اعلم أن دلالة هذه الأسماء الحسنى على صفات الله لا تنافي علميتها الدالة على ذاته إذ أن صفاته مختصة به لا يشركه أحد سواه فهي في خصوصيتها هذه أشبهت العلم في دلالته على تعيين الذات فكان كل منهما مختصًا به تعالى وهذا خلاف ما يعلم من أسماء العباد فإن العلم فيهم يضاد الوصف من كل وجه وجماع ذلك يرجع لأمرين: -
*أحدهما: لغوى وهي أن أسماء الأعلام إما أن تكون مشتقة أو مرتجلة فأما المرتجلة فالأمر فيها واضح فهي جوامد وأما المشتقة منها فإنها لما طرأت عليها العلمية جردت عن الدلالة على الأوصاف وإنما سميت مشتقة عرفًا نحويًا نظرًا لأصلها لا لما هي عليه فرجع الأمر إلى الجمود في أسمائهم والمصدر هو الأصل في الاسم وهو من الجوامد والجامد
_________________
(١) هذا المبحث مأخوذ من القواعد الكلية للصفات للبريكان بتصرف مع إضافة عليه.
[ ٧٠ ]
نقيض المشتق والصفة لا تكون إلا مشتقة ولذا لا يقع المصدر عند النحويين وصفًا لغيره لعدم دلالته على الوصفية لتوغله في الجمود فتبين بذلك أن علميتهم تنافي وصفيتهم من هذا الوجه.
الثاني: وهو شرعي عقدي فإن صفات العباد مشتركة بينهم فالأمانة مثلًا لا تختص بفرد من أفراد بنى آدم وهكذا الشجاعة والكرم والصدق فإن هذه الصفات يتماثل فيها أفرادها فما من شخص إلا وله نظير فيما اتصف به وهذا المعنى يضاد العلمية فيهم فإنها مختصة لا تقبل الشركة إذ العلم من شرطه أن يعين مسماه مطلقًا وما لا يتعين فيه لا يكون كذلك فبان بذلك أن علميتهم تنافي وصفيتهم من هذا الوجه.
ومما تقدم يتبين لنا خطأ ابن حزم من الظاهرية وضلال المعتزلة القائلين: بأن أسماء الله أعلام محضة جامدة لا دلالة لها على الوصفية البتة واعلم أن أسماء الله لو لم تدل على الوصفية المختصة به للزم من ذلك عدة أمور: -
١ - أن أسماء الله لو كانت جامدة لا تدل على معنى الوصفية لم تكن حسنى لكنها حسنى فلابد من دلالتها على الوصفية.
٢ - أن من أسماء الله اسمه الأعظم ولو لم يدل على وصف حسن ومعنى كمال لائق بجلال الله وعظمته لم يكن لقيد العظمة فائدة فلم يكن أعظم إذ هو أفضل الأسماء الحسنى وهو منها فتكون دلالته على الوصف أكمل
٣ - قال تعالى: (ولله الأسماء الحسنى) [الأعراف: ١٨٠] فأثنى بها على نفسه وتمدح بها والجامد لا مدح فيه ولا دلالة له على الثناء فلابد وأن تكون دالة على الوصفية.
٤ - يلزم من كونها جامدة عدم تغاير معانيها فمعنى العليم هو معنى السميع مثلًا وهذا أمر يعرف فساده ببداهة العقول إذ لا يعقل عاقل أن معنى الرؤوف هو معنى البصير ولازم القول يدل على فساده وإن لم يدل على لزومه للقائل إذا هو لم يتبين اللازم ٠
[ ٧١ ]
٥ - أن الوصفية من لوازم الاسم المشتق وأسماء الله مشتقة من صفاته فهي تحمل دلالتها على الذات بالعلمية وعلى الصفة بالأصل كما أن ضارب يدل على ذات الضارب وعلى صفة الضرب فكذلك الأسماء: سميع يدل على صفة السمع وبصير يدل على صفة البصر.
٦ - أن التنزيل جاء باستعمال الأسماء الحسنى تابعة للفظ الجلالة على أنها صفات له وهذا ليس من شأن الأعلام كما قال تعالي: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) [الشورى: ١١] وقوله (هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم)
[الحشر:٢٢]
ومما تقدم يتضح أن النسب المعقولة بين الأسماء هي: -
١ - الترادف ومحله دلالة العلم الخاص به تعالى على ذاته جل وعلا
٢ - التباين ومحله دلالة الاسم المتضمن على صفته ﷾
وبتطبيق هذا الأصل على أجزائه وأفراده يتبين المراد ويتضح المعنى المطلوب فأسماء الله الحكيم والبصير والعليم يدل على كل منها على الذات بالعلمية وعلى الصفة التى اشتق منها بالوصفية فالحكيم يدل على ذات موصوفة بالحكمة والبصير يدل على ذات موصوفة بالبصر والعليم يدل على ذات موصوفة بالعلم وعند النظر نجد أن الذات المدلول عليها بالأسماء واحدة وهي ذاته العلية، وأن الصفات المدلول عليها بهذه الأسماء قد اختلفت فكل اسم دل على صفته الموافقة له في مادة التصريف وذلك الاتفاق في الذات هو الترادف إذ لا معنى له الا اتفاق أفراده في الدلالة على شيء واحد وهذا الاختلاف والتغاير هو التباين إذ لا معنى للتباين إلا عدم التقاء الألفاظ في معنى من المعاني فاسمه الحكيم هو البصير هو العليم هو الحكيم بالنظر إلى ذاته تعالى والحكيم غير البصير والبصير غير العليم غير الحكيم بالنظر إلى ما يدل عليه كل واحد منها من الصفة الخاصة به ونظير هذا أسماء الرسول ﷺ والقرآن الكريم فإنها تدل على معنى واحد ومعانيها مختلفة فنتج من ذلك: -
[ ٧٢ ]
١ - أن هذه الأسماء مترادفة في الدلالة على الذات.
٢ - أن هذه الأسماء متباينة في الدلالة على الصفات.
٣ - أن النسبة المعقولة بين هذه الأسماء هى الترادف والتباين.
٤ - أن محل الترادف هو الذات.
٥ - أن محل التباين هو الصفات المختصة بكل اسم.
٦ - أنه لا تناقض بينها والحالة هذه
٧ - أن النظرتين مبنيتان على دلالة الأسماء الحسنى على العلمية والوصفية وتضمنها الدلالة على أحدهما.
٨ - أن لحظ العلمية والوصفية مع الترادف والتباين لا يشكل تناقضًا في هذه القاعدة لاختلاف جهة كل واحد منهما.
٩ - أنه لا يجوز إطلاق القول بتباين الأسماء أو ترادفها بل لا بد من التفصيل في ذلك ونسبة كل من النسبتين إلى متعلقها.
١٠ - أن الاطلاق يلزم منه الوقوع في باطل إما بالقول بعلمية الأسماء المحض أو إنكار الأسماء أصلًا.
١١ - أن تعدد هذه الأسماء الحسنى لا يستلزم تعدد الذات لكنه يقضي بتعدد الصفات التي تدل عليها الأسماء.