المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله
﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾
﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبًا﴾
[يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا﴾
الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم، يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بكتاب الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه وكم من تائه ضال قد هدوه فما أحسن أثرهم على الناس، وما أقبح أثر الناس عليهم، ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين.
أما بعد،،،،
فلا شك أن مسألة الأسماء والصفات تعد من أجل وأعظم ما تكلم فيه من أصول الاعتقاد، وقد اختلفت فيها المقالات فمنهم من قال بالنفي
[ ٢١ ]
المحض، ومنهم من أقر بأسماء الله في الجملة، ونفى الصفات، ومنهم من أقر بالأسماء والصفات لكنه رد طائفة منها وتأولها وصرفها عن ظاهرها ومنهم من ذهب إلي وجوب الإيمان بكل ما ورد في كتاب الله، وصحيح السنة من الأسماء والصفات وإجرائها على ظواهرها ونفي التكييف والتشبيه عنها، وأصحاب هذا القول هم الذين يلقبون بالسلف وأهل السنة
وقد اختار المؤلف حفظه الله مقالة هؤلاء، وارتضاها، وأيدها بالنقول الضافية عن الأئمة الذين لهم قدم راسخة في هذا الباب ممن هو مشهود له بالاستقامة والسداد، وجودة الفهم، وحسن الاستنباط (١) .
أهمية العلم بالأسماء والصفات (٢)
إن دراسة وفهم أسماء الله ﷿ وصفاته لها أهمية كبرى في حياة المسلمين للأسباب التالية:
١ - ما ذكره المؤلف في مقدمة كتابه من أن أسماء الله وصفاته أحد أركان التوحيد، والتوحيد هو الأمر الأعظم الذي جاءت به الرسل
٢ - أن العلم يشرف بشرف المعلوم فإذا كان هناك علوم مختلفة منها ما يتعلق بالبحار أو طبقات الأرض أو الحيوانات أو النجوم أو الإنسان أو غير ذلك فلا شك أن أفضل العلوم على الإطلاق ما يعرفنا على ربنا ﷿ ولهذا يقول ابن العربي في أحكام القرآن (٢/٨٠٤): شرف العلم بشرف المعلوم والباري أشرف المعلومات، فالعلم بأسمائه أشرف العلوم ا. هـ
٣ - إن العلم بأسماء الله وصفاته والفقه لمعناها والعمل بمقتضاها وسؤال الله بها يوجد في قلوب العابدين تعظيم الباري، وتقديسه ومحبته، ورجاءه وخوفه والتوكل عليه والإنابة إليه بحيث يصبح الباري في
_________________
(١) مقدمة أقاويل الثقات لشعيب الأرناؤوط ص٥ بتصرف.
(٢) هذا المبحث مأخوذ من: الأسماء والصفات للأشقر ص ٢٦، مفتاح دار السعادة لابن القيم (١/٢٩١)
[ ٢٢ ]
قلوبهم المثل الأعلى الذي لا شريك له في ذاته ولا في صفاته وليس لأحد مثل هذه المكانة التي في قلوبهم وبذلك يحقق العبد التوحيد القلبي، وتتحقق العبودية لله، وتخضع القلوب لجلاله وتسكن النفوس لعظمته
٤ - عظم ثواب من أحصى أسماء الله:
فقد ثبت في الصحيحين أن لله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة
وسيأتي الخلاف في معنى الإحصاء وأن الذي اختاره الأكثرون هو أن الإحصاء حفظ هذه الأسماء وسيأتي أن للمؤلف رأيًا آخر في المسألة.
فحري بمن يعلم هذا الأجر العظيم لإحصاء أسماء الله أن يجعل ذلك من أجل المهام في حياته.
فلهذه الأسباب أحببت أن أهتم في هذا الباب وأعين إخواني وأخواتي عليه وكنت قد درست كتاب القواعد المثلى للشيخ ابن عثيمين ووجدته قد احتوى على قواعد في الأسماء والصفات ورد شبه أهل التعطيل وامتاز بجودة الترتيب، وحسن العرض، وسهولة العبارة في الجملة إلا أنه بحاجة إلى شرح يحل المغلق ويوضح الخفي ويبين المصطلحات الموجودة فاستعنت بالله أن أقوم بهذه المهمة وقد سلكت في ذلك المنهج الآتي:
(١) تخريج الآيات القرآنية مع الرجوع إلى ما كتبه المفسرون في شرح الآية وإيضاح موطن الشاهد منها غالبًا.
(٢) تخريج الأحاديث والآثار الواردة في الكتاب وبيان درجتها من حيث القبول والرد مستعينةً في ذلك بما كتبه المحدثون.
وقد يتطلب الأمر بيان حال بعض رجال الإسناد فأرجع إلى ما كتبه علماء الجرح والتعديل.
(٣) إذا كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما لم أنسبه لغيرهما إلا لفائدة وهذا هو صنيع المحدثين فقد جرى عليه الحافظ الدمياطي ت سنة ٧٠٥هـ في كتابه المتجر الراح ص٦ والعراقي ت ٨٠٦هـ في تخريج
[ ٢٣ ]
أحاديث إحياء علوم الدين (١/٢) والمناوي في كتابه الفتح السماوي بتخريج أحاديث البيضاوي (١/٦٩) حيث نقل عنه ابنه أنه قال: القاعدة عند المحدثين إذا كان الحديث في أحد الصحيحين لا يعز لغيرهما.
(٤) استشهد المؤلف ببيتين من الشعر في القاعدة الثالثة من قواعد الصفات وحققتهما بفوائد جمة نقلًا عما كتبه الأدباء وشراح الحماسة.
وأما الأبيات الأخرى فقد ذكر بيتًا عن الصفات التي يثبتها الأشاعرة، وأبياتًا من نونية ابن القيم وهذه جملة أشعار الكتاب.
(٥) استفدت من التنسيق والعناوين التي وضعها الشيخ أشرف بن عبد المقصود في تحقيقه للكتاب.
٦ - شرحت العبارات والمسائل والمصطلحات التي ذكرها المؤلف في كتابه واتبعت في ذلك الطريقة التالية
أ - إذا كانت العبارة تحتاج إلى شرح يسير فإني أكتفي بذلك في الحاشية غالبًا ما دام أنه يحقق المقصود.
ب - إذا كانت العبارة تحتاج إلى بسط وإيضاح وذكر الخلاف فإني جعلت بعد كل قاعدة ملحقًا أذكر فيه هذه المسائل بتوسع ومن ذلك تحقيق بعض الأحاديث التي تحتاج إلى بسط فإني جعلتها في الملحق.
وهذه طريقة مفيدة حتى لا يمل القاريء من كثرة الحواشي والاستطراد الذي يكون سببًا في شرود الذهن وقد سلك الدكتور عباس حسن في كتابه النحو الوافي منهجًا مقاربًا لهذا.
٦ - رجعت في حاشيتي هذه على القواعد إلى أمات (١) المصادر وسيجد القاريء جملة وافرة من ذلك وهي متنوعة في علوم شتى تشمل ما كتبه المفسرون والمحدثون واللغويون والأصولويون والنحويون والمناطقة
_________________
(١) ويقال أمهات لبنات آدم وأما غيرهن فيقال أمات ومن ذلك قول علي: عد عليهم الصغار والكبار فلو ماتت الأمات فنتجت سخلة انقطع ا. هـ انظر الروض المربع مع حاشية ابن قاسم (٣/١٧٢)، وفي المسألة خلاف مشهور.
[ ٢٤ ]
وعلماء الجرح والتعديل وما كتبه أهل السير وأما ما كتبه أهل العقائد فإني لم أقتصر على كتب أهل السنة بل استقيت من كتب المتكلمين من الأشعرية والماتريدية والمعتزلة لسببين:
أ - أنه ليس كل ما كتبه هؤلاء يكون خطأ بل فيه ما هو صواب وبخاصة في حجج الأشعرية ضد المعتزلة والحكمة ضالة المؤمن
ب - ان كثيرًا من الذين أشربوا في قلوبهم حب الرجال إذا أتيت له بكل دليل ما تبع قبلتك حتى تأتي له بما عليه علماء مذهبه وأساطين مشربه ولهذا قال الشيخ ابن عثيمين في تلخيص حموية شيخ الإسلام ص ٩٨
وقد نقل المؤلف ﵀ في هذه الفتوى كثيرًا من كلام من تكلم في هذا الباب من المتكلمين قال: وإن كنا مستغنين بالكتاب والسنة وآثار السلف عن كل كلام ولكن كثيرًا من الناس قد صار منتسبًا إلى بعض طوائف المتكلمين ومحسنًا للظن بهم دون غيرهم ومتوهمًا أنهم حققوا في هذا الباب ما لم يحققه غيرهم فلو أتى بكل آية ما تبعها حتى يؤتي بشيء من كلامهم ثم قال: وليس كل من ذكرنا قوله من المتكلمين وغيرهم نقول بجميع ما يقوله في هذا
وغيره ولكن الحق يقبل من كل من تكلم به حتى ولو كان كافرًا ا. هـ
فبين ﵀ أن الغرض من نقله بيان الحق من أي إنسان وإقامة الحجة على هؤلاء من كلام أئمتهم والله أعلم ا. هـ.
٨ - القواعد التي أتي بها المؤلف ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية في مواطن من كتبه كالتدمرية والحموية وغيرهما، وذكرها ابن القيم في بدائع الفوائد وفي الصواعق المرسلة ونقلها الشيخ عبد العزيز الرشيد في التنبيهات السنية على الواسطية ص ٢١ والشيخ زيد بن فياض في مواطن متفرقة من الروضة الندية على شرح الواسطية. وكذلك الشيخ عبد العزيز السلمان في الأسئلة على الواسطية وفي كتابه الكواشف الجلية ص٤٢٣.
وأسأل الله أن ينفع بهذه الحاشية كما نفع بأصلها وأن يجعل عملي خالصا لوجهه إنه سميع قريب.
[ ٢٥ ]
بسم الله الرحمن الرحيم