تكلم الشيخ ابن عثيمين حفظه الله في مقدمة كتابه عن الفرق بين دعاء المسألة ودعاء العبادة، وزيادة في الإيضاح أقول:
الدعاء لغة يطلق على معان منها:
١ - الطلب والسؤال (٢)
٢ - العبادة: وممن صرح بهذا المعنى أبو إسحاق الزجاج.
_________________
(١) كتاب التوحيد المقرر على المعهد الديني في قطر.
(٢) المخصص لابن سيده (١٣/٨٨) نزهة الأعين النواظر لابن الجوزي ص ٢٩٤ الوجوه والنظائر للدامغاني، تحقيق محمد الزفيني (١/٣٣٥) والكليات لأبي البقاء الكفوي ص ٤٤٦
[ ٣٤ ]
(ت سنة ٣١١هـ) فإنه قال في قوله تعالى (أجيب دعوة الداع إذا دعان) [البقرة: ١٨٦] (الدعاء لله ﷿ على ثلاثة أضرب، فضرب منها توحيده والثناء عليه، كقولك، يا الله لا إله إلا أنت، وقولك: ربنا لك الحمد (١)
وصرح به الدامغاني ت سنة ٤٧٨هـ حيث قال: إن من معاني الدعاء العبادة ومنه قوله تعالى (قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا) يعني: انعبد (٢)
وصرح به ابن الجوزي ت سنة ٥٩٧ حيث قال إن من معاني الدعاء هو العبادة (٣) وصرح به السمين الحلبي ت سنة ٧٥٦هـ (٤)، والفيروز آبادى ت سنة ٨١٧هـ (٥) وللدعاء معان أخرى ذكرها أهل اللغة وأصحاب الوجوه والنظائر (٦)
الدعاء باعتبار معناه:
اختلفت عبارة العلماء في تقسيم الدعاء باعتبار معناه إلا أنه ليس بينهما اختلاف كبير وتباين، وأدق من قسمه هو شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وهو أن الدعاء قسمان:
١ - دعاء مسألة وطلب
٢ - دعاء عبادة وثناء (٧)
_________________
(١) معاني القرآن للزجاج (١/٢٥٥) وانظر الدعاء للعروسي (١/١٠٨) .
(٢) الوجوه والنظائر (١/٣٣٥)
(٣) نزهة الأعين النواظر لابن الجوزي ص ٢٩٣
(٤) عمدة الحفاظ (٢/١١)
(٥) بصائر ذوي التمييز (٢/٦٠١)
(٦) انظر المراجع السابقة
(٧) الفتاوى (١/٢٣٧)، وبدائع الفوائد (٣/٢) ويلاحظ أن البعض قسم الدعاء إلى دعاء عبادة، ودعاء عادة وهذا التقسيم لرشيد رضا كما ذكره في تعليقه على كتاب صيانة الإنسان عن وسوسة زينى دحلان ص٤٣٥
[ ٣٥ ]
أولًا: دعاء المسألة:
عرفنا حقيقة الدعاء في اللغة وأنها تطلق على المسألة والطلب كطلب ما ينفع الداعي، وطلب ما يكشف الضر ويرفعه
أما دعاء المسألة بالنسبة للأسماء الحسنى فهو: سؤال الله في كل مطلوب بما يناسب ذلك المطلوب، والتوسل إلى الله بالأسماء في الدعاء فيقول الداعي: اللهم اغفر لي وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم، وتب على يا تواب، وارزقني يا رزاق ونحو ذلك (١)
ثانيًا دعاء العبادة:
عرفنا أن من معاني الدعاء في اللغة هو العبادة، وأما دعاء العبادة بالنسبة للأسماء الحسنى فهو التعبد لله ﷾، والثناء عليه بأسمائه الحسنى، فكل اسم يتعبد به بما يقتضيه ذلك الاسم، فيقوم بالتوبة إليه لأن من أسماء الله التواب، وتخشاه في السر لأن من أسمائه اللطيف الخبير وهكذا (٢)
سؤال: لقد ورد في القرآن آيات كثيرة فيها لفظ الدعاء فكيف نفرق بين دعاء المسألة والعبادة منها أو ما هو الضابط في معرفة دعاء المسألة ودعاء العبادة؟
قبل أن نذكر الضابط أحب أن أبين أن تقسيم الدعاء إلى نوعين لا يعنى أنهما متضادان بحيث أنه لا يدل إلا على النوع الذي أريد به، بل معناه أنه في تلك الحالة دلالته على أحد النوعين أظهر، ويدل على النوع الآخر إما بدلالة الالتزام، أو بدلالة التضمن، وعلى النوع الذي فيه أظهر بدلالة المطابقة (٣)
_________________
(١) أسماء الله لعبد الله الغصن ص ١٢٧، وتفسير الآلوسي (٩/١٢١) وحاشية الجمل على الجلالين (٣/١٨٢)
(٢) أسماء الله للغصن ص ١٢٧ ومقدمة كتاب المؤلف
(٣) دلالة المطابقة والتضمن والالتزام سنذكرها في مبحث خاص لأن المؤلف قد ذكرها في الكتاب.
[ ٣٦ ]
فإذا أريد بالدعاء دعاء المسألة والطلب فإنه يدل على دعاء العبادة بطريق التضمن لأن الداعي دعاء المسألة عابد لله تعالى بسؤاله والتضرع إليه وأما إذا أريد بالدعاء دعاء العبادة فإنه يدل على دعاء المسألة بطريق دلالة الالتزام لأن العابد لله كالذي يذكر الله مثلًا هو في الحقيقة سائل.
وإن كان لا يأتي بلفظ السؤال كالذي يطوف على بعض الأبواب والأسواق ليدعو الناس يكون سائلًا وإن حذف لفظ السؤال.
وبهذا يتبين أن نوعي الدعاء متلازمان ويندفع بهذا التقرير ما يردده بعض المخالفين من أن الآيات الواردة في التحذير من دعاء غير الله - المراد بها دعاء العبادة فقط وليس المراد بها السؤال والطلب فلا يدخل فيها طلب الشفاعة من الأموات والتوسل بهم بل ولا دعاؤهم والاستغاثة بهم هكذا زعموا (١)
ضابط دعاء العبادة:
ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ما يمكن اعتباره ضابطًا للآيات التي يكون فيها حمل الدعاء على العبادة أظهر فقال: " وكل موضع ذكر فيه دعاء المشركين لأوثانهم فالمراد به دعاء العبادة المتضمن (٢) دعاء المسألة فهو في دعاء العبادة أظهر لوجوه ثلاثة:
أحدها: أنهم قالوا: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) [الزمر: ٣] فاعترفوا بأن دعاءهم إياهم عبادتهم لهم
الثاني: أن الله تعالى فسر هذا الدعاء في موضع آخر كقوله تعالى (وقيل لهم أينما كنتم تعبدون من دون الله هل ينصرونكم أو ينتصرون) [الشعراء: ٩٢-٩٣]
_________________
(١) الدعاء للعروسي (١/١١٦) وانظر شرح كتاب التوحيد للشيخ ابن عثيمين ففيه تفصيل أنواع العبادة
(٢) أي المستلزم عند المناطقة ولم يرد بهذا التضمن بإصطلاح المناطقة، انظر الدعاء للعروسي (١/١٢٣) .
[ ٣٧ ]
وقوله تعالى: (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون) [الأنبياء: ٩٨]
وقوله تعالى: (لا أعبد ما تعبدون) [الكافرون: ٢] وهو كثير في القرآن فدعاؤهم لآلهتهم هو عبادتهم لها
الثالث: أنهم كانوا يعبدونها في الرخاء فإذا جاءتهم الشدائد دعوا الله وحده وتركوها، ومع هذا فكانوا يسألونها بعض حوائجهم ويطلبون منها وكان دعاؤهم لها دعاء عبادة ودعاء مسألة (١)
سؤال: هل الأفضل دعاء المسألة أم دعاء العبادة؟
العلماء قد اختلفوا في الجواب على ثلاثة أقوال:
١ - أن دعاء العبادة أفضل
٢ - أن دعاء المسألة أفضل
٣ - التفصيل والقول بأن ذلك يختلف بحسب الأشخاص والأحوال
أدلة الفريق الأول (٢)
أ - قوله ﷺ: " أحب الكلام إلى الله أربع سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر " (٣)
ب - وقوله ﷺ عندما سئل أي الكلام أفضل؟ قال: ما اصطفى الله لملائكته أو لعباده: سبحان الله وبحمده " (٤)
ج - إن دعاء العبادة حق الرب ووصفه، ودعاء المسألة حظ العبد ومصلحته، فالشيء يشرف بحسب متعلقه.
_________________
(١) الفتاوى (١٥/١٣)، وبدائع الفوائد (٣/٤)
(٢) انظر هذه الأدلة في مدارج السالكين: ١/٧٥-٧٧، وبدائع الفوائد: ٢/١٩٠، والوابل الصيب:١٨٢، والفتاوى: ٢٢/٣٧٩ - ٣٨٩
(٣) أخرجه أحمد في المسند: ٥/٢٠، ومسلم: ٣/١٦٨٥ رقم ٢١٣٧ واللفظ له
(٤) أخرجه مسلم: ٤/٢٠٩٣ رقم ٢٧٣١.
[ ٣٨ ]
د- إن دعاء العبادة لا يكون إلا من مخلص وأما دعاء المسألة فيكون من مخلص وغير مخلص لأن الله تعالى يسأله من في السموات والأرض والكفار يسألون الله فيجيبهم
هـ - ولأن العبادة شكر لنعمة الله تعالى والله يحب أن يشكر، وأما الدعاء فهو طلب لفعله وتوفيقه، ويحصل بالشكر لله وعبوديته التوفيق والإعانة فكان الأولى الالتزام بالشكر حتى يحصل له الأمران ويشير إلى هذا قوله ﷺ في الحديث القدسي: " من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين " (١)
ولهذا كان المستحب في الدعاء أن يبدأ الداعي بحمد الله تعالى والثناء عليه بين يدي حاجته ثم يسأل حاجته.
و ثم إن العبادة هي الغاية المطلوبة لذاتها وهي التي خلقنا من أجلها، والسؤال وسيلة إليها والمقاصد والغايات أشرف من الوسائل.
ز - إن العلماء يختلفون في العاجز عن الفاتحة هل يقوم الدعاء المحض وهو دعاء المسألة مقام الذكر، إلي غير ذلك من الأدلة الكثيرة الدالة على فضل دعاء الثناء والعبادة
أدلة الفريق الثاني:
أ - قوله ﷺ: " الدعاء هو العبادة " (٢)
ب - وصفه ﷺ: الدعاء بأنه مخ العبادة وأن ذلك لكونه يستدعي مزيد حضور قلبي دون سائر العبادات التي يغلب على المتعبد بها الغفلة والسهو
_________________
(١) رواه الترمذي وقال: حسن غريب (٥/٤٥)، ورواه الدارمي (٣٣٥٦)، والبيهقي في الأسماء والصفات (١/٣٧٢)، وضعفه الألباني في السلسلة برقم (١٣٣٥)، وذكره ابن الجوزي في الموضوعات ولم يصب (٣/٤٢١)
(٢) رواه البخاري في الأدب المفرد رقم (٧٣٥) ورواه الترمذي (٥/٣٨٦) وقال: حسن صحيح والحاكم (١/٦٦٧) وصححه ووافقه الذهبي، وصححه النووي في الأذكار ص ٣٤٥ وجود إسناده ابن حجر في الفتح (١/٤٩) وحسنه السخاوي كما في الفتوحات الربانية (٧/١٩١) وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير رقم (٣٤٠٧) .
[ ٣٩ ]
ج - إن الدعاء فيه غاية التذلل والخضوع وإظهار الفاقة وذل العبودية وعز الربوبية.
د- إن كل داع عابد ولا ينعكس.
هذه هي أهم العلل التي فضلوا من أجلها الدعاء على غيره من أنواع العبادات كما ذكرها الزبيدي مؤيدًا بها هذا القول (١)
ويمكن أن يستدل لهم بالأحاديث التالية زيادة على الحديثين الماضيين:
١ - قوله ﷺ فيما رواه أبو هريرة ﵁: " ليس شيء أكرم على الله من الدعاء) (٢)
٢ - حديث ابن عباس مرفوعًا: " أفضل العبادة الدعاء " وقرأ:
(وقال ربكم ادعوني أستجب لكم) (٣)
٣ - حديث عائشة ﵂ قالت: سئل النبي ﷺ: " أي العبادة أفضل؟ قال: دعاء المرء لنفسه) (٤)
القول الثالث:
وهو القول الراجح: إن الأفضل يتنوع باعتبارات ومع ذلك إذا نظر بدون اعتبار فدعاء العبادة أفضل، فجنس الدعاء الذي هو ثناء وعبادة أفضل من جنس الدعاء الذي هو سؤال وطلب وإن كان المفضول قد يفضل على الفاضل في موضعه الخاص بسبب وبأشياء أخرى، فالمفضول له أمكنة وأزمنة وأحوال يكون فيها أفضل من الفاضل
_________________
(١) إتحاف السادة:٥/٤
(٢) أخرجه البخاري في الأدب المفرد رقم ٧٣٣، والترمذي: رقم ٣٣٧٠، وابن ماجة: ٢/١٢٥٨، رقم ٣٨٢٩، وأحمد في المسند: ٢/٣٦٢، والحاكم: (١/٦٦٦)
(٣) أخرجه الحاكم: (١/٦٦٧)، وصححه ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني في الصحيحة: ٤/١٦ رقم ١٥٧٩، وصححه في صحيح الجامع: (١/٢٥١) رقم (١١٢٢)، وله شاهد من حديث أبي هريرة أخرجه ابن عدي في الكامل: ٥/١٧٤٣ وضعفه.
(٤) رواه البخاري في الأدب المفرد ص١٥٤، والحاكم في المستدرك وصححه (١/٧٢٧) .
[ ٤٠ ]
قال ابن القيم ﵀: جنس الذكر أفضل من جنس الدعاء من حيث النظر إلى كل منهما مجردًا وقراءة القرآن أفضل من الذكر والذكر أفضل من الدعاء هذا من حيث النظر إلى الكل مجردًا وقد يعرض للمفضول ما يجعله أولى من الفاضل بل يعينه فلا يجوز أن يعدل عنه إلي الفاضل وهذا كالتسبيح في الركوع والسجود فإنه أفضل من قراءة القرآن فيهما بل القراءة فيهما منهي عنها نهي تحريم أو كراهة وكذلك التسبيح والتحميد
والتشهد والذكر عقيب السلام من الصلاة، أفضل من القراءة (١)
وقد ذكر شيخ الإسلام ضابطًا لتفاضل العبادات وتنوع ذلك. (٢)
*****
_________________
(١) الوابل الصيب: ١٨٢-١٨٨، ومدارج السالكين:١/٨٨-٩، وزاد المعاد: (١/٢٦)
(٢) انظر الفتاوى (٢٢/٣٠٩)، والدعاء للعروسي (١/١١٦) ويقول الشيخ ابن عثيمين في منظومة القواعد: ورب مفضول يكون أفضلا وقال في شرحه ص ٣٥: فقراءة القرآن أفضل من الذكر، وإذا أذن المؤذن كانت المتابعة أفضل ويقول السيوطي في ألفيته: وقد يعرض للمفوق ما يجعله مساويًا أو فائقًا
[ ٤١ ]
الفصل الأول
[ ٤٣ ]
الفصل الأول