التوبة الصحيحة هي التي يتوفر فيها ثلاثة شروط عامة ١.
أولها: الندم:
وهو الأسف على وقوع الفعل منه وكرهه بعدما فعله ٢.
وحقيقته أن المذنب يدرك أن ما فعله، أو فرط فيه مما لا يجوز له أن يقع منه، فيتحسر على ذلك ويندم أن كان فعل ذلك، ويتمنى أنه لو لم يفعل ذلك، أما إذا لم يندم فذلك دليل على رضاه به وإصراره عليه وهذا ذنب آخر عليه أن يتوب منه، فإن الندم شرط لصحة التوبة، وقد ورد في الحديث عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: “الندم توبة” ٣.
قال السفاريني: “ومعنى قول النبي ﷺ “الندم توبة”، يعني أن أعظم أركانها الندم ٤، وهو كقوله ﵊ “الحج عرفة”.
قال في الزواجر: “ولا بد في الندم أن يكون من حيث المعصية وقبحها وخوف عقابها” ٥.
وقال المناوي: “وإنما كان الندم أعظم أركانها، لأن الندم شيء متعلق بالقلب، والجوارح تبع له، فإذا ندم القلب، انقطع عن المعاصي، فرجعت برجوعه الجوارح.
_________________
(١) ١ انظر: في شروط التوبة مدارج السالكين (١/٢٠٢) . ٢ انظر: المعجم الوسيط (ص:٩١٢) . ٣ أخرجه حم (١/٣٧٦)، جه، كتاب الزهد (٢/١٤٢٠)، والحاكم في المستدرك (٤/٢٤٣) وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في الجامع الصغير وزيادته (٢/١١٥٠) . ٤ انظر: الذخائر لشرح منظومة الكبائر (٣/١١١٦) رسالة ماجستير. ٥ الزواجر عن اقتراف الكبائر (٢/٣٩٠) .
[ ١٢٠ ]
ونقل عن الغزالي قوله: أن الندم لتعظيم الله وخوف عقابه، مما يبعث على التوبة النصوح، فإذا ذكر مقدمات التوبة الثلاث، وهي قبح الذنوب وشدة عقوبة الله، وأليم غضبه، وضعف العبد، وقلة حيلته، يندم ويحمله الندم على ترك اختيار الذنب، وتبقى ندامته بقلبه في المستقبل، فتحمله على الابتهال والتضرع، ويجزم بعدم العودة إليه، وبذلك تتم شروط التوبة” ١.
ثانيها: الإقلاع عن الذنب:
الإقلاع عن الذنب والتوقف عن إتيانه هو أظهر معاني التوبة ولا تتضح ولا تصح إلا بالإقلاع عن الذنب أما التوبة مع الإقامة على الذنب والاستمرار فيه فهي كما قال المنذري: هذه توبة الكذابين٢.
ومما يدل على وجوب الإقلاع عن الذنب، وأن عدم الإقلاع عن الذنب فيه خطورة عظيمة على دين المسلم ما روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: “إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه وإن زاد زادت حتى يعلو قلبه ذاك الرين الذي ذكر الله ﷿ في القرآن ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ٣.
فالمصر على الذنب والمقيم عليه إذا لم يكن له توبة صحيحة فيخشى عليه أن يطبع على قلبه فتتعسر عليه - نسأل الله العافية ـ، التوبة ويستمر في الانحراف والعصيان حتى يهلك على ذلك.
ثالثها: العزم على أن لا يعود:
هذا من دلالة صحة التوبة وصدقها أن يعزم المذنب على ألا يعود في
_________________
(١) ١ فيض القدير (٦/٢٩٨) . ٢ نقل ذلك عنه الهيثمي في الزواجر (٢/٣٨٩) . ٣ أخرجه حم (٢/٢٩٧) و. ت. في التفسير باب: سورة المطففين (٥/٤٣٤)، وقال حديث حسن صحيح.
[ ١٢١ ]
ذلك الذنب الذي أذنبه وتاب منه.
رابعها: أن يؤدي الحق إلى أصحابه:
إذا كان الذنب فيه مظلمة لآدمي فإن توبته منه أن يؤدي ذلك الحق لصاحبه أو يتحلله منه، كما قال ﵊: “من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه”١.
وكذلك حديث عبد الله بن أنيس ﵁ عن النبي ﷺ: “يحشر الناس يوم القيامة عراة غرلًا بهمًا، قال: قلنا وما بهما؟ قال: ليس معهم شيء، ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك أنا الديان، ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقصه منه، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ولأحد من أهل النار عنده حق حتى أقصه منه حتى اللطمة، قال: قلنا: كيف وإنا إنما نأتي الله ﷿ عراة غرلًا بهما، قال: بالحسنات والسيآت” ٢.
فتدل هذه الأدلة على أن من كان ذنبه فيه اعتداء على أحد من الناس فإن عليه أن يتحلله، فإذا كان مالًا أو نحوه رده إليه، وإن كان عرضًا فيتحلله منه ويطلب مسامحته في الدنيا، وإلا فإن القصاص باق في حقه، وذلك يدل على خطورة الذنوب المتعلقة بحقوق الآدميين.
واختلف العلماء فيما لو كانت المظلمة قدحًا بغيبة أو نميمة هل يشترط في
_________________
(١) ١ أخرجه. خ. في كتاب المظالم باب: من كانت له مظلمة عند الرجل، انظره مع الفتح (٥/١٢١)، حم (٢/٥٠٦) . ٢ أخرجه حم (٣/٦٥)؛ والحاكم في المستدرك (٢/٤٣٨) وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
[ ١٢٢ ]
توبته إعلامه بذلك أو لا يشترط.
القول الأول: أنه يشترط إعلامه بذلك وتحلله منه وعزا ابن القيم هذا القول إلى أحمد في رواية عنه، وهو عند الشافعي وأبي حنيفة ومالك.
والقول الثاني: أنه لا يشترط الإعلام، بل يكفي توبته فيما بينه وبين الله، وأن يذكر المغتاب والمقذوف في مواضع غيبته وقذفه بضد ما ذكره به من الغيبة، فيبدل غيبته بمدحه والثناء عليه، وذكر محاسنه، ويبدل قذفه بذكر عفته وإحصانه، ويستغفر له بقدر ما اغتابه، وذلك لأن إعلامه فيه مفسدة ظاهرة من ناحية أنها تزيده حنقًا، وربما كانت سببًا في العداوة الدائمة بينهما، وينقلب الأمر إلى بغضاء وعداوة بدل أن يكون تآلف وتراحم، وذلك خلاف مقصود الشارع.
واستدلوا بما أثر عن الحسن البصري أنه قال في الغيبة: “كفارة الغيبة أن تستغفر لمن اغتبته”.
وهذا القول رواية عن أحمد وقال به شيخ الإسلام ورجحه ابن القيم رحمه الله١.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى (٣/٢٩١)، الفتاوى الكبرى (١/٣٣٩)، مدارج السالكين (١/٣١٦) الوابل الصيب (١/٢١٩) وانظر مختصر منهاج القاصدين (ص:٢٦١) .
[ ١٢٣ ]