الله تعالى هو الذي يحيي الموتى، وقد حدَّثنا الله تعالى في هذه الآيات عن نبيه إبراهيم أنه احتج على نمرود عصره بذلك، وقص علينا ثلاث قصص أحيا فيها الموتى في الدنيا.
١ - الذي حاجَّ إبراهيم في ربِّه:
حدَّثنا ربُّنا مذكرًا إيانا بالملك الذي حاجَّ نبيَّه إبراهيم ﵇ في ربِّه، فقد كان هذ الملك منكرًا لوجود الله، فقال له نبيُّ الله إبراهيم ﵇ محتجًا عليه ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨].
قال له إبراهيم: ربِّي الذي أؤمن به يحيي النفوس بإدخال الروح فيها، فتصبح عاقلة مدركة، تذهب وتأتي، وتسمع وتبصر، فسارع ذلك الطاغية بالرد قائلًا: أنا أحيي وأميت، وذلك بأن يأتي برجلَّين من أحد سجونه، فيطلق أحدهما، ويقتل الآخر، سمى ذلك إحياءً للأول منهما، وسمى ذلك إماتةً للثاني منهما.
لقد كان همُّ ذلك الطاغية أن يجيب، ولو كان في إجابته خلل واضح، إن مراد إبراهيم بإحياء الله وإماتته أمرٌ مخالفٌ لما يفعله ذلك الطاغية، وتوضيح الأمر من قبل إبراهيم لذلك الملك سيدخله في مجادلةٍ مع ذلك الطاغية، فساق
[ ٤٦ ]
إبراهيم دليلًا آخر بهت الخصم وحيره وأسكته، قال: ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَاتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَاتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٨].
قال له إبراهيم: إن الله ربِّي يأتي بالشمس من جهة المشرق، فإذا كنت ربًا كما تدعي، فائتِ بها من جهة المغرب، وبذلك تكون قد غلبت وقهرت.
لقد جاءه إبراهيم بجواب أعجزه وأسكته، وكشف حقيقة أمره، ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، أي: لا يهديهم إلى الإجابة الحقَّة، ولكنه يهدي إلى الصواب والإجابة الحقة رسله وأنبياءه ومن سار على طريقهم كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ [الأنعام: ٨٣].
٢ - قصة الذي مرَّ على قرية وهي خاوية على عروشها:
وقص علينا ربُّنا قصة الذي مر على قريةٍ، فوجدها خاويةً على عروشها، ومعنى: خاويةً، أي ساقطةً، والعروش السقوف، أي: ساقطةٌ على سقوفها، سقطت السقوف، ثم وقعت عليها الحيطان، يشير إلى خرابها علوًا وسفلًا [عمدة الحفاظ: ٣/ ٦٥]. ومنه قوله تعالى: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [الحج: ٤٥]، وقال: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا﴾ [النمل: ٥٢].
فالقرية التي مرَّ عليها ذلك الرجلَّ كانت محطمةً مهدمةً خاليةً من الناس، فهي على ذلك ميتة، وهذه القصة معطوفةٌ في المعنى على قصة إبراهيم
[ ٤٧ ]
التي سبق ذكرها بحرف العطف (أو)، قال تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩].
وكان عند هذا الرجلَّ الذي مرَّ على تلك القرية المهدمة الخاوية على عروشها علمٌ بأن الله سيحيي هذه القرية بعد موتها، أي: بعد خرابها وتدميرها، فلما رآها على تلك الصفة قال: ﴿قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩] أي: قال ذلك مستغربًا متعجبًا لشدة ما أصابها من الدمار والخراب.
عند ذلك أماته الله بقبض روحه مائة عام، وبعد تمام المائة أحياه، فسأله كم لبثت؟ فقال: لبثت يومًا أو بعض يوم، وكذلك قال أصحاب الكهف بعد أن ناموا في كهفهم ثلاثمائة وتسع سنين ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: ١٩].
فلما قال ذلك، قال الله له: ﴿بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَام﴾ [البقرة: ٢٥٩] وقد تلاشى في هذه المدة لحمه، وفنيت عظامه، وتقطعت أوصاله، أما الطعام الذي كان معه والذي يفسد في العادة في يوم أو في عدة أيام، فقد حفظه الله فلم يفسد، ولم يتغيَّر، ولم يتبدَّل، وأما العظام فقد بليت.
وقد كان معه عند موته حماره أماته الله بموته، فأحياه هو أولًا، ثم أحيا حماره، وأراه كيف ينشيء عظامه ويكوِّنها، ثم يصل ما بينها، ثم يكسوها لحمًا، ثم ينفخ فيها الروح وتدب فيها الحياة، عند ذلك قال وقد امتلأ قلبه خوفًا وخشيةً من الله: أعلم أن الله على كلِّ شيءٍ قدير، وأنه لا يعجزه شيءٌ أراده
[ ٤٨ ]
﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آَيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾ [البقرة: ٢٥٩].
٣ - إحياء الله الموتى على يد نبيِّه إبراهيم ﵇:
قص علينا ربُّنا في آيات هذا النص قصة طلب فيها إبراهيم ﵇ من ربه أن يريه كيف يحيي الموتى ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٢٦٠] فسأله ربه قائلًا له: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ [البقرة: ٢٦٠] فأجاب قائلًا: بلى آمنت، ولكنني أريد مزيدًا في طمأنينة قلبي ﴿قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] عند ذلك أمره ربه أن يأخذ أربعة من الطير، ثم يصورهن إليه، أي: يقطعهن، أي: بعد أن يذبحهن، ثم يجعل على كل جبلٍ منهن جزءًا، أي: يفرق أجزاءهن على عدة جبال، ثم أمره أن ينادي عليهن طالبًا منهن أن يجتمعن، فتجمعت الأجزاء المقطعة، وتواصلت وتلاحمت، ونفخت فيها الحياة ﴿قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَاتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عزَّيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٠] والعزَّيز: المنيع الذي لا يغلب ولا يعجزه شيءٌ، وهو ﴿حَكِيمٌ﴾ سبحانه فيما يدبره.