الإحصاء له عدة معان في اللغة العربية وهي:
١ - أن العرب تعبر عن كثرة الشيء وسعته بالحصى يقال: عنده حصى من الناس أي جماعة وقال الشاعر: " ولسنا إذا عد الحصى بأقله "
٢ - (أن) يقال حصيت إذا عددته وأحصيته إذا ميزت بعضه من بعض
٣ - الحصاة العقل قال الشاعر
وأن لسان المرء ما لم تكن له حصاة على عوارته لدليل
٤ - (أن) يقال أحصيت الشيء إذا أطقته واتسعت له وقال الله عز اسمه: ﴿علم أن لن تحصوه فتاب عليكم﴾ [المزمل: ٢٠] أراد والله أعلم - لن تطيقوه.
أما معنى إحصاء الأسماء فقد اختلف الأئمة فيه على أقوال:
١ - أن المراد بالإحصاء هو حفظها وهذا القول هو الذي استظهره الخطابي في كتابه شأن الدعاء ص ٢٦ فقال: أظهرها الإحصاء الذي هو بمعنى العد يريد: أنه يعدها ليستوفيها حفظًا فيدعو ربه بهما كقوله تعالى (وأحصى كل شيء عددًا) .
وبهذا القول قال القرطبي في المفهم (٧/١٧) وقدمه البغوي في شرح السنة (٣/٧٥) والسنوسي والأبي في شرح مسلم (٧/١١٦)، والعيني على البخاري (٢/٢٣) .
[ ١٣٦ ]
واستظهر هذا القول أيضًا الإمام النووي وعزاه في شرح مسلم (١٧/٥) إلى البخاري والمحققين، وقال في كتابه الأذكار ص ١٤٧ أنه قول الأكثرين وكذا عزاه الطيبي في شرح المشكاة (٥/٨) إلى البخاري والأكثرين وبه قال العثماني في تكملة فتح الملهم على صحيح مسلم (٥/٥٣٧) .
وعزاه السندي في شرح سنن ابن ماجه (٤/٢٧٩) إلى المحققين، وعزاه ملاقاري في شرح المشكاة (٥/٧٣) إلى الأكثرين واستدلوا على هذا القول بما رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رواية (لله تسعة وتسعون اسمًا مائة إلا واحدًا لا يحفظها أحد إلا دخل الجنة) ا. هـ وانظر شرح السيوطي على صحيح مسلم (٦/٤٥) .
قال ابن علان في شرح أذكار النووي (٣/٢٢٤):
وقال ابن حجر: ظاهر كلام البخاري والأكثرين حصول الجزاء المذكور في الخبر بمجرد حفظها، وفضل الله أوسع من ذلك ا. هـ
٢ - أن المراد بالإحصاء الإطاقة كقوله تعالى ﴿علم أن لن تحصوه﴾ [المزمل: ٢٠] والمعنى: من أطاق القيام بحق هذه الأسماء، والعمل بمقتضاها، وهو أن يعتبر معانيها، فيلزم نفسه بواجبها، فإذا قال: الرزاق، وثق بالرزق، وكذا سائر الأسماء ".
٣ - أن المراد بالإحصاء الإحاطة بمعانيها، من قول العرب: " فلان ذو حصاة، أي ذو عقل أو معرفة ".
٤ - أن " معنى (أحصاها) عرفها، لأن العارف بها لا يكون إلا مؤمنًا والمؤمن يدخل الجنة ".
٥ - أن " معناه عدها معتقدًا، لأن الدهري لا يعترف بالخالق والفلسفي لا يعترف بالقادر ".
٦ - أن معناه " أحصاها يريد بها وجه الله وإعظامه ".
٧ - أن " معنى (أحصاها) عمل بها، فإذا قال: (الحكيم) مثلًا، سلم جميع
[ ١٣٧ ]
أوامره، لأن جميعها على مقتضى الحكمة وإذا قال: (القدوس)، استحضر كونه منزهًا عن جميع النقائض " قال الحافظ: " وهذا اختيار أبي الوفا بن عقيل ".
٨ - أن " المراد بالحفظ حفظ القرآن، لكونه مستوفيًا لها، فمن تلاه ودعا بما فيه من الأسماء حصل المقصود " قال الحافظ: " قال النووي: وهذا ضعيف ".
٩ - أن " المراد من تتبعها من القرآن ".
١٠ - " وقال ابن عطية في تفسيره (٦/١٥٦): معنى أحصاها: عدها وحفظها، ويتضمن ذلك الإيمان بها، والتعظيم لها، والرغبة فيها، والاعتبار بمعانيها.
انظر هذه الأقوال في:
شروح البخاري للعيني، والكرماني والقسطلاني وابن حجر والسيوطي، وشرح مسلم للنووي والأبي والسنوسي، وشروح المشكاة للطيبي وملاقاري، وشأن الدعاء للخطابي وقد ذكرنا فيما سبق أرقام الصفحات وانظر منهج الحافظ ابن حجر في العقيدة (١/٥٤٦) .
واختار الإمام ابن القيم في البدائع (١/١٦٤) أن الإحصاء على ثلاثة مراتب هي:
١ - إحصاء ألفاظها وعددها.
٢ - فهم معانيها ومدلولها
٣ - دعاؤه بها.
وقال الشيخ ابن عثيمين في الفتاوى ص ٥٥
وليس معنى أحصاها أن تكتب في رقاع ثم تكرر حتى تحفظ ولكن معنى ذلك:
أولًا: - الإحاطة بها لفظًا
ثانيًا: - فهمها معنى
[ ١٣٨ ]
ثالثًا: - التعبد لله بمقتضاها ولذلك وجهان:
الوجه الأول: أن تدعو الله بها لقوله تعالى ﴿فادعوه بها﴾ بأن تجعلها وسيلة إلى مطلوبك، فتختار الاسم المناسب لمطلوبك، فعند سؤال المغفرة تقول: يا غفور اغفر لي، وليس من المناسب أن تقول: يا شديد العقاب اغفر لي بل هذا يشبه الاستهزاء بل تقول: أجرني من عقابك.
الوجه الثاني: أن تتعرض في عبادتك لما تقتضيه هذه الأسماء، فمقتضى الرحيم الرحمة، فاعمل العمل الصالح الذي يكون جليًا لرحمة الله، هذا هو معنى أحصاها، فإذا كان كذلك فهو جدير لأن يكون ثمنًا لدخول الجنة ا. هـ.
وانظر ما قاله الكرماني في شرح البخاري (٢٢/١٨٩)
وقال القرطبي في المفهم (٧/١٧):
والإحصاء في الكلام: على ثلاث مراتب
أولها: العدد، ومنه قوله تعالى ﴿وأحصى كل شيء عددًا﴾ [الجن:٢٨] والثانية: بمعنى الفهم، ومنه يقال: رجل ذو حصاة أي: ذو لب وفهم، ومنه سمي العقل.
والثالثة: بمعنى الإطاقة على العمل والقوة، ومنه قوله تعالى: ﴿علم أن لن تحصوه﴾ [المزمل: ٢٠] أي: لن تطيقوا العمل بذلك والمرجو من كرم الله تعالى، أن من حصل له إحصاء هذه الأسماء على إحدى هذه المراتب مع صحة النية أن يدخله الله الجنة.
لكن المرتبة الأولى: هي مرتبة أصحاب اليمين والثانية: السابقين والثالثة: للصديقين، ونعني بإطاقتها حسن المراعاة لها، والمحافظة على حدودها والاتصاف بقدر الممكن منها، كما أشار إليه الطوسي في " المقصد الأسنى " ا. هـ.