من يقرأ كتاب الله ﷿ يلاحظ اقتران أسماء الله الحسنى بعضها ببعض نحو الغنى الحميد والسميع البصير فما سر هذا الاقتران؟
إن كل اسم من أسماء الله تعالى يتضمن صفة من صفاته سبحانه وكل صفة من صفاته صفة كمال فإذا اقترنت صفة كمال بصفة كمال أخرى نشأ عن ذلك كمال آخر غير الكمال الذي يدل عليه الاسم الواحد والصفة الواحدة مثال ذلك (الغفور الرحيم) فالمغفرة صفة كمال والرحمة صفة كمال آخر واقتران مغفرته برحمته كمال ثالث فيستحق سبحانه الثناء على مغفرته والثناء على رحمته والثناء على اجتماعهما
أضف إلى ما سبق أن اقتران الصفات الإلهية ببعضها كمال عظيم ينشأ منه خير وفضل يحتاجه ويفيد منه العباد، كاقتران الغنى بالكرم مثلًا في قوله تعالى (فإن ربي غني كريم) [النمل: ٤٠] إذ من المعلوم أنه ليس كل غني كريمًا وليس كل كريم غنيًا وإنك لن تفيد من الغني إذا كان بخيلًا ولا من الكريم إذا كان فقيرًا وليس هناك من غني كريم غناه تام وكرمه تام إلا الله تعالى الأمر الذي يدفع بالعبد إلى الاعتماد عليه سبحانه وحده ورجائه دون غيره.
_________________
(١) من معالم التوحيد د. مروان القيسي ص ٢٠٩
[ ٥٢ ]
إن ما سبق ليس سوى توضيح للكمال الذي ينشأ من اقتران الغنى بالكرم ولا ريب أن هناك كمالات أخرى عظيمة تنشأ من اقتران أسماء إلهية أخرى بعضها ببعض.
ومما ورد ذكره من الأسماء الحسنى مقترنا في القرآن الكريم:
١ - الله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين: الفاتحة
٢ - الله أحد الله الصمد: الإخلاص
٣ - البر الرحيم: الطور:٢٨
٤ - التواب الرحيم: البقرة: ١٢٨
٥ - الحق المبين: النور: ٢٥
٦ - الحكيم الحميد: فصلت: ٤٢
٧ - الحكيم الخبير: الأنعام: ١٨
٨ - الحكيم العليم: الحجر: ٢٥
٩ - الحليم الغفور: الإسراء: ٤٤
١٠ - الحميد المجيد: هود: ٧٣
١١ - الحي القيوم: البقرة: ٢٥٥
١٢ - الخبير البصير: الإسراء: ١٧
١٣ - الخالق البارئ المصور: الحشر: ٢٤
١٤ - الخلاق العليم: الحجر: ٨٦
١٥ - الرب الرحيم: يس: ٥٨
١٦ - الرؤوف الرحيم: البقرة: ١٤٣
١٧ - الرحمن الرحيم: الفاتحة
١٨ - الرحيم الغفور: سبأ: ٢
١٩ - الرحيم الودود: هود: ٩٠
[ ٥٣ ]
٢٠ - السميع البصير: الشورى: ١١
٢١ - السميع العليم: آل عمران: ٣٤
٢٢ - السميع القريب: سبأ: ٥٠
٢٣ - الشاكر العليم: النساء: ١٤٧
٢٤ - الشكور الحليم: التغابن: ١٧
٢٥ - العليم الحليم: الحج: ٥٩
٢٦ - العليم الحكيم: الأنفال: ٧١
٢٧ - العليم القدير: الشورى: ٥٠
٢٨ - العليم الخبير: التحريم:٣
٢٩ - العفو الغفور: النساء: ٤٣
٣٠ - العفو القدير: النساء: ١٤٩
٣١ - العزيز الوهاب: ص: ٩
٣٢ - العزيز الحكيم: آل عمران: ٦٢
٣٣ - العزيز الحميد: إبراهيم: ١
٣٤ - العزيز الرحيم: الشعراء: ٢١٧
٣٥ - العزيز العليم: غافر: ٢
٣٦ - العزيز الغفور: الملك: ٢
٣٧ - العزيز الغفار: ص: ٦٦
٣٨ - العزيز المقتدر: القمر: ٤٢
٣٩ - العلي الحكيم: الشورى: ٥١
٤٠ - العلي الكبير: الحج: ٦٢
٤١ - العلي العظيم: الشورى: ٤
٤٢ - الغفور الحليم: آل عمران: ١٥٥
٤٣ - الغفور الشكور: الشورى: ٢٣
[ ٥٤ ]
٤٤ - الغفور الرحيم: البقرة: ٢١٨
٤٥ - الغني الكريم: النمل: ٤٠
٤٦ - الغني الحميد: البقرة: ٢٦٧
٤٧ - الغني الحليم: البقرة: ٢٦٣
٤٨ - الفتاح العليم: سبأ: ٢٦
٤٩ - القوي العزيز: هود: ٦٦
٥٠ - القريب المجيب: هود: ٦١
٥١ - اللطيف الخبير: الأحزاب: ٣٤
٥٢ - الملك الحق: طه: ١١٤
٥٣ - الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر: الحشر: ٢٣
٥٤ - الملك القدوس العزيز الحكيم: الجمعة: ١
٥٥ - المليك المقتدر: القمر: ٥٥
٥٦ - الواسع الحكيم: النساء: ١٣٠
٥٧ - الواسع العليم: آل عمران: ٧٣
٥٨ - الواحد القهار: الرعد: ١٦
٥٩ - الولي الحميد: الشورى:٢٨
ومما ورد ذكره من الأسماء الإلهية مقترنًا في السنة النبوية:
- التواب الغفور (١)
_________________
(١) لما رواه ابن عمر قال (إن كنا لنعد لرسول الله ﷺ في المجلس يقول: " رب أغفر لى وتب على إنك أنت التواب الغفور مائة مرة) أخرجه أحمد (٢/٢١) و(٢/٦٧) و(٢/٨٤) وصححه الألباني في " الأحاديث الصحيحة " (٥٥٦)
[ ٥٥ ]
- الرحيم الحيي الكريم (١)
- الحيي الستير (٢)
- العظيم الحليم (٣)
ولعل الله ييسر لمن يفرد بحثًا في توضيح وجه الكمال في اقتران الأسماء في الكتاب والسنة.
وللإمام ابن القيم كلام جميل في الحكمة من اقتران أسماء الله تعالى
وختم الآيات بها أنقلها للفائدة فقال: ﵀: " أمر سبحانه بتدبر كلامه والتفكر فيه، وفي أوامره ونواهيه وزواجره ولولا ما تضمنه من الحكم والمصالح والغايات المطلوبة والعواقب الحميدة، التي هي محل الفكر لما كان للتفكر فيه معنى وإنما دعاهم إلى التفكر والتدبر ليطلعهم ذلك على حكمته البالغة وما فيه من الغايات والمصالح المحمودة التي توجب لمن عرفها إقراره بأنه تنزيل من حكيم حميد.
فإن ما في خلق الله وأمره من الحكم والمصالح المقصودة بالخلق والأمر والغايات الحميدة أمر تشهد به الفطر والعقول ولا ينكره سليم الفطرة.
ويذكر تعالى هذين الاسمين عند ذكر مصدر خلقه وشرعه تنبيهًا على أنهما إنما صدرا عن حكمة مقصودة مقارنة للعلم المحيط التام لقوله: (وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم) [النمل: ٦]
وقوله: (تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم) [الزمر: ١]
_________________
(١) لقوله ﷺ: (إن الله رحيم حيي كريم يستحي من عبده أن يرفع إليه يديه ثم لا يضع فيهما خيرًا) أخرجه الحاكم عن أنس وهو في صحيح الجامع الصغير (١٧٦٨) .
(٢) رواه أبو داود برقم (٤٠١٢)، والنسائي (١/٧٠)، والبيهقي (١/١٩٨) .
(٣) لما رواه مسلم (٤٨/٨٣) عن ابن عباس (إن نبي الله ﷺ كان يقول عند الكرب لا إله إلا الله العظيم الحليم لا إله إلا الله رب العرش العظيم لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم) .
[ ٥٦ ]
فذكره العزة المتضمنة لكمال القدرة والتصرف، والحكمة المتضمنة لكمال الحمد والعلم.
وقوله: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالًا من الله والله عزيز حكيم) [المائدة: ٣٨]
وسمع بعض الأعراب قارئًا يقرؤها (والله غفور رحيم) فقال: ليس هذا كلام الله، فقال: أتكذب بالقرآن؟ فقال: لا ولكن لا يحسن هذا فرجع القارئ إلى خطئه فقال: (عزيز حكيم) فقال: صدقت
وإذا تأملت ختم الآيات بالأسماء والصفات وجدت كلامه مختتمًا بذكر الصفة التي يقتضيها ذلك المقام حتى كأنها ذكرت دليلًا عليه وموجبة له وهذا كقوله: (إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم) [المائدة: ١١٨] أي: فإن مغفرتك لهم مصدر عن عزة هي كمال القدرة لا عن عجز وجهل.
وقوله: (ذلك تقدير العزيز العليم) [يس: ٣٨وفصلت: ١٢والزخرف:٩] في عدة مواضع من القرآن يذكر ذلك عقيب ذكره الأجرام العلوية وما تضمنه من فلق الإصباح وجعل الليل سكنًا وإجراء الشمس والقمر بحساب لا يعدوانه وتزيين السماء الدنيا بالنجوم وحراستها وأخبر أن هذا التقدير المحكم المتقن صادر عن عزته وعلمه ليس أمرًا اتفاقيًا لا يمدح به فاعله ولا يثنى عليه به كسائر الأمور الاتفاقية
ومن هذا ختمه سبحانه قصص الأنبياء وأممهم في سورة الشعراء عقيب كل قصة: (وإن ربك لهو العزيز الرحيم) [الشعراء: ٩، ٦٨، ١٠٤، ١٢٢، ١٤٠، ١٥٩، ١٧٥، ١٩١] فإن ما حكم به لرسله وأتباعهم ولأعدائهم صادر عن عزة ورحمة فوضع الرحمة في محلها وانتقم من أعدائه بعزته ونجى رسله وأتباعهم برحمته والحكمة الحاصلة من ذلك أمر مطلوب مقصود وهي غاية الفعل لا أنها أمر اتفاقي.
وأخبر تعالى بأن حكمه أحسن الأحكام وتقديره أحسن التقادير ولولا
[ ٥٧ ]
مطابقته للحكمة والمصلحة المقصودة المرادة لما كان كذلك إذ لو كان حسنه لكونه مقدورًا معلومًا كما يقوله النفاة لكان هو وضده سواء فإنه بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير فكان كل معلوم مقدور أحسن الأحكام وأحسن التقادير وهذا ممتنع قال تعالى: (ومن أحسن من الله حكمًا لقوم يوقنون) [المائدة: ٥٠] وقال: (ومن أحسن دينًا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن) [النساء: ١٢٥] فجعل هذا أن يختار لهم دينًا سواه ويرتضي دينًا غيره كما يمتنع عليه العيب والظلم.
وقال تعالى: (ومن أحسن قولًا ممن دعا إلى الله وعمل صالحًا وقال إنني من المسلمين) [فصلت: ٣٣]
وقال: (فقدرنا فنعم القادرون) [المرسلات: ٢٣]
وقال: (فتبارك الله أحسن الخالقين) [المؤمنون: ١٤]
فلا أحسن من تقديره وخلقه لوقوعه على الوجه الذي اقتضته حكمته ورحمته وعلمه.
وقال تعالى: (ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت) [الملك: ٣]
ولولا مجيئه على أكمل الوجوه وأحسنها ومطابقتها للغايات المحمودة والحكم المطلوبة لكان كله متفاوتًا أو كان عدم تفاوته أمرًا اتفاقيًا لا يحمد فاعله لأنه لم يرده ولم يقصده وإنما اتفق أن صار كذلك.
وتأمل حكمه القرآن كيف جاء في الاستعاذة من الشيطان الذي نعلم وجوده ولا نراه بلفظ: السميع العليم (١) في الأعراف وحم السجدة
وجاءت الاستعاذة من شر الإنس الذين يؤنسون ويرون بالأبصار بلفظ السميع البصير في سورة حم المؤمن فقال: (إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ
_________________
(١) قال تعالى: (وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم) [الأعراف: ٢٠٠] وقال ﷿: (وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم) [فصلت: ٣٦] ٠
[ ٥٨ ]
بالله إنه هو السميع البصير) [غافر: ٥٦] لأن أفعال هؤلاء معاينة ترى بالأبصار وأما نزغ الشيطان فوساوس وخطرات يلقيها في القلب يتعلق بها العلم فأمر بالاستعاذة بالسميع العليم فيها وأمر بالاستعاذة بالسميع البصير في باب ما يرى بالبصر ويدرك بالرؤية. كما جرت عادة القرآن بتهديد المخاطبين وتحذيرهم بما يذكره من صفاته
التي تقتضي الحذر والاستقامة كقوله: (فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم) [البقرة: ٢٠٩] وقوله: (من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة وكان الله سميعًا بصيرًا) [النساء: ١٣٤]
والقرآن مملوء من هذا وعلى هذا فيكون في معنى ذلك أني أسمع ما يردون به عليك وما يقابلون به رسالاتي، وأبصر ما يفعلون، ولا ريب أن المخاطبين بالرسالة بالنسبة إلى الإجابة والطاعة نوعان: أحدهما قابلوها بقولهم: صدقت، ثم عملوا بموجبها، والثاني قابلوها بالتكذيب ثم عملوا بخلافها، فكانت مرتبة المسموع منهم قبل مرتبة البصر فقدم ما يتعلق به على ما يتعلق بالمبصر
اقتران الواسع بالعليم:
قال تعالى: (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم) [البقرة: ٢٦١]
وقد ختم الآية باسمين من أسمائه الحسنى مطابقين لسياقها وهما الواسع والعليم فلا يستبعد العبد هذه المضاعفة ولا يضيق عنها عطنه (١) فإن المضاعف واسع العطاء واسع الغنى واسع الفضل ومع ذلك فلا يظن أن سعة عطائه تقتضي حصولها لكل منفق فإنه عليم بمن تصلح له هذه
_________________
(١) " عطنه ": العطن: المناخ حول الورد أي مبرك الإبل ومربض الغنم عند المساء. وفلان ضيق العطن: أي قليل الصبر والحيلة عند الشدائد، بخيل
[ ٥٩ ]
المضاعفة وهو أهل لها، ومن لا يستحقها ولا هو أهل لها، فإن كرمه وفضله لا يناقض حكمته بل يضع فضله مواضعه لسعته ورحمته ويمنعه من ليس من أهله بحكمته وعلمه.
اقتران الغني بالحليم:
قال تعالى: (قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم) [البقرة: ٢٦٣]
وختم الآية بصفتين مناسبتين لما تضمنته فقال: (والله غني حليم) وفيه معنيان:
أحدهما: أن الله غني عنكم لن يناله شيء من صدقاتكم وإنما الحظ الأوفر لكم في الصدقة فنفعها عائد عليكم لا إليه ﷾ فكيف يمن بنفقته ويؤذي مع غنى الله التام عنها وعن كل ما سواه ومع هذا فهو حليم إذ لا يعاجل المنان بالعقوبة وفي ضمن هذا الوعيد والتحذير
والمعنى الثاني: أنه ﷾ مع غناه التام من كل وجه فهو الموصوف بالحلم والتجاوز والصفح مع عطائه الواسع وصدقاته العميمة فكيف يؤذي أحدكم بمنه وأذاه مع قلة ما يعطي ونزارته وفقره.
ولكمال غناه استحال إضافة الولد والصاحبة والشريك والشفيع بدون إذنه إليه ولكمال عظمته وعلوه وسع كرسيه السموات والأرض ولم تسعه أرضه ولا سمواته، ولم تحط به مخلوقاته بل هو العالي على كل شيء وهو بكل شيء محيط ولا تنفد كلماته ولا تبدل ولو أن البحر يمده من بعده سبعة أبحر مدادًا وأشجار الأرض أقلامًا فكتب بذلك المداد وبتلك الأقلام لنفد المداد وفنيت الأقلام ولم تنفد كلماته إذ هي غير مخلوقة (١)
_________________
(١) أسماء الله الحسنى للإمام ابن القيم جمع وترتيب يوسف على وأيمن عبد الرزاق ص ٢٩٦-٣٠١.
[ ٦٠ ]