كما وردت أحاديث تنفي عن مرتكب الكبيرة الإيمان، فقد وردت أحاديث تصف مرتكبي بعض الذنوب بالكفر، فمن ذلك حديث ابن عمر ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ: ” أيما امرئ قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما ” ٣.
_________________
(١) ٣ أخرجه م. الإيمان (١/٧٩) .
[ ٨٨ ]
وعن أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول لله ﷺ يقول: " لا ترغبوا عن آبائكم فمن رغي عن أبيه فهو كافر" ١.
وعن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: ”سباب المسلم فسوق وقتاله كفر” ٢.
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: “ اثنتان في الناس هما بهم كفر الطعن في النسب والنياحة على الميت” ٣.
وعن منصور بن عبد الرحمن عن الشعبي عن جرير أنه سمعه يقول: ” أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر حتى يرجع إليهم”. قال منصور: قد والله روى عن النبي ﷺ، ولكني أكره أن يروى عني هاهنا بالبصرة ٤.
فهذه الأحاديث ونحوها عند أهل السنة لا تدل على أن مرتكب ما ذكر فيها من ذنوب يكون كافرًا خارجًا من الإسلام، وذلك أن الله ﵎ قد وصف بعض مرتكبي الذنوب بالإيمان، ولم يكفرهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ الحجرات٩. فسماهم مؤمنين مع وجود الاقتتال.
وكذلك فإن الله تعالى قد أوجب الجلد على القاذف، والقطع على السارق، وجلد رسول الله ﷺ الزاني البكر وشارب الخمر وغير ذلك، فلو كان
_________________
(١) ١ أخرجه خ. الفرائض ب- من ادعى إلى غير أبيه (١٢/٥٥)، م. الإيمان (١/٨٠) . ٢ أخرجه خ. الإيمان ب -خوف المؤمن من أن يحبط عمله (١/ ١٣٥)، م. الإيمان (١/٨١) ٣ م. الإيمان (١/٨١) . ٤ أخرجه م. الإيمان (١/٨٣) د. الحدود. ب- الحكم فيمن ارتد رقم ٤٣٦٠. قال النووي: معنى قوله (قد والله روى عن النبي ﷺ ولكني أكره أن يروى ) فإني أكره أن أصرح برفعه في لفظ روايتي فيشيع عني في البصرة، التي هي مملوءة من المعتزلة والخوارج، الذين يقولون بتخليد أهل المعاصي في النار، والخوارج يزيدون على التخليد، فيحكمون بكفره، ولهم شبهه في التخليد بظاهر هذا الحديث. شرح النووي على مسلم (٢/٢٤٧) .
[ ٨٩ ]
هؤلاء كفارًا بارتكابهم للكبائر لوجب قتلهم لقوله ﷺ “ لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة ” ١.
وأجمع الصحابة على عدم كفر مرتكبي الذنوب، فقد روى أبو عبيد عن أبي سفيان أنه قال: “جاورت مع جابر بن عبد الله بمكة ستة أشهر فسأله رجل هل كنتم تسمون أحدًا من أهل القبلة كافرًا؟ فقال: معاذ الله! قال: فهل تسمونه مشركًا؟ قال: لا” ٢.
فلهذا صرح أصحاب كتب العقائد بذلك في عقائدهم فقال الطحاوي ﵀: ”ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله” ٣.
وقال الحكمي ﵀:
ولا نكفر بالمعاصي مؤمنًا إلا مع استحلاله لما جنى٤.
وقد أجاب العلماء عن معنى الكفر الوارد في الأحاديث السابقة وشبهها بعدة أجوبة:
الجواب الأول: أن الفعل الوارد فيه لفظ الكفر إنما ذكر هكذا لأنه يؤول
_________________
(١) ١ أخرجه م. القسامة (٣/١٣٠٢) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁. ٢ الإيمان لأبي عبيد ص٩٨ قال الألباني في التعليق: إسناده صحيح على شرط مسلم وعزاه في مجمع الزوائد (١/١٠٧) إلى أبي يعلى والطبراني وقال: رجاله رجال الصحيح، وانظر التمهيد لابن عبد البر (٩/٢٥١) . ٣ شرح العقيدة الطحاوية ص٣١٦. وقوله (بذنب ما لم يستحله) بين شارح الطحاوية ﵀ أن قول الطحاوي ﵀ ليس على إطلاقه، لأن من الذنوب ما يكون كفرًا، كالسجود للصنم، والاستهزاء بالله، والسحر، وترك الصلاة عند كثير من السلف. فالصواب أن يقال: ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة بكل ذنب. ٤ معارج القبول (٢/٣٠٠) .
[ ٩٠ ]
بفاعله إلى الكفر، وذلك لأن المعاصي كما قالوا: بريد الكفر، ويخشى على المكثر منها أن يكون عاقبة شؤمها المصير إلى الكفر.
الجواب الثاني: أنه أطلق عليه ذلك من باب المبالغة في التحذير والزجر عن الفعل١.
الجواب الثالث: أنه أطلق عليها ذلك لأنها من الأخلاق والسنن التي عليها الكفار والمشركين.
الجواب الرابع: أنه محمول على المستحل لذلك.
الجواب الخامس: أن المراد به الكفر إلا أنه ليس الكفر المخرج من الملة، وإنما هو كفر دون كفر وهو من الكفر العملي الذي لا يخرج صاحبه من الإسلام.
وهذا الأخير أرجحها، لأن الأدلة قد دلت على أن لفظ الكفر ومثله الظلم والفسق والشرك قد وردت في الشرع على معنيين أكبر وأصغر، فمما ورد في الظلم ما روي عن ابن مسعود ﵁ أنه لما نزل قوله تعالى ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ الأنعام ٨٢. شق ذلك على أصحاب النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله أينا لا يظلم نفسه؟ فقال رسول الله ﷺ: ليس كما تظنون، إنما هو كما قال لقمان لابنه ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ٢.
فهنا ذكر النبي ﷺ أن للظلم معنيان: ظلم أكبر: وهو الشرك، وظلم أصغر: وهو ظلم العبد لنفسه بالذنوب.
_________________
(١) ١ وقد سبق بيان ما في هذا القول من الخطأ انظر ص ٨٧. ٢ خ. الإيمان ب. ظلم دون ظلم، انظر فتح الباري (١/٨٧)، م. الإيمان. ب صدق الإيمان وإخلاصه (١/١١٥) .
[ ٩١ ]
ومما ورد في الشرك ما روى محمود بن لبيد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: “إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قالوا: يا رسول الله وما الشرك الأصغر؟ قال: الرياء” ١.
فهنا بين النبي ﷺ أن من الشرك نوع هو أصغر، أما الشرك الأكبر فهو عبادة غير الله.
ومثل ذلك ورد في الكفر أيضًا فقد ورد في حديث ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: “ أُريت النار، فإذا أكثر أهلها النساء يكفرن، قيل أيكفرن بالله، قال: يكفرن العشير ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى أحداهن قالت: ما رأيت منك خيرًا قط ” ٢.
فهنا بين النبي ﷺ أن الكفر يرد شرعًا على غير الكفر بالله وهو دونه في الحكم.
ومثله ما ورد عن ابن عباس ﵁ في قول الله ﷿: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ المائدة (٤٤) .قال:“هي به كفر، وليس كفرًا بالله وملائكته وكتبه ورسله”.
وفي رواية أنه قال:“كفر دون كفر”.
ومثله ورد عن عطاء وطاووس وغيره٣.
فهذا يدل على أن الشارع أطلق الكفر على ما دون الكفر الأكبر وهو ما يسميه العلماء كفر دون كفر.
فيكون المقصود بما ورد في الشرع إطلاق اسم الكفر عليه من المعاصي
_________________
(١) ١ أخرجه. حم (٥/٤٢٨-٤٢٩)، وقال ابن حجر إسناده، حسن بلوغ المرام ص١٨٧. ٢ خ. الإيمان ب. كفران العشير، وكفر دون كفر، انظر فتح الباري (١/٨٣) . ٣ انظر تفسير ابن جرير (١٠/ ٣٥٤) تحقيق أحمد شاكر، التمهيد لابن عبد البر (٤/٢٣٧) السنة للخلال (٤/١٥٩-١٦١) .
[ ٩٢ ]
هو الكفر العملي، الذي لا يخرج من الملة١، أو كفرًا دون كفر. وهذا أرجح الأقوال في ذلك، وهو الذي عليه كثير من العلماء. ٢
_________________
(١) ١ احترزنا بقولنا (الذي لا يخرج من الملة)، لأن من الكفر العملي ما يخرج من الملة، كبعض نواقض الإسلام، كالاستهزاء بالله، أو رسوله، أو دينه، وكذلك الصلاة عند كثير من السلف، وكذلك بعض مباني الإسلام الأخرى عند بعض العلماء. قال ابن القيم ﵀: «الكفر نوعان: كفر عمل، وكفر جحود وعناد، فكفر الجحود أن يكفر بما علم أن الرسول ﵊ جاء به من عند الله جحودًا أو عنادًا – من أسماء الرب وصفاته وأفعاله وأحكامه. وهذا الكفر يضاد الإيمان من كل وجه، وأما كفر العمل فينقسم إلى ما يضاد الإيمان وإلى ما لايضاده، فالسجود للصنم، والاستهانة بالمصحف، وقتل النبي وسبه يضاد الإيمان. وأما الحكم بغير ما أنزل الله وترك الصلاة فهو من الكفر العملي قطعًا، ولا يمكن أن ينفي عنه اسم الكفر بعد أن أطلقه الله ورسوله عليه، فالحاكم بغير ما أنزل الله كافر، وتارك الصلاة كافر بنص رسول الله ﷺ، ولكن هو كفر عمل لا كفر اعتقاد، ومن الممتنع أن يسمي الله سبحانه الحاكم بغير ما أنزل الله كافرًا، ويسمي رسول الله ﷺ تارك الصلاة كافرًا، ولا يطلق عليهما اسم الكفر» .كتاب الصلاة. ضمن مجموعة الحديث النجدية، ص٥١٥. ٢ انظر: الإيمان لأبي عبيد ص٩٣، تعظيم قدر الصلاة للمروزي (٢/٥١٧-٥٢٩)، فتح الباري (١/٨٣)، مجموع الفتاوى (٧/٣٥٠-٣٥٥)، مدارج السالكين (١/٣٣٦)، التمهيد لابن عبد البر (٤/٢٣٦)، شرح الطحاوية ص٣٦٣.
[ ٩٣ ]