الفصل الثاني: المباحث العقدية المتعلقة بمرتكب الكبيرة في الدنيا
لمرتكب الكبيرة مسائل وأحكام تتعلق به، منها ما يكون في الدنيا ومنها ما يكون في الآخرة.
وسنذكر في هذا الفصل ما يتعلق به من الأحكام العقدية الدنيوية عند أهل السنة دون غيرهم من أهل البدع والضلالة وهي:
المبحث الأول: نقص إيمانه وضعفه
مما أجمع عليه السلف أن الإيمان قول واعتقاد وعمل، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
قال ابن عبد البر ﵀:“أجمع أهل الفقه والحديث على أن الإيمان قول وعمل، ولا عمل إلا بنية، والإيمان عندهم يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية،
والطاعات كلها إيمان إلا ما ذكر عن أبي حنيفة وأصحابه، فأنهم ذهبوا إلى أن الطاعات لا تسمى إيمانًا”١
ويستدل السلف لقولهم هذا بأدلة عديدة من القرآن والسنة منها قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ الأنفال ٢.
٣وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ الفتح ٤.
ومن السنة حديث معاذ بن أنس الجهنى عن أبيه أن النبي ﷺ قال: ”من
_________________
(١) ١ التمهيد لابن عبد البر (٩/٢٣٨) وانظر في دخول العمل في الأيمان وأدلته مسائل الإيمان للقاضي أبي يعلى ص ١٢٥ شرح الطحاوية ص ٣٧٢، الانتصار في الرد على القدرية (٣/٧٣٧) .
[ ٧٣ ]
أعطى لله ومنع لله وأبغض لله فقد استكمل إيمانه” ١
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: “من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان” ٢
وعن ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال عن النساء: ”ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن، قالت امرأة: يا رسول الله: وما نقصان العقل والدين؟ قال: أما نقصان العقل فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل فهذا نقصان العقل، وتمكث الليالى ما تصلى وتفطر في رمضان فهذا نقصان الدين” ٣
فتدل هذه النصوص على أن الإيمان يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، وعلى هذا وردت النصوص عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم من السلف.
فعن عمير بن حبيب الخطمي ﵁ قال: “الإيمان يزيد وينقص قيل له: وما زيادته، وما نقصانه؟ قال: إذا ذكرنا الله وحمدناه وسبحناه فتلك زيادته، وإذا غفلنا وضيعنا ونسينا فذلك نقصانه” ٤
وعن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان يأخذ بيد الرجل والرجلين من أصحابه فيقول: “قم بنا نزداد إيمانًا”.
وروى نحوه عن معاذ بن جبل، وعبد الله بن رواحه رضي الله عنه٥
وعن أبي الدرداء ﵁ أنه قال: “إن من فقه العبد أن يعلم أيزداد هو أم منتقص، وإن من فقه الرجل أن يعلم نزغات الشيطان أنى تأتيه” ٦
_________________
(١) ١ أخرجه. حم. (٣/٤٣٨)، ت. صفة القيامة (٤/٦٧٠) وقال: حديث حسن ٢ أخرجه م. (٢/٢١٢) . ٣ أخرجه. م، الإيمان (١/٨٦) . ٤ أخرجه الآجري في الشريعة (١/٢٦١) الإيمان لابن أبي شيبة ص٧. ٥ أخرجه عنهم ابن أبي شيبة في الأيمان ص٣٥. ٦ أخرجه ابن بطة في الإبانة (٢/٨٤٩)
[ ٧٤ ]
قال أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان رحمهما الله تعالى: ”أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازًا وعراقًا وشامًا ويمنًا فكان من مذهبهم: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص”. ١
هذه النصوص تدل على اجماع السلف٢أن الإيمان يزيد وينقص، وزيادته تكون بعمل الصالحات والتقرب بالطاعات، أما نقصانه فيكون بالإخلال بالواجبات أو الوقوع في السيئات والمنكرات.
وقد وردت نصوص في الشرع تبين تأثير الذنوب في إيمان العبد بالإنقاص والأضعاف مثل قوله ﵊: ”لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن “.
وقوله ﵊: ”والله لا يؤمن قيل: من يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه” ٣
وهي أدلة صريحة في أن إيمان مرتكب الذنوب لا يتساوى مع إيمان من يتقي الله ويجتنب معاصيه.
_________________
(١) ١ أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (١/١٧٦) . ٢ يخالف في هذا الخوارج والمعتزلة وكذلك المرجئة من الجهمية والأشعرية والأحناف الذين يزعمون: أن الإيمان شئ واحد لا يزيد ولا ينقص وهو كل لا يتجزأ فإذا ذهب بعضه ذهب كله. فالخوارج والمعتزلة يقولون: الإيمان قول واعتقاد وعمل، ومن أخل بشيء من ذلك زال عنه اسم الإيمان، وهو عند الخوارج كافر، وعند المعتزلة: في منزلة بين المنْزلتين، وعند المرجئة: أن الإيمان هو التصديق أو المعرفة أو القول والتصديق أو القول فقط، وهو شيء واحد، فلو نقص لصار شكًا. والعاصي عندهم مؤمن كامل الإيمان، وهذا كله باطل وخلاف ما دل عليه الكتاب والسنة. انظر مجموع الفتاوى (٧/٥١٠- ٥٢٣) . مسائل الإيمان للقاضي أبي يعلى ص٣٨٢- ٣٨٤. العقيدة النظامية للجويني ص٩٠ تحفة المريد شرح جوهرة التوحيد ص٥١. ٣ سيأتي تخريج هذه الروايات في المبحث الآتي.
[ ٧٥ ]