ذكر المؤلف كلمة الذات كما سبق وقلنا إن لها معاني حسب أصل الكلمة وهي:
١ - إما أن تكون (ذات) مؤنث ذو الذي هو بمعنى صاحب فتكون ألفها مبدلة من الواو.
وعلى هذا المعنى وقعت (ذات) مضافة إلى الجهات، وإلى الأزمان وإلى غيرهما، وتجرى مجرى الصفة لموصوف يدل عليه السياق مثل:
[ ٧٣ ]
أ - قوله تعالى ﴿ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال﴾ في سورة الكهف على تأويل جهة.
ب - نقول: لقيته ذات ليلة وذات صباح على تأويل المقدر ساعة أو وقت وجرت مجرى المثل في ملازمتها هذا الاستعمال.
ج - ومن أمثلة استخدامها بمعنى صاحبة قولنا: امرأة ذات مال أي صاحبة مال.
٢ - ويجوز أن تكون ذات أصلية الألف كما يقال: أنا أعرف ذات فلان فالمعنى: حقيقة الشيء وماهيته كقول الشاعر:
وذلك في ذات الإله وإن يشأ *** يبارك على أوصال شلو ممزع
وهو أحد القولين في تفسير قوله تعالى ﴿وأصلحوا ذات بينكم﴾ كما ذكره أبو جعفر النحاس في معاني القرآن (٣/١٢٩)،
وابن عاشور في تفسيره (٩/٢٥٣) إلا أن هذا محمول على المجاز (١)
لا على حقيقة الذات التي هي ما يقابل الصفة ويرادف النفس إلا أن الاستعمال العرفي صار أن الذات تساوي النفس ونص الراغب في المفردات (١/٢٤٢) أن ذلك ليس من كلام العرب ونقله السمين الحلبي في عمدة الحفاظ (٢/٥٤) .
_________________
(١) عرف الشيخ ابن عثيمين في كتابه الأصول ص٢٥ المجاز بأنه اللفظ المستعمل في غير ما وضع له. وللناس في المجاز قولان: أ - ثبوته ب - نفيه وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه الإمام ابن القيم وسماه طاغوتًا كما في الصواعق ومختصره وأول من قال بإنكاره هو الاسفرائيني. ملاحظة: نسب بعض الفضلاء المعاصرين إلى الشنقيطي القول بثبوت المجاز في اللغة وإنكاره في القرآن وهذا يخالف ما ذكره في رسالته منع جواز المجاز المطبوع مع أضواء البيان (١٠/٨) حيث قال: أما على القول بأنه لا مجاز في اللغة أصلًا وهو الحق فعدم المجاز في القرآن واضح ا. هـ. وانظر رسالة المجاز في اللغة والقرآن الكريم د. عبد العظيم المطعني وإمتاع العقول بروضة الأصول لعبد القادر الحمد ص٢٧.
[ ٧٤ ]
وذهب أكثر المفسرين إلى أن المراد من قوله تعالى ﴿وأصلحوا ذات بينكم﴾ أي حال بينكم كما ذكره الشهاب على البيضاوي (٤/٤٣١)، والخازن في تفسيره (٢/٢٩٠)، والجاوي في تفسيره المسمى بمراح لبيد (١/٣١٤) وانظر مجمع بحار الأنوار للكجراتي (٢/٢٥٢)، وكشاف اصطلاح الفنون للتهانوي (٢/١٦٣)، وانظر الخلاف في تفسيره بالحقيقة والحال في مجمع البيان للطبراسي (٤/٤٢٦)
وتطلق الذات بمعنى التي على لغة طي كما قال ابن مالك:
وكالتي أيضًا لديهم ذات
وننقل ما قاله الشيخ ابن عثيمين في شرحه لصحيح البخاري وهو مخطوط ص ٦٧:
أما الذات فالذات كلمة اختلف فيها علماء اللغة هل هي فصيحة من العربية أو هي مولدة وليست بعربية؟ وأكثر المحققين على أنها مولدة وليست من العربية في شيء وإنما هي من مصطلح أهل الكلام (١) جعلوها بدلًا عن كلمة النفس فيقول مثلًا جاء زيد نفسه أو جاء زيد ذاته يجعلونها بدلًا عنها ولكنها ليست من كلام العرب العرباء كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لأن اصهلا في اللغة لا تستعمل بمعنى النفس وهي في اللغة العربية تستعمل استعمالات متعددة منها: -
١ - أن تكون بمعنى صاحبة كما لو قلت تزوجت امرأة ذات علم أي صاحبة علم ويقابلها في المذكر ذو علم لو قلت اتصل بي رجل ذو علم أي صاحب علم.
تستعمل بمعنى التي عند طيه، طي أصحاب الشمال، جبل طي
_________________
(١) قال المحبي في كتابه قصد السبيل فيما في اللغة العربية من الدخيل (٢/٥١) نقلًا عن ابن برهان انه لا يصح إطلاق ذات على الله وان هذا جهل من المتكلمين. وقال النووي في تهذيب اللغات (٢/١١٣) ان هذا الإنكار منكر بل الذي قاله المتكلمون صحيح ا. هـ
[ ٧٥ ]
يجعلون الذات بمعنى التي كما يجعلون ذو بمعنى الذي وعليه قول الشاعر:
فإن الماء ماء أبي وجدي وبئري ذو حفرت وذو طويت
أي بئري الذي حفرت والذي طويت ويقال جاءت ذات أرضعت ولدها أي التي أرضعت ولدها.
٢ - تأتي بمعنى جهة ومن ذلك قوله تعالى ﴿ونقلبهم ذات اليمن وذات الشمال﴾ أي جهة اليمين وجهة الشمال ويمكن أن يحمل عليها قول خبيب ﵁ وذلك في ذات الإله وقول إبراهيم ﵊ أو قول النبي ﷺ في إبراهيم كذب ثلاث كذبات في ذات الله أي في جهته والمراد في سبيله وطاعته فتكون بمعنى الجهة.
٣ - ان تكون زائدة للتوكيد توكيد التنكير مثل قدمنا مكة ذات يوم فوجدنا المسجد خفيفًا قوله ذات يوم هذه زائدة لتوكيد التنكير فلو قلنا قدمنا مكة يومًا فوجدنا المسجد خفيفًا استقام الكلام وهذا يوجد كثيرًا في الحديث خرجنا مع النبي ﷺ ذات يوم ذات ليلة وما أشبه ذلك.
هذه أربعة معان للذات في اللغة العربية أما ذات بمعنى نفس الشيء وحقيقة فهذه اختلف فيها علماء اللغة العربية فمنهم من أنكر استعمالها في هذا المعنى ومنهم من أجازها وظاهر صنيع البخاري ﵀ جواز استعمالها بمعنى النفس فإذا قال قائل ما العلاقة بين هذا الاستعمال وبين المعنى الأصلي في اللغة العربية؟ قلنا المعنى الأصلي في اللغة العربية أن تأتي بمعنى صاحبة فهم يقولون ذات علم أي صاحبة علم والله تعالى ذو علم فأصلها مضارع لكن حذف المضاف ثم بقيت نكرة فعرفت بأل ولهذا
منع بعض العلماء أن تقول ذات بالنسبة لله (١)، لماذا؟ لأن التاء للتأنيث ولا يجوز استعمال الكلمة المؤنثة بالتاء ولو للمبالغة ولهذا لا يجوز أن تقول إن الله علامة ويجوز أن تقول إن هذا الرجل علامة
_________________
(١) وهو قول ابن برهان كما نقله المحبي في قصد السبيل (١/٥١)
[ ٧٦ ]
أما الله فتقول علام الغيوب فأنت إذا أتيت بذات تريد الرب ﷿ فإن هذا يعني تأنيث ما يضاف إلى الله وهذا لا يجوز لكن هذا خلاف استعمال جمهور علماء المحققين.