أو الغلاف فلو بعت الكتاب يفهم المشتري دخول الغلاف فيه ولو أردت بعد ذلك أن تستثني الغلاف لاحتج عليك بدلالة لفظ الكتاب على دخول الغلاف (١)
وسميت بدلالة تضمنية لكون الجزء في ضمن المعنى الموضوع له (٢)
والإضافة في دلالة التضمن ودلالة الالتزام من إضافة المسبب إلى السبب (٣)
والعلاقة بين المطابقة والتضمنية العموم والخصوص المطلق فإذا وجدت التضمنية وجدت المطابقية دون العكس لجواز أن يكون المعنى بسيطًا لا جزء له، فتوجد المطابقية دون التضمنية (٤)
الثالث: دلالة الالتزام: وهي دلالة اللفظ على خارج عن مسماه لازم له لزومًا ذهنيًا بحيث يلزم من فهم المعنى المطابقي فهم ذلك الخارج اللازم
مثاله: دلالة الأربعة على الزوجية لأن معنى الزوجية في الاصطلاح هي الانقسام إلى متساويين (٥)
ومعنى الالتزام: إن المعنى قد استلزم ذلك الأمر الخارج عنه. (٦)
س: ما مرادنا من قولنا فيما سبق في دلالة الالتزام (لزومًا ذهنيًا)؟
سيتضح الجواب على ذلك من خلال التوضيح التالي:
اللازم لغة: هو ما يمتنع انفكاكه عن الشيء (٧)
_________________
(١) المنطق لمحمد المظفر ص ٣٨
(٢) شرح الخبيصي (١/٨٨)
(٣) حاشية الصبان على الملوي ص ٥٣
(٤) المرشد السليم لعوض حجازي ص٤٧
(٥) مذكرة الشنقيطي ص١٤
(٦) المنطق المفيد للبهنسي ص١٥
(٧) شرح القاموس للزبيدي (٩/٥٩)، التوقيف على مهمات التعاريف للمناوي ص٦١٥.
[ ١٠٤ ]
أما اللازم اصطلاحًا فهو يختلف بحسب الأبواب:
فاللازم عند النحاة هو الذي يطلق على غير المتعدي وقد سبق توضيح ذلك عند الكلام على القاعدة الثالثة من قواعد الأسماء والصفات في الكتاب.
واللازم عند علماء البديع هو الإعنات والتشديد ويسمى بلزوم ما لا يلزم (١) وهو أن يلزم الشاعر أو الناثر نفسه بما ليس يلازم بحيث يريد أن يأتي بالسجع مثلًا فيلزم نفسه بحرف قبل حرف السجع مع انه ليس بلازم للسجع (٢)
ومن أمثلة هذا القسم قوله تعالى ﴿فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر﴾ فالراء بمنزلة حرف الروي وقد جيء قبلها في الفاصلتين بالهاء وهو ليس بلازم لتحقق السجع (٣)
ومثال آخر ﴿ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك﴾ (٤)
وإلى ذلك أشار السيوطي في ألفيته:
والحرف من قبل الروى يلزم فسمه لزوم ما لا يلزم
كقوله تقهر وتنهر صدركا وزرك ظهرك وبعد ذكركا (٥)
واللازم عند الفقهاء هو كون العقد إذا وقع فإنه لا يمكن رفعه بإطلاق
واللازم عند المناطقة هو عبارة عن امتناع الانفكاك عن الشيء وما يمتنع انفكاكه عن الشيء يسمى لازمًا وذلك الشيء ملزومًا (٦)
وينقسم اللازم إلى أنواع:
_________________
(١) ميزان الذهب في شعر العرب للهاشمي ص١٤٠
(٢) نهاية الأرب للنويري (٧/١١٣)
(٣) المطول في شرح تلخيص المفتاح للتفتازاني ص٤٥٩
(٤) انظر كتاب الفاصلة في القرآن لمحمد الحسناوي ص٢٧٦
(٥) عقود الجمان للسيوطي (٢/١٨٩) .
(٦) كشاف اصطلاحات الفتوى للتهانوي (٤/٨٩) .
[ ١٠٥ ]
اللازم العقلي: وهو ما لا يمكن للعقل تصور خلاف اللازم كالبياض للأبيض ما دام أبيض، وكالزوجية للأربعة كما سبق
اللازم العرفي: أي أن العقل لا يحكم به إلا بعد ملاحظة الواقع وتكرر مشاهدة اللزوم فيه دون أن يكون لدى العقل ما يقتضي هذا اللزوم.
ونجد هذه الدلالة الالتزامية بنسبة وافرة جدًا في الكلام العربي، ونجدها في نصوص القرآن والسنة، وعن طريقها ترتقي البلاغة الكلامية ارتقاءً عظيمًا، فمن الكلام العربي قول الشاعر يصف ممدوحه:
طويل النجاد رفيع العماد *** كثير الرماد إذا ما شتا
فقد دل بطول نجاده - وهو حمائل سيفه - على طول قامته، ودل بارتفاع عماده على عظم بيته وارتفاع مكانته، ودلًّ بكثرة رماده على جوده، لأن كثرة الرماد عند العرب تدل على كثرة الطبخ، وهذه تدل على كثرة الآكلين، وكثرة الآكلين عنده تدل على جوده، وكل هذه لوازم عرفية لا عقلية.
ومن الشواهد القرآنية قول الله تعالى في سورة (التغابن ٦٤):
﴿وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم﴾
فإن قوله تعالى: ﴿فإن الله غفور رحيم﴾ الواقع في جواب الشرط يدل عن طريق الدلالة الالتزامية على أن الله يغفر لكم ويرحمكم إن أنتم عفوتم وصفحتهم وغفرتم، مع أن هذا المعنى غير مدلول عليه بمنطوق اللفظ
ولكن يلزم من كون الله غفورًا رحيمًا أن يكافئ أهل العفو والصفح والمغفرة بالرحمة والغفران ولذلك حصل الاكتفاء في جواب الشرط بذكر هذين الوصفين دون التصريح بلازمهما، ونظير هذا في القرآن الكريم كثير جدًا (١)
_________________
(١) ضوابط المعرفة للميداني ص٣١
[ ١٠٦ ]
وينقسم اللازم أيضًا إلى:
١ - لازم في الذهن والخارج معًا.
٢ - لازم في الذهن فقط.
٣ - لازم في الخارج فقط (١) .
مثال اللازم في الذهن والخارج معًا:
دلالة الأربعة على الزوجية التي هي الانقسام إلى متساويين فيلزم من فهم معنى الأربعة فهم أنها زوج أي منقسمة إلى متساويين فهذا لازم في الذهن كما ذكرنا ولازم في الخارج أيضًا والمراد بالخارج هنا: الواقع في نفس الأمر فالزوجية لازمة للأربعة في الذهن، وفي الواقع في نفس الأمر
ومثال اللازم في الذهن فقط:
دون الخارج لزوم البصر للعمى لأن معنى العمى بدلالة المطابقة هو سلب البصر فمعناه المطابقي مركب إضافي أي مركب من مضاف هو سلب ومضاف إليه وهو البصر. ولا يعقل سلب البصر حتى يعقل معنى البصر. فظهر أنه لا يفهم أحد معنى العمى حتى يفهم معنى البصر لأن معنى البصر جزء من معنى العمى، لأن معنى العمى مركب إضافي والبصر أحد جزأيه، وهذا اللازم إنما هو في الذهن فقط لا في الخارج، لأن العين التي توصف بالعمى انتفى عنها البصر ضرورة لما بين العمى والبصر من التنافي المعبر عنه بمقابلة العدم والملكة (٢)
_________________
(١) انظر المنتقى من فرائد الفوائد للمؤلف ص٧١، والتعريفات للجرجاني ص٢٢٦.
(٢) المراد من العدم والملكة هو: إثبات أو نفي ما من شأنه أن يتصف بهذه الصفة كـ " الإبصار " فالعدم هو " العمى " عمن يكون قابلًا لصفة " الإبصار " كالحيوانات المبصرة يصيبها " العمى " والمبصر هو " الملكة " الموصوف بالإبصار. أما ما يقابل ذلك فهو من لا يقبل " العدم والملكة " كالجدار والأرض وسائر الجمادات فإنها غير قابلة للصفة المذكورة " الإبصار " انظر الأجوبة المرضية لتقريب التدمرية لبلال الجزائري ص٨٣
[ ١٠٧ ]
ومثال اللازم في الخارج فقط: دلالة لفظ الغراب على السواد لأنه لا يوجد في الخارج غراب إلا هو متصف بالسواد ولكن هذا لا يفهم من فهم معنى الغراب لأن من لم ير الغراب قط، ولم يخبره أحد بلونه قد يتصور أن الغراب طائر أبيض فالسواد إنما يلزم الغراب في الخارج فقط. لا في الذهن. فدلالته عليه التزاميه عند الأصوليين والبيانيين وليست كذلك عند المنطقيين (١)
أمثلة توضح ما سبق:
١ - السيارة: هذه الكلمة تدل على جميع أجزائها بدلالة المطابقة ويدل على العجلات فقط بالتضمن ويدل على البطارية وحدها بالتضمن ويدل على الذي صنعها بالالتزام أن لها صانعًا.
٢ - اشتريت دارًا: تدل على كل الدار بالمطابقة، ودلالتها على الحمام وحده بالتضمن، وعلى المجلس وحده بالتضمن، وهكذا، ودلالته على أن هناك شخصًا بناه بالالتزام.
أمثلة على الأسماء الحسنى:
ذكر المؤلف مثالًا لاسم الخالق ونذكر مثالًا أخر لاسم الرحمن:
فيدل على الذات وعلى صفة الرحمن بالمطابقة ويدل على الذات وحدها وعلى صفة الرحمة وحدها بالتضمن ويدل على الحياة والعلم والقدرة التزامًا لأنه لا توجد رحمة بدون حياة الراحم وعلمه وقدرته
يقول ابن القيم في النونية:
ودلالة الأسماء أنواع ثلاث كلها معلومة ببيان
دلت مطابقة كذاك تضمنًا وكذا التزامًا واضح البرهان
أما مطابقة الدلالة فهي أن الاسم يفهم منه مفهومان
ذات الإله وذلك الوصف الذي يشتق منه الاسم بالميزان
_________________
(١) مذكرة الشنقيطي ص١٥
[ ١٠٨ ]
لكن دلالته على إحداهما بتضمن فافهمه فهم بيان
وكذا دلالته على الصفة التي ما اشتق منها فالتزام دان
وإذا أردت لذا مثالًا بينا فمثال ذلك لفظة الرحمن
ذات الإله ورحمة مدلولها فهما لهذا اللفظ مدلولان
إحداهما بعض لذا الموضوع فهي تضمن ذا واضح التبيان
لكن وصف الحى لازم ذلك المعنى لزوم العلم للرحمن
فلذا دلالته عليه بالتزام بين والحق ذو تبيان
ثانيًا: لازم المذهب:
ذكرنا معنى اللازم فيما سبق:
والمقصود بلازم القول: ما يلزم من ثبوت القول ثبوته عقلًا أو شرعًا أو لغة ولم يذكر في الكلام كما سبق أن ذكرنا.
واللازم قد يكون واضحًا بينًا وقد يكون خفيًا فاللازم الخفي هو الذي يحتاج في إثبات لزومه لغيره إلى دليل كلزوم الحدوث للعالم فلا يجزم بالحدوث إلا بدليل وإن اختلفوا في نوع الدليل فالمتكلمون يستدلون بأنه متغير وكل متغير حادث وأما القرآن فيستدل بحدوثه بقوله تعالى: ﴿أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون﴾ والشاهد من الآية واضح.
وأما اللازم البين الواضح فهو الذي لا يحتاج في إثبات لزومه لغيره إلى دليل.
مثاله: لزوم الشجاعة للأسد والفردية للثلاثة فإن لزوم هذين لملزوميهما لا يفتقر إلى دليل.
وينقسم اللازم البين إلى قسمين:
أ - لازم بين بالمعنى الأخص وهو ما يكفى فيه تصور الملزوم فقط للجزم باللزوم بينه وبين اللازم ٠
[ ١٠٩ ]
مثاله: الزوجية للأربعة فإذا تصورنا الأربعة جزمنا بالزوجية.
ب - لازم بين بالمعنى الأعم وهو ما لابد فيه من تصور الملزوم واللازم حتى نجزم باللزوم بينهما.
مثاله: لزوم مغايرة الإنسان للفرس فلا يلزم من تصور الإنسان تصور مغايرته للفرس بل إذا تصورت الإنسان وتصورت الفرس تجزم بلزوم المغايرة بينهما.
ويشترط المحققون من المناطقة في اللازم أن يكون بينًا بالمعنى الأخص لا غيره وسيأتي الأقوال الأخرى في المسألة.
انظر تحرير المقال فيما تصح نسبته للمجتهد من الأقوال د. عياض ص ٨٨ والمنطق الوافي لحسن حنبل (١/٢٠) وشرح السلم للجندي ص ١٣
مثال للازم:
اختلف الفقهاء في الإقالة هل هي فسخ أو بيع.
والإقالة: هي أن يقيل البائع المشتري أو المشتري البائع فلا يلزم أحدهما الآخر بالعقد بل له أن يفسخه.
فمذهب الحنابلة أنه فسخ كما في الشرح الممتع للشيخ ابن عثيمين (٨/٣٨٢) ومذهب المالكية أنه بيع كما في شرح الخرشي على خليل (٥/١٦٦) والإشراف على مذاهب الخلاف للقاضي عبد الوهاب (١/٢٨٢)
ويترتب على هذا الخلاف أمور ذكرها ابن رجب في القواعد ص ٣٧٩، و(٣/٣٠٩) من الطبعة التي حققها مشهور آل سلمان.
فمن قال إنه بيع يلزم منه أنه يشترط له شروط البيوع ومن قال إنه فسخ فإنه لا يشترط ذلك.
وانظر أمثلة أخرى في كتاب تحرير المقال د. عياض السلمي ص ٨٨ ونشر البنود على مراقي السعود للعلوي (١/١١٠)
[ ١١٠ ]