قبل أن نورد الأقوال في كون الأسماء توقيفية أم لا نحرر محل النزاع وهو:
١ - أن العلماء متفقون على جواز إطلاق الأسماء والصفات إذا ورد بها الإذن من الشارع.
٢ - ومتفقون على امتناع تسميته إذا ورد المنع منه.
٣ - واختلفوا إذا لم يوجد إذن ولا منع على أقوال هي:
١ - أن أسماء الله توقيفية وهو مذهب أهل السنة كما سبق وقد ذكر المؤلف الأدلة على ذلك من الكتاب والعقل ونزيد دليلًا من السنة وهو قوله ﵊ في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه (١/٣٥٢) (لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك) والتسمية من الثناء فدل على أن العقل لا مجال له في باب الأسماء إلا التصديق والوقوف عند النصوص.
ومن الأدلة أيضًا أنه لا يجوز تسمية النبي صلى الله وسلم بما ليس من أسمائه فالباري أولى، ذكره السفاريني في اللوامع (١/١٢٥)
_________________
(١) = والسهولة وأما الجود فإنما هو سعة العطاء من قولك: جاد السحاب إذا أمطر فأغزر، ومطر جود وفرس جوادٌ إذا: بذل ما في وسعه من الجري. وقد جاء في الأسماء " القوي " ولا يقاس عليه الجلد وإن كانا يتقاربان في نعوت الآدميين لأن باب التجلد يدخله التكلف والاجتهاد، ولا يقاس على " القادر " المطيق ولا المستطيع لأن الطاقة والاستطاعة إنما تطلقان على معنى قوة البنية، وتركيب الخلقة، ولا يقاس على " الرحيم " الرقيق وإن كانت الرحمة في نعوت الآدميين نوعًا من رقة القلب وضعفه عن احتمال القسوة. وفي صفات الله سبحانه: " الحليم " و" الصبور " فلا يجوز أن يقاس عليها الوقور والرزين. وفي أسمائه " العليم " ومن صفته العلم، فلا يجوز قياسه عليه أن يسمى " عارفًا " لما تقتضيه المعرفة من تقديم الأسباب التي بها يتوصل إلى علم الشيء وكذلك لا يوصف بالعاقل وهذا الباب يجب أن يراعى ولا يغفل فإن عائدته عظيمة والجهل به ضار [وبالله التوفيق] .
[ ١٢٠ ]
قال السفاريني:
لكنها في الحق توقيفية لنا بذا أدله وفيه
٢ - قول المعتزلة ومال إليه الباقلاني في تمهيد الأوائل ص ٢٦١، ونقله عنه التفتازاني في شرح المقاصد (٤/٣٤٤) وهو أن أسماء الله ليست توقيفية أي يجوز أن يسمى الله بكل اسم إذا كان متصفًا بمعناه ولم يوهم نقصًا وان لم يرد توقيف من الشارع، وذكره الباجوري في شرح جوهرة اللقاني ص ٨٩.
وانظر شرح المحلي المطبوع مع حاشية العطار على جمع الجوامع (٢/٤٩٦) .
٣ - التوقف وعدم الجزم بالتحريم ولا الجواز وهو قول إمام الحرمين في الإرشاد ص ١٣٦.
ونسب الزركشي في شرح جمع الجوامع (٤/٨٦٩) إلى الباقلاني التوقف أيضًا فلعل له في المسألة قولين.
مناظرة في أسماء الله هل هي توقيفية.
يذكر مترجموا أبي الحسن الأشعري أن من أسباب تركه الاعتزال مناظرته لشيخه أبي علي الجبائي في بعض المسائل، ومنها هذه المسألة فقد كان أبو الحسن الأشعري يرى أن أسماء الله توقيفية - بخلاف شيخه الجبائي فمرة دخل رجل على الجبائي، فقال له: هل يجوز أن يسمى الله تعالي عاقلًا
فقال الجبائي: لا لأن العقل مشتق من العقال، وهو المانع، والمنع في حق الله محال، فامتنع الإطلاق.
فقال أبو الحسن الأشعري: فقلت له: فعلى قياسك لا يسمى الله سبحانه حكيمًا لأن هذا الاسم مشتق من حكمة اللجام وهي الحديدة المانعة للدابة عن الخروج، ويشهد لذلك قول حسان بن ثابت ﵁:
فنحكم بالقوافي من هجانا ونضربُ حين تختلط الدماء
وقول الآخر:
[ ١٢١ ]
أبني حنفية حكموا سفهاءكم إني أخاف عليكمو أن أغضبا
أى نمنع بالقوافي من هجانا، وامنعوا سفهاءكم.
فإذا كان اللفظ مشتقًا من المنع، والمنع على الله محال، لزمك
أن تمنع إطلاق (حكيم) على الله ﷾.
قال: فلم يجب الجبائي إلا أنه قال لي: فلم منعت أنت أن يسمى الله سبحانه عاقلًا وأجزت أن يسمى حكيمًا؟
قال: فقلت له: لأن طريقي في مأخذ أسماء الله الإذن الشرعي دون القياس اللغوي فأطلقت حكيمًا لأن الشرع أطلقه ومنعت عاقلًا لأن الشرع منعه ولو أطلقه الشرع لأطلقته اهـ ذكره السبكي في الطبقات (٣/٣٥٧) وعبد الرحمن بن بدوي في مذاهب الإسلاميين (١/٥٠٠)
ومما سبق نستخلص قاعدة أخرى وهي:
إن ما يطلق عليه في باب الأسماء والصفات توقيفي وما يطلق عليه من الإخبار لا يجب أن يكون توقيفيًا كالقديم والشيء الموجود والقائم بنفسه فهذا فصل الخطاب في مسألة أسمائه هل هي توقيفية أو يجوز أن يطلق عليه بعض ما لم يرد به السمع ذكر هـ ابن القيم في بدائع الفوائد (١/١٦٢) .
*****
[ ١٢٢ ]