وأصل الدعاء النداء والطلب مطلقًا، أو مع ملاحظة استعلاء المنادى المطلوب منه، وإذا لوحظ معه تعظيم المدعو، واعتقاد أن له سلطة غيبية وراء الأسباب الظاهرة، أو طُلب منه ما لا يُنال بالكسب كان عبادة، سواء كان اعتقاد السلطة له لذاته أو لأنه واسطة بين الداعي وبين الله تعالى يقربه إليه زلفى.
ولا يخرجه عن معنى العبادة تسميته باسم آخر كالتوسل والاستشفاع كما هو المتبادر من القرآن الكريم واللغة، والعبرة بالحقائق لا بالأسماء والاصطلاحات، ولا بالوساوس والخيالات" (^١).
وقال أيضًا: "فَالشِّرْكُ أَنْوَاعٌ وَضُرُوبٌ، أَدْنَاهَا مَا يَتَبَادَرُ إِلَى أَذْهَانِ عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ الْعِبَادَةُ لِغَيْرِ اللهِ كَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لَهُ، وَأَشَدُّهَا وَأَقْوَاهَا مَا سَمَّاهُ اللهُ دُعَاءً وَاسْتِشْفَاعًا، وَهُوَ التَّوَسُّلُ بِهِمْ إِلَى اللهِ وَتَوْسِيطُهُمْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ تَعَالَى، فَالْقُرْآنُ نَاطِقٌ بِهَذَا، وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي كُتُبِ السِّيَرِ وَالتَّارِيخِ، فَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ أَشَدُّ أَنْوَاعِ الشِّرْكِ، وَأَقْوَى مَظَاهِرِهِ الَّتِي يَتَجَلَّى فِيهَا مَعْنَاهُ أَتَمَّ التَّجَلِّي، وَهُوَ الَّذِي لَا يَنْفَعُ مَعَهُ صَلَاةٌ وَلَا صِيَامٌ وَلَا عِبَادَةٌ أُخْرَى.
ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ هَذَا الشِّرْكَ قَدْ فَشَا فِي الْمُسْلِمِينَ الْيَوْمَ، وَأَوْرَدَ شَوَاهِدَ عَلَى ذَلِكَ عَنِ الْمُعْتَقِدِينَ الْغَالِينَ فِي الْبَدَوِيِّ شَيْخِ الْعَرَبِ وَالدُّسُوقِيِّ وَغَيْرِهِمَا لَا تَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ.
وَبَيَّنَ أَنَّ الَّذِينَ يُؤَوِّلُونَ لِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ إِنَّمَا يَتَكَلَّفُونَ الِاعْتِذَارَ لَهُمْ لَزَحْزَحَتِهُمْ عَنْ شِرْكٍ جَلِيٍّ وَاضِحٍ إِلَى شِرْكٍ أَقَلَّ مِنْهُ جَلَاءً وَوُضُوحًا، وَلَكِنَّهُ شِرْكٌ ظَاهِرٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَلَيْسَ هُوَ مِنَ الشِّرْكِ الْخَفِيِّ الَّذِي وَرَدَتِ الْأَحَادِيثُ بِالِاسْتِعَاذَةِ مِنْهُ، الَّذِي لَا يَكَادُ يَسْلَمُ مِنْهُ إِلَّا الصِّدِّيقُونَ" (^٢).
• وقال الفقيه المحدث محمد بشير بن محمد بدر الدين السهسواني الهندي (المتوفى: ١٣٢٦): "قوله [أي: دحلان]: لأنا معشر أهل السنة لا نعتقد تأثيرًا ولا خلقًا ولا إيجادًا ولا إعدامًا ولا نفعًا ولا ضرًا إلا لله وحده لا شريك له، ولا نعتقد تأثيرًا ولا نفعًا ولا ضرًا للنبي ﷺ ولا لغيره من الأموات، فلا فرق في التوسل بالنبي ﷺ وغيره من الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وكذا بالأولياء والصالحين، لا فرق بين كونهم أحياء وأمواتًا، لأنهم لا يخلقون شيئًا، وليس لهم تأثير في شيء، وإنما يتبرك بهم لكونهم أحباء الله تعالى، وأما الخلق والإيجاد والإعدام والنفع والضر فإنه لله وحده لا شريك له.
_________________
(١) مجلة المنار (٢/ ٦٣٢).
(٢) تفسير المنار (٥/ ٦٨).
[ ٧٤ ]
أقول: فيه كلام من وجوه:
(الأول): أنه يعتقد كثير من العوام وبعض الخواص في أهل القبور وفي المعروفين بالصلاح من الأحياء أنهم يقدرون على ما لا يقدر عليه إلا الله ﷻ، ويفعلون ما لا يفعله إلا الله ﷿، حتى نطقت ألسنتهم بما انطوت عليه قلوبهم، فصاروا يدعونهم تارة مع الله، وتارة استقلالًا
و(الثاني): أنّ مجرد عدم اعتقاد التأثير والخلق، والإيجاد والإعدام، والنفع والضر إلا لله لا يبرئ من الشرك، فإن المشركين الذين بَعث اللهً الرسل إليهم أيضًا كانوا مقرين بأن الله هو الخالق الرازق، بل لابد فيه من إخلاص توحيده وإفراده، وإخلاص التوحيد لا يتم إلا بأن يكون الدعاء كله لله، والنداء والاستغاثة والرجاء واستجلاب الخير واستدفاع الشر له ومنه لا بغيره ولا من غيره
و(الثالث): أن مجرد كون الأحياء والأموات شركاء في أنهم لا يخلقون شيئًا وليس لهم تأثير في شيء لا يقتضي أن يكون الأحياء والأموات متساوين في جميع الأحكام حتى يلزم من جواز التوسل بالأحياء جواز التوسل بالأموات، وكيف وليس معنى التوسل بالأحياء إلا التوسل بدعائهم وهو ثابت بالأحاديث الصحيحة، وأما التوسل بدعاء الأموات فلم يثبت بحديث صحيح ولا حسن.
قوله: وأما الذين يفرقون بين الأحياء والأموات، فإنهم بذلك الفرق يتوهم منهم أنهم يعتقدون التأثير للأحياء دون الأموات، ونحن نقول: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾، ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾. فهؤلاء المجوّزون التوسل بالأحياء دون الأموات أو المعتقدون تأثير غير الله هم الذين دخل الشرك في توحيدهم؛ لكونهم اعتقدوا تأثير الأحياء دون الأموات.
أقول: هذا كلام تقشعر منه الجلود، أما يعلم هذا القائل الصنديد، والمتفوه العنيد، أنّ الفارقين بين الأحياء والأموات هم الذين يمنعون مما هو دون اعتقاد تأثير الله بمراحل ويصرحون بكونه شركًا؟! فكيف يتوهم منهم أنهم يعتقدون تأثير غير الله؟! سبحانك هذا بهتان عظيم.
على أن مناط الفرق بين الأحياء والأموات ليس اعتقاد التأثير للأحياء دون الأموات كما زعم هذا المتقوّل على الموحدين، إنما مناطه ثبوت التوسل بالأحياء بالأحاديث الصحيحة دون الأموات.
قوله: فالتوسل والتشفع والاستغاثة كلها بمعنى واحد، وليس لها في قلوب المؤمنين معنى إلا التبرك بذكر أحباء الله تعالى، لما ثبت أن الله يرحم العباد بسببهم سواء كانوا أحياء أو أمواتًا.
أقول: هذا الحصر غير مسلم، (^١).
قوله: فالمؤثر والموجد حقيقة هو الله تعالى، وذِكْرُ هؤلاء الأخيار سبب عادي في ذلك التأثير، وذلك مثل الكسب العادي فإنه لا تأثير له.
أقول: كون ذكر هؤلاء الأخيار سببًا عاديًا في ذلك التأثير من أين عُلم؟ وأي دليل عليه؟ ولو سُلِّم فالسببية لا تستلزم المشروعية، ألا ترى أنّ كثيرًا من العقود الفاسدة سبب لتحصيل المنافع وليست بمشروعة.
_________________
(١) قال محمد رشيد رضا في تعليقه على كتاب صيانة الإنسان: "والرد هنا قاصر، ومما كان ينبغي أن يقوله المصنف في ردّه: إن الألفاظ الثلاثة ليست بمعنى واحد، وإن الذين ليس لها في قلوبهم معنى إلا التبرك لا يشدون الرحال إلى القبور لأجل ذكر موتاها، وإنّ ذكرها في الدعاء تبركًا من التعبد الذي لا يعلم إلا بالنص من الشارع وهو غير موجود، وإنّ كونها سببًا للرحمة مضاد لكونها لا تأثير لها. وهو قد جمع بين الضدين في الجملة الآتية، ويسمي ذكرهم سببًا عاديًا للتأثير الإلهي، والمعروف عن جماعة القبوريين أنهم يعدونه من خوارق العادات لا من الأسباب العادية. وكتبه محمد رشيد رضا.
[ ٧٥ ]
قوله: وحياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في قبورهم ثابتة عند أهل السنة بأدلة كثيرة.
أقول: هب أنّ حياة الأنبياء ﵈ ثابتة، ولكنها حسب اعتراف صاحب الرسالة ليست مثل الحياة الدنيوية، فلا يتفرع عليها جواز التوسل كما يتفرع على الحياة الدنيوية.
قوله: فإن قال قائل: إنّ شبهة هؤلاء المانعين للتوسل أنهم رأوا بعض العامة يأتون بألفاظ تُوهم أنهم يعتقدون التأثير لغير الله تعالى، ويطلبون من الصالحين أحياء وأمواتًا أشياء جرت العادة بأنها لا تطلب إلا من الله تعالى، ويقولون للولي: افعل لي كذا وكذا، وأنهم ربما يعتقدون الولاية في أشخاص لم يتصفوا بها، بل اتصفوا بالتخليط وعدم الاستقامة، وينسبون لهم كرامات وخوارق عادات وأحوالًا ومقامات وليسوا بأهل لها ولم يوجد فيهم شيء منها، فأراد هؤلاء المانعون للتوسل أن يمنعوا العامة من تلك التوسعات دفعًا للإيهام وسدًا للذريعة، وإن كانوا يعلمون أن العامة لا يعتقدون تأثيرًا ولا نفعًا ولا ضرًا لغير الله تعالى ولا يقصدون بالتوسل إلا التبرك، ولو أسندوا للأولياء شيئًا لا يعتقدون فيهم تأثيرًا.
فنقول لهم: إذا كان الأمر كذلك وقصدتم سد الذريعة، فما الحامل لكم على تكفير الأمة عالمهم وجاهلهم وخاصهم وعامهم؟ وما الحامل لكم على منع التوسل مطلقًا؟ بل كان ينبغي لكم أن تمنعوا العامة من الألفاظ الموهمة لتأثير غير الله تعالى، وتأمروهم بسلوك الأدب في التوسل.
أقول: أولًا: إن تقرير دليل المانعين نوع تحريف مقصود، وأصل تقريرهم هكذا: إنا نرى كثيرًا من العامة وبعض الخواص يأتون بألفاظ دالّة دلالة مطابقة على أنهم يعتقدون التأثير لغير الله تعالى، ويطلبون من الصالحين أحياءً وأمواتًا أشياء لا يقدر عليها إلا الله، وينذرون لهم النذور وينحرون لهم النحائر ويقربون إليهم نفائس الأموال، ويجعلونهم وسائط يدعونهم ويسألونهم جلب المنافع، بمعنى أن الخلق يسألونهم وهم يسألون الله، كما أن الوسائط عند الملوك يسألون الملوك حوائج الناس لقربهم منهم والناس يسألونهم أدبًا منهم أن يباشروا سؤال الملوك أو لكونهم أقرب إلى الملك.
وبعد ملاحظة أصل تقريرهم وجه التكفير ظاهر، فإن اعتقاد تأثير غير الله كفر صريح، والدعاء والنذر والنحر عبادة، وعبادة غير الله شرك وكفر.
وثانيًا: أنا معاشر أهل التوحيد لا نكفِّر الأمة كلهم عالمهم وجاهلهم وعامهم وخاصهم، هذا افتراء علينا، بل نكفّر من وُجد فيه موجبات الكفر من اعتقاد التأثير لغير الله واعتقاد أنه يضر وينفع، ودعاء غير الله والنذر له والنحر له وغيرها.
ثالثًا: أنّ مجرد عدم اعتقاد التأثير لغير الله لا يكفي للبراءة من الشرك كما تقدم، بل لابد فيها من إخلاص العبادة لله تعالى، بأن يكون الدعاء والاستغاثة والنذر والنحر وسائر أقسام العبادة كلها لله تعالى
[ ٧٦ ]
قوله: مع أنّ تلك الألفاظ الموهمة يمكن حملها على المجاز من غير احتياج إلى التكفير للمسلمين، وذلك المجاز مجاز عقلي شائع ومعروف اهـ.
أقول: فيه نظر من وجوه: (الأول) أن لفظ "الموهمة" في هذا المقام وفيما تقدم لا يخلو عن تدليس وتلبيس، فإنّ تلك الألفاظ دالّة دلالة مطابقة على تأثير غير الله تعالى، فما معنى الإيهام؟
(والثاني) أنه لو سُلِّم هذا الحمل لاستحال الارتداد، ولَغَاب باب الردة الذي يعقده الفقهاء، فإن المسلم الموحّد متى صدر منه قول أو فعل موجب للكفر يجب حمله على المجاز العقلي، والإسلام والتوحيد قرينة على ذلك المجاز.
(والثالث) أنه يلزم على هذا أن لا يكون المشركون الذين نطق كتاب الله بشركهم مشركين، فإنهم كانوا يعتقدون أن الله هو الخالق الرازق الضار النافع، وأن الخير والشر بيده، لكن كانوا يعبدون الأصنام لتقربهم إلى الله زلفى، فالاعتقاد المذكور قرينة على أنّ المراد بالعبادة ليس معناها الحقيقي، بل المراد هو المعنى المجازي، أي التكريم مثلًا، فما هو جوابكم هو جوابنا.
(الرابع) أنكم هؤلاء أوّلتم عنهم في تلك الألفاظ الدالة على تأثير غير الله تعالى، فما تفعلون في أعمالهم الشركية من دعاء غير الله واستغاثة والنذر والنحر؟ فإنّ الشرك لا يتوقف على اعتقاد تأثير غير الله، بل إذا صدر من أحد عبادة من العبادات لغير الله صار مشركًا سواء اعتقد ذلك الغير مؤثرًا أم لا" (^١).
• وقال أيضًا: "قوله: فالمستغاث به في الحقيقة هو الله تعالى، وأما النبي ﷺ فهو واسطة بينه وبين المستغيث، فهو ﷾ مستغاث به حقيقة، والغوث منه بالخلق والإيجاد، والنبي ﷺ مستغاث به مجازًا، والغوث منه بالكسب والتسبب العادي.
أقول: وهكذا كان المشركون السابقون الذين بعث الله الرسل إليهم، فإنهم كانوا يعلمون أن الله تعالى هو الخالق الموجد، وأما الأصنام فيقولون إنها أسباب ووسائل عادية، فمن أجل ذلك كانوا يدعونهم ويستغيثون بهم ويعبدونهم.
_________________
(١) صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان (ص: ٢١٠ - ٢١٥) المطبعة السلفية - ومكتبتها.
[ ٧٧ ]
وهذا هو دأب عبدة الصالحين، والقبور في هذا الزمان، يدعونهم ويستغيثون بهم، وينحرون لهم وينذرون لهم، والدعاء والاستغاثة والنحر والنذر كلها من أقسام العبادة على معناها المجازي، فكذلك فليحمل لفظ العبادة الواقع في كلام المشركين الأولين الذي حكاه الله تعالى عنهم حيث قال ﷾: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ فما وجه الفرق (^١)؟
قوله: وبالجملة فإطلاق لفظ الاستغاثة لمن يحصل منه غوث باعتبار الكسب أمر معلوم لا شك فيه لغة ولا شرعًا، فإذا قلت: أغثني يا الله، تريد الإسناد الحقيقي باعتبار الخلق والإيجاد، وإذا قلت: أغثني يا رسول الله، تريد الإسناد المجازي باعتبار التسبب والكسب والتوسط بالشفاعة.
أقول: هكذا كان مشركو الجاهلية حذو النعل بالنعل، كانوا يدعون الصالحين والأنبياء والمرسلين طالبين منهم الشفاعة عند رب العالمين، كما قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾، وقال تعالى: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾. على أن القول بأن إسناد الغوث إلى الله تعالى إسناد حقيقي باعتبار الخلق والإيجاد، وإلى الأنبياء والصالحين إسناد مجازي باعتبار التسبب والكسب، بديهي البطلان، بيانه من وجوه:
(الأول) أنه لو كان مناط الإسناد الحقيقي اعتبار الخلق والإيجاد كما توهم صاحب الرسالة لزم أن يكون إسناد أفعال العباد كلها إلى الله تعالى حقيقيًا، فإن اعتقاد أهل السنة والجماعة أن الخالق لأفعال العباد هو الله تعالى، وهذا يقتضي أن يتصف الله تعالى بالإيمان والصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد وصلة الرحم، وغير ذلك من الأعمال الحسنة، وكذلك يتصف حقيقة بالأعمال السيئة من الكفر والشرك والفسق والفجور والزنا والكذب والسرقة والعقوق وقتل النفس وأكل الربا وغيرها، فإنه تعالى هو الخالق لجميع الأفعال حسنها وسيئها، والتزام هذا فعل من لا عقل له ولا دين له، فإنه يستلزم اتصاف الله تعالى بالنقائص وصفات الحدوث واجتماع الأوصاف المتضادة بل المتناقضة.
_________________
(١) قال الشيخ محمد رشيد رضا في تعليقه على كتاب صيانة الإنسان: "الفرق بين عبدة القبور المتأخرين وأولئك المشركين الأولين، أنّ الأولين هم أصحاب اللغة بالسليقة. ومنها: أنّ كل ما يتوجه به إلى الخالق سبحانه ويطلب منه بالذات أو بالوساطة عنده فهو عبادة، وكل ما يتوجه به مخلوق بطلب ما ليس من الأسباب العادية المشتركة بين الناس، فهو يدخل في مسمى العبادة، وكذا كل خوف ورجاء في شيء من الأشياء لا يدخل في الأسباب المعروفة للناس، فالذين عبدوا الثعبان ما كانت عبادتهم له إلا اعتقادهم أنه يقدر على قتل الإنسان أو الجمل بدون سبب من أسباب القتل المعروفة لهم. وجملة القول إنّ العبادة الفطرية عندهم وعند جميع الأمم تشمل كل اعتقاد وشعور وعمل ودعاء يتعلق بمن له سلطة غيبية غير عادية. وقد يكون لعدة أشياء بعضها فوق بعض: منها ما له السلطة والتأثير بالذات، ومنها ما يكون بالوساطة. وأما المتأخرون فلما لقنوا أنّ العبادة لا تكون إلا لله سمّوا عبادة التوسط عند الله توسلًا، وسمّوا من توجّه إليه وسيلة وشفيعًا ووليًا كما كان يسميه المشركون الأولون، وإنما خالفوهم في تسميته إلهًا وتسمية وساطته عبادة، وهي تسمية لغوية صحيحة في اللغة، فالخلاف بينهما لغوي محض. وكتبه محمد رشيد رضا.
[ ٧٨ ]