• وقال العلامة عبد الحي بن عبد الحليم اللكنوي (المتوفى: ١٣٠٤) جوابا على استفتاء وَرَدَهُ عن حكم الورد الذي يقوله بعضهم إذا عرضت له حاجة، أو ألمت به ملمة، فيقول: "يا شيخ عبد القادر جيلاني شيئا لله" في عدد مخصوص ومدة معينة:
قال ﵀: "إن الاحتراز عن مثل هذا الورد لازم.
أولًا: لأن هذا الورد متضمن كلمة "شيئًا لله" وقد حكم بعض الفقهاء بكفر من قاله.
وثانيا: لأنّ هذا الورد يتضمن نداء الأموات من أمكنة بعيدة، لم يثبت شرعا أن الأولياء لهم قدرة على سماع النداء من أمكنة بعيدة، إنما ثبت سماع الأموات لتحية من يزور قبورهم، ومن اعتقد أن غير اللَّه ﷾ حاضر وناظر، وعالم للخفي والجلي في كل وقت وفي كل آن، فقد أشرك، والشيخ عبد القادر وإن كانت مناقبه وفضائله قد جاوزت العدّ والإحصاء، إلا أنه لم يثبت أنه كان قادرا على سماع الاستغاثة والنداء من أمكنة بعيدة، وعلى إغاثة هؤلاء المستغيثين، واعتقاد أنه
﵀ كان يعلم أحوال مريديه في كل وقت، ويسمع نداءهم من عقائد الشرك، والله أعلم" (^١). انتهى مختصرا.
• وقال العلامة محمد صديق خان القنوجي (المتوفى: ١٣٠٧): "والذي يظهر أنّ الحامل لمن ادعى العلم والعقل على محبة ما لا ينفع ولا يضر، والتوسل به والاعتقاد فيه، إتباع من يظن به الخير من أهل العلم، ودرجهم إبليس شيئا فشيئا حتى تعودوا ذلك وألفوه وسوغ لهم ذلك التقليد وعدم النظر في الكتاب والسنة.
ومن نظر بإنصاف فيهما لم يخف عليه الحق الصراح، ولهذا لا تسمع عند الشدائد في مدائن الإسلام الاستغاثة بالله ولا الاستعانة به ولا التوسل به ولا دوام ذكره إلا قليلا أقل، وإنما يجيز أكثرهم اللهج بالمشايخ والأولياء. اللهم إنا نبرأ إليك من أمثال تلك الضلالات والمحدثات. ونعوذ بك من جميع ما كره الله" (^٢).
وقال أيضًا: "فالدعاء هو التوحيد، فمن دعا غير الله فقد أشرك، ودعاءُ غيره سبحانه شرك لا شك فيه" (^٣).
وقال أيضًا: "فمن استغاث بغيره في الشدائد، ودعا غيره فقد كفر" (^٤).
وقال أيضًا: "من استغاث بالأموات زعمًا منه أنهم يشفعون له في الدنيا فقد سلك سبيل اليهود والنصارى" (^٥).
• وقال الشيخ نعمان الألوسي ولد الإمام المفسر (المتوفى: ١٣١٧): "إن قلتَ: إنّ للمستغاث بهم قدرة كسبيه وتسببية فتُنسب الإغاثة إليهم بهذا المعنى.
_________________
(١) مجموع فتاوى عبد الحي اللكنوي (١/ ٢٦٤).
(٢) قطف الثمر في بيان عقيدة أهل الأثر (ص: ١٠٧).
(٣) الدين الخالص (١/ ٢٢٢).
(٤) المصدر السابق (١/ ١٨٣).
(٥) المصدر السابق (ص:٢٦).
[ ٦٩ ]
قلنا له: إن كلامنا فيمن يستغاث به عند إلمام ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، أو لسؤال ما لا يعطيه ويمنعه إلا الله سبحانه، وأما فيما عدا ذلك مما يجرى فيه التعاون والتعاضد بين الناس، وإغاثة بعضهم ببعض فهذا شيء لا نقول به ولا ننكره كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾، ونعدّ منعه جنونًا، كما نعد إباحة ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى شركًا وضلالًا.
وكون العبد له قدرة كسبية لا يخرج بها عن مشيئة رب البرية لا يستغاث به فيما لا يقدر عليه إلا الله، ولا يستعان به ولا يتوكل عليه، ويلتجأ في ذلك
فإذا علمت ذلك فلا يقال لحي أو ميت قريب أو بعيد: ارزقني، أو أمت فلانًا، أو اشف مريضي، إلى غير ذلك مما هو من الفعال الخاصة به ﷿. وبالجملة، فالاستغاثة والاستعانة والتوكل أغصان دوحة التوحيد المطلوب من العبيد" (^١).
وقال أيضًا: "بقي ههنا شيء يورده المجيزون على هؤلاء المانعين، وهو أنه لا شك أن من عبد غير الله مشرك حلال الدم والمال، وأنّ الدعاء المختص بالله سبحانه عبادة، بل هو مخّ العبادة، ولكن لا نسلّم أن طلب الإغاثة ممن استُغيث بهم شرك مطلقًا، وإنما يكون شركًا لو كان المستغيث معتقدًا أنهم هم الفاعلون لذلك خلقًا وإيجادًا، فحينئذ يكون من الشرك الاعتقادي قطعًا، أما من اعتقدهم الفاعلين كسبًا وتسببًا فليس بمسلَّم، ولئن سلمنا فليس المقصود من طلب الإغاثة منهم وندائهم إلا التوسل بهم وبجاههم، وإن كان اللفظ ظاهرًا يدل على الطلب منهم، وأنهم المطلوبون بهذا النداء، لكن مقصود المستغيث التشفع والتوسل بهم إلى ربهم، وهو ﷺ من أشرف الوسائل إلى الله سبحانه، وقد أمرنا سبحانه بطلب ما يتوسل به، فقال تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾. فكيف تحظرونها بل تجعلونها شركًا مخرجًا عن الملة وليس في قلوب المسلمين إلا هذا المعنى؟!، وإن في ذلك تكفير أكثر الناس، من غير ارتياب والتباس. وكيف تحكمون على أناس قد أظهروا شعائر الإسلام من أذان وصلاة، وصوم، وحج، وإيتاء زكاة، يأتون بكلمة التوحيد، ويحبون الله ويحبون سيد المرسلين، ويتبلغون بالقبول التام ما جاء عنهما من أمور الدين
فأجاب المانعون بقولهم: أما قولكم أن ليس مقصودهم إلا التوسل والتشفيع، وإن تكلموا بما يفيد غيره، فإنه يدل على أنّ الشرك لا يكون إلا اعتقاديًا، وأنّ اللفظ لا يكون كفرًا إلا إذا طابق الاعتقاد. وهذا يقتضى سدّ أبواب الشرائع، ومحو الأبواب التي ذكرها الفقهاء في الردة. ولا سيما ما ذكرته الحنفية من التكفير بألفاظ يذكرها بعض الناس من غير اعتقاد، كيف وأن الله سبحانه يقول: ﴿وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾ والكلمة التي قالوها كانت على جهة المزح مع كونهم في زمن رسوله ﷺ، وكانوا يجاهدون ويصلون، ويفعلون جميع الأوامر، وقال تعالى: ﴿أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم﴾، وقد ذكر المفسرون: أنهم قالوها على جهة المزح. وكذلك العلماء كفّروا بألفاظ سهلة جدًا، وبأفعال تدل على ما هو دون ذلك، لا سيما الحنفية كما لا يخفى على من تتبع كتبهم.
_________________
(١) جلاء العينين في محاكمة الأحمدين (ص: ٥١٣) مطبعة المدني.
[ ٧٠ ]
ولو قلنا: إن الألفاظ لا عبرة بها، وإنما العبرة للاعتقاد لأمكن لكل من تكلّم بكلام يحكم على قائله بالردة اتفاقًا أن يقول: لِمَ تحكمون بردتى؟! فيذكر احتمالًا ولو بعيدًا، يخرج به عما كفر فيه، ولما احتاج إلى توبة ولا توجّه عليه لوم أبدًا. وهذا ظاهر البطلان، ولساغ لكل أحد أن يتكلم بكل ما أراد، فتنسد الأبواب المتعلقة بأحكام الألفاظ" (^١).
وقال أيضًا: "ومن نظر بعين الانصاف، وتجنب سبيل الاعتساف، ونظر إلى ما كان عليه الأولون، وعرف كيف كان شركهم، وبماذا أرسل إليهم النبي ﷺ، وكيف التوحيد، وما معنى الإله والتأله، وتبصّر في العبادات وأنواعها، تحقّق أن هذا الالتجاء والتوكل والرجاء بمثل طلب الشفاعة هو الذى نهى عنه الأولون، وأُرسل لأجل قمعه المرسلون، وبذلك نطق الكتاب، وبينه لنا خير من أوتي الحكمة وفصل الخطاب، سيما إذا استغيث بهم لدفع الشدائد والملمات، ولرفع الكرب المهمات، مما لا يقدر على دفعه إلا خالق الأرض والسماوات. وقد كان الأولون إذا وقعوا في شدة دعوا الله مخلصين له الدين، فلما نجاهم إذا هم يشركون. ومن فعل هذا بحالتي الشدة والرخاء، بل في قسمي المنع والعطاء فقد غلا وتجاوز حدّه" (^٢).
وقال أيضًا: "المراتب في هذا الباب ثلاثة: أحدهما: أن الدعاء لغيره تعالى سواء كان المدعو حيًا أو ميتًا، وسواء كان من الأنبياء أو غيرهم، بأن يقال: يا سيدي فلان أغثني، أو أنا مستجير بك، أو نحو ذلك. فهذا شرك بالله تعالى، وهو مثل عبادة الأصنام في القرون الماضية" (^٣).
وقال أيضًا: "ثم إذا جاز أن يقول الضال: إنه يطلب من مخلوق كل ما يطلب من الخالق من كشف الشدائد، فكذلك يطلب منه ما يطلب من الخالق من إعطاء الفوائد فحينئذ يجوز أن يطلب من المخلوق كل ما يطلب من الخالق مطلقًا.
وهذا الكفر شر من كفر عباد الأصنام، فإن أولئك لم يكونوا يطلبون من الأوثان كل ما يطلبون من الرحمن، بل لهم مطالب لا يطلبونها إلا من الله، كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾، فبيّن أنه إذا جاء عذاب الله أو أتت الساعة لا يدعون إلا الله، فلا يطلبون كشف الشدائد، وإنزال الفوائد إلا منه. فمن جوَّز طلب ذلك من المخلوق كان أضل من هؤلاء المشركين، وقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَاّ إِيَّاهُ﴾، وقال ﵊ لابن عباس: «إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله » الحديث.
وقول القائل: لكونهم أسبابًا ووسائل فكلام مجمل، فإن أراد أنهم وسائط، والداعي يزعم أنهم شفعاء، فالآيات متضافرة على منعه.
وإن أراد أن الداعي لا يطلب منهم، ولكن يطلب من الله تعالى بحرمتهم وجاههم فهذا لا يسمى استغاثة بالمسؤول به.
وما زلت أبحث عن هذه المسالة وأكشف ما أمكنني من كلام السلف والأئمة والعلماء - هل يجوز أحد منهم التوسل بالصالحين في الدعاء، أو فَعَلَ أحدٌ منهم ذلك، فما وجدته" (^٤).
_________________
(١) المصدر السابق (ص: ٥١٣ - ٥١٥).
(٢) المصدر السابق (ص: ٥١٠ - ٥١١).
(٣) المصدر السابق (ص: ٥٢٠)
(٤) المصدر السابق (ص: ٥٣٧).
[ ٧١ ]