وردت نصوص عن النبي ﷺ يصف فيها مرتكب بعض الذنوب: بأنه ليس منه، ومن هذه النصوص:
حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال، قال النبي ﷺ “ ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية ” ٣.
_________________
(١) ٣ أخرجه. خ- الجنائز ب. ليس منا من شق الجيوب، انظر فتح الباري (٣/١٦٣)، م. الإيمان ب. تحريم ضرب الخدود (١/٩٩) .
[ ٩٣ ]
وحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ:”من حمل علينا السلام فليس منا، ومن غشنا فليس منا” ١.
فهذه النصوص ونحوها للعلماء ﵏ أقوال في معناها.
القول الأول: قول من يرى أنها خرجت مخرج التغليظ ٢.
القول الثاني: أن المعنى: ليس مثلنا، واستنكر هذا عبد الرحمن بن مهدي والإمام أحمد وغيرهم، وقد قيل للإمام أحمد: إن قومًا قالوا: من غشنا فليس مثلنا، فأنكره وقال:“هذا تفسير مسعر، وعبد الكريم بن أبي أُمية، وكلام المرجئة، وقال: بلغ عبد الرحمن بن مهدي فأنكره، وقال: لو أن رجلًا عمل بكل حسنة أكان يكون مثل النبي ﷺ؟! ” ٣.
واستنكر هذا القول أبو عبيد وقال:“فإني لا أراه، من أجل أنه إذا جعل من فعل ذلك ليس مثل النبي ﷺ لزمه أن يصير من يفعل ذلك مثل النبي ﷺ، وإلا فلا فرق بين الفاعل والتارك، وليس للنبي ﷺ عديل ولا مثل من فاعل ذلك ولا تاركه ٤.
القول الثالث: أنه ليس على ديننا الكامل، أي أنه خرج من فرع من فروع الدين، إن كان معه أصله، حكى هذا القول ابن العربي ٥.
القول الرابع: أن المراد من ذلك أن من فعل شيئًا من تلك الأفعال فقد تعرض لأن يهجر، ويعرض عنه فلا يختلط بجماعة السنة تأديبًا له على استصحابه حالة الجاهلية التي قبحها الإسلام، وهو قول ابن المنير حكاه ابن حجر ﵀.
_________________
(١) ١ أخرجه م، الإيمان، ب قول النبي ﷺ "من غشنا فليس منا" (١/٩٩) . ٢ حكى هذا القول أبو القاسم عبيد بن سلام في الإيمان ص٨٨، وذكره القاضي الباقلاني في التمهيد ص٤٢٢، وسبق بيان بطلان مثل هذا القول ص ٨٧. ٣ السنة للخلال (٣/٥٧٦) . ٤ الإيمان لأبي عبيد ض٩٣. ٥ انظر فتح الباري (٣/١٦٤) .
[ ٩٤ ]
القول الخامس: معنى الحديث أن النبي ﷺ بريء من فاعل ذلك، فيكون كأنه توعده بأنه لا يدخل في شفاعته مثلًا، وهذا تفسير ابن حجر حملًا لحديث “ليس منا” على حديث “إن رسول الله ﷺ بريئ من الصالقة والحالقة والشاقة” ١.
القول السادس: أن المراد به المستحل للفعل من غير تأويل فإنه يكفر ٢.
القول السابع: أن معناه: ليس من أهل الإيمان المستحقين للثواب بلا عقاب، ولهم المولاة المطلقة والمحبة المطلقة وإنما هو بارتكابه لذلك الفعل نقص إيمانه وصار ممن يستحق العقوبة.
قال شيخ الإسلام وهذا: كما يقول من استأجر قومًا ليعملوا عملًا، فعمل بعضهم بعض الوقت، فعند التوفية يصلح أن يقال: هذا ليس منا، فلا يستحق الأجر الكامل، وإن استحق بعضه ٣.
القول الثامن: أن هذا من أحاديث الوعيد التي يجب أن نؤمن بما ورد فيها وتمركما جاءت ولا يتكلم في تأويلها حتى يكون ذلك أبلغ في الزجر، وهذا مروي عن الزهري: قال سفيان قال رجل للزهري: يا أبا بكر حديث رسول الله ﷺ “ليس منا من لطم الخدود” وما أشبه من الحديث؟ قال سفيان فأطرق الزهري ساعة ثم رفع رأسه فقال:“من الله ﷿ العلم وعلى الرسول البلاغ وعلينا التسليم” ٤.
_________________
(١) ١ أخرجه. خ. الجنائز. ب. ما ينهى عن الحلق عند المصيبة، انظر فتح الباري (٣/١٦٥) . ٢ انظر شرح النووي على مسلم (٢/١٠٨) التمهيد للباقلاني ص٤٢٢، فتح الباري (٣/١٦٤) . ٣ الفتاوى (١٩/٢٩٤)، وانظر (٧/٥٢٤) . ٤ أخرجه الخلال في السنة (٣/٥٧٩) .
[ ٩٥ ]
وعلى هذا القول الإمام أحمد، فقد روى الخلال عنه أنه سئل عن قول النبي ﷺ “من غشنا فليس منا ” قال:“على التأكيد والتشديد، ولا أكفر إلا بترك الصلاة” ١.
قال ابن حجر: والأولى عند كثير من السلف إطلاق لفظ الخبر من غير تعرض لتأويله ليكون أبلغ في الزجر٢.
القول التاسع: أن معناها أنه ليس من المطيعين لنا، ولا من المقتدين بنا، ولا من المحافظين على شرائعنا. وقال بهذا أبو عبيد٣.
وفسره عبد الرحمن بن مهدي كما عند الخلال بأن معنى “ليس منا” بأنه يكون مثل الجاهلية وعملهم لأن هذه الأعمال ليست من فعل أهل الإسلام إنما هي فعل الجاهلية ٤.
فهذه الأقوال فيها تقارب في بيان معنى الحديث، والمستنكر فيها القول الأول والثاني، ما عداهما فإن معناه وفحواه متقارب جدًا، والواجب في ذلك إبطال المعنى الفاسد وهو التكفير، أو الخروج من الدين، ثم إثبات اللفظ أو ما يدل عليه والتشديد فيه، ليكون ذلك أبلغ في زجر الفاعل عن الفعل، ونهيه عنه، فإن من علم من المسلمين أن هذا الفعل على غير هديه ﷺ، وليس على سبيل طاعته، وأهل ولايته، بل هو على سبيل العصاة المنحرفين عن هديه وشريعته، تيقن أن الفعل محرم، وأن صاحبه معرض للعقوبة، التي يستحقها المخالف لرسول الله ﷺ، حيث حذر الله من معصية رسوله ومخالفة أمره، والله أعلم.
_________________
(١) ١ السنة للخلال (٣/٥٧٩)، وانظر مسائل الإيمان للقاضي أبي يعلى ص٣١٧. ٢ فتح الباري (١٣/٢٤) . ٣ الإيمان لأبي عبيد ص٩٢. ٤ السنة للخلال (٣/٥٧٨) .
[ ٩٦ ]