قبل أن نذكر الخلاف في المسألة لابد أن نحرر محل النزاع كما ذكر المؤلف سابقًا.
١ - لازم قول الله ﷿ ولازم قول الرسول ﷺ قول لأن لازم قولهما حق كما سبق.
٢ - إذا التزم القائل باللازم أصبح قولًا له وإذا لم يلتزمه لم يكن قولًا له وقد سبق ذلك
٣ - إذا سكت عن اللازم فهل يكون قولًا أو مذهبًا له أم لا؟
اختلف في هذا على أربعة أقوال: -
الأول: أنه ليس مذهبًا له وقد سبق أدلة ذلك
قال الشاطبي في الاعتصام (٢/٦٤):
ولازم المذهب: هل هو مذهب أو لا؟ هي مسألة مختلف فيها بين أهل الأصول. والذي كان يقول به شيوخنا البجائيون والمغربيون ويرون أنه رأى المحققين أيضًا: أن لازم المذهب ليس بمذهب.
الثاني: أن لازم المذهب مذهب وهو قول الأثرم والخرقي
انظر الفتاوى (٣٥/٢٨٩)، والتخريج د. يعقوب ص ٢٩٠
الثالث: إن لازم المذهب إن كان قريبًا فهو مذهب، وإن كان بعيدًا فليس مذهبًا.
وقال الكوثري فيما نقله عنه السقاف في شرح العقيدة الطحاوية ص٣٦٤
" وهذا الاستلزام بين وما يقال من أن لازم المذهب ليس بمذهب إنما هو فيما إذا كان اللزوم غير بين، فاللازم البين لمذهب العاقل مذهب له، وأما من يقول بملزوم مع نفيه للازمه البين فلا يُعَدُّ هذا اللازم مذهبًا له لكن يسقطه هذا النفي من مرتبة العقلاء إلى درك الأنعام وهذا هو التحقيق في لازم المذهب . " انتهى ما أردنا نقله ٠
[ ١١١ ]
الرابع: التفصيل وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال في الفتاوى (٢٩/٤٢): لازم قول الإنسان نوعان:
أحدهما: لازم قوله الحق فهذا مما يجب عليه أن يلتزمه فإن لازم الحق حق ويجوز أن يضاف إليه إذا علم من حاله أنه لا يمتنع من التزامه بعد ظهوره وكثير مما يضيفه الناس إلى مذهب الأئمة من هذا الباب.
والثاني: لازم قوله الذي ليس بحق فهذا لا يجب التزامه إذ أكثر ما فيه أنه قد تناقض وقد ثبت أن التناقض واقع من كل عالم غير النبيين ثم أن عرف من حاله أنه يلتزمه بعد ظهوره له فقد يضاف إليه وإلا فلا يجوز أن يضاف إليه قول لو ظهر له فساده لم يلتزمه لكونه قد قال ما يلزمه وهو لا يشعر بفساد ذلك القول ولا يلزمه.
وهذا القول هو ظاهر كلام الشيخ ابن عثيمين في الكتاب للتعليل الذي ذكره كما سبق أن وضحنا وهذا هو الصواب لأمور
١ - أن لازم القول الصحيح حق فلا تمتنع إضافته إلى المجتهد إذ لا ضرر يلحقه في ذلك.
أما اللازم الباطل فلو صحت نسبته للزم تكفير كثير من العلماء كما سبق.
٢ - أن التناقض ليس مستحيلًا على المجتهد لكثرة وقوعه كما سبق أن نقلنا عن شيخ الإسلام في ذلك
٣ - القول بأن لازم المذهب ليس مذهبًا على الإطلاق يتعارض مع ما صنعه علماء المذاهب الأربعة من استنتاج مذاهب الأئمة من فتاواهم بطريق التلازم بين ما أفتوا فيه وسكتوا عنه.
٤ - إن كثيرًا من اللوازم التي يحكيها العلماء هي ليست لوازم في الحقيقة ولهذا يقول ابن القيم في مختصر الصواعق ص ٥٧٩
فيا لله كيف لا يستحي العاقل من المجاهرة بالكذب على أئمة الإسلام لكن عذر هذا وأمثاله أنهم يستجيزون نقل المذاهب عن الناس بلازم
[ ١١٢ ]
أقوالهم، ويجعلون لازم المذهب في ظنهم مذهبًا، كما نقل بعض هؤلاء المباهتين أن مذهب أحمد بن حنبل وأصحابه أن الله لا يرى يوم القيامة، قال لأنه يقول أنه لا يرى إلا الأجسام وقد قام الدليل على أنه ﷾ ليس بجسم، فلا يكون مرئيًا على قولهم، ونقل هذا أيضًا أن مذهبهم أن الله تعالى يجوز أن يتكلم بشيء ولا يعنى به شيئًا إلزامًا لهم من قولهم إنه لا يعلم تأويل المتشابه إلا الله وبهذا القول الباطل الذي لم يقله أحد من أهل الأرض وكما نقل هذا أو غيره من أهل البهتان أن مذهبهم أن الله جسم إلزامًا لهم بقولهم إن الله مستو على عرشه فوق سمواته بائن من خلقه موصوف بصفات الكمال ا. هـ.
وانظر تحرير المقال د. عياض ص ٩٢، ومنهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد (٢/٧٢)
وأختم الكلام في هذا بما قال الإمام ابن القيم في النونية.
ولوازم المعنى تراد بذكره
وسواه ليس بلازم في حقه
إذقد يكون لزومها المجهول أو
لكن عرته غفلة بلزومها
ولذاك لم يك لازمًا لمذاهب
فالمقدمون على حكاية ذاك
لا فرق بين ظهوره وخفائه
سيما إذا ما كان ليس بلازم
لا تشهدوا بالزور ويلكم على
بخلاف لازم ما يقول إلهنا
****
****
****
****
****
****
****
****
****
****
من عارف بلزومها الحقان
قصد اللوازم وهي ذات بيان
قد كان يعلمه بلا نكران
إذ كان ذا سهو وذا نسيان
العلماء مذهبهم بلا برهان
مذهبهم أولو جهل مع العدوان
قد يذهلون عن اللزوم الداني
لكن يظن لزومه بجنان
ما تلزمون شهادة البهتان
ونبينا المعصوم بالبرهان
والمؤلف ﵀ يقول: بأن لوازم المعنى لا تكون مقصودة عند ذكره إلا ممن يعرف لزومها له، فهذا هو الذي يمكن أن يؤخذ بما يلزم ما يثبته من معان، وأما غيره ممن يجهل اللزوم بينهما فليس بلازم في حقه القصد إلى اللوازم عند ذكر المعنى مهما تكن اللوازم بينة واضحة، إذ قد
[ ١١٣ ]
يكون لزومها مجهولًا له، أو يكون معلومًا ولكن أصابته غفلة عن ذلك اللزوم بسبب كثرة سهوه ونسيانه، ولذلك قرر العلماء بأن لازم المذهب لا يكون مذهبًا بلا حجة ولا برهان، وأن من حكى ذلك عنهم فهو من أجهل الجهل والعدوان، ولا فرق في ذلك بين اللوازم الظاهرة واللوازم الخفية، فإن الإنسان قد يذهل عن اللازم القريب وهذا الحكم إنما هو بالنسبة إلى اللوازم التي ثبت لزومها، أما ما ليس بلازم في الحقيقة ولكن يظن الذهن لزومه فهذا أولى أن لا يعتبر لازمًا فلا تشهدوا أيها المعطلة على ما تلزموننا به شهادة زور وبهتان فترمونا بالقول بتلك اللوازم، وأنها مذهب لنا، مع أنا لم نقصدها ولم تخطر لنا في الأذهان عند إثبات الصفات للرحمن ا. هـ من شرح الشيخ خليل هراس (٢/٢٥٣) .
رابعًا: حلول الحوادث
تكلمنا فيما سبق عن حلول الحوادث في الذات الإلهية وذكرنا أنه لا يحل في الذات شيء من المخلوقات وإنما المراد من ذلك إثبات الصفات الفعلية التي تتجدد عند وجود مقتضياتها.
يقول شيخ الإسلام في الفتاوى (٦/٣٢٠) في الفرق بين الحادث والمخلوق
وإذا قالوا: نحن نسمى كل حادث مخلوقًا، فهذا محل نزاع، فالسلف وأئمة أهل الحديث وكثير من طوائف الكلام - كالهشامية والكرامية وأبي معاذ التومنى وغيرهم - لا يقولون: كل حادث مخلوق، ويقولون: الحوادث تنقسم إلى ما يقوم بذاته بقدرته ومشيئته ومنه خلقه للمخلوقات وإلى ما يقوم بائنًا عنه وهذا هو المخلوق لأن المخلوق لابد له من خلق، والخلق القائم بذاته لا يفتقر إلى خلق بل هو حصل بمجرد قدرته ومشيئته.
ويقول د. محمد الخميس في كتابه توضيح مصطلحات ابن تيمية ص ١٦: يقول ابن تيمية (والحادث ممكن ليس بواجب)
أقول: الحادث في الاصطلاح العام للمناطقة والمتكلمين ما وجد بعد
[ ١١٤ ]