تعالى فهمًا للتلازم فإنه بذلك يحصل من الدليل الواحد على مسائل كثيرة (١)
واعلم أن اللازم (٢) من قول الله تعالى وقول رسوله ﷺ (٣) إذا صح أن يكون لازمًا فهو حق وذلك لأن كلام الله ورسوله حق ولازم الحق حق (٤) ولأن الله تعالى عالم بما يكون لازمًا (٥) من كلامه وكلام رسوله فيكون مرادًا (٦) .
وأما اللازم من قول أحد سوى الله ورسوله فله ثلاث حالات:
الأولى: أن يذكر للقائل ويلتزم به مثل أن يقول من ينفي الصفات
_________________
(١) مثال ذلك أنه يجوز للإنسان أن يصبح جنبًا والدليل قوله تعالى (فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾ [البقرة: ١٨٧] أي يجوز للإنسان المباشرة إلى الفجر ومن لازم ذلك أنه يصبح وهو جنب فالآية دلت على هذا الحكم عن طريق اللازم.
(٢) سيأتي في الملحق تعريف اللازم والخلاف بين المناطقة وغيرهم فراجعه فإنه مهم.
(٣) في كلام المؤلف ما يدل على أن لازم الحق حق إذا كان كلام الله وكلام ورسوله ﷺ أما غير الله والرسول فإن فيه تفصيلًا كما سيذكره بعد قليل وسيأتي التعليق على هذه الجملة وفي المسألة أقوال أخرى ستأتي في الملحق.
(٤) هذا هو الدليل الأول على اللازم من قول الله ﷿ والرسول ﷺ
(٥) هذا هو الدليل الثاني.
(٦) أي أن هذا اللازم يكون مرادًا وهنا يرد سؤال وهو: لماذا لم يقل المؤلف: أن اللازم من قول الله والرسول يكون قولًا؟ والجواب على ذلك: أ) إما أنه ليس له قصد في ذلك وأن مراده من ذلك ان لازم القول قول كما سيذكر بعد ذلك في تفصيل الحالات التي لغير الشارع. ب) أو أنه يقصد بذلك أن القول هو الكلام الحقيقي والله ورسوله لم يتكلما بهذا فلم يعبر به أما غير الله ورسوله فقد درج الناس على التعبير بلازم القول قول أو ليس بقول وعلى هذا مشى الإمام شمس الدين السلمي ت سنة ٦٥٥هـ حيث قال في كتابه: فرائد الفوائد في اختلاف القولين لمجتهد واحد ص ٥٤ إن قال قائل إذا جاز أن ينسب إلى الله ورسوله ﷺ ما يقتضيه قياس قول الله تعالى وقول رسول الله ﷺ فكذلك ينسب إلى صاحب المذهب ما يقتضيه قياس قوله فالجواب أن ما دل عليه القياس في الشرع لا يجوز أن يقال إنه قول الله ولا قول رسول الله ﷺ وإنما يقال هذا دين الله ودين رسول الله ﷺ بمعنى أن الله تعالى دل عليه وكذلك رسوله ﷺ ا. هـ وأقول أن الخطب في هذا يسير لأننا إذا عبرنا في لازم قول الله ورسوله (الله عليه وسلم أنه قول فإننا لا نعني القول الحقيقي بل اللازم هو مفهوم إلا أنه في قوة المنطوق. قد ذكرنا فيما سبق أننا سنفصل هذه المسألة في الملحق.
[ ٩٣ ]
الفعلية (١) لمن يثبتها: يلزم من إثباتك الصفات الفعلية لله ﷿ أن يكون من أفعاله ما هو حادث (٢) فيقول المثبت: نعم وأنا ألتزم بذلك فإن الله تعالى لم يزل ولا يزال فعالًا لما يريد ولا نفاد (٣)
لأقواله وأفعاله كما قال تعالى ﴿قل لو كان البحر مدادًا لكلمات ربي لنفد البحر قبل ان تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددًا﴾ [الكهف: ١٠٩] وقال: ﴿ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم﴾ (٤)
[لقمان: ٢٧] وحدوث آحاد فعله تعالى لا يستلزم نقصًا في حقه.
_________________
(١) وسيأتي معنى الصفات الفعلية في القاعدة الخامسة من قواعد الصفات.
(٢) الحادث له معنيان: أ) بمعنى المخلوقات وليس هذا مراد المؤلف قطعًا فإن الله ﷿ بائن عن مخلوقاته وليست في ذاته شيء منها. ب) الحادث بمعنى المتجدد وهذا هو مراد المؤلف، الذي يرد فيه على نفاة الصفات الفعلية لله يقول المؤلف في شرحه على الواسطية (١/٥٤): إن الصفات الطارئة تسمى بالصفات الفعلية لأنها تتجدد وتحدث بحسب مقتضياتها وليس في هذا نقص ا. هـ أي أن حدوث الفعل لا يلزم منه حدوث الفاعل فإذا جئنا اليوم إلى الدرس أو العمل أو المسجد وفعلنا أفعالًا فلا يلزم من ذلك أننا لم نخلق إلا تلك الساعة فالوجود يسبق الفعل ونقول إن الله لم يزل ولا يزال فعالًا لكن أحاد أفعاله تتجدد وليس في هذا نقص بل هو كمال. ولهذا كان الرسول (الله عليه وسلم إذا نزل المطر قال (إنه حديث عهد بربه) أي أن خلق الله لهذا المطر متجدد وليس قديمًا لأنه قال: حديث عهد بربه فتجدد آحاد فعل الله كمال وسيأتي تفصيل المسألة في الملحق.
(٣) أي لا فناء لأقوال الله وأفعاله قاله الراغب في المفردات (٢/٦٤٦)، وانظر الوسيط في تفسير القرآن للواحدي (٣/١٧١)
(٤) يقول شيخ الإسلام في الفتاوى (٦/٢٩٩): فإن قيل: إذا قلتم: لم يزل متكلمًا بمشيئته لزم وجود كلام لا ابتداء له وإذا لم يزل متكلمًا وجب أن لا يزال كذلك فيكون متكلمًا بكلام لا نهاية له وذلك يستلزم وجود ما لا يتناهى من الحوادث فإن كل كلمة مسبوقة بأخرى فهي حادثة ووجود ما لا يتناهى محال قيل له: هذا الاستلزام حق وبذلك يقولون: إن كلمات الله لا نهاية لها كما قال تعالى: ﴿قل: لو كان البحر مدادًا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددًا﴾ .
[ ٩٤ ]
الحال الثانية: أن يذكر له ويمنع التلازم بينه وبين قوله مثل أن يقول النافي للصفات لمن يثبتها: يلزم من إثباتك أن يكون الله تعالى مشابهًا (١) للخلق في صفاته.
فيقول المثبت: لا يلزم ذلك لأن صفات الخالق مضافة إليه (٢) لم تذكر مطلقة (٣) حتى يمكن ما ألزمت (٤)
وعلى هذا فتكون مختصة به لائقة به كما أنك أيها النافي للصفات تثبت لله ذاتًا وتمنع أن يكون مشابهًا للخلق في ذاته فأي فرق بين الذات والصفات؟ وحكم اللازم في هاتين الحالين ظاهر (٥)
الحال الثالثة: أن يكون اللازم مسكوتًا عنه فلا يذكر بالتزام ولا منع فحكمه في هذه الحال أن لا ينسب إلى القائل (٦) لأنه يحتمل لو ذكر له أن يلتزم به أو يمنع التلازم ويحتمل لو ذكر له فتبين له لزومه وبطلانه أن يرجع عن قوله لأن فساد اللازم يدل على فساد الملزوم.
_________________
(١) الأولى أن يعبر (مماثلًا) لكن يقول الشيخ أنه كتب الكتاب قبل أن يثبت له الفرق بين المماثلة والمشابهة.
(٢) فيقال: علم الله، وسمع الله، والإضافة ضم الشيء إلى الشيء.
(٣) أي لم تذكر مطلقة من غير قيد بحيث يقال: علم وسمع وبصر وارادة.
(٤) ولا يمكن ذلك قطعًا لأن الصفة المطلقة عن الإضافة أو التخصيص أمر كلى لا يوجد إلا في الأذهان ويمتنع تحققه في الأعيان فلا يمكن ان يوجد اسم في الخارج إلا وهو مقيد بالإضافة أوالتخصيص وحينئذ لا يمكن أن يلزم مثبت صفة الله بأنه مشبه لأن بالإضافة يختص الرب بصفاته والمخلوق بصفاته. انظر شرح التدمرية للمؤلف ص ٥٨ من المخطوط
(٥) وجه ظهوره: أنه في الحالة الأولى التزم فنأخذ بلازم قوله وفي الحالة الثانية نفاها فلا نأخذ بلازم قوله.
(٦) ظاهر إطلاق المؤلف أن اللازم لا ينسب إلى القائل سواء كان اللازم حقًا أو باطلًا إلا أن تعليله يدل على أن مراده من ذلك، اللازم الباطل بدليل قوله إن فساد اللازم يدل على فساد الملزوم ويكون على هذا موافقًا لما اختاره شيخ الإسلام في هذه المسألة والإمام ابن القيم.
[ ٩٥ ]
ولورود هذين الاحتمالين (١) لا يمكن الحكم بأن لازم القول قول (٢)
فإن قيل (إذا كان هذا اللازم لازمًا من قوله: لزم أن يكون قولًا له) لأن ذلك هو الأصل لا سيما مع قرب التلازم قلنا: هذا مدفوع بأن الإنسان بشر وله حالات نفسية وخارجية توجب الذهول عن اللازم فقد يغفل أو يسهو أو ينغلق فكره أو يقول القول في مضايق المناظرات من غير تفكير في لوازمه ونحو ذلك (٣)
_________________
(١) . وهما: أ) يحتمل أنه لو ذكر له اللازم فإما أن: - يلتزم به وهذا يدخل في الحالة الأولى التي ذكرها المؤلف. - أو يمنع التلازم وهذا يدخل في الحالة الثانية التي ذكرها المؤلف كما سبق. ب - ويحتمل أن يتبين لزومه فيرجع عن قوله. وبهذا يكون هناك ثلاثة احتمالات هي: - يلتزم باللازم - يمنع التلازم - يرجع عن قوله لبطلان اللازم.
(٢) لازم القول قول أو ليس بقول يرادف لازم المذهب مذهب أو ليس بمذهب هذا هو المعروف في كتب أهل العلم ولهذا يقول الشيخ بكر أبو زيد في المدخل (١/٢٦٧) مضى طرق معرفة المذهب من جهة قول الإمام والآن إلى معرفة المذهب اصطلاحًا من جهة لازم قول الإمام ويقال: " لازم المذهب من قول الإمام: هل يكون قولًا ومذهبًا له أو لا؟ " ا. هـ والشاهد هو أنه لم يفرق بين لازم المذهب ولازم القول ٠٠ إلا أني وجدت الإمام شمس الدين السلمي في كتابه فوائد الفوائد ص٥٤ قد فرق بينهما حيث سئل: هل يجوز أن ينسب إلى الشافعي قول خرج على قوله؟ فأجاب: لا يجوز أن ينسب إلى الشافعي ما خرج على قوله فيجعل قولًا له لما قدمناه في مسألة النقل والتخريج ومن أصحابنا من قال بجواز ذلك والصحيح هو الأول ثم قال: فعلى هذا يجوز أن يقال في مثل هذا: هذا مذهب الشافعي ولا يقال: هذا قول الشافعي ا. هـ.
(٣) وهناك أدلة أخرى هي: أننا لو التزمنا بذلك لأدى إلى تكفير كثير من العلماء كتكفير من قال عن الاستواء أو غيره أنه مجاز وليس بحقيقة لأن لازم هذا القول يستلزم التعطيل والأخذ بقول غلاة الملاحدة. انظر التخريج د. يعقوب الباحسين، والفتاوى (٢/٢١٧) ويقول شيخ الإسلام في الفتاوى (٥/٣٠٦):
[ ٩٦ ]