ذكرنا في الحاشية على القاعدة الثانية أن الذين سلبوا معاني الصفات هم المعتزلة ومن تبعهم من أهل الكلام وغيرهم وطريقتهم أنهم يثبتون لله تعالى الأسماء دون الصفات ويجعلون الأسماء أعلامًا محضة ثم منهم من يقول إنها مترادفة فالعليم، والقدير والسميع والبصير شيء واحد ومنهم من يقول إنها متباينة ولكنه عليم بلا علم وقدير بلا قدرة سميع بلا سمع بصير بلا بصر ونحو ذلك.
وشبهتهم أنهم اعتقدوا أن إثبات الصفات يستلزم التشبيه لأنه لا يوجد شيء متصف بالصفات إلا جسم والأجسام متماثلة فإثبات الصفات يستلزم التشبيه.
والرد عليهم من وجوه:
الأول: أن الله تعالى سمى نفسه بأسماء ووصف نفسه بصفات فإن كان إثبات الصفات يستلزم التشبيه فإثبات الأسماء كذلك وإن كان إثبات الأسماء لا يستلزم التشبيه فإثبات الصفات كذلك والتفريق بين هذا وهذا تناقض
فإما أن يثبتوا الجميع فيوافقوا السلف وإما أن ينفوا الجميع فيوافقوا غلاة الجهمية والباطنية وإما أن يفرقوا فيقعوا في التناقض.
الثاني: إن الله تعالى وصف أسماءه بأنها حسنى وأمرنا بدعائه بها فقال: (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها) [الأعراف: ١٨٠] وهذا يقتضي أن تكون دالة على معاني عظيمة تكون وسيلة لنا في دعائنا ولا يصح خلوها عنها.
ولو كانت أعلامًا محضة لكانت غير دالة على معنى سوى تعيين المسمى فضلًا عن أن تكون حسنة ووسيلة في الدعاء ٠
[ ٧٧ ]
الثالث: أن الله تعالى أثبت لنفسه الصفات إجمالًا وتفصيلًا مع نفي المماثلة فقال تعالى: (ولله المثل الأعلى) [النحل: ٦] وقال: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) [الشورى: ١١] وهذا يدل على أن إثبات الصفات لا يستلزم التمثيل ولو كان يستلزم التمثيل لكان كلام الله متناقضًا.
الرابع: إن من لا يتصف بصفات الكمال لا يصلح أن يكون ربا ولا إلهًا ولهذا عاب إبراهيم ﵊ أباه باتخاذ ما لا يسمع ولا يبصر إلهًا فقال: (يا أبت لم تعبد مالا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئًا) [مريم: ٤٢] .
الخامس: أن كل موجود لابد له من صفة ولا يمكن وجود ذات مجردة من الصفات وحينئذ لابد أن يكون الخالق الواجب الوجوب متصفًا بالصفات اللائقة به.
السادس: أن القول " بأن أسماء الله أعلام محضة مترادفة لا تدل إلا على ذات الله فقط " قول باطل لأن دلالات الكتاب والسنة متظافرة على أن كل اسم منها دال على معناه المختص به مع اتفاقها على مسمى واحد وموصوف واحد فالله تعالى هو الحي القيوم السميع البصير العليم القدير فالمسمى والموصوف واحد والأسماء والصفات متعددة ألا ترى أن الله تعالى يسمي نفسه باسمين أو أكثر في موضع واحد كقوله (هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر) [الحشر: ٢٣] فلو كانت الأسماء مترادفة ترادفًا محضًا لكان ذكرها مجتمعة لغوًا من القول لعدم الفائدة.
السابع: أن القول " بأن الله تعالى عليم بلا علم وقدير بلا قدرة وسميع بلا سمع ونحو ذلك " قول باطل مخالف لمقتضى اللسان العربي وغير العربي فإن من المعلوم في لغات جميع العالم أن المشتق دال على المعنى المشتق منه وأنه لا يمكن أن يقال عليم لمن لا علم له ولا قدير لمن لا قدرة له ولا سميع لمن لا سمع له ونحو ذلك ٠
[ ٧٨ ]
وإذا كان كذلك تعين أن تكون أسماء الله تعالى دالة على ما تقتضيه من الصفات اللائقة به فيتعين إثبات الأسماء والصفات لخالق الأرض والسموات.
الثامن: أن قولهم: لا يوجد شيء متصف بالصفات إلا جسم ممنوع فإننا نجد من الأشياء ما يصح أن يوصف وليس بجسم فإنه يقال: ليل طويل ونهار قصير وبرد شديد وحر خفيف ونحو ذلك وليست هذه أجساما على أن إضافة لفظ الجسم إلى الله تعالى إثباتًا أو نفيًا من الطرق البدعية التي يتوصل بها أهل التعطيل إلى نفي الصفات التي أثبتها الله لنفسه.
التاسع: أن قولهم: " الأجسام متماثلة " باطل ظاهر البطلان فإن تفاوت الأجسام ظاهر لا يمكن إنكاره ا. هـ من تقريب التدمرية للشيخ ابن عثيمين.
ومما سبق يتبين أمور:
أولًا: وجوب إثبات الأسماء والصفات وأنه الحق الذي هو أصل الإيمان بوجود الرب ﷿ وحقيقته.
ثانيًا: أن حقيقة من لا يؤمن بأسماء الله وصفاته أنه لا يؤمن برب مقصود ولا بإله معبود.
ثالثًا: أن صفات الرب ﷿ من مكونات ذاته.
رابعًا: أن الذات ليست صفة لله ولا اسما من أسمائه واستعمالها في باب الخبر عنه تعالى يراد به إثبات ما تدل عليه من مدح وثناء وهو كون الرب جل شأنه موصوفًا بالصفات.
خامسًا: أن من نفى الصفات لم يقدر الله حق قدره
سادسًا: أن الذات المجردة عن الصفات لا حقيقة لها
سابعًا: أن التعطيل شر من الشرك لأن المعطل جاحد للذات أو لكمالها وهو جحد لحقيقة الألوهية
ثامنًا: أن الفروض الذهنية التجريدية لا توجد في خارج الذهن بل وجودها في العيان مستحيل ا. هـ من القواعد الكلية للصفات للبريكان بتصرف ٠
[ ٧٩ ]