الله تعالى لا يغفر أن يشرك به
عرَّفنا ربُّنا - ﵎ - أنَّه لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨، ١١٦] وهذا النصُّ ورد في آيتين من سورة واحدةٍ هي سورة النساء.
والشركُ أن يعتقدَ الإنسانُ وجود آلهةٍ أخرى تستحقُّ العبادة مع الله، كالذين يعبدون الشمس والقمر والنجوم، أو يعبدون معه الأصنام والأوثان، أو يعبدون القبور من دون الله، أو الذين عبدوا عيسى أو العزَّيز، كلُّ هؤلاء ضالُّون مشركون، فالعبادة لله وحده، لا يستحقُّها أحدٌ من دون الله، وقد جاءت أحاديث كثيرةٌ تدلُّ على أنَّ مصير من مات على التوحيد الجنَّة، وإن لم يتب من الكبائر التي ارتكبها فمن ذلك:
١ - ما رواه أبو ذرٍّ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما من عبد قال: لا إله إلاَّ الله، ثمَّ مات على ذلك إلاَّ دخل الجنة» قال أبو ذرٍّ: وإن زنى وإن سرق؟ قال:
[ ٧٥ ]
«وإن زنى وإن سرق» قلت: وإن زنى وأن سرق؟ قال: «وإن زنى وإن سرق». قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: «وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي ذرٍّ» [البخاري: ٥٨٢٧، ومسلم: ٩٤].
٢ - وعن أبي ذرٍّ أيضًا قال: قال رسول الله - ﷺ -: أتاني جبريل، فقال: «من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنَّة» [البخاري: ٢٣٨٨، مسلم: ٩٤].
٣ - وفي رواية عن أبي ذرٍّ قال: قال رسول الله: - ﷺ -: «ذلك جبريل ﵇ عرض لي في جانب الحرَّة، قال: بشر أمَّتك أنه من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنَّة. قلت: يا جبريل، وإن سرق، وإن زنى؟ قال: نعم. قال: قلت: وإن سرق وإن زنى؟ قال: نعم، وإن شرب الخمر» [البخاري: ٦٤٤٣، ومسلم: ٩٤].
٤ - وعن جابر بن عبد الله، قال: أتى النبيَّ - ﷺ - رجلٌ، فقال: يا رسول الله، ما الموجبتان؟ قال: «من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنَّة، ومن مات يشرك بالله شيئًا دخل النَّار» [مسلم: ٩٣]. وهذه الآيةٌ صريحةٌ في أنَّ الذي لا يقبل الغفران هو الشرك، أما ما دونه من الزنا والسرقة والربا، إن لم يستحلَّها فهي إلى الله تعالى إن شاء عفا عن الذنب، وإن شاء عذب به، ثمَّ أخرجه من النَّار.
وختم الله - تعالى - الآية رقم (٤٨) بقوله: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ أي: من أشرك بالله تعالى فقد افترى على الله إثمًا عظيمًا، والافتراء أعظم الكذب، ولا أعظم كذبًا على الله من دعوى من ادَّعى أنَّ الله - سبحانه - شريك.
[ ٧٦ ]
وقد أخبر الله - ﵎ - في خاتمةِ هذه الآية - الآية رقم (١١٦) - أنَّ ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦] وإنِّما كان ضلال المشرك بعيدًا، لأنَّ الشِّرك أعظم أنواع الضلال، وأبعده عن الاستقامة والصلاح.
* * *
[ ٧٧ ]