عرَّفنا ربُّنا - ﷿ - في هاتين الآيتين في هذا الموضع عن نفسه، وأعلمنا ربُّنا - ﷿ - أنه هو المعبود الذي لا يستحق أن يعبد معه أحد ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾.
[ ٢٦ ]
وعرَّفنا - سبحانه - بصفتين من صفاته العظيمة التي تحبها نفوس المؤمنين، هما الرحمن الرحيم، وهما صفتان مشتقتان من الرحمة ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
ثم أورد رب العزَّة في الآية الثانية من هذا الموضع ثماني آيات تدل على وحدانيته وعظمته وقدرته وبديع صنعه.
فمن ذلك أنه خلق السموات والأرض، وهما من أعظم ما خلقه ربُّنا، وقد مدح الله نفسه كثيرًا بإيجادهما وخلقهما سبحانه ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ومن ذلك أنه سبحانه خلق الليل والنهار على نحو معجب بديع، فهما يتعاقبان ويتقارضان، ويحقق وجودهما فوق الأرض الحياة المطمئنة للإنسان، ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَار﴾.
ومن تلكم الآيات العظيمة التي أبدعها الله في هذا الكون لبني آدم الفلك التي تمخر عباب البحار والأنهار، تحملهم إلى بلدٍ لم يكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾.
وأعلمنا ربُّنا - ﷿ - أنه أنزل لنا من السماء ماء، فأحيا به الأرض بعد ما ذوت أشجارها، ومات نباتها ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾.
ومما عرَّفنا الله أنه بثَّه ونشره في الأرض من الآيات الدواب من الإنسان والحيوانات والطيور، وهي تملأ الأرض في كلِّ أنحائها ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾.
[ ٢٧ ]
ومن ذلك خلقه - سبحانه - الرياح، وتوجيهها إلى مختلف أنحاء الأرض، أحيانًا تحمل السحاب بالخير والمطر، وأحيانًا تهيج وتحمل العذاب، وأحيانًا تثير البحر، فيغرق السفن ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾.
وآخر الآيات التي عرَّفنا ربُّنا أنه خلقها لنا ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ تحمل الخصب والنماء، وتسير مشرقةً ومغربةً فتفرح النفوس، وتبهج القلوب.