هذه الآية أعظم آية في كتاب الله ﷿ - كما سبق بيانه، وإنما كانت كذلك لأنها تعرَّفنا بالله ربُّنا ﵎ بما لا مزيد عليه، وقد عرَّفنا ربُّنا في هذه الآية أنه:
[ ٣٦ ]
١ - المعبود الذي لا يستحق العبادة أحدٌ إلا إياه ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُو﴾ والإله: في لغة العرب المعبود، وكل من عبد فهو إله، وقد عبد الناس البشر والشجر والحجر والشمس والقمر، وعبدوا اللات والعزَّى ومناة الثالثة الأخرى، وكلُّ هذا الذي عبدوه آلهةٌ باطلةٌ، والإله الحق الذي يستحق العبادة هو الله، وهذا هو توحيد الألوهية، وكان المشركون ينكرونه، ويجادلون في استحقاقه العبادة وحده.
٢ - الحيُّ القيُّوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، والله - ﵎ - حيُّ، وحياته تامة كاملة، وهو قيوم، أي: قائم بنفسه، لا يحتاج إلى غيره، وهو مقيم لغيره، وحياته وقيوميته أبديتان سرمديتان - ﷾ - فهو حي أبدًا وسرمدًا، وهو قيومٌ كذلك ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَاخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾.
والله - ﵎ - لكمال حياته وقيوميته لا تأخذه سنة، وهو النعاس، كما لا يأخذه النوم، بخلاف الإنسان الذي جاء عليه حين من الدهر لم يكن شيئًا مذكورا، ثم أحياه الله فجعله سميعًا بصيرا، ولكن حياته ناقصةٌ لها بداية، ولها نهاية بالموت، وهو ينعس وينام.
٣ - له ملك السماوات والأرض، فهو خالق السموات والأرض، وهو: مالكهم، وهما تحت قهره وتصرفه، يأمرهما فتطيعان ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ وقد قال لهما: ﴿اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١].
[ ٣٧ ]
٤ - لا يشفع في يوم القيامِ أحدٌ عنده إلا بإذنه، فحتى تقبل الشفاعة لا بدَّ أن يرضى الله عن الذي يشفع، ولا بد أن يرضى عن المشفوع له، ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾.
وأخبرنا رسولنا - ﷺ - أن نبي الله إبراهيم ﵇ يشفع عند الله في أبيه عندما يلقاه في عرصات القيامة، فلا تقبل شفاعته فيه، روى البخاري عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «يَلقى إبراهيم أباه آزرَ يوم القيامة، وعلى وجه آزرَ قترة وغبرة، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك لا تعصني؟ فيقول أبوه: فاليوم لا أعصيك.
فيقول إبراهيم: يا ربِّ إنك وعدتني ألا تخزني يوم يبعثون، فأي خزيٍ أخزى من أبي الأبعد؟ يقول الله تعالى: إني حرَّمت الجنة على الكافرين، ثم يقال: يا إبراهيم، ما تحت رجلَّيك؟ فينظر فإذا هو بذيخ ملتطخ، فيؤخذ بقوائمه، فيلقى في النار» [البخاري: ٣٣٥٠]. والذيخُ: الضبع الذَّكر الملتطخ بالنتن.
فالله لا يقبل شفاعة إبراهيم في أبيه الكافر يوم القيامة، ويمسخه الله في ذلك اليوم ضبعًا، حتى لا يخزى به إبراهيم، فيؤخذ من قوائمه، ويلقى به في النار.
٥ - يعلم الله ما بين أيدي مخلوقاته وما خلفهم، ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ أي: يعلم ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم، ومن هؤلاء الملائكة الذين قالوا: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤].
[ ٣٨ ]
ومع أن علم الله محيط بجميع الكائنات، فإن الجن والإنس والملائكة لا يحيطون بشيء من علم الله إلا بمقدار ما يشاء الله أن يحيطوا به، وهو قليل، لا يساوي قطرة من بحر، أو ذرة في صحراء.
٦ - وسع كرسيه السموات والأرض، يدل قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ على أن لله كرسيًا، الكرسي كما قال ابن عباس: «موضع القدمين» أي: موضع قدمي الرب ﵎ [وحديث ابن عباس صحيح موقوف عليه، أخرجه ابن خزيمة في «التوحيد»، والدرامي في «الرد على المريسي» وعبد الله بن أحمد في «السنة» وقال الألباني فيه: «هذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات» مختصر العلوم للذهبي تحقيق الألباني، ص ١٠٢]. وقد أخبرنا ربُّنا ﷿ أن الكرسي أعظم من السموات والأرض، ولذلك قال: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾.
وقد ساق الشيخ ناصر الدين الألباني حديثًا رواه أبو ذر الغفاري، قال فيه الرسول - ﷺ -: «ما السموات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة في فلاة من الأرض، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة» وقد ذكر الألباني طرقه في كتب السنة [وأصح طرقه الطريق التي ساقها ابن جرير الطبري، ثم قال الألباني: الحديث بهذه الطرق صحيح. سلسلة الصحيحة: حديث رقم: ١٠٩]. فدلَّ هذا الحديث على أن الكرسي غير العرش، وأن الكرسي أعظم من السموات والأرض، والعرش أعظم من الكرسي.
٧ - لا يُثقلُ الله حفظ السموات والأرض وما فيهما وما بينهما، بل ذلك سهل ويسير عليه، فالله بكل شيء عليم، وهو على كل شيء قدير ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ
[ ٣٩ ]
الْعَظِيمُ﴾ فالله له العلو كله، أي: العلو الحسيُّ والمعنوي، وهو العظيم الكامل في عظمته سبحانه.