هذا قد ظهر في البر والبحر الفساد، وشاعت البدع في المدائن والبلاد ولم ينكرها العباد.
كما جاء في «السنن» لأبي داود: أن جماعةً دخلوا على العرباض بن سارية وكان من الذين نزل فيهم: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ
_________________
(١) سقط من (خ).
(٢) أخرجه أحمد في «مسنده» ١/ ١٣ (٧٦)، والبخاري في «صحيحه» (٤٦٧٩)، والترمذي في «جامعه» (٣١٠٣)، والنسائي في «سننه الكبرى» (٧٩٩٥) من حديث زيد بن ثابت الأنصاري ﵁.
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) أخرجه أحمد ٥/ ٣٨٥، وابن ماجه (٩٧)، والترمذي (٣٦٦٢)، وابن حبان في «صحيحه» (٦٩٠٢)، من حديث حذيفة ﵁. وهو حديث صحيح، له شواهد مخرجة في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (١٢٣٣).
(٥) في (خ): جمع منفعة.
[ ٨٦ ]
قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ [التوبة: ٩٢]، وهو مريض. فقلنا له: جئناك زائرين وعائدين ومقتبسين. فقال عرباض: إن رسول الله ﷺ صلى بنا صلاة الغداة، ثم أقبل علينا فوعظنا موعظةً بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله، إن هذه موعظة مودع فما تعهد إلينا؟ قال: «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن كان عبدًا حبشيًّا، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة» (^١).
في هذا الحديث علومٌ كثيرة لا يسع جهلها.
منها: أنه أمرهم بالسمع والطاعة لمن ولي عليهم من أسود أو أبيض، حر أو عبد، ولا يمكن طاعة إلا في المعروف، ولا طاعة لمخلوق في معصية المولى الرؤوف.
وأعلمهم أنه سيكون بعده اختلاف كثير بين الناس، فأمرهم بلزوم سنته وسنة صحابته، والخلفاء الراشدين ﵃ أجمعين؛ فمن وفقه الله تعالى لزم السنة، وخالف النفس والهوى، ومن خذله دخل في البدع؛ فضلَّ وغوى. وهذا الحديث من معجزاته ﷺ؛ لأنه أخبر عما يأتي من الحوادث والبدع.
وقد أمر أمته بأن يعضوا على سنته وسنة صحابته عند فساد أمته بالنواجذ؛ لينجوا غدًا من الأهوال والشدائد، والعض: هو التمسك الشديد لكي لا يفلت منه.
وحذرهم ﷺ من البدع وأعلمهم بأنها ضلالة.
فمن دخل في البدع فقد عصى الله تعالى، وخالف المبعوث بالرسالة. فمن خالف نبيه وإمامه تكون الجنة وراء ظهره والنار أمامه. فالجنة معدة لمن
_________________
(١) سبق تخريجه.
[ ٨٧ ]
اتبع السنة، فاقتدوا ولا تعتدوا. قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤] وقد قيل لك: إن كنت تسمع اقتدِ ولا تعتدِ، وقد كُفيت؛ لأن المقتصد في السنة خير عند الله تعالى من المجتهد في البدعة. فاتبعوا الآثار؛ فبهذه الألفاظ نطقت الآيات وجاءت الأخبار. فمن سمع وأجاب حشره الله تعالى مع متبوعه، وصار من الأحباب. ومن سمع وأعرض أعرض الله عنه فتعس وخاب. ومن كان حيًّا سمع. قال الله تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ [يس: ٧٠] وميت القلب لا يسمع؛ قال المولى (^١): ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [الروم: ٥٢].
وقالوا فيمن هذه صفته:
لقد أسمعتَ لو ناديتَ حيًّا … ولكن لا حياةَ لمن تنادي
فمن الناس أناس قد رسخت البدع في قلوبهم، وألفتها نفوسهم، ومزجت بلحومهم وعروقهم ودمائهم؛ لارتكابهم إياها على طول المدى، فلو سمع أحدهم ألف آية لم ينزل عنها أبدًا. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: ٢٣] وفي آية أخرى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧] فمن لطف الله به اتبع واقتدى، ومن نكبه ابتدع واعتدى، وألقى نفسه للمهالك والردى، والله سبحانه لا يحب المعتدين، ولا يهدي كيد الخائنين.
والمبتدع هو خائن، ومن خان فقد هان؛ قال المولى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧].
فمن خرج عن طريق النبي ﷺ فقد خانه، فحينئذٍ يخاف على هذا الخائن أن لا يرزقه الله أمانَهُ. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١].
قال المفسرون: لا تعملوا على خلاف الكتاب والسنة. وقال آخرون: لا تقدموا بين يدي الله ورسوله قولًا ولا فعلًا.
_________________
(١) في (ط): تعالى.
[ ٨٨ ]
والألفاظ مختلفة والمعنى واحد؛ أي: لا تبتدعوا في أفعالكم ولا في أقوالكم. فمن خالف وابتدع يرجع وبال البدعة عليه يوم يوقفه الحقُّ بين يديه فلا يتقبل الله أعماله ولا يزكي أقواله، ولا يرفعهما إليه؛ لأن عمل المبتدع وقوله ليس بصالح.
وقد قال الله سبحانه: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] وقال صلوات الله عليه وسلامه: «لا يقبل الله لصاحب بدعة صومًا ولا صلاة ولا زكاة ولا حجًّا ولا عمرة ولا جهادًا ولا صرفًا ولا عدلًا، ويخرج من الإسلام كما يخرج السهم من الرمية، أو تخرج الشعرة من العجين» (^١)، فالخروج عن (^٢) الطريق هو من عدم التوفيق كما قيل:
قل لمن أعرض عنا … إن إعراضك منا
لو أردناك لأضحى … كل ما فيك يردنا
قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [المائدة: ٦٨] معناه: أي يا أهل كل كتاب لستم على شيء حتى تكونوا متبعين لا مبتدعين.
ولا يظن الجاهل أن المراد بأهل الكتاب اليهود والنصارى فقط، والوصية لهما، بل ولنا أيضًا؛ لأن الله تعالى لا ينصح اليهود والنصارى ويترك المسلمين؛ ألم تسمع قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣١]، ومن جملة التقوى اتباع النبي ﷺ، والمبتدع لا يعد من المتقين، بل هو من جملة الفاسقين، وأعماله مردودة عليه لقول رب العالمين: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] والمتقي مَنْ اتبع، والشيطان مَنْ ابتدع، وما نكب الله تعالى
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في «سننه» (٤٩) عن حذيفة. وقال البوصيري في «مصباح الزجاجة» (١٨): إسناده ضعيف. وقال الألباني في «السلسلة الضعيفة» (١٤٩٣): موضوع.
(٢) في (ط): من.
[ ٨٩ ]
أحدًا وخذله إلا لقلة المتابعة، فدع عنك الجدال في هذا الباب والمنازعة؛ لا يصح لأحدٍ دعوى المحبة إلا بالمبادرة لطاعة المحبوب، وببركة المتابعة حصل لهم المطلوب.
قال المولى الكريم: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١] وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤].
فالأصل في جميع الأعمال والأقوال والأحوال هو اتباع الرسول، فما فات السالك الوصول إلا لتضييعه الأصول؛ لأن الله تعالى لا يحب أحدًا يأتيه إلا من طريق نبيه وحبيبه ﷺ وإلا رده خائبًا.
قال رسول الله ﷺ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ»، وكلما اجتهد المبتدع في بدعته أبعده الله تعالى من رحمته، قال الله سبحانه: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٤] وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: ٨].
وقالوا فيمن هذه صفاتهم:
يا غاديًا في جهله ورائحًا … إلى متى تستحسن القبائحا
يا عجبًا منك وأنت مبصر … كيف تجنبت (^١) الطريق الواضحا
وقال بعض الصحابة: أشدُّ الناس عبادة المفتون. واحتج بقوله ﷺ في الخوارج: «يحقر أحدكم صلاته في صلاته وصيامه في صيامه، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية» (^٢).
_________________
(١) في (ط): تجتنب.
(٢) أخرجه أبو داود في «الزهد» (٤١٦)، وابن وضاح في «البدع» (٦٢ - ٦٣) عن رجل من أصحاب النبي ﷺ أنه قال: «أشد الناس عبادة مفتون». وليس في الأثر احتجاج ذلك الصحابي بالحديث المرفوع، وقد ذكر الشاطبي في «الاعتصام» ١/ ٩٠ الاحتجاج بهذا الحديث، وهو صحيح أخرجه أحمد في «المسند» ٣/ ٦٥ (١١٦٢١)، والبخاري في «صحيحه» (٦١٦٣)، ومسلم في «صحيحه» (١٠٦٤) (١٤٨) من حديث أبي سعيد ﵁.
[ ٩٠ ]
وقال حذيفة ﵁: كل عبادة لم يتعبَّدْها أصحابُ النبي ﷺ فلا تَعَبَّدُوها؛ فإن الأول لم يدع للآخر مقالًا (^١).
وقال الأوزاعي ﵀: إن من ابتدع بدعةً خلَّاه الشيطان والعبادة، وألقى عليه الخشوع والبكاء يصاد به وهذا استدراج (^٢). قال الله تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم: ٤٤] الآية.
فما أسرع نفوس الغافلين لما (^٣) يبعدها عن النفوذ إلى الله تعالى، وما أقعدها عن شيء يقربها إليه، وهو الخروج عن الطريقة المحمدية، والدخول في البدعة الردية، فمن خرج عن طريق سيد الأمم فقد زلَّت به القدم، وسيندم ندمًا لا آخر بعده، ولن ينفعه ذلك الندم، قال المولى الحليم: ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٠٩]، فترى العاصي والمبتدع أكثر اجتهادًا من الطائع والمتبع، فيمحق الليل كله في المعصية، والطائع لا يقدر على قيام بعضه، إلا بمعونة الله وفضله.
وبعض المبتدعين يتجمع على الباطل مثل اللعب بالنرد والشطرنج والقمار والرقص على آلة الطرب: كالشبابة، أو الكف، والطار، لا يمل من هذه البدع الملعونة الخارجة عن طريق النبي ﷺ، وعن طريق الصحابة الأخيار، والمؤمنين الأبرار، وبعضهم يعطي الكثير في هوى نفسه، ولا ينفق القليل في رضى الواحد القهار خوفًا من القلة والافتقار. وعند المعاصي لا يخاف الفقر ولا يخشى القلة ولا عنده خبر من العار، ولا من عذاب النار.
فانظر رحمك الله كيف يجتهد العاصي في معصيته؛ مع علمه أن الله
_________________
(١) ذكره الشاطبي في «الاعتصام» ١/ ٤١٨.
(٢) ذكره الشاطبي في «الاعتصام» ١/ ٩٠.
(٣) في (خ): فما.
[ ٩١ ]
قد سخط عليه وأبعده من رحمته، وبعض أهل الطاعة لا يستطيع المكث في المسجد ساعة، مع علمه أن الصلاة تضاعف لأجل الجماعة، وتدعو له الملائكة (^١)، والخطأ يذهب بالخُطا، ويكون جليس الله سبحانه، ومتبعًا لصاحب المعجزات والشفاعة، والسجود يقرب لرب الأرباب، ودعاء الملائكة مستجاب، فاجتهدوا يا أولي الألباب. فالصلاة صلة بالله سبحانه، وتطهر صاحبها، ودعاء الملائكة لا يرد، جاء ذلك في حديث صحيح بلا كذب (^٢)، واسمع قوله تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩]، وهي طريق الأنبياء والأولياء، وكل طالب وعابد، وفي الحديث الصحيح: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد» (^٣).
_________________
(١) أخرج البُخاري في «صحيحه» (٤٧٧)، ومسلم في «صحيحه» (٦٤٩) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسًا وعشرين درجة؛ وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة وحط عنه بها خطيئة، فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه: اللهم صل عليه اللهم ارحمه، ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة».
(٢) لم نجد حديثًا صريحًا في أن دعاء الملائكة مستجاب، وقد قال ابن بطال في «شرح صحيح البخاري» ٢/ ٩٥: «فمن كان كثير الذنوب، وأراد أن يحطها الله عنه بغير تعب، فليغتنم ملازمة مكان مصلاه بعد الصلاة، ليستكثر من دعاء الملائكة واستغفارهم له، فهو مرجو إجابته لقوله: [وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى] [الأنبياء: ٢٨]». وقال أيضًا ٣/ ٤٣٩: «ومعلوم أن دعاء الملائكة مجاب، بدليل قوله ﷺ: «فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة؛ غفر له ما تقدم من ذنبه». وهذا الحديث في «الصحيحين». وأخرج البخاري (٥١٩٣) من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه، فأبت أن تجيء، لعنتها الملائكة حتى تصبح». فقال ابن حجر في شرحه: «فيه دليل على قبول دعاء الملائكة من خير أو شر، لكونه ﷺ خوَّف بذلك». والمقصود أن تقرير قبول دعاء الملائكة يثبت بأدلة تفصيلية، وليس بنصِّ صريح، والله أعلم. (ت)
(٣) أخرجه أحمد في «مسنده» ٢/ ٤٢١ (٩٤٦١)، ومسلم في «صحيحه» (٤٨٢) (٢١٥)، وأبو داود في «سننه» (٨٧٥)، والنسائي في «المجتبى» ٢/ ٢٢٦ (١١٣٧)، وفي «السنن الكبرى» (٧٢٣)، وأبو يعلى في «مسنده» (٦٦٥٨)، وابن حبان في «صحيحه» (١٩٢٨) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٩٢ ]
فإن قال قائل: أنا ما سمعت قط دعاء الملائكة ولا رأيتهم. يقال له: يكفيك سماع رسول الله ﷺ وتبليغه ذلك إليك صدقةً منه عليك يثقل الله تعالى بها ميزانك، وتكون نورًا يسعى بين يديك، فبالصلاة وصل العمال، وهي عند الله سبحانه من أفضل الأعمال، وقام ﷺ في خدمة مولاه حتى تورمت قدماه (^١)، كذا جاء في الخبر.
ورأى بعضهم الجنيدَ بعد موته في المنام فقال له: ما فعل الله بك؟ قال: ذهبت تلك الإشارات، وتلاشت تلك العبارات، وما نفعنا إلا رُكيعات كنَّا نركعها في السَّحَر (^٢). فقد علمت أن الصادق الأمين رأى الله تعالى وملائكته وسمع كلامهم، وكلام الروح الأمين، وسمع أيضًا كلام الملائكة بعض الصالحين، صح ذلك عن سيد المرسلين (^٣). فكن مصدقًا بكرامات المؤمنين، ومتبعًا لخير النبيين، لكي يبعثك الله تعالى يوم القيامة من
_________________
(١) أخرجه الحميدي في «مسنده» (٧٥٩)، وأحمد في «مسنده» ٤/ ٢٥١ (١٨١٩٨)، والبخاري في «الصحيح» (١١٣٠)، ومسلم في «صحيحه» (٢٨١٩) (٧٩)، وابن ماجه في «سننه» (١٤١٩)، والترمذي في «جامعه» (٤١٢)، وفي «الشمائل» (٢٦١)، والنسائي في «المجتبى» ٣/ ٢١٩ (١٦٤٤)، وفي «السنن الكبرى» (١٣٢٥)، وابن خزيمة في «صحيحه» (١١٨٢) من حديث المغيرة بن شعبة، قال: قام رسول الله ﷺ حتَّى تورمت قدماه؛ فقيل: يا رسول الله، قد غُفِرَ لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. قال: «أفلا أحب أن أكون عبدًا شكورًا».
(٢) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» ١٠/ ٢٥٧، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٣٢٥٦).
(٣) يشير إلى حديث سؤال جبريل ﵇ النبيَّ ﷺ عن الإيمان والإسلام والإحسان، وقد سمع الحاضرون من الصحابة كلامه وصوته كما في «الصحيحين». ولا شكَّ في رؤية النبيَّ ﷺ لبعض الملائكة، ومنهم جبريل ﵈، وسماعه كلامهم. أما رؤيته لربِّ العالمين: فالصحيح الذي يبنغي الجزم به أنَّه ﷺ لم يرَ ربَّه ﷿. أخرج مسلم في «صحيحه» (١٧٩) عن عبد الله بن شفيق قال: قلت لأبي ذر: لو رأيتُ رسول الله ﷺ لسألته، قال: عما كنت تسأله؟ قال: إذن لسألته هل رأى ربه؟ فقال: قد سألته أنا. قلت: فما قال؟ قال: «نورٌ أنَّى أراه». وفي رواية: «رأيتُ نورًا». وأخرج البخاريُّ (٢٣٣٤) عن عائشة ﵂ قالت: من زعم أن محمدًا رأى ربَّه فقد أعظم الفرية على الله. لهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وليس في الأدلة ما يقتضي أنه رآه بعينه، ولا ثبتَ ذلك عن أحدٍ من الصحابة، ولا في الكتاب والسنة ما يدل على ذلك، بل النصوص الصحيحة على نفيه أدلُّ. (مجموع الفتاوى: ٦/ ٥٠٩).
[ ٩٣ ]
الآمنين؛ قال ﷺ: «يقول الله ﷿: ما تقرب إليَّ المتقربون بمثل أداء ما افترضت عليهم، ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به، فبي يسمع وبي يبصر» (^١). وفي حديث آخر: «كنت له سمعًا وبصرًا ويدًا ومؤيدًا» (^٢)، وفي حديث آخر: «يقول الله تعالى: اليسير من الرياء شرك، ومن آذى لي وليًّا فقد بارزني (^٣) بالمحاربة» (^٤)، فإذا ثبت هذا فلا يستكثر في المؤمن التقي سماع كلام الملائكة إلا كل عبد شقي؛ لأن المؤمن يسمع بالله سبحانه ويبصر به، فلو صدق الطالب كما صدقوا لوصل كما وصلوا؛ لأن الصدق أول درجة السائرين، به ترفع الأعمال، وبسببه يكرم العمال، فما فات السالك الوصول إلا لتضييعه الأصول، وهو الصدق، واتباع الرسول.
فطهر أيها المؤمن أذنك من صمم (^٥) الهوى، وعيني قلبك من عمى المخالفة، فحينئذٍ تسمع وترى، وتحشر يوم القيامة مع النبي ﷺ وأصحابه الطائفة المباركة الخائفة، فعين زنت، وأذن للباطل واللغو والغيبة والفضول صغت، لا تصلح هذه العين لرؤيا الملائكة، ولا هذه الأذن لسماع كلامهم.
_________________
(١) أخرجه البخاري في «الصحيح» (٦٥٠٢) من حديث أبي هريرة ﵁، ولفظه: «إن الله قال: من عادى لي وليَّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت، وأنا أكره مساءته».
(٢) أخرجه البغوي في «شرح السنة» (١٢٤٩) من حديث أنس بن مالك في حديث طويل. وإسناده ضعيف جدًّا، لكن هذا القدر منه قد يشهد له حديث أبي هريرة، انظر: «سلسلة الأحاديث الضعيفة» (١٧٧٥).
(٣) في (ط): بادرني.
(٤) أخرجه ابن ماجه في «السنن» (٣٩٨٩)، والحاكم في مستدركه ١/ ٤. قال الحاكم: هذا حديث صحيح ولم يخرج في الصحيحين. وضعفه العراقي في «المغني عن حمل الأسفار» (٣٣٧٠)، وضعفه الألباني في «ضعيف الترغيب والترهيب» (١٦٣٦). لكن بعضه في حديث أبي هريرة المذكور آنفًا.
(٥) في (خ): صم.
[ ٩٤ ]
وقالوا في هذا المعنى شعرًا:
تقول رجال الحي تطمع أن ترى … محاسن ليلى مت بداء المطامعِ
وكيف ترى ليلى بعينٍ ترى بها … سواها وما طهرتها بالمدامعِ
وتطمع منها بالحديث وقد جرى … حديث سواها في خروق المسامعِ
فإذن لا تصلح كل عين لرؤيته، ولا كل أذن لسماع مخاطبته، ولا كل قلب لخشية الله ولمعرفته، ولا كل لسان لذكره، ولقراءة القرآن وتلاوته، ولا كل جسد لخدمته، إلا بتوفيق الله تعالى ومعونته، فمتى ما زاغ القلب عن طريق النبي ﷺ وسنته، خذله الله تعالى وأبعده عن رحمته.
قال المولى الكريم: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣].
وقد علمت أن الله ﷿ قد أوجب على جميع العباد والعُبَّاد امتثال أمره والإمساك عن نهيه وزجره تعظيمًا له وتكريمًا. قال الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، وقال الله سبحانه إجلالًا لقدر نبيه وحبيبه وتفخيمًا: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣] وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦].
فانظر رحمك الله إلى هذا الفضل العظيم، الذي خص الله تعالى به هذا النبي الكريم، فقد فضل الله سبحانه بعض الرسل على بعض، وفضل نبينا صلوات الله عليه وسلامه على الكل لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] ومن رحم به غيره فهو أفضل من غيره.
قال شيخنا ﵀ وجميع المسلمين: الأنبياء ﵈
[ ٩٥ ]
خُلقوا من الرحمة، ونبينا ﷺ عين الرحمة (^١).
ورأى الشيخ أبو الحسن النبيَّ ﷺ في منامه فقال له: يا أبا الحسن، جعلك الله رحمةً في العالمين!، فقال: ادع لي يا رسول الله أن يجعلني رحمة للعالمين. قال: ذاك أنا (^٢).
وقوله: رحمةً للعالمين: العالم عبارة عن كل شيء سوى الله تعالى وصفاته. وقوله ﷺ: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» (^٣) والسيد من اتصف بالصفات العليَّة، والأخلاق السَّنية.
وقوله: «ولا فخر» ليعرِّف أمته منزلته، ويقطع وهم من يتوهم من الجهال أنه ذكر ذلك افتخارًا، فكان التواضع خلق النبي المختار، لا التكبر والافتخار. فلما خصه الله تعالى بهذه النعمة أمره الله تعالى بإظهارها فقال تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١] كقول بعض الناس: لله علينا نعم كثيرة، فهذا ما زكى نفسه ولا مدح إياه، بل أثنى على خالقه ومولاه.
_________________
(١) لم يسمِّ المصنف شيخه هذا، وهو: ابن عطاء الله الإسكندري (ت: ٧٠٩ هـ)، فقد قال في كتابه «لطائف المنن» (ص: ٦٢، دار البشائر): سمعتُ شيخنا أبا العبَّاس ﵁ يقول: جميع الأنبياء خلقوا من الرحمة، ونبينا ﷺ عينُ الرحمة. ثم ذكر الآية من سورة الأنبياء. وأبو العباس هو أحمد بن عمر المرسي (ت: ٦٨٦ هـ)، تلميذ أبي الحسن الشاذلي (ت: ٦٥٦ هـ). قلتُ: هذا الكلام من دعاوى الصوفية التي تفتقر إلى برهان شرعي، وليس لهم في الآية مستندٌ، فإنه سبحانه قد أخبر أنه بعث نبيه الكريم رحمةً للعالمين، فلو كان هو عين الرحمة لكان وصفه بها أولى. وإنما يتوسل الصوفية بمثل هذه المبالغة إلى عقيدتهم بوحدة الوجود. (ت)
(٢) أبو الحسن: هو علي بن عبد الله المغربي الشاذلي (ت: ٦٥٦ هـ)، طُرد من بلاد المغرب متَّهمًا بالزندقة لكلامه على طريقة الصوفية، فانتقل إلى الإسكندرية، وصار له أتباع فيها، وإليه تنتسب فرقة الشاذلية. (ت)
(٣) أخرجه أحمد في «مسنده» ٣/ ٢ (١٠٩٨٧)، وابن ماجه في «سننه» (٤٣٠٨)، والترمذي في «جامعه» (٣١٤٨) مطولًا من حديث أبي سعيد. وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وصححه الألباني.
[ ٩٦ ]
ومنها قوله ﷺ: «وبيدي لواء الحمد (^١) يوم القيامة ولا فخر» (^٢).
ومنها قوله ﷺ: «آدم فمن دونه تحت لوائي يوم القيامة ولا فخر» (^٣).
وهذه الخصائص تدل على علو مرتبته على آدم وغيره.
ومنها أن الله تعالى أخبره أنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وما نقل أنه أخبر أحدًا بذلك؛ لأن (^٤) كل واحد من الأنبياء إذا طلبت منه الشفاعة في الموقف ذكر خطيَّته، ويقول: نفسي نفسي. فلو علم كل واحد منهم بغفران خطيَّته لم يوجل منها في ذلك المقام، فإذا أتى الناس إلى آدم ﵇ وطلبوا منه أن يشفع لهم فذكر لهم خطيته وقال: بسبب خطيتي أُخرجتم (^٥) من الجنة، فدلهم على نوح ﵇، ونوح دلهم على إبراهيم ﵇، وإبراهيم على موسى، وموسى على عيسى، وعيسى على النبي ﷺ وعليهم أجمعين (^٦).
_________________
(١) في (ط): الفخر.
(٢) انظر تخريج الحديث السابق.
(٣) أخرجه أحمد (٢٥٤٦) من حديث ابن عباس ﵄ مطولًا. وإسناده ضعيف، لكن هذا القدر منه صحيح بشواهده.
(٤) في (خ): لا.
(٥) في (ط): أخرجني.
(٦) أخرجه أحمد ٢/ ٤٣٥ (٩٦٢٣)، والبخاري في «صحيحه» (٣٣٤٠) مختصرًا، ومسلم في «صحيحه» (١٩٤) (٣٢٧)، والترمذي في «جامعه» (٢٤٣٤)، والنسائي في «سننه الكبرى» (١١٢٨٦) من حديث أبي هريرة ﵁ قال: أُتِي رسول الله ﷺ يومًا بلحم، فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه فنهس منها نهسة فقال: «أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون بما ذاك؟ يجمع الله يوم القيامة الأولين والآخرين في صعيد واحد، فيسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، وتدنو الشمس، فيبلغ الناس من الغم والكرب مالا يطيقون، ومالا يحتملون، فيقول بعض الناس لبعض: ألا ترون ما أنتم فيه؟ ألا ترون ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: ائتوا آدم، فيأتون آدم فيقولون: يا آدم أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، اشفع لنا عند ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟ فيقول آدم: إن ربي غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه نهاني عن الشجرة فعصيته، نفسي نفسي، اذهبوا =
[ ٩٧ ]
فلو وقعت الدلالة أولًا على النبي ﷺ لم يبين (^١) من نفس هذا الحديث أن غيره لم يكن له هذه الرتبة. وأراد الحق سبحانه أن يدل كل واحدٍ على من بعده، وكل واحدٍ يقول: لست لها. مسلمًا للرتبة غير مدعٍ لها، حتى أتوا عيسى فدل على رسول الله ﷺ فقال: «أنا لها».
ومنها: أنه أول شافع وأول مشفَّع (^٢)، وهذا يدل على تخصيصه وتفضيله.
_________________
(١) =إلى غيري، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح. فيأتون نوحًا فيقولون: يا نوح أنت أول الرسل إلى الأرض، وسماك الله عبدًا شكورًا، اشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه قد كانت لي دعوة دعوت بها على قومي، نفسي نفسي، اذهبوا إلى إبراهيم ﷺ. فيأتون إبراهيم فيقولون: أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم إبراهيم: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولا يغضب بعده مثله، وذكر كذباته، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى، فيأتون موسى ﷺ فيقولون: يا موسى، أنت رسول الله فضلك الله برسالاته وبتكليمه على الناس، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم موسى ﷺ: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا ولم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قتلت نفسًا لم أومر بقتلها، نفسي نفسي، اذهبوا إلى عيسى ﷺ، فيأتون عيسى فيقولون: يا عيسى أنت رسول الله، وكلمت الناس في المهد، وكلمة منه ألقاها إلى مريم وروح منه، فاشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم عيسى ﷺ: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، ولم يذكر له ذنبًا، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد ﷺ فيأتوني فيقولون: يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء، وغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فأنطلق فآتي تحت العرش فأقع ساجدًا لربي، ثم يفتح الله علي ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه شيئًا لم يفتحه لأحد قبلي، ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك، سل تعطه، اشفع تُشفَّع، فأرفع رأسي فأقول: يا رب أمتي أمتي. فيقال: يا محمد أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب، والذي نفس محمد بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة لكما بين مكة وهجر- أو كما بين مكة وبصرى».
(٢) في (ط): يتبين.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٣٢٣٨٦)، ومسلم في «صحيحه» (٢٢٧٨) (٣)، وأبو داود في «سننه» (٤٦٧٣) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع وأول مشفع».
[ ٩٨ ]
ومنها: إيثاره على نفسه؛ لأن الله تعالى جعل لكل نبي دعوة مستجابة، فكل منهم تعجل دعوته في الدنيا، واختبأ ﷺ دعوته شفاعةً لأمته (^١)، فآثر أمته على نفسه ﷺ.
قال أبو علي الدقاق (^٢) من مشايخ الصوفية المشاهير وعلمائها النحارير وقد تكلموا في الفتوة على اصطلاحهم أنها غاية الكرم والإيثار فقال: إن هذا الخُلُق لا يكون بكماله إلا لرسول الله ﷺ؛ فإن كل واحدٍ في القيامة يقول: نفسي نفسي وهو يقول: «أمتي أمتي» (^٣).
ولما فتح الله تعالى على النبي ﷺ في حال حياته مكة وبلاد اليمن والطائف وجزائر العرب وما قرب من الشام والعراق وجلبت إليه من أخماسها وجزيتها وصدقاتها ما لا يؤتى به الملوك إلا بعضه، وهادته الملوك من الأقاليم، فما استأثر منه شيئًا، ولا أمسك منه درهمًا. بل صرفه مصارفه وأغنى به غيره وقوَّى به المسلمين وقال: «ما يسرني أن لي أحدًا ذهبًا يبيت عندي منه دينارٌ إلا دينارًا أرصده لدَيْني» (^٤)، وأتاه مرة ذهب فقسمه (^٥) وبقي منها ستة فدفعها لبعض نسائه فلم تأخذه، فما برح حتى قسمها وقال: «الآن استرحتُ» (^٦).
_________________
(١) أخرجه أحمد في «مسنده» ٣/ ٢٠٨ (١٣١٧٠)، ومسلم في «صحيحه» (٢٠٠) (٣٤١) من حديث أنس أن نبي الله ﷺ قال: «لكل نبي دعوة دعاها لأمته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة». وقد ورد أيضًا من حديث أبي هريرة.
(٢) هو أبو علي الحسن الدقَّاق النيسابوري، أستاذ القشيري صاحبِ الرسالة، برع في العلوم الصوفية وفي الفقه واللغة، وتوفي ودفن بنيسابور سنة (٤١٠ هـ).
(٣) ذكره ابن القيم في «مدارج السالكين» ٣/ ٣٤٢.
(٤) أخرجه أحمد في «مسنده» ٢/ ٤٥٧ (٩٨٩٣)، ومسلم في «صحيحه» (٩٩١) (٣١) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٥) في (خ): فقسمها.
(٦) أخرجه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» ٢/ ٢٧٣ من حديث عائشة ﵂. وفي إسناده ضعفٌ.
[ ٩٩ ]
ومات ﷺ ودرعه مرهونة على ستين صاعًا من شعير قوتًا لعياله (^١)، واقتصر في مأكله ومسكنه وملبسه ونفقته، فكان يأكل ما حصل، ويلبس ما وجد، ويلبس في الغالب الشملة والكساء الخشن والبُرد الغليظ (^٢)، ويقسم على من حضره أقبية الديباج المخوصة بالذهب، وغزا قومًا مرةً وكان ﷺ يقول: «إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذَرين». (^٣) فقتلوا رجالهم وأخذوا أموالهم وجمالهم، فأعطى ﷺ لطائفة من العرب لكل واحد منهم مئة من الإبل، فشق ذلك على بعض الصحابة. فقال: «أما ترضون أن بني فلان يذهبون بالإبل وتذهبون أنتم بنبيكم إلى بيوتكم؟» (^٤).
وكان جابر بن عبد الله يقول: ما سُئل ﷺ شيئًا فقال: لا (^٥).
_________________
(١) أخرجه أحمد في «مسنده» ٦/ ٢٣٧ (٢٥٩٩٨)، والبخاري في «صحيحه» (٢٩١٦)، ومسلم في «صحيحه» (١٦٠٣)، وابن ماجه في «سننه» (٢٤٣٦)، والنَسائي في «المجتبى» ٧/ ٢٨٨ (٤٦٠٩)، وفي «السنن الكبرى» (٦٢٤٦) من حديث عائشة ﵂. وقد وهم فيه المصنف ﵀، ففي هذا الحديث وغيره: «ثلاثون صاعًا» لا: ستون.
(٢) انظر «الشفا» للقاضي عياض ١/ ٩٥.
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة في «مصنفه» (٣٨٠٣١)، والبخاري في «صحيحه» (٣٦٤)، ومسلم في «صحيحه» (١٣٦٥) (٨٤)، وابن حبان في «صحيحه» (٦٥٢١) من حديث أنس بن مالك.
(٤) أخرجه أحمد في «مسنده» ٣/ ٢٧٩ (١٣٩٧٦)، والبخاري في «صحيحه» (٤٣٣٣)، ومسلم في «صحيحه» (١٠٥٩) (١٣٤) من حديث أنس بن مالك ﵁؛ قال: لما فتحت مكة قسم الغنائم في قريش فقالت الأنصار: إن هذا لهو العجب إن سيوفنا تقطر من دمائهم وإن غنائمنا ترد عليهم. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فجمعهم، فقال: «ما الذي بلغني عنكم؟» قالوا: هو الذي بلغك وكانوا لا يكذبون قال: «أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا إلى بيوتهم وترجعون برسول الله إلى بيوتكم؟ لو سلك الناس واديًا أو شعبًا وسلكت الأنصار واديًا أو شعبًا لسلكت وادي الأنصار أو شعب الأنصار».
(٥) أخرجه الحميدي في «مسنده» (١٢٢٨)، وأحمد في «مسنده» ٣/ ٣٠٧ (١٤٢٩٤)، وعبد بن حميد في «مسنده» (١٠٨٧)، والدارمي في «سننه» (٧٠)، والبخاري في «صحيحه» (٦٠٣٤)، وفي «الأدب المفرد» (٢٧٩)، ومسلم في «صحيحه» (٢٣١١) (٥٦)، والترمذي في «الشمائل» (٣٥٢).
[ ١٠٠ ]
وعن أنس أن رجلًا سأله فأعطاه غنمًا بين جبلين، فرجع إلى أهله وقال: أسلموا فإن محمدًا يعطي عطاء من لا يخشى فاقة (^١).
وأعطى صفوان مئة من الإبل، ثم مئة، ثم مئة (^٢)، وهكذا كان قبل أن يبعث.
وردَّ على هوازن سباياها، وكانوا ستة آلاف (^٣).
وأعطى للعباس من الذهب ما لم يُطق حمله، وحُمل إليه تسعون ألف درهمًا فوضعت على حصير، فما رد سائلًا حتى فرغ منها (^٤).
_________________
(١) أخرجه أَحمد في «مسنده» ٣/ ١٧٥ (١٢٧٩٠)، وعبد بن حميد في «مسنده» (١٣٢٣)، ومسلم في «صحيحه» (٢٣١٢) (٥٧)، وابن خزيمة في «صحيحه» (٢٣٧١).
(٢) أخرجه أحمد في «مسنده» ٣/ ٤٠١ (١٥٣٠٤)، ومسلم في «صحيحه» (٢٣١٣)، والترمذي في «جامعه» (٦٦٦).
(٣) أخرجه أحمد في «مسنده» ٤/ ٣٢٦ (١٨٩١٤)، والبخاري في «صحيحه» (٢٣٠٧ - ٢٣٠٨)، وأبو داود في «سننه» (٢٦٩٣)، والنسائي في «سننه الكبرى» (٨٨٧٦) من حديث مروان والمسور بن مخرمة.
(٤) أخرجه البخاري في «صحيحه» (٤٢١) تعليقًا، ووصله الحاكم في «مستدركه» ٣/ ٣٢٩ من حديث أبي موسى الأشعري: أن العلاء بن الحضرمي بعث إلى رسول الله ﷺ من البحرين بثمانين ألفا فما أتي رسول الله ﷺ مال أكثر منه لا قبلها ولا بعدها فأمر بها ونثرت على حصير، ونودي بالصلاة فجاء رسول الله ﷺ يميل على المال قائمًا، فجاء الناس وجعل يعطيهم وما كان يومئذ عدد ولا وزن وما كان إلا قبضًا فجاء العباس فقال: يا رسول الله، إني أعطيت فدائي وفداء عقيل يوم بدر ولم يكن لعقيل مال، اعطني من هذا المال. فقال رسول الله ﷺ: «خذ» فحثى في خميصة كانت عليه ثم ذهب ينصرف فلم يستطع، فرفع رأسه إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، أرفع عليَّ فتبسم رسول الله ﷺ وهو يقول: «أما أحَدُ ما وعدَ الله فقد أَنجز لي، ولا أدري الأخرى: ﴿قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧٠] هذا خير مما أُخذ منِّي، ولا أدري ما يصنع بالمغفرة». قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في «الثمر المستطاب» (٣٠).
[ ١٠١ ]
وعن أبي هريرة أن رجلًا أتى النبي ﷺ يسأله، فاستسلف له نصف وسق فجاءه الرجل يتقاضاه، فأعطاه وسقًا، وقال: «نصفه قضاءٌ ونصفه نائلٌ» (^١).
وأتاه معوذ بطبقٍ من تمر وقثاء فأعطاه ما كفاه ذهبًا وحليًّا (^٢).
وهذا طرف من مكارم أخلاقه.
وأما حلمه وصبره فكان ﷺ لا يزداد مع كثرة الأذى إلا صبرًا، وعلى إسراف الجاهل إلا حلمًا، ولما كسرت رباعيَّته وشُجَّ جبينه يوم أحد (^٣) لأنه كان أشد الناس بأسًا وأشجعهم وأقربهم إلى العدو، وجاء في الحديث: ما لقي ﷺ كتيبةً إلا كان أول من يضرب (^٤)؛ فلما شُجَّ جبينه وكسرت رباعيته شق ذلك على أصحابه، وقالوا: لو دعوت عليهم؟ فقال: «إني لم
_________________
(١) أخرجه البيهقي في «سننه الكبرى» ٥/ ٣٥١، و«شعب الإيمان» (١١٢٣٧) عن أبي هريرة قال: أتى رجل رسول الله ﷺ يسأله، فاستسلف له رسول الله ﷺ شطر وسق، فأعطاه إياه فجاء الرجل يتقاضاه، فأعطاه وسقًا قال: «نصف لك قضاء ونصف لك نائل من عندي». وحسنه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٣٤١٣).
(٢) أخرجه الترمذي في «الشمائل» (٢٠٢)، والطبراني في «معجمه الكبير» ٢٤/ ٢٧٤ (٦٩٧) من حديث الرُّبَيِّع بنت معوِّذ قالت: بعثني معوِّذ بن عَفْراء بقِناع من رُطَبٍ، عليه أَجرٌ من قثَّاءٍ زُغْبٍ، إلى رسول الله ﷺ، وكان رسول الله ﷺ يحبُّ القثَّاء، وكانت طَيْبَةُ قد قدمتْ من البحرين، فملأ يده منها فأعطانيها. وقال الألباني في «مختصر الشمائل» (١٧٣): ضعيف.
(٣) أخرجه أحمد في «مسنده» ٣/ ٢٥٣ (١٣٦٥٧)، وعبد بن حميد في «مسنده» (١٢٠٤)، ومسلم في «صحيحه» (١٧٩١) من حديث أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ كُسرت رباعيته يوم أحد، وشجَّ في رأسه، فجعل يسلت الدَّم عنه، ويقول: «كيف يُفلح قومٌ، شجُّوا نبيَّهم، وكسروا رباعيته، وهو يدعوهم إلى الله»، فأنزل الله ﷿: [ليس لك من الأمر شيء] [آل عمران: ١٢٨]. والرباعية: السن التي بين الثنية والناب. والشج: ضرب الرأس وجرحه وشقه.
(٤) أخرجه أبو الشيخ في «أخلاق النبي ﷺ» (١٠٩) من حديث عمران بن الحصين ﵁، وقال العراقي في «تعليقه على الإحياء»: في إسناده من لم أعرفه.
[ ١٠٢ ]
أبعث لعّانًا، ولكني بعثت داعيًا ورحمةً: اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون» (^١).
ونام ﷺ تحت شجرة قائلًا وحده، والناس قائلون في غزاة، فلم ينتبه إلا وغورث بن الحارث (^٢) قائم والسيف في يده. فقال: من يمنعك مني؟ فقال: «الله»، فسقط السيف من يده. فأخذه النبي ﷺ وقال: «من يمنعك منِّي؟» قال: كن خير آخذ، فتركه وعفا عنه. فجاء إلى قومه فقال: جئتكم من عند خير الناس (^٣).
وعفوه عن اليهودية التي سمَّته في الشاة بعد اعترافها (^٤)، ولم يؤاخذ لبيد بن الأعصم حين سَحَرَه -وقد أُعلم به- ولا عَتَبَ عليه، فضلًا عن عقابه (^٥).
_________________
(١) لم نقف عليه بهذا السياق، وقد أخرج البخاري في «الأدب المفرد» (٣٢١)، ومسلم في «صحيحه» (٢٥٩٩)، وأبو يعلى في «مسنده» (٦١٧٤) من حديث أبي هريرة ﵁، قال: قيل: يا رسول الله ادعُ الله على المشركين؟ فقال ﷺ: «إنِّي لم أُبعث لعَّانًا، ولكن بُعثتُ رحمةً». وأخرج البخاري (٦٩٢٩) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁، قال: كأني أنظر إلى النبي ﷺ، يحكي نبيًّا من الأنبياء، ضربه قومه، فأدموه، فهو يمسح الدم عن وجهه، ويقول: «رب اغفر لقومي، فإنهم لا يعملون». وقد ذكرنا آنفًا لفظ حديث أنس في حادثة يوم أحد، فيتبيَّن من مجموع هذه الأحاديث أن السياق الذي ذكره المؤلف خطأ.
(٢) هنا بداية خرم في مخطوطة برلين إلى قوله الآتي: (لأن الأول أخرب آخرته لأجل دنياه، والثاني أخرب).
(٣) أخرجه أحمد في «مسنده» ٣/ ٣٦٤ (١٤٩٢٩)، وعبد بن حميد في «مسنده» (١٠٩٦)، والبخاري في «صحيحه» (٤١٣٦) من حديث جابر بن عبد الله ﵄.
(٤) أخرجه أحمد في «مسنده» ٢/ ٤٥١ (٩٨٢٧)، والدارمي في «سننه» (٦٩)، والبخاري في «صحيحه» (٣١٦٩) من حديث أبي هريرة.
(٥) أخرجه الحميدي في «مسنده» (٢٥٩)، وأحمد في «مسنده» ٦/ ٥٧ (٢٤٣٠٠)، والبخاري في «صحيحه» (٥٧٦٣)، ومسلم في «صحيحه» (٢١٨٩)، وابن ماجه في «سننه» (٣٥٤٥) من حديث عائشة ﵂ قالت: سَحَر رسولَ الله ﷺ يهوديٌّ من يهود بني زريق يُقال له لبيد بن الأعصم حتى كان رسول الله ﷺ يخيل إليه أن يفعل الشيء وما يفعله. قالت: حتى إذا كان ذات يوم أو ذات ليلة دعا رسول الله ﷺ ثم دعا، ثم قال: «يا عائشة، شعرت أن الله ﷿ قد أفتاني فيما استفتيته فيه، جاءني رجلان فجلس أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي، فقال الذي عند رأسي للذي عند رجلي أو الذي عند رجلي للذي عند رأسي: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب. قال: من طبَّه؟ قال: لبيد بن الأعصم. قال: في أي شيء؟ قال: في مشط ومشاطة وجف طلعة ذكر. قال: وأين هو؟ قال: في بئر أروان». قالت: فأتاها رسول الله ﷺ في ناس من أصحابه، ثم جاء فقال: «يا عائشة، كأن ماءها نقاعة الحناء ولكأن نخلها رءوس الشياطين». قلت: يا رسول الله، فهلا أحرقته؟ قال: «لا، أما أنا فقد عافاني الله ﷿ وكرهت أن أثير على الناس منه شرًّا». قالت: فأمر بها فدفنت.
[ ١٠٣ ]
وكذلك لم يؤاخذ عبد الله بن أُبي وأشباهه من المنافقين لعظيم ما نقل عنهم في جهته قولًا وفعلًا، بل قال لمن أشار بقتل بعضهم: «لا تتحدث بأن محمدًا يقتل أصحابَه» (^١).
وعن أنس قال: كنت مع النبي ﷺ وعليه بُرد غليظ الحاشية، فجبذه أعرابي جبذةً شديدة حتى أثرت حاشية البرد في صفحة عاتقه. ثم قال: يا محمد احمل لي على بعيريَّ هذين من مال الله الذي عندك، فإنك لا تحمل لي من مالك ولا مال أبيك. فسكت النبي ﷺ ثم قال: «المال مال الله، وأنا عبده». ثم قال: «ويقاد منك يا أعرابي ما فعلتَ فيَّ» قال: لا. قال: «لم؟» قال: لأنك لا تكافئ بالسيئة السيئة. فضحك النبيُّ ﷺ ثُمَّ أمر أن يحمل له على بعير شعيرٌ، وعلى الآخر تمرٌ (^٢).
_________________
(١) أخرجه الحميدي في «مسنده» (١٢٣٩)، وأحمد في «مسنده» ٣/ ٣٩٢ (١٥٢٢٣)، والبخاري في «صحيحه» (٣٥١٨)، ومسلم في «صحيحه» (٢٥٨٤) (٦٣)، والترمذي في «جامعه» (٣٣١٥)، والنسائي في «سننه الكبرى» (٨٨٦٣) من حديث جابر بن عبد الله ﵄.
(٢) أخرجه أبو داود (٤٧٧٥)، والنسائي في «المجتبى» ٨/ ٣٣ (٤٧٧٦)، وفي «سننه الكبرى» (٦٩٧٨) من حديث أبي هريرة قال: كنا نقعد مع رسول الله ﷺ في المسجد فإذا قام قمنا، فقام يومًا وقمنا معه حتى لما بلغ وسط المسجد أدركه رجل، فجبذ بردائه من ورائه، وكان رداؤه خشنًا، فحمر رقبته، فقال: يا محمد! احمل لي على بعيري هذين، فإنك لا تحمل من مالك، ولا من مال أبيك! فقال رسول الله ﷺ: «لا، وأستغفر الله، لا أحمل لك حتى تقيدني مما جبذت برقبتي». فقال الأعرابي: لا والله، لا أقيدك. فقال رسول الله ﷺ ذلك ثلاث مرات، كل ذلك يقول: «لا والله، لا أقيدك». فلما سمعنا قول الأعرابي أقبلنا إليه سراعًا، فالتفت إلينا رسول الله ﷺ فقال: «عزمتُ على من سمع كلامي أن لا يبرح مقامه حتى آذن له». فقال رسول الله ﷺ لرجل من القوم: «يا فلان احمل له على بعيرٍ شعيرًا، وعلى بعير تمرًا». ثم قال رسول الله ﷺ: «انصرفوا على بركة الله تعالى». وإسناده ضعيف، ويغني عنه ما أخرجه أحمد في «مسنده» ٣/ ١٥٣ (١٢٥٤٨)، والبخاري في «صحيحه» (٣١٤٩)، ومسلم في «صحيحه» (١٠٥٧) عن أنس بن مالك، قال: كنت أمشي مع رسول الله ﷺ، وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجبذه جبذة، حتى رأيت صفح أو صفحة عنق رسول الله ﷺ، قد أثرت بها حاشية البرد من شدة جبذته، فقال: يا محمد أعطني من مال الله الذي عندك! فالتفت إليه، فضحك، ثم أمر له بعطاء. ويتبيّن من هذا أن المصنف ﵀ أخطأ في جعل السياق الذي ذكره من حديث أنس بن مالك ﵁. (ت)
[ ١٠٤ ]
وجاء زيد بن سَعْنَةَ (^١) قبل إسلامه يتقاضاه دينًا عليه، فجبذ ثوبه عن منكبه وأخذ بمجامع ثيابه وأغلظ له، ثم قال: إنكم يا بني عبد المطلب مُطْلٌ. فانتهره عمر وشدد له في القول، والنبي ﷺ يتبسم. وقال: «أنا وهو كنا إلى (غير هذا منك أحوج يا عمر، تأمرني بحسن القضاء وتأمره بحسن التقاضي)» (^٢)، ثم قال: «لقد بقي من أجله ثلاث (^٣) وأمر عمر بقضية ماله ويزيده عشرين صاعًا لما روعه، وكان سبب إسلامه» (^٤).
وجاء في الحديث أن جبريل ﵇ نزل عليه وقال له: إن الله يُقرؤُك
_________________
(١) في (ط): شعبة. وزيد بن سعنة هو أحد أحبار اليهود، ومن أكثرهم مالًا، أسلم وحسن إسلامه، وشهد مع النبي ﷺ مشاهد كثيرة. وتوفي في غزوة تبوك مقبلًا إلى المدينة. انظر ترجمته في «أسد الغابة» (١/ ٣٩٩).
(٢) سقط من (خ).
(٣) في (ط): ثلث.
(٤) أخرجه ابن حبان في «صحيحه» (٢٨٨)، والحاكم في «مستدركه» ٣/ ٦٠٤، والطبراني في الكبير (٥١٧٤) مطولا. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد. وتعقبه الذهبي بقوله: ما أنكره وأرَكَّه. وأخرجه الحافظ المزِّي في تهذيب الكمال ٧/ ٣٤٥ من طريق الطبراني، ثم قال: هذا حديث حسن مشهور في دلائل النبوة. وأورده الألباني في «الضعيفة» (١٣١٤).
[ ١٠٥ ]
السلامَ، ويقول لك: إني أجعل هذه الجبال ذهبًا، وتكون معك حيثما كنت. فأطرق ساعةً ثم قال: «يا جبريل، إن الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، قد يجمعها من لا عقل له». فقال له جبريل: «ثبَّتك الله يا محمد بالقول الثابت» (^١).
قال ابن عباس ﵄: كان ﷺ يبيت هو وأهله الليالي المتتابعة طاويًا، لا يجدون عشاءً (^٢).
وقالت عائشة ﵂: لم يمتلئ جوف النبي ﷺ شبَعًا قطُّ. ولم يبثَّ شكوَى إلى أحد. وكانت الفاقة أحب إليه من الغنى. وإن كان ليظل جائعًا يتلوى طول ليلته من الجوع، ولا يمنعه صيام يومه، ولو شاء سأل جميع كنوز الأرض، وثمارها ورغد عيشها. ولقد كنت أبكي رحمةً مما أرى به، وأمسح بيدي على بطنه مما به من الجوع وأقول: نفسي لك الفداء، لو تبلغت من الدنيا بما يقوتك؟ فيقول: «يا عائشة، ما لي وللدنيا، إخواني من أولي العزم من الرسل صبروا على ما هو أشد من هذا فمضوا على حالهم، وقدموا على ربهم، فأكرم مآبهم، وأجزل ثوابهم. فأجدني أستحي إن ترفهت في معيشتي أن يقصر بي غدًا دونهم، وما من شيء هو أحب إليَّ من اللحوق بإخواني وأخلائي». قالت: فما أقام بعد إلا شهرًا حتى توفي ﷺ (^٣).
_________________
(١) هذا الحديث ملفق من حديثين: الأول: أخرجه أحمد في «مسنده» ٥/ ٢٥٤ (٢٢١٩٠)، والترمذي في «جامعه» (٢٣٤٧) من حديث أبي أمامة: «عرض عليَّ ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبًا، قلت: لا يا رب، ولكن أشبع يومًا وأجوع يومًا، فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت حمدتك وشكرتك». وقال الألباني: ضعيف. والحديث الثاني: أخرجه أحمد في مسنده ٦/ ٧١ (٢٤٤١٩)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (١٠٦٣٨) من حديث عائشة: «الدنيا دار من لا دار له، ولها يجمع من لا عقل له». وقال الألباني في «السلسلة الضعيفة» (١٩٣٣): ضعيف.
(٢) أخرجه أحمد في «مسنده» ١/ ٢٥٥ (٢٣٠٣)، وعبد بن حميد في «مسنده» (٥٩٢)، وابن ماجه في «سننه» (٣٣٤٧)، والترمذي في «جامعه» (٢٣٦٠)، وفي «الشمائل» (١٤٥). وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وحسنه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٢١١٩).
(٣) أخرجه أبو موسى المديني مطولًا في كتاب استحلاء الموت، كما قال الحافظ العراقي في «تخريج الإحياء»، وأورده القاضي عياض في «الشفا» ١/ ١٤٢ - ١٤٣.=
[ ١٠٦ ]
ومن علوِّ مرتبته ﷺ: انشقاق القمر (^١)، وكلام الشاة المسمومة، مع الشجرة وسعيها إليه (^٢).
_________________
(١) = وهو حديث منكر، فيه ما يخالف الأحاديث الصحيحة، من ذلك عدم شبعه ﷺ، فهو غير صحيح على إطلاقه، فقد أخرج البخاري في الصحيح (٥٤١٦) حديث عائشة قالت: ما شبع آل محمد ﷺ منذ قدم المدينة من طعام البُرِّ ثلاث ليال تباعًا حتى قبض. وأخرجه مسلم في الصحيح (٢٩٧٠)، بلفظ: لقد مات رسول الله ﷺ وما شبع من خبز وزيت في يوم واحد مرتين. وبلفظ آخر: ما شبع آل محمد ﷺ يومين من خبز بُرٍّ إلا وأحدهما تمرٌ. وقد صحَّ في أكثر من حديث أنه سأل عن الطعام، ودعا مرة بطعام فأُتي بخبز وأُدم من أدم البيت، فقال: «ألم أَرَ بُرمةً على النار فيها لحم؟». أخرجه البخاري في الصحيح (٥٠٩٧)، ومسلم الصحيح (١٥٠٤). وكان ﷺ يستعيذ بالله من الفقر ويقرنه بالكفر، كما في قوله: «اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر، وعذاب القبر». أخرجه أحمد ٥/ ٣٦ (٢٠٣٨١)، والترمذي (٣٥٠٣)، والنسائي ٨/ ٢٦٢، وابن خزيمة (٧٤٧)، وابن حبان (١٠٢٨) من حديث أبي بكرة الثقفي ﵁. وأخرج البخاري (٦٣٦٨)، ومسلم (٥٨٩) من حديث عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ كان يدعو بهؤلاء الدعوات: «اللَّهم فإني أعوذ بك من فتنة النار، وعذاب النار، وفتنة القبر، وعذاب القبر، ومن شر فتنة الغنى، ومن شر فتنة الفقر، …». وأخرج أحمد ٢/ ٣٠٥ (٨٠٥٣)، والبخاري في «الأدب المفرد» (٦٧٨)، بإسناد صحيح من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «تعوَّذُوا من الفقر، والقلة، والذلة، وأن تظلم، أو تظلم». وأخرج مسلم في «الصحيح» (٢٧٢٣) من حديث ابن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى».
(٢) أخرجه أحمد ٣/ ١٦٥ (١٢٦٨٨)، وعبد بن حميد في «مسنده» (١١٨٤)، والبخاري في «صحيحه» (٣٦٣٧)، ومسلم في «صحيحه» (٢٨٠٢) (٤٧)، والترمذي في «جامعه» (٣٢٨٦) من حديث أنس بن مالك ﵁.
(٣) كذا في النُّسخ، وفي العبارة خلل، ومراده واضح، وهو كلام الشاة المسمومة معه ﷺ، وكذلك الشجرة: أما حديث الشاة المسمومة؛ فأخرجه ابو داود في «سننه» (٤٥١٠) من حديث جابر بن عبد الله ﵄. وقال الألباني في «ضعيف سنن أبي داود» (٩٧٢): ضعيف الإسناد.=
[ ١٠٧ ]
وكان يرى من خلفه كما يرى أمامه (^١).
وظلَّلته الغمامة (^٢)، وكلَّمه الذئبُ والبعيرُ والأسطوانة (^٣)، وأحيى الله
_________________
(١) = وأما قصة الشجرة؛ فأخرجه الدارمي في «سننه» (١٦)، وأبو يعلى في «مسنده» (٥٦٦٢)، وابن حبان في «صحيحه» (٦٥٠٥) من حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فأقبل أعرابي، فلما دنا منه قال له رسول الله ﷺ: «أين تريد؟» قال: إلى أهلي. قال: «هل لك في خير؟» قال: وما هو؟ قال: «تشهد أن لا إله الا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله». قال: ومن يشهد على ما تقول؟ قال: «هذه السَّلَمَةُ». فدعاها رسول الله ﷺ وهي بشاطئ الوادي فأقبلت تخد الأرض خدًّا حتى قامت بين يديه، فاستشهدها ثلاثًا فشهدت ثلاثًا أنه كما قال، ثم رجعت إلى منبتها، ورجع الأعرابيُّ إلى قومه وقال: إنْ اتبعوني أتيتك بهم، وإلا رجعت مكثت معك. وصححه الألباني في «المشكاة» (٥٩٢٥).
(٢) أخرجه أحمد في «مسنده» ٣/ ١٠٢ (١١٩٩٧)، والدارمي في «سننه» (١٣١٧)، ومسلم في «صحيحه» (٤٦٢)، والنسائي في «المجتبى» ٣/ ٨٣ (١٣٦٣)، وفي «سننه الكبرى» (١٢٨٦)، وابن خزيمة في «صحيحه» (١٦٠٢) من حديث أنس بن مالك ﵁. وهذا الحديث خاصٌّ برؤيته من خلفه في الصلاة، لهذا قال محمد الحوت في «أسنى المطالب» (١٠٦٥): حديث كان يرى من خلفه كما يرى من أمامه؛ لم يثبت مطلقًا، وإنما كان ذلك في الصلاة، فإنه نهاهم عن الاختلاف عليه في الصلاة، وعلَّله بقوله: «فإني أراكم من ورائي إذا ركعتم وإذا سجدتم»، والقول بأنه كان له عينان في ظهره؛ باطل لا دليل عليه.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٣٧٦٩٦)، والترمذي في «جامعه» (٣٦٢٠) من حديث أبي موسى ﵁ وهو حديث طويل فيه ذكر أبي بكر الصديق، وبلال بن رباح ﵄. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي» (٢٨٦٢) قال: لكن ذكر بلال فيه منكر.
(٤) أخرج أحمد في «مسنده» ٣/ ٨٣ (١١٧٩٢)، وعبد بن حميد في «مسنده» (٨٧٧)، وابن حبان في «صحيحه» (٦٤٩٤) من حديث أبي سعيد ﵁ قال: بينا راعٍ يرعى بالحرَّة إذ عرض ذئب لشاة من شائه، فجاء الراعي يسعى فانتزعها منه. فقال للراعي: ألا
[ ١٠٨ ]
له الميت وكلَّمه، وكلمته الغزالة (^١)، ونبع الماء من بين أصابعه حتى روي
_________________
(١) تتقي الله تحول بيني وبين رزق ساقه الله إلي؟ قال الراعي: العجب للذئب والذئب مقعٍ على ذنَبه يكلمني بكلام الإنس؟ قال الذئب للراعي: ألا أحدثك بأعجب من هذا؟ هذا رسول الله ﷺ بين الحرتين يحدث الناس بأنباء ما قد سبق. فساق الراعي شاءه إلى المدينة فزواها في زاوية من زوياها، ثم دخل على رسول الله ﷺ، فقال له ما قال الذئب، فخرج رسول الله وقال للراعي: «قم فأخبر» فأخبر الناس بما قال الذئب. وقال ﷺ: «صدق الراعي، ألا من أشراط الساعة كلام السباع الإنس، والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى تكلم السباع الأنس، ويكلم الرجل نعله، وعذبة سوطه، ويخبره فخذه بحديث أهله بعده». ولم أقف على حديث كلَّم فيه الذئب نبي الله ﷺ. وأخرج أحمد في «مسنده» ١/ ٢٠٤ (١٧٤٥)، وأبو داود في «سننه» (٢٥٤٩) من حديث عبد الله بن جعفر قال: ردفني رسول الله ﷺ ذات يوم خلفه فأسر إليَّ حديثًا لا أخبر به أحدًا أبدًا وكان رسول الله ﷺ أحب ما استتر به في حاجته هدف أو حائش نخل فدخل يومًا حائطًا من حيطان الأنصار. فإذا جمل قد أتاه فجرجر، وذرفت عيناه. قال بهز وعفان: فلما رأى النبي ﷺ حنَّ وذرفت عيناه؛ فمسح رسول الله ﷺ سراته وذفراه؛ فسكن. فقال: «من صاحب الجمل» فجاء فتى من الأنصار فقال: هو لي يا رسول الله. فقال: «أما تتقي الله في هذه البهيمة التي ملَّككها الله، إنه شكا إليَّ إنك تجيعه وتدئبه». وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (٢٢٩٧) قال: صحيح على شرط مسلم. وأخرج ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٣٢٤٠٧)، وأحمد في «مسنده» ٣/ ٣٠٠ (١٤٢٠٦)، والبخاري في «صحيحه» (٢٠٩٥) من حديث جابر ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يخطب إلى جذع نخلة، فقالت له امرأة من الأنصار: يا رسول الله! إن لي غلامًا نجارًا، أفلا آمره يصنع لك منبرًا؟ قال: «بلى»، فاتخذ منبرًا، فلما كان يوم الجمعة خطب على المنبر، قال: فأنَّ الجذعُ الذي كان يقوم عليه كأنين الصبي، فقال النبي ﷺ: «إن هذا بكى لما فقد من الذكر». (^١) ذكر السيوطي في «الخصائص الكبرى» (باب آياته ﷺ في إحياء الموتى وكلامهم) ٢/ ١٠٣ جملة من الروايات، وليس فيها ما هو صحيح صريح. أما قصة الغزالة: فأخرجها أبو نعيم في «دلائل النبوة» (٣٢٠)، والبيهقي في «دلائل النبوة» ٦/ ٣٥ من حديث زيد بن أرقم ﵁ قال: كنت مع النبي ﷺ في بعض سكك المدينة، فمررنا بخباء أعرابي، فإذا ظبية مشدودة إلى الخباء، فقالت: يا رسول الله، إن هذا الأعرابي اصطادني ولي خشفان في البرية، وقد تعقَّد اللبن في أخلافي، فلا هو يذبحني فأستريح، ولا يدعني فأرجع إلى خشفي في البرية، فقال لها رسول الله ﷺ: «إن تركتك ترجعين؟» قالت: نعم، وإلا عذبني الله عذاب العشار، فأطلقها رسول الله ﷺ، فلم تلبث أن جاءت تلمظ، فشدها رسول الله ﷺ إلى الخباء، =
[ ١٠٩ ]
الجيشُ كله بلا محالة (^١)، ولم ينقل هذا عن أحدٍ من الأنبياء، ولا عن رسولٍ قد بعث بالرسالة.
وإن كان عيسى ﵇ قد أبرأ الأكمهَ والأبرص مع بقاء عينه في مقرها، فالنبي ﷺ ردَّ العين بعد أن سالت على الخدِّ (^٢)؛ فصار معجزةً من وجهين:
أحدهما (^٣): التمامها بعد سيلانها.
والثاني (^٤): رد البصر إليها بعد فقده منها.
ومن ذلك أن الأموات الذين أحياهم النبي ﷺ من الكفر بالإيمان أكثر
_________________
(١) = وأقبل الأعرابي ومعه قربة، فقال له رسول الله ﷺ: «أتبيعنيها؟» قال: هي لك يا رسول الله، فأطلقها رسول الله ﷺ. قال زيد بن أرقم: فأنا والله رأيتها تسيح في البرية، وتقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله. قال ابن كثير في «تحفة الطالب بمعرفة أحاديث مختصر ابن الحاجب» (ص ١٨٨): إسناده ضعيف ومتنه فيه نكارة.
(٢) أخرجه أحمد في «مسنده» ٣/ ٣٢٩ (١٤٥٢٢)، وعبد بن حميد في «مسنده» (١١١٥)، والدارمي في «سننه» (٢٧)، والبخاري في «صحيحه» (٣٥٧٦)، ومسلم في «صحيحه» (١٨٥٦)، والنسائي في «المجتبى» ١/ ٦٠ (٧٧)، وابن خزيمة في «صحيحه» (١٢٥) من حديث جابر بن عبد الله قال: عطش الناس يوم الحديبية ورسول الله ﷺ بين يديه ركوة يتوضأ منها؛ إذ جهش الناس نحوه قال: فقال: «ما لكم؟» قالوا: ما لنا ماء نتوضأ ولا نشرب إلا ما بين يديك قال: فوضع يديه في الركوة ودعا بما شاء الله أن يدعو قال: فجعل الماء يفور من بين أصابعه أمثال العيون قال: فشربنا وتوضأنا قال: قلت لجابر: كم كنتم؟ قال: كنا خمس عشرة مائة ولو كنا مائة ألف لكفانا.
(٣) أخرجه أبو يعلى في «مسنده» (١٥٤٩)، والطبراني كما في «مجمع الزوائد» ٨/ ٥٢٥ وقال الهيثمي: رواه الطبراني وأبو يعلى من حديث قتادة بن النعمان بلفظ: «أنه سالت عينه على خده يوم بدر فردَّها رسول الله ﷺ فكانت أصح عينيه». ثم قال: وفي إسناد الطبراني من لم أعرفهم وفي إسناد أبي يعلى يحيى بن عبد الحميد الحماني وهو ضعيف.
(٤) في (خ): الواحدة.
(٥) في (خ): الأخرى.
[ ١١٠ ]
عددًا ممن أحياهم عيسى ﵇ بحياة الأبدان؛ وشتان بين حياة الإيمان وحياة الأبدان (^١).
ومن ذلك أن الله تعالى يكتب لكل نبي من الأجر بقدر أعمال أمته وأقوالها وأحوالها، وأمة محمد ﷺ شطر أهل الجنة (^٢)، وقد أخبرنا تعالى أنهم: ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] فلله الحمد والمنة.
فمن الأنبياء من لم يرسل إلى أحد، ومنهم من أرسل إلى واحد، ومنهم من أرسل إلى قرية، ومنهم من أرسل إلى قومه خاصةً، ورسالة النبي ﷺ عامة للإنس والجن، فيأتي يوم القيامة بعض الأنبياء وقد تبعه رجل واحد، ومنهم من يتبعه رجلان، ومنهم من يتبعه رجال ونساء، ويلتفت ﷺ فيرى سوادًا عظيمًا فيقول: «ما هؤلاء؟» فتقول له الملائكة: هم أمتك، وهم قدر شطر أهل الجنة (^٣). فإذا كان ﷺ نفع شطر أهل الجنة، وغيره من الأنبياء إنما نفع جزءً من أجزاء الشطر الآخر، فكانت منزلته في القرب على قدر منزلته في النفع، فجميع أعمال أمته وأحوالهم وأقوالهم وإيمانهم
_________________
(١) مثل هذه المقارنة المتكلفة لا داعي إليها، وفي خلق عيسى وكلامه في المهد من الآيات العظيمة الباهرة ما لم يكن لمحمد عليهما الصلاة والسلام، فلكلِّ نبيٍّ ما اختص به من الآيات ومن المنزلة والفضل والتكريم، ولا شكَّ في تفضيل نبينا الكريم ﷺ على سائر الأنبياء، وقد آتاه الله تعالى أعظم الآيات وأجلها وهو القرآن الكريم. (ت)
(٢) أخرجه أحمد في «مسنده» ١/ ٣٨٦ (٣٦٦١)، والبخاري في «صحيحه» (٦٥٢٨)، ومسلم في «صحيحه» (٢٢١) (٣٧٦)، وابن ماجه في «سننه» (٤٢٨٣)، والترمذي في «جامعه» (٢٥٤٧) من حديث عبد الله بن مسعود قال: كنا مع النبي ﷺ في قبة نحو من أربعين، فقال: «أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟» قلنا: نعم. قال: «أترضون ان تكونوا ثلث أهل الجنة؟» قلنا: نعم. قال: «والذي نفسي بيده إنِّي لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة؛ وذاك أنَّ الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة، وما أنتم في الشرك إلا كالشعرة البيضاء في جلد ثور أسود أو السوداء في جلد ثور أحمر».
(٣) أخرجه أحمد في «مسنده» ١/ ٢٧١ (٢٤٤٨)، والبخاري في «صحيحه» (٥٧٥٢)، ومسلم في «صحيحه» (٢٢٠) (٣٧٤)، والترمذي في «جامعه» (٢٤٤٦)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٧٦٠٤) من حديث ابن عباس ﵄.
[ ١١١ ]
وصلاتهم وصدقاتهم وجهادهم، وما من عامل من خير إلا وله ﷺ مثل أجره؛ لأنه هو الذي دل عليه، والدال على الخير كفاعله كما جاء في الحديث (^١). وقال ﷺ: «من دعا إلى هدى كان له أجره وأجر من عمل به إلى يوم القيامة» (^٢).
وقال ﷺ: «الخلق عيال الله، فأحبهم إليه أنفعهم لعياله» (^٣). فمن عمل خيرًا أو دعا إلى خير أو سنَّ سنةً حسنةً كان للنبي ﷺ أجر ذلك كله مضمومًا إلى درجته ومرتبته.
وكذلك من سنَّ سنةً حسنةً من أمته كان له أجر من عمل بذلك على عدد العاملين، ثم يكون هذا المضاعف لنبينا صلوات الله عليه وسلامه؛ لأنه دل عليه وأرشد إليه، ولأجل ذلك بكى موسى ﷺ ليلة الإسراء بكاء غبطة؛ إذ يدخل من أمة محمد ﷺ الجنة أكثر مما يدخل من أمة موسى ﷺ (^٤)، ولم يبك حسدًا، وإنما بكى أسفًا على ما فاته من مثل تلك المرتبة. وقد
_________________
(١) أخرجه أحمد في «مسنده» ٤/ ١٢٠ (١٧٠٨٤)، والبخاري في «الأدب المفرد» (٢٤٢)، ومسلم في «صحيحه» (١٨٩٣) (١٣٣)، وأبو داود في «سننه» (٥١٢٩)، والترمذي في «سننه» (٢٦٧١) من حديث أبي مسعود الأنصاري ﵁.
(٢) أخرجه مسلم في «صحيحه» (٢٦٧٦) من حديث أبي هريرة، بلفظ: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه؛ لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا». ولم نجده باللفظ الذي ذكره المؤلف.
(٣) أخرجه أبو يعلى في «مسنده» (٣٣١٥)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٧٤٤٧) من حديث أنس بن مالك ﵁. قال البيهقي: تفرد به يوسف بن عطية وقد روي بإسناد ضعيف. وقال الألباني في «السلسلة الضعيفة» (١٩٠٠): ضعيف. وقد ثبت الشطر الثاني من الحديث بلفظ: «خير الناس أنفعهم للناس». وهو مخرج في «الصحيحة» (٤٢٦).
(٤) أخرجه أحمد في «مسنده» ٤/ ٢٠٧ (١٧٨٣٣)، والبخاري في «صحيحه» (٣٢٠٧)، ومسلم في «صحيحه» (١٦٤) (٢٦٤)، والترمذي في «جامعه» (٣٣٤٦) مختصرًا، والنسائي في «المجتبى» ١/ ٢١٧ (٤٤٨)، وفي «السنن الكبرى» (٣١٣)، وابن خزيمة في «صحيحه» (٣٠١) من حديث مالك بن صعصعة.
[ ١١٢ ]
جعل الله سبحانه أمته أقل (^١) الأمم الماضية عمرًا وأكثرهم أجرًا، وأعظمهم قدرًا. فعظم قدر هذه الأمة لرفعة قدر متبوعها، وقد حرَّم الله تعالى الجنة على جميع الأمم حتى يدخلها ﷺ وأمته.
قال ﷺ: «أنا أول شافع، وأول مشفع، وأول من يأتي فيطرق باب الجنة، فيقول رضوان: من؟ فأقول: محمد. فيفتح لي، ويقول: بهذا أمرت لا يدخل أحد الجنة حتى تدخلها أنت وأمتك» (^٢).
وقال: «أنا أول من ينشق عنه القبر» (^٣).
وقال: «نحن الآخرون السابقون إلى الجنة» (^٤).
فاشكر الله أيها المؤمن على هذه المنة، وإياك إياك أن تخرج عن الكتاب والسنة؛ لأن الناس كلهم يكلفون إلى يوم القيامة أن يتبعوا النبي ﷺ ويقتدوا به في أقواله وأفعاله. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١]. قال المفسرون: لا تعملوا على خلاف الكتاب والسنة.
وقال السيد الجليل سهل بن عبد الله التستري: كل فعل لا يشهد له الكتاب والسنة فهو باطل (^٥).
_________________
(١) زاد في (ط): من.
(٢) أخرجه أحمد في مسنده ٣/ ١٣٦ (١٢٣٩٧)، وعبد بن حميد في «مسنده» (١٢٧١)، ومسلم في «صحيحه» (١٩٧) (٣٣٣) عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول محمد. فيقول: بك أمرت لا أفتح لأحد قبلك».
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٣٢٣٨٦)، ومسلم في «صحيحه» (٢٢٧٨) (٣)، وأبو داود في «سننه» (٤٦٧٣) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع، وأول مشفع».
(٤) أخرجه الحميدي في مسنده (٩٥٤)، والبخاري في صحيحه (٨٩٦)، ومسلم في صحيحه (٨٥٥) (٢١)، والنسائي في المجتبى ٣/ ٨٥ (١٣٦٧)، وفي السنن الكبرى (١٦٥٤)، وابن خزيمة في صحيحه (١٧٢٠)، وابن حبان (١٢٣٤) من حديث أبي هريرة.
(٥) انظر «الاستقامة» لابن تيمية ٢/ ١٤١.
[ ١١٣ ]
فإلى أين تذهب أيها الطالب وخير الهدي هدي النبي ﷺ، وشر الأمور محدثاتها؟ فبهداه اقتده، ولا تتبع كل خارج ومبتدع وهارب؛ فإن اقتديت اهتديت، وبلَّغك الله سبحانه المأمول والمطالب، فالخروج عن الطريق هو من عدم التوفيق؛ لأنه كلما اجتهد المبتدع وسار، بعد عن الأوطان والديار.
كان في عصر (^١) الحسن البصري شاب متعبد فأتاه الحسن وقال له: يا بني، القوم سبقونا على خيل دُهم وبقينا بعدهم على حمر دبرة. فقال الشاب: يا سيدي إن كنا نتبع أثرهم فما أسرع اللحوق بهم، وإن كنا لم نقف أثرهم فلا نلحق بهم (^٢).
قال المؤلف: هذه الحكاية فيها شبه لقول الصحابة للنبي ﷺ: إنا نحب القوم ولما نلحق بهم. فقال: «المرء مع من أحب» (^٣)، معناه: أي إذا سعيتم في أثرهم (ألحقكم الله بهم ببركة المحبة لهم أو السعي في أثرهم) (^٤)، وإن كان عملكم قليلًا، ولا يدخل في حديث خير البرية المبتدع ولا من يترك العمل بالكلية، أمَّا المبتدع فلأجل بدعته، وأمَّا تارك العمل فلتعرضه لسخط الله ومخالفته؛ لأن الله سبحانه يحب الطائع المتبع، ويبغض العاصي والمبتدع، وإذا أحب الله عبدًا جعل صغير حسناته كبيرًا، وقليله كثيرًا، وإذا أبغضه لم يقبل منه شيئًا.
_________________
(١) في (ط): زمن.
(٢) لم أجده من كلام الحسن، وأخرجه أبو نعيم في «حلية الأولياء» ٦/ ٣٧٩ من كلام الثوري.
(٣) أخرجه أحمد في «مسنده» ٣/ ١٥٩ (١٢٦٢٥)، وعبد بن حميد في «مسنده» (١٢٦٥)، وأبو داود في «سننه» (٥١٢٧)، وأبو يعلى في «مسنده» (٣٢٧٨) من حديث أنس ﵁. وهو في الصحيح بغير هذا اللفظ أخرجه البخاري في «صحيحه» (٣٦٨٨) من حديث أنس ﵁؛ أن رجلًا سأل النبي ﷺ عن الساعة فقال: متى الساعة؟ قال: «وماذا أعددت لها» قال: لا شيء إلا أني أحب الله ورسوله ﷺ؛ فقال: «أنت مع من أحببت». قال أنس: فما فرحنا بشيء فرحنا بقول النبي ﷺ: «أنت مع من أحببت». قال أنس: فأنا أحب النبي ﷺ، وأبا بكر، وعمر، وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم، وإن لم أعمل بمثل أعمالهم.
(٤) ما بين القوسين ليس في (خ).
[ ١١٤ ]
وقد ثبت عند المحققين أن كل عمل لا يوافق الكتاب والسنة فهو موافق لهوى النفس التي ترى القبيح حسنًا. قال المولى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر: ٨].
وقال ﷺ: «من أحب سنتي فقد أحبني، ومن أحبني كان معي في الجنة» (^١)، فمن أراد المرافقة فعليه بالموافقة.
روى البخاري في كتاب الصلاة عن أم الدرداء قالت: دخل علي أبو الدرداء مغضبًا فقلت له: ما لك؟ فقال: والله ما أعرف فيهم شيئًا من أمر محمد ﷺ إلا أنهم يصلون جميعًا (^٢). وكان اسم أبي الدرداء عويمر، وكان من أكابر الصحابة وعلمائها، وكان قاضي المسلمين بدمشق في خلافة عثمان ﵄ وعن جميع المسلمين، وحضر فتح قبرص، وشهد مع النبي ﷺ مشاهد كثيرة، فلما قتل المسلمون الكفار بقبرص بكى أبو الدرداء فقيل له: تبكي في مثل هذا اليوم، هذا يوم عيد؟ قال: يا هذا، ما أهون الخلق على الله إذا لم يطيعوا أمره (^٣).
فأنكر هذا السيد أكثر أفعال أهل عصره، وهو الصدر الأول، فما بالك بزماننا هذا؟ وكان قد ولاه القضاء بدمشق عمر بن الخطاب ﵁ فقال يومًا لأهل دمشق: ما لي أرى علماءكم يذهبون، وجهالكم لا يتعلمون، وأراكم قد أقبلتم على ما تُكُفِّلَ لكم به وتركتم ما أُمرتم به، ألا إن قومًا بنوا شديدًا، وجمعوا كثيرًا، وأملوا بعيدًا، فأصبح بنيانهم قبورًا، وأملهم غرورًا، وجمعهم بورًا، ألا فتعلموا وعلموا، فإن العالم والمتعلم في الأجر سواء. ولا خير في الناس بعدهما (^٤).
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) أخرجه أحمد في «مسنده» ٥/ ١٩٥ (٢١٧٠٠)، والبخاري في «صحيحه» (٦٥٠).
(٣) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» ١/ ٢١٦، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» ٤٧/ ١٨٦.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٣٥٧٢٣)، وأحمد في «الزهد» (ص ١٤٣)، وأبو نعيم في «الحلية» ١/ ٢١٣.
[ ١١٥ ]
وقال ﵁: اغد عالمًا أو متعلمًا أو متبعًا، ولا تكن الرابع فتهلك. قيل للحسن: ما الرابع؟ قال: المبتدع (^١).
ونزل به ضيف في ليلة شاتية فأرسل إليهم الطعام، ولم يرسل إليهم بلحف، فعمد أحد الأضياف إليه ليلومه، فرآه جالسًا وامرأته ما عليهما من الثياب إلا ما يستر العورة، فرجع الرجل وقال لأبي الدرداء: ما أراك إلا بت بنحو ما بتنا به؟ فقال ﵁: إن لنا دارًا ننتقل إليه قدَّمْنا لحفنا وفرشنا إليها، ولو كان عندنا منه شيء لأرسلناه إليكم، وإنَّ بين أيدينا عقبةً كؤُدًا، المخِفُّ فيها خير من المثقل، أفهمت ما أقول؟ قال: نعم (^٢).
وقيل له في مرضه الذي مات فيه: كيف تجدك؟ قال: أجد قلبي مطمئنًا بالإيمان. قالوا: فما تشتكي؟ قال: ذنوبي. قالوا: فما تشتهي؟ قال: مغفرة ربي. قالوا: نأتيك بطبيب؟ قال: الطبيب أمرضني (^٣).
وقال عند وفاته: من يعمل لمثل يومي هذا؟ من يعمل لمثل ساعتي هذه؟ من يعمل لمثل مضجعي هذا؟ ثم قرأ: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠] (^٤) فقالت زوجته: اللهم زوجنيه في الجنة. فقال لها: فلا تتزوجي بعدي. قالت: فإن احتجت بعدك آكل الصدقة؟ قال: لا، اعملي وكلي، ولما مات ﵁ وجدوا في ثوبه أربعين رقعة، وكان عطاؤه أربعة آلاف درهم. قالت: فإن ضعفت عن العمل؟ قال: التقطي الحب والسنبل وكلي. فلما توفي ووافتْ زوجته العدة خطبها معاوية فأبت، وكان لها حظ من الجمال (^٥).
_________________
(١) أخرجه ابن عبد البر في «جامع بيان العلم وفضله» (١٠٥).
(٢) أخرجه المعافى بن عمران في «الزهد» (٢١٠).
(٣) أخرجه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» ٣٣/ ١٨٤ من كلام عبد الله بن مسعود ﵁، ولم أقف عليه من كلام أبي الدرداء ﵁.
(٤) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» ١/ ٢١٧، والبيهقي في «شعب الإيمان» (١٠٦٦٦)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» ٤٧/ ١٩٧.
(٥) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» ١/ ٢٢٤ بنحوه، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» ٧٠/ ١٥٢.
[ ١١٦ ]
فانظر رحمك الله ما كان أحسن مقاصد القوم، وما قلت طرفًا من مكارم أخلاق هذا السيد إلا ليعرف قدره من جهله، وتبركًا للكتاب، ولنزول الرحمة على القائل والسامع من خزائن الكريم الوهاب.
قال الزهري: دخلت على أنس بن مالك بدمشق وهو يبكي، فقلت له: ما يبكيك؟ قال: ما أعرف شيئًا مما أدركت إلا هذه الصلاة، وقد أضيعت (^١). وكان ﵁ من بعض خدام النبي ﷺ فخدمه سنين، فلم يقل له في شيء فعله لم فعلته، ولا في شيء تركه لم تركته؟ (^٢).
قال: وما رأيت رسول الله ﷺ فارغًا قطُّ، إما يخيط ثوبًا لأرملة، أو نعلًا لمسكين (^٣).
ودعا النبي ﷺ لأنس عند وفاته بالبركة في عمره وولده وماله (^٤)، فعاش مدة طويلة، وصلى خلف أبي بكر في خلافته وعمر وعثمان وعلي ومن بعدهم من الخلفاء ﵃ أجمعين. وأخرج الله تعالى من ظهره مئة وثلاثين ولدًا، وكثرت الأموال والأولاد، وكان المسلمون يشدون له
_________________
(١) أخرجه البخاري في «صحيحه» (٥٣٠)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٣١١٢).
(٢) أخرجه أحمد في «مسنده» ٣/ ١٩٥ (١٣٠٢١)، وعبد بن حميد في «مسنده» (١٣٦١)، والدارمي في «سننه» (٦٢)، والبخاري في «الصحيح» (٦٠٣٨)، وفي «الأدب المفرد» (٢٧٧)، ومسلم في «صحيحه» (٢٣٠٩) (٥١)، وأبو داود في «سننه» (٤٧٧٤)، والترمذي في «جامعه» (٢٠١٥).
(٣) أخرجه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» ٤/ ١٠١ من حديث عائشة ﵂، ولم أقف عليه عن أنس ﵁.
(٤) أخرجه أحمد في «مسنده» ٣/ ١٩٣ (١٣٠١٣)، وعبد بن حميد في «مسنده» (١٢٦٧)، والبخاري في «الأدب المفرد» (٨٨)، ومسلم في «صحيحه» (٦٦٠) (٢٦٨) من حديث أنس ﵁ قال: «دخل النبي ﷺ علينا، وما هو إلا أنا وأمي وأم حرام خالتي، قال: «قوموا فلأصلي بكم» في غير وقت صلاة، فصلى بنا فقال رجل لثابت: أين جعل أنسًا منه؟ قال: جعله على يمينه، ثم دعا لنا أهل البيت بكل خير من خير الدنيا والآخرة. فقالت أمي: يا رسول الله، خويدمك ادع الله له. قال فدعا لي بكل خير، فكان في آخر ما دعا به: «اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيه».
[ ١١٧ ]
الرِّحال للزيارة، ولطلب الحديث والعلم والسؤال، وكان السادات يقبلون أقدامه ويقولون: أنت سيدنا وخادم سيدنا، ومات من أولاده في طاعونٍ واحدٍ ثمانون ولدًا (^١)، فذهبت الأموال والأولاد فقال ﵁: أهلًا بحبيبٍ جاء على فاقة، لا أفلح من ندم (^٢).
فانظر إلى حسن صفات القوم. لو مات ميت في وقتنا هذا لأحاطت به البدع من كل مكان، وبالله التوفيق وبه المستعان، وسنذكر له بابًا في موضعه إن شاء الله تعالى.
ودعا أنس لرجل عطشت أرضه فجاءت سحابة فروت أرض الرجل وصهريجه ولم تسق أرض غيره (^٣).
وهذا السيد أيضًا أنكر أفعال أهل زمانه وجلس يبكي رحمةً لهم.
وقال المبارك بن فضالة: صلى الحسن الجمعة ثم جلس فبكى، فقيل له: ما يبكيك يا أبا سعيد؟ فقال: تلومونني على البكاء؟ ولو أن رجلًا من المهاجرين اطلع من باب مسجدكم ما عرف شيئًا مما كانوا عليه على عهد رسول الله ﷺ أنتم اليوم عليه إلا قبلتكم هذه (^٤).
فانظر وتأمل قوله؛ فإنه من العلماء العاملين، ومن كبار التابعين؛ فإذا كان الباطل قد ظهر في زمانه حتى ما بقي يعرف من الأمر (^٥) الذي كان عليه السادة إلا القبلة والشهادة، فما ظنك بأوقاتك هذه؟ فلو رأينا القوم لقلنا مجانين، ولو رأونا لقالوا شياطين.
وقال ﷺ: «أنا في خير القرون، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم،
_________________
(١) انظر «تاريخ خليفة بن خياط» (ص ٦٩).
(٢) أخرجه الحاكم في «المستدرك» ٤/ ٥٠٠ من كلام حذيفة ﵁ ولم أقف عليه من كلام أنس ﵁.
(٣) أخرجه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» ٧/ ٢١، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» ٩/ ٣٦٥.
(٤) لم أظفر به مسندًا، وذكره ابن القيم في «إغاثة اللهفان» ١/ ٢٠٦.
(٥) في (خ): الأمور.
[ ١١٨ ]
ثم الذين يلونهم» (^١)، وقال: «كل عام ترذلون» (^٢).
وعن ابن عباس ﵄: ما من عام إلا وتظهر فيه بدعة وتموت سنة، حتى تظهر البدع وتموت السنن.
وزماننا هذا قد ظهر فيه البدع، والمتمسك (^٣) فيه بالسنة (^٤) له شأن عظيم عند الله سبحانه؛ لقوله ﷺ: «المتمسك بسنتي عند فساد أمتي فله أجر مئة شهيد» (^٥).
فالسنيُّ في الدنيا رشيد، وفي الآخرة سعيد، والمبتدع في ضلال بعيد.
وقال المبعوث بالرسالة: «كلُّ بدعةٍ ضلالة» (^٦)، فاحذر أيها المؤمن أن تخرج نفسك من نور السنة وتدخلها في ظلم الضلالة، فتكون من الهالكين بلا محالة. أتخرج أيها المؤمن من طريق سيد الأنبياء، وتدخل في طريق الأشقياء؟ أما سمعت قوله ﷺ: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» (^٧) وقال: «إن الله خلق الخلق نصفين، فجعلني في خيرهم، ثم جعلني في خير
_________________
(١) أخرجه أحمد في «مسنده» ١/ ٣٧٨ (٣٥٩٤)، والبخاري في «صحيحه» (٢٦٥٢)، ومسلم في «صحيحه» (٢٥٣٣) (٢١٢)، وابن ماجه في «سننه» (٢٣٦٢)، والترمذي في «جامعه» (٣٨٥٩)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٦٠٣١) من حديث عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله ﷺ: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يأتي قوم من بعد ذلك تسبق أيمانهم شهاداتهم أيمانهم».
(٢) قال الزركشي في «اللآلئ المنثورة في الأحاديث المشهورة» (ص ٢١٥): لا يعرف هكذا الا من كلام الحسن البصري في رسالته، ولعله روى بالمعنى من حديث أنس الذي رواه البخاري: «لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم».
(٣) في (ط): التمسك.
(٤) في (ط): بالسنن.
(٥) أخرجه الطبراني في «الأوسط» (٥٤١٤)، وأبو نعيم في «الحلية» ٨/ ٢٠٠. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» ١/ ٤١٨: رواه الطبراني في الأوسط وفيه محمد بن صالح العدوي ولم أر مَنْ ترجمه وبقية رجاله ثقات. وذكره الألباني في «الضعيفة» (٣٢٧).
(٦) سبق تخريجه.
(٧) سبق تخريجه.
[ ١١٩ ]
الفريقين، ثم جعل القبائل فجعلني في خير قبيلة، ثم جعل البيوت فجعلني في خير بيوتهم، فأنا خيرهم نفسًا، وخيرهم بيتًا» (^١).
وقال: «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» (^٢). «إن لي أسماء: أنا محمد وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب» (^٣).
ومن فضله الجامع: تأخُّرُ الأنبياء يوم القيامة، ويتقدم ﷺ ويقول: «أنا الشافع».
ومن علو مرتبته أن الله تعالى نادى كل نبي باسمه، فقال تعالى: ﴿يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]، ﴿يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ﴾ [هود: ٤٨]، ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات: ١٠٤ - ١٠٥]، ﴿يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ﴾ [القصص: ٣٠]، ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ [المائدة: ١١٠]، ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ [ص: ٢٦]، ﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ﴾ [مريم: ٧]، ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢]، ﴿يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ [هود: ٨١].
ودعا الحق سبحانه نبيه ﷺ بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٦٧]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥]، ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١]، ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١]،
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٣٦٠٧)، والبزار في مسنده (١٣١٦) من حديث العباس. وأوره الألباني في «الضعيفة» (٣٠٧٣).
(٢) أخرجه أحمد ٤/ ١٠٧ (١٦٩٨٦)، ومسلم (٢٢٧٦)، والترمذي (٣٦٠٥) من حديث واثلة بن الأسقع ﵁.
(٣) أخرجه مالك في «الموطأ» (١٨٢٣)، وأحمد في «مسنده» ٤/ ٨٠ (١٦٧٣٤)، والبخارى في «صحيحه» (٣٥٣٢) و(٤٨٩٦)، ومسلم (٢٣٥٤)، والترمذي في «جامعه» (٢٨٤٠) عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه.
[ ١٢٠ ]
﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى﴾ [طه: ١ - ٢]، ﴿يس (١) وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس: ١ - ٤].
كل هذه أسماء لهذا النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم (^١).
وسماه أيضًا باسمين من أسمائه ليظهر للبشر ما خصَّه به من التعظيم وهو قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] (^٢).
ومن التعظيم والكرامة أن قَرَن اسمه باسمه في الأذان والأقامة إلى يوم القيامة. ولا خلاف بين الأنام أن السيد إذا دعا عبده بأفضل أسمائه، كان ذلك مبالغةً في التعظيم والاحترام. ويكون أفضل من عبيد دعاهم بأسمائهم الأعلام.
(وأنشد لبعضهم:
يا قوم ثأري عند زهراء … يعرفه الحاضر والنائي) (^٣)
_________________
(١) الرسول والشاهد والمبشر والنذير والمزمل والمدثر ليست من أسمائه ﷺ، وإنما هي من أوصافه الشريفة، أما (طه) و(يس) فالصحيح أنهما من الحروف المقطعة في أوائل السور، وليسا من أسمائه ﷺ. (ت)
(٢) نقل الصالحي في «سبل الهدى والرشاد» ١/ ٤٦٥ عن أبي بكر ابن فورك ﵀، قال: أعطاه الله تعالى هذين الاسمين من أسمائه. قلت: هذا الاستنتاج غير صحيح، فليس من أسمائه ﷺ الرؤوف الرحيم، وإنما أفادت الآية إثبات هاتين الصفتين له، لهذا لم تذكرا بألف التعريف، وباب الأسماء أخصُّ من باب الصفات، والصفات بحسب ما تضاف إليه، فالرؤوف الرحيم: اسمان وصفتان لله ﷿، غير مخلوقتين، ولا محدودتين، تليقان بجلاله وعظمته وكماله، وهما في حقِّ المخلوق صفة مشتركة بينه وبين بني نوعه وجنسه، مخلوقة محدودة مقيَّدة. ثم إن في أسماء الله تعالى وصفاته ما يجوز أن يسمى أو يوصف به غيره، كما في هذه الآية، وفي قوله: [إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا] [الإنسان: ٢]، ومنها ما لا يسمى به غيره؛ كاسم الله والرحمن والخالق والرزاق ونحو ذلك. وفي تزكية الله ﷿ لنبيِّه الكريم بأنه رؤوف رحيم؛ من التشريف والتكريم ما يغني عن تكلُّف مثل هذا القول. (ت)
(٣) في (خ): كان بعضهم يقول.
[ ١٢١ ]
لا تَدْعُنِي إلا بيا عبدها … فإنه أشرف أسمائي
ومن التعظيم أن الله سبحانه أقسم بحياته، فقال تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢].
والقسم بحياة المُقْسَم به يدل على شرف (جاهه، وعلى شرف) (^١) حياته، وعزتها عند المقسم، ولم يثبت هذا لغيره (^٢).
ولأجل حله بمكة المشرفة قال الواحد الأحد: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد: ١]، والمعنى: أقسم (^٣).
_________________
(١) ليست في (خ).
(٢) أخرج ابن جرير الطبري في تفسيره [الحجر: ٧٢]، والبيهقي في «دلائل النبوة» ٥/ ٤٨٧ بإسناد حسن عن ابن عباس ﵄، قال: ما خلق الله ﷿، وما ذرأ من نفسٍ أكرم عليه من محمد ﷺ، وما سمعت الله ﵎ أقسم بحياة أحد إلا بحياته، فقال: [لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون]. وقال ابن كثير في تفسيره: أقسم تعالى بحياة نبيه صلوات الله وسلامه عليه، وفي هذا تشريف عظيم ومقام رفيع وجاه عريض. (ت)
(٣) قال ابن الجوزي في «زاد المسير»: قال الزجَّاجُ: المعنى: أقسم، ولا دخلت توكيدًا، كقوله تعالى: [لئلَّا يعلم أهل الكتاب] [الحديد: ٢٩] وقوله تعالى: [وأنت حل بهذا البلد] فيه ثلاثة أقوال والبلد هاهنا مكة: أحدها: حل لك ما صنعت في هذا البلد من قتل أو غيره، قاله ابن عباس ومجاهد. قال الزجاج: يقال رجل حِلٌّ وحلال ومحل. قال المفسرون: والمعنى أن الله تعالى وعد نبيه أن يفتح مكة على يديه بأن يحلها له فيكون فيها حلًّا. والثاني: فأنت محل بهذا البلد غير محرم في دخوله، يعني عام الفتح، قاله الحسن وعطاء. والثالث: أن المشركين بهذا البلد يستحلُّون إخراجك وقتلك ويحرمون قتل الصيد، حكاه الثعلبي. وقال ابن كثير في «تفسيره»: هذا قسم من الله ﷿ بمكة أم القرى في حال كون الساكن فيها حالًّا؛ لينبه على عظمة قدرها في حال إحرام أهلها. قال خصيف، عن مجاهد: [لا أقسم بهذا البلد] «لا» ردٌّ عليهم، أقسم بهذا البلد. وقال شبيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس: [لا أقسم بهذا البلد] يعني: مكة، [وأنت حل بهذا البلد] قال: أنت يا محمد يحل لك أن تقاتل به. وكذا روي عن سعيد بن جبير، وأبي صالح، وعطية، والضحاك، وقتادة، والسدي، وابن زيد. وقال مجاهد: ما أصبت فيه فهو حلال لك. وقال قتادة: ﴿وأنت حل بهذا البلد﴾ قال: أنت به =
[ ١٢٢ ]
ومما يدلُّك على عظيم فضل الله عليه أن الله تعالى نهى أصحابه عن التقدُّم بين يديه، وأن لا يرفع أحد صوته عليه. فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الحجرات: ٢ - ٣].
وفي فضله ﷺ من هذا كثير. وله من المعجزات، ومكارم الأخلاق، ما لا تحصره الكتب والأوراق.
فكيف يفلح من يخرج عن سنته، أو يجعل له شرعًا غير شريعته؟ وقد قرن الحق سبحانه في اتباعه الهداية والفلاح، صلوات الله تعالى عليه وعلى آله وأصحابه، وأزواجه، وأتباعه ما غاب نجم ولاح. قال الله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. فمن أراد الخير والفلاح، فعليه باتباع النبي ﷺ وأصحابه ذوي الوجوه الملاح. فمن تبعهم بدَّل ليلَه بصباح. وأثبت أنه من أهل الدين والخير والصلاح. أي بُدل ليل المعصية بنهار الطاعة، قال بعضهم:
ليلي بوجهك مشرق … وظلامه في الكون (^١) ساري
والناس في سُدف الظلام … ونحن في ضوء النهار
_________________
(١) = من غير حرج ولا إثم. وقال الحسن البصري: أحلها الله له ساعة من نهار. وهذا المعنى الذي قالوه قد ورد به الحديث المتفق على صحته: «إن هذا البلد حرَّمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شجره، ولا يختلى خلاه. وإنما أُحلت لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، ألا فليبلغ الشاهد الغائب». وفي لفظ آخر: «فإن أحد ترخَّص بقتال رسول الله فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم». والحديث في صحيح البخاري (١٠٤)، وصحيح مسلم (١٣٥٣) من حديث ابن عباس ﵄. (ت)
(٢) في (ط): الليل.
[ ١٢٣ ]
فمن سلك طريق القوم أحياه الله تعالى حياةً طبيِّةً في الدنيا والآخرة، وحشره معهم في الآخرة. قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧]، وأي حياة أطيب من اتباع النبي ﷺ، وسلوك طريقه وطريق أصحابه، ولكن حتى تكتحل البصائر بنور الهدى.
وقد جعل الله تعالى لنا ميزانًا نزن به أعمالنا. وهو ما شرعه الله تعالى في كتابه العزيز، وما شرحه (^١) النبي صلى الله وعليه وسلم في سنته.
قال بعضهم:
وللشرع (^٢) ميزان فلا تك طاغيًا … فيه ولا تك تخسر الميزانا (^٣).
فزن نفسك بميزان السنة والقرآن، ولكي يتبيَّن لك الزيادة من النقصان. قال الله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، وقال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢]. وقال خير البرية: «تركتُها بيضاءَ نقيَّةً» (^٤)، فحُكَّ (^٥) نفسك على محكِّ الشرع، فإن كنت خبيثًا
_________________
(١) في (ط): شرعه.
(٢) في (ط): للمشرع.
(٣) كذا في (خ)، وسقط من (ق): (ممن)، وفي (ط): (تخسر الميزان).
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٢٦٩٤٩)، وأحمد في «مسنده» ٣/ ٣٨٧ (١٥١٥٦)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (١٧٦)، والبغوي في «شرح السنة» (١٢٦)، من حديث جابر بن عبد الله ﵁: أنَّ عمر بن الخطاب، أتى النبي ﷺ بكتاب أصابه من بعض أهل الكتب، فقرأه على النبي ﷺ فغضب، وقال: «أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب! والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به، أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيَّا، ما وسعه إلا أن يتبعني». والحديث حسنه الألباني في «مشكاة المصابيح» (١٧٧).
(٥) في (ط): فخذ.
[ ١٢٤ ]
ظهر (^١) خبثك، والطيب لا يظهر منه إلا طيب؛ فالجنة طيبة لا يدخلها خبيث. قال المولى: ﴿طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]. ومرادنا بالطيب المتبع، والخبيث هو المبتدع.
فإذا قرأت القرآن تبين لك هل أنت من أهل الخير واليقظة والإحسان؟ أم من أهل الشر والغفلة والطغيان؟ فقد وصف قومًا بقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ١٠]، وأثنى الحق سبحانه على قوم بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
اعلم رحمك الله أن الخير والفلاح موقوف على الدين والصلاح. قال الله تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آَيَاتِ اللَّهِ آَنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ١١٣ - ١١٤] فمدح هؤلاء وذم آخرين بقوله تعالى: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٩].
ووصف قومًا بمكارم الأخلاق، وقومًا بالكفر والنفاق. فقال تعالى في حق الأولى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٤]، وقال في حق الثانية: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء: ١٥١]، وقال الواحد القهار: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥]. قال رب العالمين: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٦٠].
وقال في حق المبتدعين: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى
_________________
(١) في (ط): طهر.
[ ١٢٥ ]
وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]. والنار جزاء لمن ظلم، وإن كان مسلمًا من خير الأمم، قال المولى إخبارًا عن قول قابيل، لما أراد قتل هابيل (^١): ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٢٩].
والمبتدع هو ظالم لخروجه عن الطريقة المحمدية، ودخوله في البدعة الرَّدية، فقد تعدى الحدود، وأسخط المعبود، وشؤم ذلك عليه يعود، يوم لا ينفع مال ولا بنون، ولا يجزي والد عن مولود، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١] فظلمها الذي أوجب عليها غضب الجبار، وعذاب النار وذلك لعدوله عن الآيات والأخبار، ولخروجه عن طريق النبي المختار، والصحابة الأخيار، والمسلمين الأبرار، فصار الظلم (^٢) على أقسام: الكافر ظالم، والمنافق ظالم، والمبتدع والعاصي ظالم، والكل يذهب بالتوبة. وظلم آخر يحتاج الظالم أن يرضي المظلوم في الدنيا: كضرب، وسب، وغيبة، وقتل مسلم بغير حق، وشهادة الزور، ونميمة، وبهتان، وما يشبه ذلك ويقاربه لا بد من التحلل من المظلوم، والمظلوم مرحوم، والظالم ملعون.
وهذا حال من ظلم الناس لنفسه؛ وأنحس منه من ظلم الناس لغيره؛ لأن الأول أخرب آخرته لأجل دنياه، والثاني أخرب آخرته (^٣) لأجل دنيا غيره، فصار أكبر إثمًا وأكثر بعدًا عن (^٤) خالقه ومولاه، وكلا الطرفين ذميم. والذي أعتقده أن الحق سبحانه متى رضي عن عبدٍ، أرضى عنه خصومه، ونسأل الله العدل، والاستقامة، والأمن من فزع يوم القيامة، فمن عدل عدل به إلى الجنة، ومن جار فله النار.
_________________
(١) كذا في النسخ، وقد انقلب على المؤلف، وصوابه: «إخبارًا عن قول هابيل لمَّا أرادَ قابيلُ قتلَهُ:». فإن قابيل هو الذي قتل هابيل؛ كما ذكره أهل التفسير والتاريخ.
(٢) في (ط): الظالم.
(٣) هذا آخر الخرم في (ب)، وكان أوله من قوله: (قائم والسيف في يده).
(٤) في (خ): عند.
[ ١٢٦ ]
ومراد المؤلف بالاستقامة: الاتباع لمن ظللته الغمامة؛ لأن الحق سبحانه قد لطف بالمتَّبِع، فعمل بكتاب الله تعالى وعلى السُّنة أقام فاستوجب محبة الله تعالى والجنة له مقام. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠].
ذهب أكثر المفسرين إلى أن الاستقامة لزوم الكتاب والسنة. فاعرض أيها العامل أفعالك وأقولك، على سنة رسول الله ﷺ، وسنة خلفائه الراشدين فإن حصلت الموافقة لهم، فأنت من المهتدين. وإن عكست فأنت من المعتدين. قال ﷺ: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديم اهتديتم» (^١)؛ فهي الفرقة الناجية التي (^٢) أمرنا أن نعض عليها (^٣) بالنواجذ، لننجو غدًا من الشدائد.
فعليك أيها المؤمن بإماتة البدع، وإحياء السنة؛ فقد جاء في الحديث: أن من أحيى سنته كان معه في الجنة (^٤). وقال صلوات الله عليه وسلامه: «من أمات بدعة أحيَى الله قلبه» (^٥). وفي حديث آخر: «إذا مات صاحب بدعة، كان فتحًا في الإسلام» (^٦)، وقال صلوات الله عليه وسلامه: «من أعرض عن صاحب بدعة بغضًا له في الله ملأ الله قلبه أمنًا وإيمانًا؛ ومن انتهر صاحب بدعة، رفع الله له في الجنة مئة درجة، ومن سلَّم على صاحب
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) في (خ): الذي.
(٣) في (ط): على أفعالهم.
(٤) سبق تخريجه.
(٥) لم أقف عليه.
(٦) أخرجه الخطيب البغدادي في «تاريخ بغداد» ٤/ ١٥٨، من حديث أنس بن مالك ﵁، وذكره الديلمي في «مسند الفردوس» (١١١٧). وقال الخطيب بعده: الإسناد صحيح، والمتن منكر. وقال الشيخ الألباني في «ضعيف الجامع» (٦٩٣): موضوع.
[ ١٢٧ ]
بدعة أو لقيه بالبشرى واستقبله بما يسره فقد استخف بما أُنزل على محمد ﷺ» (^١).
وقال: «من مشى إلى صاحب بدعة ليوقره، فقد أعان على هدم الإسلام» (^٢).
وفي حديث آخر: «من أهان صاحب بدعة أمنه الله يوم الفزع الأكبر» (^٣).
وقال سفيان: من اتبع جنازةَ مبتدعٍ لم يزل في سخط الله حتى يرجع (^٤).
وقال ﷺ: «من غش أمتي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين».
_________________
(١) أخرجه أبو نعيم في «حلية الأولياء» ٨/ ٢٠٠، والقضاعي في «مسند الشهاب» (٥٣٧)، والخطيب البغدادي في «تاريخ بغداد» ١٠/ ٢٦٣، وابن الجوزي في «الموضوعات» (٥٢٣)، من حديث ابن عمر ﵄. وقال ابن الجوزي في «الموضوعات» ١/ ٤٤٥: باطل موضوع؛ فيه عبد العزيز بن أبي رواد؛ قال ابن حبان: كان يحدث على التوهم والحسبان فسقط الاحتجاج به. وقال الخطيب البغدادي: تفرد برواية هذا الحديث الحسين بن خالد، وهو أبو الجنيد، وغيره أوثق منه. وقال الشوكاني في «الفوائد المجموعة» ١/ ٥٠٤ - ٥٠٥: قال ابن الجوزي والصغاني: موضوع. ورواه ابن عساكر بنحوه، وروي بألفاظ لا يصح منها شيء.
(٢) ضعيف: أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» ٢٠/ ٩٦ (١٨٨)، وفي «مسند الشاميين» (٤١٣)، وأخرجه أبو نعيم في «حلية الأولياء» ٦/ ٩٧، من حديث معاذ بن جبل ﵁. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» ١/ ٤٤٨: رواه الطبراني في الكبير، وفيه بقية، وهو ضعيف.
(٣) أخرجه القضاعي في «مسند الشهاب» (٥٣٧)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» ٨/ ٢٠٠ من حديث ابن عمر. وقال أبو نعيم: غريب من حديث عبد العزيز لم يتابع عليه من حديث نافع.
(٤) أخرجه أبو إسماعيل الهروي في «ذم الكلام» (٩٣٩) عن سفيان بن عيينة، من شهد جنازة … فذكره.
[ ١٢٨ ]
قالوا: يا رسول الله، وما غِشُ أمتك؟ قال: «أن تبتدع بدعة تحمل الناس عليها» (^١).
وروي أن رجلًا دعا ابن مسعود ﵁ إلى وليمةٍ فلما بلغ المنزل سمع عندهم لهوًا فرجع فتبعه صاحب المنزل وقال: يا صاحب رسول الله، ما بالك رجعت؟ قال: سمعت عندكم (^٢) لهوًا، وسمعت رسول الله ﷺ يقول: «من كثَّر سواد قومٍ فهو منهم، ومن أحب عمل قومٍ خيرًا كان أو شرًّا كان كمن عمله أو كان شريكًا له» (^٣) فلما اجتمع القوم على بدعة تركهم وسار. وكان سيدًا جليلًا عارفًا بالتفسير والأخبار.
وصح أن النبي ﷺ تبرأ من أصحاب البدع، فقال: «ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية» (^٤).
وتبرأ من الصالقة والحالقة والشَّاقة (^٥).
_________________
(١) ذكره الديلمي في «مسند الفردوس» (٥٦٦٤)، من حديث أنس بن مالك ﵁. وقال العراقي في «المغني عن حمل الأسفار» ١/ ٤٦: رواه الدارقطني في الأفراد من حديث أنس بسند ضعيف جدًّا.
(٢) في (ط): عندهم.
(٣) أخرجه أبو يعلى في «مسنده» كما في «المطالب العالية» (١٦٦٠)، من حديث ابن مسعود ﵁. وفي إسناده انقطاع، وللحديث شواهد.
(٤) أخرجه أحمد في «مسنده» ١/ ٤٣٢ (٤١١١)، والبخاري في «صحيحه» (١٢٩٤)، ومسلم في «صحيحه» (١٠٣) (١٦٥)، وابن ماجه في «سننه» (١٥٨٤)، والترمذي في «الجامع» (٩٩٩)، والنسائي في «سننه» ٤/ ١٩ (١٨٦٠)، من حديث ابن مسعود ﵁.
(٥) أخرجه أحمد في «مسنده» ٤/ ٤١١ (١٩٦٩٠)، والبخاري في «صحيحه» (١٢٩٦)، ومسلم في «صحيحه» (١٠٤) (١٦٧)، وأبو داود في «سننه» (٣١٣٠)، والنسائي في «سننه» ٤/ ٢١ (١٨٦٦)، من حديث أبي موسى ﵁. والصالقة: التي ترفع صوتها عند المصيبة. والأصل الصَّلْق وهو: الصوتُ الشديد يُريد رَفْعُه في المصائب. والحالقة: حالقة الشعر عند المُصِيبة إذا حلَّت بها. والمراد: قطعه من غير حلق. والشاقة: المرأة تشق جيب قميصها عند المُصِيبة.
[ ١٢٩ ]
وقال ﷺ: «أهل البدع هم شرُّ الخلق والخليقة» (^١).
وفي حديث آخر: «من تشبه بغيرنا فليس منا» (^٢).
فانظر رحمك الله إلى هذا التوكيد وشدة الوعيد لمن خالطهم أو واكلهم أو سلَّم عليهم، أو وقَّرهم واستبشر في وجوههم.
فكيف يكون حال من فعل بفعلهم، أو صار في بدعة يقتدي الجاهل (^٣) به؟
وكيف حال من دعا الناس إلى بدعته وحثَّهم عليها وحسَّنها لهم؟
وكيف من زعم أنها قربة إلى الله تعالى ويثاب عليها؟
كل هذه درجات بعضها أسفل من بعض، وظلمات بعضها فوق بعض، ونعوذ بالله العظيم من الجهل بعد العلم، ومن الضلالة بعد الهدى، وأن يرزقنا اتباع السنة، ويجنبنا البدعة والردى.
وإذا شاء الله تعالى وفَّق الجاهل وخذل العالم، وإن شاء عكس، وإن شاء وفقهم جميعًا، وإن شاء خذلهما جميعًا، والقدرة صالحة لكل شيء: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣].
والجهل مصيبة في الدين؛ لقول رب العالمين لسيد المرسلين: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩].
_________________
(١) أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (٣٩٥٨)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» ٨/ ٢٩١، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» ٥٣/ ٣٧٤، من حديث أنس ﵁، وقال الألباني في «ضعيف الجامع» (٢١٠٤): ضعيف. والذي صحَّ في هذا هو في الخوارج، وهم أول المبتدعة وأضرُّهم على أهل الإسلام، قطع الله دابرهم، ووقى المسلمين شرَّهم. أخرج مسلم في «الصحيح» (١٠٦٧) عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ: «إن بعدي من أمتي -أو سيكون بعدي من أمتي- قوم يقرؤون القرآن، لا يجاوز حلاقيمهم، يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية، ثم لا يعودون فيه، هم شرُّ الخلق والخليقة».
(٢) سبق تخريجه.
(٣) في (ط): الجهال.
[ ١٣٠ ]
وأكثر ما يقع العباد في البدع من جهلهم وقلة علمهم، فيدخل عليهم الشيطان -لعنه الله- من جهة الجهل، فيغويهم ويضلهم. قال علي بن أبي طالب ﵁: قصم ظهري رجلان: جاهل ناسك، وعالم فاسق (^١).
قال المؤلف: فالعالم الفاسق ينفر الناس عن (^٢) علمه، ويكون حجة عليه، يوم يوقفه الحق بين يديه، ويقال: إذا ضلَّ عالِمٌ ضلَّ العالَم. والعلم والخبر لا يحجزان أحدًا عن القضاء والقدر، كما تقدم ذكره في القرآن والخبر.
والجاهل الناسك يُضل الناس لجهله ولخلوه من نور العلم، فمثله كالأعمى، والأعمى لا يهدي نفسه إلى الطريق، فكيف يهدي غيره؟ ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٢]، فيأمر الناس بجهل فيَضل ويُضل.
ألا ترى ما يفعله بعض المبتدعين تبعًا لأشياخهم فيحلقون ذقونهم ويوصلون شعورهم، ويكوون أبدانهم ويوشمونها، فينقش عليها (^٣) اسم المحبوب، ثم يدخل السقاية بهذا المكتوب (^٤).
ولقد رأيت فقيرًا بمكة قد وشم على ساعده آية الكرسي بكمالها، ثم يدخل بها المستراح هذا القليل الدين والصلاح، فكلما مسّ آية الكرسي بغير وضوء أثم، وإذا مسه وهو جنب يكون (^٥) ملعونًا آثمًا، وترى بعضهم يثقب أذنه، وآخر يثقب إحليله، ومنهم من يتكبل بالسلاسل والحديد، فيدخلون في البدع ويخالفون المولى المجيد، وبعضهم يعملون في رقابهم الأطواق، وهي صفات أهل النار في النار، ولا ترضي الواحد الخلاق، قال الله
_________________
(١) ذكره فخر الدين الرازي في «مفاتيح الغيب» ٣/ ٤٤، وأبو حيان الأندلسي في «البحر المحيط» ١/ ٤٣٠.
(٢) في (ط): من.
(٣) في (خ): عليه.
(٤) في (خ): هذا المنكوب.
(٥) في (ط): فسق وكان.
[ ١٣١ ]
تعالى: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر: ٧١ - ٧٢]، ورأى النبي ﷺ رجلًا في إصبعه خاتم حديد، فقال: «ما لي أرى عليك حلة (^١) أهل النار؟» (^٢).
وبعض المبتدعة يُلَبِّدُ شعره فلا يزال جنبًا؛ لأن الماء لا يصل إلى أصول شعره، وقد أمرنا الشرع (^٣) بإيصال الماء إلى أصول الشعر، ومن وصل من المبتدعة شعره قطعه الله من رحمته، وأدخله في لعنته. قال ﷺ: «لعن الله الواصلة والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة» (^٤).
فإذا لعنت المرأة لأجل ما وصلت، أو وشمت زينةً لزوجها؛ فكيف من يفعل ذلك من الرجال بطرًا وعبثًا؟! فيكون ملعونًا بطريق الأولى. فهؤلاء الأشقياء اتصفوا بصفات الأولياء، وزعموا أنهم فقراء، فقنعوا بالاسم، وما نالوا منه وطرًا، فصار الاسم على غير المسمى، وكان ذلك عليهم مقدورًا مقدرًا، وبه القلم في اللوح المحفوظ جرى. والحق سبحانه يقبل من جاء منهم تائبًا معتذرًا. ونعوذ بالله من كل البدع والطغيان، ومن أُخوَّة النسوان، ومرافقة المردان، والاشتغال عن الذكر والقرآن، بشيء من اللهو والهذيان؛ كالرقص على ضرب الدف والكف والغناء والألحان، وتضييع الوقت والعمر فيما يرضي الشيطان، فلو كان هؤلاء المبتدعون الذين تقدم ذكرهم ممن
_________________
(١) في (ط): حلية.
(٢) أخرجه أبو داود في «سننه» (٤٢٢٣)، والترمذي في «الجامع» (١٧٨٥)، والنسائي في «سننه» ٨/ ١٧٢ (٥١٩٥)، من حديث بريدة بن الحصيب ﵁.
(٣) أخرجه أحمد في «مسنده» ٢/ ١٦٣ (٦٥١٨)، والبخاري في «الأدب المفرد» (١٠٢١)، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄. وقال الترمذي: هذا حديث غريب. وحسنه الألباني في «صحيح الأدب المفرد». () في (ط): الشارع.
(٤) أخرجه البخاري في «صحيحه» (٥٩٣٧)، ومسلم في «صحيحه» (٢١٢٤)، والترمذي في «الجامع» (١٧٥٩)، والنسائي في «سننه» ٨/ ١٤٥ (٥٠٩٥)، وأبو داود في «سننه» (٤١٦٨)، وابن ماجه في «سننه» (١٩٨٧)، من حديث ابن عمر ﵁.
[ ١٣٢ ]
يدعي الفقر والدين، عملوا بحديث سيد المرسلين الصادق الأمين، ﷺ وعلى أصحابه أجمعين، ما وقعوا في شيء من البدع وهو قوله: «تفقهوا ثم اعتزلوا» (^١). كمن مضى من مشايخنا وسادتنا ﵃ أجمعين، تفقهوا ثم دخلوا في العبادة، فوقفوا للعلم والعمل والزهد في الدنيا، فاستراحوا وأراحوا، واهتدوا بنور العلم وهُدوا، فكان قولهم يصدع القلوب، وزيارتهم تذكر بالله (^٢) علام الغيوب.
وأهل البدع لما فاتهم نور العلم، وقعوا في ظلام الجهل، ففاتهم نور السنة ووقعوا في ظلام البدعة؛ فضلُّوا وأضلُّوا، وبجهلهم استدلوا، وقال هؤلاء المعتدون: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣] وجدوا آباءهم ضالين فهم على آثارهم يهرعون، فلو سمع أحدهم ألف حديث وكل آية، لم يخرجوا عن طريق آبائهم ومشايخهم إلا من أدركه الله برحمته، وأنقذه من البدعة والضلالة بقدرته، لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم، ولأن البدع قد رسخت وطبعت على قلوبهم، وألفتها واستحسنتها نفوسهم. قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: ٨].
كما قال بعضهم:
يا غاديًا في جهله ورائحًا … إلى متى تستحسن القبائحا
يا عجبًا منك وأنت مبصر … كيف تجتنب الطريق الواضحا
قال المولى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٦]، فقد استحسنت البدع هذه الطائفة، ليس لها من دون الله كاشفة.
_________________
(١) لم أجده مرفوعًا، وإنما أخرجه الإمام أحمد في «الزهد» ١/ ٢٤٠ من قول مطرف ﵀. قال العجلوني في «كشف الخفاء» (١٠٠٣): قال النجم: ليس بحديث.
(٢) في (ط): رؤيتهم تذكرنا الله.
[ ١٣٣ ]
وإذا أراد الله أن يخرج عبده من الضلالة عرَّفه كيف يخرج. فإن قيل لأحدهم من جهة التذكرة والنصح والأمر بالمعروف: إن هذه الطريقة التي أنت سالكها ما هي طريق نبيك، ولا طريق أصحابه، ولا طريق التابعين؛ فإن خرج عنها فهو صديق، وإن لم يخرج عنها فهو قليل التوفيق. وإن جحد السنة فهو زنديق؛ وقد تشبه بالكفار. ومن تشبه بهم في الدنيا، حُشر معهم يوم القيامة في النار؛ ولأجل ذلك تبرأ منه النبي المختار صلى الله عليه صلاةً دائمة إلى يوم القرار بقوله: «من تشبَّه بغيرنا فليس منَّا» (^١) فاعتبروا يا أولي الأبصار.
فلما عرَّفهم الأنبياء ﵈ الطرق التي توصلهم إلى الله ﷾، وكان عليها المؤمنون وقالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣]. فعجل الله تعالى دمارهم وخرب ديارهم؛ فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا.
وما انتشرت وتولدت هذه الآفات والبدع، وأمثالها في الملة المحمدية إلا لقلة إنكارها، ولتخلية أولي الأمر هذه البدع من شهورها لسنيها، ومن غدوها لأبكارها، فلو قاموا بما أمروا به من إزالة المنكر، وجاهدوا بسيف الصدق لما شاعت هذه المصائب وأمثالها؛ ولأسرع تلاشيها وزوالها، والله سبحانه أمرنا بذلك فقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠].
وقد شهد العليم الفتاح لمن يأمر بالمعروف بالخير والفلاح، فقال المولى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤]. وقال الملك الغفور: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤١].
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «إن ربكم تعالى يقول: إياكم والتظالم،
_________________
(١) سبق تخريجه.
[ ١٣٤ ]
وأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تسألوني فلا أطيعكم، وتدعوني فلا أستجيب لكم وتستنصروني فلا أنصركم» (^١).
وتمثيل النبي ﷺ بالقوم الذين استهموا في السفينة معروف (^٢).
وقد أهلك من قوم يوشع ﵇ ألوف لتركهم الأمر بالمعروف (^٣).
ثم اعلم بأن الأمر بالمعروف هو من قواعد الدين، وطريق سيد المرسلين ويقرب لرب العالمين، فمن ترك الأمر بالمعروف مع القدرة فقد خالف الرب الرؤوف، ووقع في أمر مخوف.
قال بعض العلماء: الأمر بالمعروف على ثلاثة أقسام: باليد للأمراء، وباللسان للعلماء، وبالقلب للعوام. وهذا قول حسن؛ لأن العوام لا يعرفون العلم فيقولون باللسان، ولا يقدرون على إزالة المنكر بالسيف والسنان، وهذا أضعف الإيمان.
_________________
(١) لم أقف عليه.
(٢) أخرجه أحمد في «مسنده» ٤/ ٢٦٩ (١٨٣٧٠)، والبخاري في «صحيحه» (٢٤٩٣)، والترمذي في «الجامع» (٢١٧٣)، والطبراني في «المعجم الأوسط» (٩٣١٠)، من حديث النعمان ابن بشير ﵁. قال: قال رسول الله ﷺ: «مثل القائم على حدود الله والمدهن فيه كمثل قوم استهموا على سفينة في البحر؛ فأصاب بعضهم أعلاها، وأصاب بعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها يصعدون؛ فيستقون الماء فيصبون على الذين في أعلاها فقال الذين في أعلاها: لا ندعكم تصعدون فتؤذوننا. فقال الذين في أسفلها: فإننا ننقبها من أسفلها فنستقي فإن أخذوا على أيديهم فمنعوهم نجوا جميعا وإن تركوهم غرقوا جميعًا».
(٣) قال الحافظ العراقي في «تخريج الإحياء» (٢٢٣٥): حديث عائشة: «عذب أهل القرية فيها ثمانية عشر ألفًا عملهم عمل الأنبياء»؛ لم أقف عليه مرفوعًا، وروَى ابن أبي الدنيا وأبو الشيخ عن إبراهيم بن عمر الصنعاني: أوحى الله إلى يوشع بن نون إني مهلك من قومك أربعين ألفًا من خيارهم، وستين ألفًا من شرارهم. قال: يا رب هؤلاء الأشرار فما بال الأخيار؟ قال: إنهم لم يغضبوا لغضبي، فكانوا يواكلوهم ويشاربوهم. وذكره أبو الليث السمرقندي في «تنبيه الغافلين» ٣١ من غير إسناد.
[ ١٣٥ ]
وقال بعض العلماء: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على كل من قدر عليه. فمن أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فقد أحيَى السنة. ومن أحياها غفر الله له وأدخل مع النبي ﷺ الجنة.
وقد تقدَّم شيءٌ في مدح الأمرين.
وقد ذم الله تعالى قومًا آخرين بقوله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٨ - ٧٩].
وقال أهل التفسير: إن طائفةً من بني إسرائيل مسخت قردة وخنازير لخروجهم عن طريق نبيهم ولمخالفتهم للمولى القدير: الشباب صاروا قردة، والشيوخ خنازير، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الأعراف: ١٦٦].
ثم إن بني إسرائيل افترقت على فرقتين: الفرقة الواحدة أَمَرت، والثانية لم تأمر، فأنجى الله تعالى الطائفة الآمرة، وأهلك التي لم تأمر بقدرته القاهرة، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٥].
وقد جاء في مواضع كثيرة في القرآن والخبر في مدح من أمر بالمعروف، وفي ذم من لم يأمر به، ما لا يحتمله هذا المختصر، وفي هذا كفاية لمن رزقه الله تعالى التوفيق والهداية.
قال المفسرون: لما أراد الله تعالى أن يُهلك من قوم يوشع ﵇ ستين ألفًا من أشرارهم، وأربعين ألفًا من أخيارهم، قال يوشع ﵇: يا رب هذا للأشرار فما بال الأخيار؟ فأوحى الله سبحانه إليه: يا يوشع؛ لأن الأخيار لم يغضبوا لغضبي، وواكلوهم وشاربوهم
[ ١٣٦ ]
وجالسوهم (^١).
وعن أبي بكر الصديق ﵁ قال: يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية تضعونها على غير موضعها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]. وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقابه» (^٢).
قال عمر بن عبد العزيز: إن الله تعالى لا يعذب العامة بعمل الخاصة، ولكن إذا ظهرت المعاصي ولم ينكروها استحق القوم جميعًا العقوبة (^٣).
وقال نبي الله ﷺ: «من رأى منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» (^٤)، رواه مسلم.
فقد تبيَّن (^٥) أن من ترك الأمر بالمعروف مع القدرة عاصٍ مبتدع، والبدعة في الدين خطر عظيم، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ
_________________
(١) تقدم، وانظر: «تفسير البحر المحيط» لأبي حيان الأندلسي ٣/ ٥٣٣، و«الكشف والبيان» للثعلبي ٤/ ٨٧.
(٢) أخرجه أحمد في «مسنده» ١/ ٥ (١٦)، وابن ماجه في «سننه» (٤٠٠٥)، وأبو داود في «سننه» (٤٣٣٨)، والترمذي في «الجامع» (٢١٦٨)، من حديث قيس ابن أبي حازم ﵁. وصححه الألباني في «صحيح ابن ماجه».
(٣) أخرجه الحميدي (٢٦٩)، ومن طريقه أخرجه مالك في «الموطأ» (١٧٩٩)، وأخرجه أحمد في «الزهد» ١/ ٢٩٤. وقد روي مرفوعًا؛ أخرجه أحمد في «مسنده» ٤/ ١٩٢ (١٧٧٢٠)، والطبراني في «المعجم الكبير» ١٧/ ١٣٩ (٣٤٤)، من حديث عدي بن عميرة. وأخرجه أبو داود في «سننه» (٤٣٤٥)، والطبراني في «المعجم الكبير» ١٧/ ١٣٨ (٣٤٣، ٣٤٥)، من حديث العرس بن عميرة. وحسنه الألباني في «صحيح أبي داود».
(٤) أخرجه أحمد في «مسنده» ٣/ ١٠ (١١٠٧٣)، ومسلم في «صحيحه» (٤٩) (٧٨)، وابن ماجه في «سننه» (١٢٧٥)، وأبو داود في «سننه» (١١٤٠)، والترمذي في الجامع (٢١٧٢)، والنسائي في «سننه» ٨/ ١١١ (٥٠٠٨)، من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
(٥) في (ط): بين.
[ ١٣٧ ]
سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨]؛ فمعناه: أي حط عنا خطايانا، فقالوا: حنطة، فأرسل الله عليهم رجزًا من السماء وظلمةً وطاعونًا فهلك منهم في ساعة واحدة سبعون ألفًا، وذلك لقلة أدبهم واستخفافهم بأمر الله تعالى. وابتدعوا بزيادتهم حرفًا في الكلمة فعرفهم أن الزيادة في الدين والابتداع في الشرع خطر عظيم، وهذه البدعة هي في القول، وتارةً تكون البدعة في الفعل، وكلا الطرفين ذميم.
وقد كثر في زماننا هذا البدع في الأفعال والأقوال. ونسأل الله الإقالة، وهو القدير المتعال. فصار السنيُّ بين الناس كالغريب، ولا عليه بعدما صار معروفًا عند الحبيب، كما قال بعضهم:
إذا رضيتْ عنِّي كرام عشيرتي … فلا برحت غضبَى عليَّ لئامها
عن عبد الرحمن بن عوف، أن رسول الله ﷺ قال: «إن الدين بدأ غريبًا، ويرجع غريبًا فطوبى للغرباء، الذين يصلحون ما أفسد الناس من بعدي من سنتي» (^١).
ولمسلم: «بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء».
معنى الحديث: أنه لما جاء الله تعالى بالإسلام فكان الرجل إذا أسلم في حيه وقبيلته فهو غريب بينهم مستخفٍ بإسلامه، قد جفاه الأهل والأصحاب، واتصل لرب الأرباب كما قال بعضهم:
إذا كنتَ لي … ما ضرَّني من عدمته
_________________
(١) لم أقف عليه من رواية عبد الرحمن بن عوف، والحديث أخرجه أحمد في «مسنده» ٢/ ٣٨٩ (٩٠٥٤)، ومسلم في «صحيحه» (١٤٥)، وابن ماجه في «سننه» (٣٩٨٦)، من حديث أبي هريرة ﵁. وأخرجه الدارمي في «سننه» (٢٧٥٥)، وابن ماجه في «سننه» (٣٩٨٨)، والترمذي في الجامع (٢٦٢٩)، من حديث ابن مسعود ﵁. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث ابن مسعود. وفي الباب عن ابن عمرو، وابن عمر، وأنس بن مالك، وعمرو بن عوف، وعبد الرحمن بن سَنَّةَ.
[ ١٣٨ ]
فكان يكون بينهم ذليلًا حقيرًا خائفًا يتجرَّع (^١) جرع الأذى والجفاء محبة في دين النبي المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أهل الخير والجود والوفا، فيعود غريبًا لكثرة الأهواء المضلة، والمذاهب المختلفة حتى يبقى أهل الحق غرباء في الناس لقلتهم وخوفهم على أنفسهم من قلة الأنصار وكثرة الفجار.
وقد تقدم في حديث العرباض قوله ﷺ: «من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا (^٢)، فعليكم بسنتي» (^٣) الحديث، رواه البخاري في «صحيحه» (^٤) عن أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع النبي ﷺ قِبَل خيبر ونحن حديثو عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون حولها ينوطون بها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال لهم رسول الله ﷺ: «الله أكبر. هذا كما قالت بنو إسرائيل: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨]؛ لتركبن سنن من كان قبلكم» (^٥).
فانظر رحمك الله أي مكان وجدت سدرة أو شجرة يقصدها الناس ويعظمون أمرها، ويرون البرء والشفاء من قبلها، وينوطون بها المسامير والخرق فهي ذات أنواط، فإن قدرت فاقطعها يصلك الله تعالى به، فجميع العبادات القولية والفعلية لا يثاب العبد عليها إلا إذا كانت موافقة للسنة والكتاب؛ فاعتبروا يا أولي الألباب.
_________________
(١) في (خ): يتغصص.
(٢) في (ط): كبيرًا.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) كذا في النسخ، وفي السياق خلل ظاهر، فلم يرو البخاريُّ في «صحيحه» الحديثين، ولا أحدهما.
(٥) أخرجه أحمد في «مسنده» ٥/ ٢١٨ (٢١٨٩٧)، والترمذي في «الجامع» (٢١٨٠)، والنسائي في «السنن الكبرى» (١١١٨٥)، وابن حبان في «صحيحه» (٢٧٠٢)، من حديث أبي واقد الليثي ﵁. وصححه الألباني في «ظلال الجنة» (٧٦). وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وصححه الألباني في «صحيح الترمذي».
[ ١٣٩ ]
ألا ترى أن الإنسان كيف يصوم وهو من الأجر محروم؛ كصيام يوم الشك، ويوم الجمعة فقط، وصوم يوم السبت وحده، وصوم العيدين وأيام التشريق.
روى مسلم في «صحيحه»: أن النبي ﷺ نهى عن صيام يوم الجمعة، وعن قيام ليلتهم، فقال: «لا تخصُّوا ليلة الجمعة بقيام ولا يوم الجمعة بصيام» (^١).
وروى البخاري أيضًا: أن النبي ﷺ نهى أن يصام يوم الجمعة إلا أن يصله بصيام قبله أو بعده (^٢).
والحديث: «لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام». هو حجة على قوم يجتمعون لصلاة الرغائب لورود النهي. وقد روى الغزاليُّ حديثًا في صلاة الرغائب (^٣)، وهو غير صحيح، اقترأه (^٤) لا افتراه. والحديث الضعيف لا
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (١٩٨٥)، ومسلم في صحيحه (١١٤٤) (١٤٨)، وابن ماجه في سننه (١٧٢٣)، وأبو داود في سننه (٢٤٢٠)، والترمذي في الجامع (٧٤٣)، من حديث أبي هريرة ﵁. وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٧٨٠٣)، وأحمد في مسنده ٦/ ٤٤٤ (٢٧٥٠٧)، من حديث أبي الدرداء ﵁.
(٢) انظر الحديث السابق.
(٣) «إحياء علوم الدين» لأبي حامد محمد بن محمد الغزالي (ت: ٥٠٥ هـ) ١/ ٢٠٢، وأخرجه ابن الجوزي في «الموضوعات» ٢/ ١٢٤، وقال: هذا حديث موضوع على رسول الله ﷺ، وقد اتهموا به ابن جهضم ونسبوه إلى الكذب، وسمعت شيخنا عبد الوهاب الحافظ يقول: رجاله مجهولون، وقد فتشت عليهم جميع الكتب فما وجدتهم.
(٤) في (خ): افتراه. واقترأه، أي: استقرأه من مشاهدته لأهل القدس وهم يواظبون عليها. قال الغزالي في «الإحياء» (١/ ٢٠٣): رأيت أهل القدس بأجمعهم يواظبون عليها ولا يسمحون بتركها فأحببت إيرادها.
[ ١٤٠ ]
ينسخ الحديث الصحيح، ولا قول اللطيف وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. قال ﷺ: «ما أمرتكم به فائتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فانتهوا» (^١).
قال بعض العلماء: يأثم الإنسان بفعلها كالنَّفل بعد الصبح، وبعد العصر بلا سبب.
فإن قال قائل: أيعاقب المسلم على الصلاة؟ قال: لا، ولكن يعاقبُ لمخالفته للحديث.
ولا يثاب العبد على عبادةٍ قط إلا أن تكون موافقة للكتاب والسنة، ألا ترى لو وقف واحد بعرفة في غير يوم عرفة واجتهد في الدعاء إلى غروب الشمس، ثم نفر إلى المشعر الحرام، وصلى الفجر بغلس، ووقف ودعا، ثم جاء لمنًى (^٢)، ورمى الجمرة كما فعل النبي ﷺ، ثم جاء وطاف بالبيت الحرام وسعى، وأتى بجميع المناسك، فهو عاصٍ لله ولرسوله، وليس بناسك؛ لأنه شرع في الدين ما ليس منه. وهو عبدٌ مخالف للسنة هالك؛ لأن النبي ﷺ ما فعل هذه الأشياء إلا في مكانٍ مخصوص، وفي وقتٍ مخصوص.
فلا بدَّ من الزمان والمكان، لذلك لو طاف طائف بغير مكة المشرفة، أو سعى أو رمى الجمرات في غير أشهر الحج لم يؤجر وعليه السيئات، كرجل يصلي الخمس صلوات قبل دخول الأوقات فلا تقبل منه، ولا يدخل تحت قوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨]؛ لأن استباق الخيرات وضع الأشياء في محلها.
وتكلم العلماء في قوله ﷺ: «من سبَّح عقيب كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وحمده ثلاثًا وثلاثين، وكبره ثلاثًا وثلاثين، وقال تمام المئة: لا إله
_________________
(١) أخرجه أحمد في «مسنده» ٢/ ٣٥٥ (٨٦٦٤)، والبخاري في «صحيحه» (٢٧٨٨)، ومسلم في «صحيحه» (١٣٣٧)، وابن ماجه في «سننه» (١)، والترمذي في «الجامع» (٢٦٧٩)، والنسائي في «المجتبى» ٥/ ١١٠ (٢٦١٩).
(٢) في (ط): أتى منى.
[ ١٤١ ]
إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معط لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، حطت خطاياه ولو كانت مثل زَبَد البحر» (^١)، قالوا: يعطى المسلم هذا الأجر إذا فعل هذا، لا يزيد عليه ولا ينقص. فلو سبَّح الله تعالى مئة، وحمده مئة، وكبره مئة. قال جماعة من العلماء ومنهم: ابنُ المرحِّلِ شيخٌ راسخٌ في علوم الإسلام، والقاضي ابنُ عبد السلام سيِّد العلماء ومفتي الأنام (^٢): يحرم هذا الأجر العظيم؛ لقلة عمله بحديث النبي ﷺ؛ لأن الله تعالى لا يعظم الأعمال لكثرتها إذا لم تكن (^٣) موافقة للسنة. وقال المولى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧، الملك: ٢]، ولم يقل (^٤): أكثر عملًا. والعمل الحسن ما كان موافقًا للسنة. وجاء في الحديث: «عملٌ قليل في سنة، خير من كثير في بدعة» (^٥)، وليس قدر من أهدى الملك جوهرتين كقدر من
_________________
(١) أخرجه مالك في «الموطأ» (٤٩٠)، وأحمد في «مسنده» ٢/ ٣٧١ (٨٨٣٤)، والبخاري في «صحيحه» (٨٤٣)، ومسلم في «صحيحه» (٥٩٧) (١٤٦)، وابن حبان في «صحيحه» (٢٠١٥)، من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) ابن المرحِّل هو محمد بن عمر بن مكي، أبو عبد الله صدر الدين المعروف بابن الوكيل (٦٦٥ - ٧١٦ هـ): شاعر، من علماء الشافعية، ولد بدمياط، وانتقل مع أبيه إلى دمشق، فنشأ فيها. وأقام مدة في حلب. وتوفي بالقاهرة. كانت له ذاكرة عجيبة، حفظ المقامات الحريرية في خمسين يومًا، وديوان المتنبي في أسبوع. ولي مشيخة دار الحديث الأشرفية بدمشق سبع سنين. وصنف: «الأشباه والنظائر» في فقه الشافعية، وشرع في شرح «الأحكام» لعبد الحق الإشبيلي، فكتب منه ثلاثة مجلدات تدل على تبحره في الحديث والفقه والأصول. وكان تقي الدين السبكيُّ يعظمه، ويثني عليه، ويسميه فاضل عصره. جوَّد ابن حجر ترجمته في «الدرر الكامنة» ٥/ ٣٧٣، وقال: وكان لا يقوم بمناظرة ابن تيمية أحدٌ سواه، ولما بلغت وفاته ابنَ تيمية قال: أحسن الله عزاء المسلمين فيك يا صدر الدين. وتأسف الناس عليه كثيرًا رحمه الله تعالى. وابن عبد السلام، هو الفقيه الشافعي الشهير عبد العزيز بن عبد السلام الدمشقي مولدًا ونشأة، ثم القاهريُّ إقامة ووفاةً (٥٧٧ - ٦٦٠ هـ) رحمه الله تعالى.
(٣) في (ط): إلا أن تكون.
(٤) في (خ): ما قال.
(٥) أخرجه الرافعي في «تاريخه» ١/ ٢٥٧، من حديث أبي هريرة ﵁. وقال الألباني: ضعيف. انظر «السلسلة الضعيفة» ٧/ ٢٤٨.
[ ١٤٢ ]
أهدى له حمل تين (^١) أو ماء تين (^٢).
ولا ينبغي أن يهدي الإنسان لمبتدع أو ظالم هدية لإكرامهما، أو لما يؤمل منهما من العطية، وله أن يكرمهما خوفًا أن يصيبه من جهتهما مصيبة أو بلية. فإن لم يخف يعرض عنهما؛ لأن الله تعالى قد أعرض عنهما لخروجهما عن طريق خير البرية، ولدخولهما في الأفعال الردية. كان لبعضهم شجرة تين تطرح التين في غير أوانه، فعبَّى طبق تين، وأهداه لبعض الظلمة، وجلس على بابه ينتظر شيئًا من عطائه، وإذا بنائب ذلك الظالم جاء له بجماعة يضرب رقابهم. فعدوهم عند الباب فنقص منهم واحد. فربطوا صاحب التين مكانه، فلما دخلوا بهم على الأمير وطلب السيف، صرخ صاحب التين وقال: أنا صاحب التين. فقال: ما حملكم على مسك (^٣) هذا؟ قال: هرب من الجماعة واحد فكملناهم به خوفًا منك. فأمر بإطلاقه وقال لصاحب التين: تمنَّ عليَّ. قال: أريد ثلاثة دراهم. فقال: ويحك تمن. قال: ما أريد غيرها، ولو كنت أملكها ما طلبت منك شيئًا. فقال: وما تصنع بالثلاثة؟ قال: أشتري به ما أقطع به الشجرة التي كانت السبب في معرفتي لك.
ودخل متولي المدينة على حاتم الأصم وقال له: يا شيخ تمنَّ عليَّ! قال الشيخ: أتمنى عليك أن لا تراني ولا أراك.
وقال الواحد القهار: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: ١١٣]. فالنار لمن جالسهم. فكيف يكون حالهم هم؟ وله باب في غير هذا المكان، وبالله المستعان.
_________________
(١) في (ط): تبن.
(٢) في (ط): ما بين.
(٣) في (ط): إمساك.
[ ١٤٣ ]