أسماء الله تعالى غير محصورة بعدد معين (١)
لقوله ﷺ في الحديث المشهور: ﴿أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدًا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك﴾ (٢) .
الحديث رواه أحمد وابن حبان والحاكم وهو صحيح (٣) .
وما استأثر الله تعالى به في علم الغيب لا يمكن أحدًا حصره ولا الإحاطة به
_________________
(١) هذا هو الحق وهو مذهب الجمهور بل حكى النووي الاتفاق عليه وسيأتي في الملحق ذكر الخلاف في المسألة
(٢) والشاهد من الحديث: قوله (أو استأثرت به في علم الغيب عندك) فهو دليل على أن أسماءه أكثر من تسعة وتسعين وأن له أسماء استأثر بها في علم الغيب عنده لا يعلمها غيره. قال الخطابي في شأن الدعاء ص ٢٤ عند هذا الحديث فهذا يدلك على أن لله أسماء لم ينزلها في كتابه حجبها عن خلقه ولم يظهرها لهم ا. هـ واستدل بهذا الحديث الإمام ابن كثير في تفسيره (٢/٢٥٨) على أن أسماء الله غير منحصرة. وقال الإمام ابن القيم في شفاء العليل ص ٤٧٢ الحديث دليل على أن أسماء الله أكثر من تسعة وتسعين، وأن له أسماء وصفات استأثر بها في علم الغيب عنده لا يعلمها غيره وعلى هذا فقوله (إن لله تسعة وتسعين اسمًا) لا ينفي أن يكون له غيرها والكلام جملة واحدة أي له أسماء موصوفة كما يقال: لفلان مائة عبد أعدهم للتجارة ومائة أعدها للجهاد وهذا قول الجمهور وخالفهم ابن حزم فزعم أن أسماءه تنحصر في هذا العدد أ. هـ
(٣) سيأتي في الملحق تحقيق الحديث وتخريجه وفيه بحث مهم ٠
[ ١٢٣ ]
فأما قوله ﷺ: " إن لله تسعة وتسعين اسمًا مائة إلا واحدًا من أحصاها (١) دخل الجنة " (٢) فلا يدل (٣) على حصر الأسماء بهذا العدد ولو كان المراد الحصر لكانت العبارة: إن أسماء الله تسعة وتسعون اسمًا من أحصاها دخل الجنة أو نحو ذلك.
إذًا فمعنى الحديث أن هذا العدد من شأنه أن من أحصاه دخل الجنة وعلى هذا فيكون قوله - من أحصاها دخل الجنة - جملة مكملة لما قبلها (٤) وليست مستقلة.
ونظير هذا أن تقول: عندي مئة درهم أعددتها للصدقة فإنه لا يمنع أن يكون عندك دراهم أخرى لم تعدها للصدقة (٥) .
_________________
(١) إحصاؤها: حفظها لفظًا وفهمها معنى وتمامه أن يعبد الله بمقتضاها ذكره المؤلف وسيأتي في الملحق الخلاف في المسالة وذكر الأقوال.
(٢) رواه البخاري في صحيحه (١١/٢١٨) من طبعة الفتح، ومسلم في صحيحه (٧/١٤) من طبعة المفهم للقرطبي.
(٣) في هذا رد على المخالفين الذين قالوا بأن أسماءه تسعة وتسعون.
(٤) أي أن الجملة صفة للتسعة والتسعين وليست جملة مبتدأة ولكن موضعها النصب ويجوز أن تعرب مبتدأ والمعنى لا يختلف والتقدير: إن لله أسماء بقدر هذا العدد من أحصاها دخل الجنة، ذكره شيخ الإسلام في الفتاوى (٦/٣٨١) .
(٥) يقول ابن القيم في بدائع الفوائد (١/١٦٧) وأما قوله ﷺ " إن لله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة " فالكلام جملة واحدة وقوله: " من أحصاها دخل الجنة " صفة لا خبر مستقل والمعنى له أسماء متعددة من شأنها أن من أحصاها دخل الجنة وهذا لا ينفي أن يكون له أسماء غيرها وهذا كما تقول لفلان مائة مملوك قد أعدهم للجهاد فلا ينفي هذا أن يكون له مماليك سواهم معدون لغير الجهاد وهذا لا خلاف بين العلماء فيه. وقال الخطابي في شأن الدعاء ص ٢٤ (في هذا الحديث إثبات هذه الأسماء المخصوصة بهذا العدد، وليس فيه منع ما عداها من الزيادة ..وهو كقولك: إن لزيد ألف درهم أعدها للصدقة، وكقولك إن لعمرو مائة ثوب من زاره خلعها عليه وهذا لا يدل على أنه ليس عنده من الدراهم أكثر من ألف درهم ولا من الثياب أكثر من مائة ثوب، وإنما دلالته أن الذي أعده زيد من الدراهم للصدقة ألف درهم وأن الذي أرصد عمرو من الثياب للخلع مائة ثوب وقال النووي في شرح مسلم (١٧/٥) (اتفق العلماء على أن هذا الحديث ليس فيه =
[ ١٢٤ ]
ولم يصح عن النبي ﷺ تعيين هذه الأسماء، والحديث المروي عنه في تعيينها ضعيف (١)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى ص (٣٨٢) جـ (٦) من مجموع ابن قاسم " تعيينها ليس من كلام النبي ﷺ باتفاق أهل المعرفة بحديثه (٢) وقال قبل ذلك ص (٣٧٩) " عن الوليد ذكرها عن بعض شيوخه الشاميين كما جاء مفسرًا في بعض طرق حديثه " ا. هـ
وقال ابن حجر في فتح الباري ص (٢١٥) جـ (١١) ط السلفية: " ليست العلة عند الشيخين (البخاري ومسلم)
_________________
(١) = حصر لأسمائه ﷾، فليس معناه أنه ليس له أسماء غير هذه التسعة والتسعين، وإنما مقصود الحديث أن هذه التسعة والتسعين من أحصاها دخل الجنة، فالمراد الإخبار عن دخول الجنة بإحصائها لا الإخبار بحصر الأسماء.
(٢) وقد ضعف الحديث جماعة كابن حزم في المحلى (٨/٣١) وابن القيم في مدارج السالكين (٣/٤١٠)، وابن كثير في تفسيره (٢/٢٥٨)، والصنعاني في سبل السلام (٤/١٠٨) . ومال البغوي إلى تضعيفه في شرح السنة (٥/٣٥) وكذا ابن عطية في تفسيره (٦/١٥٦) بقى أن نشير إلى أن جماعة من أهل العلم قد صححوا الحديث أو حسنوه، فقد صححه القرطبي في تفسيره (٧/٣٢٥)، وحسنه النووي في الأذكار المطبوع مع شرح ابن علان (٣/٢٢١) والحديث صححه ابن حبان (٣/٨٨)، والحاكم في المستدرك (١/٦٣) وسكت عنه الذهبي وانظر موارد الظمآن لزوائد ابن حبان للهيثمي ص ٥٩٢وسيأتي ذكر طرق الحديث في الملحق. يقول الشيخ ابن عثيمين في الفتاوى ص ٥٦٠: فمن حاول تصحيح هذا الحديث قال إن هذا أمر عظيم لأنها توصل إلى الجنة فلا يفوت على الصحابة أن يسألوه ﷺ عن تعيينها، فدل هذا على أنها قد عينت من قبله ﷺ لكن يجاب عن ذلك بأنه لا يلزم ولو كان كذلك لكانت هذه الأسماء التسعة والتسعين معلومة أشد من علم الشمس، ولنقلت في الصحيحين وغيرهما، لأن هذا مما تدعو الحاجة إليه وتلح بحفظه، فكيف لا يأتي إلا عن طرق واهية وعلى صور مختلفة فالنبي ﷺ لم يبينها لحكمة بالغة وهي أن يطلبها الناس ويتحروها في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ حتى يتبين الحريص من غير الحريص.
(٣) وقد نقلنا فيما سبق من صحح الحديث ومن حسنه.
[ ١٢٥ ]