عرَّفنا ربُّنا ﵎ في هذه الآيات بنفسه، وعرَّفنا - سبحانه - بأنَّ له وحده ملك السموات ولأرض لا يشركه في ذلك أحد ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وأعلمنا ربُّنا أنه سبحانه على كل شيء قدير ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾.
وأخبرنا ربُّنا العزيزُ العليمُ ﷾ أنَّه أبدع السموات والأرض على غير مثال سابق، وأحكم خلقهما، وخلق ما فيهما على نحو بديع لا مثيل له، انظر إلى ما حدَّثنا الله به عن السموات في قوتها وارتفاعها واتساعها، وجعلها سبعًا طباقًا، وزينها بالنجوم النيرات، وانظر إلى ما حدَّثنا به عن الأرض، وسهولها وجبالها، وبحارها وأنهارها، وحيواناتها وأشجارها ونباتها، وانظر كيف يتعاور عليها الليل والنهار، وكيف يأخذ كلُّ واحد منهما من الآخر، فهما يتعاقبان، ويتقارضان، وقال في هذا الموضع: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠].
وما من شيءٍ تقعُ عليه العينُ في هذا الوجود إلا وفيه آيةٌ تشهد لخالقه بالإبداع.
[ ٦٩ ]
وفي كلِّ شيءٍ لَهُ آيةٌ. . . تدلُّ على أنَّه واحدُ
وقد أخبرنا أنَّ الذي يدركُ هذه الآياتِ الدالةِ على بديعِ صنع الله هم أولو الألباب، أي: أصحابُ العقول الزاكية الوافية، أمَّا الكفرة الفجرة فإنهم يمرون على هذه الآيات، ولا يعتبرون بها، ولا يتعظون ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥].
وأخبرنا ربُّنا - سبحانه - أنَّ أولي الألباب هم ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ويقولون: ﴿ربُّنا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّار﴾ [آل عمران: ١٩١].
فأصحاب العقول الزاكية الوافية يدركون آيات الله التي بثَّها في الكون، ويشغلون ألسنتهم بذكر الله من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير في كل أحوالهم، فالإنسان في دنياه إمَّا أن يكون قائمًا أو قاعدًا أو مضطجعًا، وهم يذكرون الله في هذه الأحوال الثلاث، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٣].
ومع إدراك أولي الألباب لآيات الكون، وذكرهم لله بألسنتهم، يتفكرون في خلق السموات والأرض فينظرونَ ﴿إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: ١٧ - ٢٠]. وانظر إلى ما أمرنا الله سبحانه بالنظر إلى السموات والأرض لنتعرف على آياته في قوله: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا
[ ٧٠ ]
وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ * وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ * وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ * وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ [ق: ٦ - ١٠].
وهذا التفكيرُ في خلق السموات والأرض الذي هدى الله إليه أُولي الألباب، أوصلهم إلى نتيجةٍ عظيمة، فهذا الخلقُ للسموات والأرض المبدَع المحكم لابدَّ أن يكون لغايةٍ محمودةٍ، ولا يمكن أن يكون الله قد خلقهما عبثًا، ولهوًا ولعبًا، وقد أبان الله في أكثر من آيةٍ أنَّه خلقهما لتكون الأرض معبدًا لله وحدَه، فإياه نعبدُ، وله نُصلِّي ونسجدُ، ولذلك فإن أولي الألباب يقولون: سبحانَك، أي: ننزهك، ونقدِّسك عن كلِّ سوء يا ربَّنا، فقنا عذابَ النار، أي: جنبنا عذاب النار، وإنَّما يكون ذلك بعبادةِ الله وطاعته.