وقال: "قد عرفتَ مِن هذا كلِّه أنَّ مَن اعتقد في شجر أو حجر أو قبر أو مَلَكٍ أو جنيٍّ أو حيٍّ أو ميت أنَّه ينفع أو يضر، أو أنَّه يقرِّب إلى الله، أو يشفع عنده في حاجة من حوائج الدنيا بمجرد التشفع به والتوسل به إلى الرب تعالى، إلَاّ ما ورد في حديث فيه مقال في حقِّ نبيِّنا محمد ﷺ أو نحو ذلك، فإنَّه قد أشرك مع الله غيره، واعتقد ما لا يَحلُّ اعتقادُه، كما اعتقده المشركون في الأوثان، فضلًا عمَّن ينذر بماله وولده لميِّت أو حي، أو يطلبُ من ذلك الميت ما لا يُطلب إلَاّ من الله تعالى من الحاجات، من عافية مريضِه، أو قدوم غائبه، أو نيله لأيِّ مطلب من المطالب، فإنَّ هذا هو الشرك بعينه الذي كان ويكون عليه عُبَّادُ الأصنام.
والنَّذرُ بالمال للميت ونحوه، والنَّحر على القبر، والتوسل به وطلب الحاجات منه، هو بعينه الذي كانت تفعله الجاهلية، وإنَّما كانوا يفعلونه لِمَا يسمُّونه وثنًا وصنمًا، وفعله القبوريون لِمَا يسمُّونه وليًّا وقبرًا ومَشهدًا، والأسماء لا أثر لها ولا تغيِّر المعاني ضرورة لغوية وعقلية وشرعية، فإنَّ مَن شرب الخمرَ وسمَّاها ماء، ما شربَ إلَاّ خَمرًا، وعقابُه عقابُ شارب الخمر، ولعلَّه يزيد عقابه للتدليس والكذب في التسمية وكذلك تسمِيةُ القبرِ مَشهدًا ومَن يعتقدون فيه وليًّا، لا تخرجه عن اسم الصَّنم والوثن؛ إذ هم مُعامِلون لها معاملة المشركين للأصنام، ويطوفون بهم طواف الحجاج ببيت الله الحرام، ويَستلمونهم استلامَهم لأركان البيت، ويُخاطبون الميت بالكلمات الكفرية، مِن قولهم: على الله وعليك، ويَهتفون بأسمائِهم عند الشدائد ونحوها
وفي كلِّ قرية أمواتٌ يهتفون بهم وينادونهم ويرجونهم لجلب الخير ودفع الضر، وهذا هو بعينه فعلُ المشركين في الأصنام فهذا الذي عليه هؤلاء شرك بلا ريب" (^١).
وقال أيضًا: "فإن قلتَ: أفيصير هؤلاء الذين يعتقدون في القبور والأولياء والفسقة والخلعاء مشركين كالذين يعتقدون في الأصنام؟
قلت: نعم! قد حصل منهم ما حصل من أولئك وساووهم في ذلك، بل زادوا عليهم في الاعتقاد والانقياد والاستعباد، فلا فرق بينهم.
فإن قلت: هؤلاء القبوريون يقولون: نحن لا نشرك بالله تعالى ولا نجعل له ندًّا، والالتجاءُ إلى الأولياء والاعتقاد فيهم ليس شركًا.
قلت: نعم! ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾، لكن هذا جهل منهم بمعنى الشرك، فإنَّ تعظيمَهم الأولياء ونحرَهم النحائر لهم شركٌ، والله تعالى يقول: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ أي: لا لغيره، كما يفيدُه تقديم الظرف،
فهذا الذي يفعلونه لأوليائهم هو عين ما فعَلَه المشركون وصاروا به مشركين، ولا ينفعهم قولهم: نحن لا نشركُ بالله شيئًا، لأنَّ فعلَهم أَكْذبَ قولَهم.
_________________
(١) المصدر السابق (ص: ٦٠ - ٦٤).
[ ٤٤ ]
فإن قلت: هم جاهلون أنهم مشركون بما يفعلونه.
قلتُ: قد صرَّح الفقهاء في كتب الفقه في باب الرِّدة أنَّ مَن تكلَّم بكلمة الكفر يَكفر وإن لَم يقصد معناها، وهذا دالٌّ على أنَّهم لا يعرفون حقيقةَ الإسلام، ولا ماهية التوحيد، فصاروا حينئذ كفارًا كفرًا أصليَّا، فإنَّ الله تعالى فَرَضَ على عباده إفرادَه بالعبادة ﴿أَلَاّ تَعْبُدُوا إِلَاّ اللَّهَ﴾، وإخلاصها له ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَاّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، ومَن نادى الله ليلًا ونهارًا وسرًّا وجهارًا وخوفًا وطمعًا، ثمَّ نادى معه غيرَه فقد أشرك في العبادة، فإنَّ الدعاءَ من العبادة، وقد سمَّاه الله تعالى عبادةً في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ بعد قوله: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾.
فإن قلت: فإذا كانوا مشركين وجَب جهادُهم، والسلوك فيهم ما سلَكَ رسولُ الله ﷺ في المشركين.
قلت: إلى هذا ذهب طائفةٌ من أئمَّة العلم، فقالوا: يَجب أوَّلًا دعاؤهم إلى التوحيد، وإبانةُ أنَّ ما يعتقدونه ينفعُ ويَضر، لا يغني عنهم من الله شيئًا، وأنَّهم أمثالهم، وأنَّ هذا الاعتقاد منهم فيه شركٌ لا يتم الإيمانُ بما جاءت به الرسلُ إلَاّ بتركه والتوبة منه، وإفراد التوحيد اعتقادًا وعملًا لله وحده.
وهذا واجبٌ على العلماء، أي: بيان أنَّ ذلك الاعتقاد الذي تفرَّعت عنه النذور والنحائر والطواف بالقبور شركٌ محرَّم، وأنَّه عينُ ما كان يفعله المشركون لأصنامهم، فإذا أبان العلماءُ ذلك للأئمَّة والملوك، وَجَبَ على الأئمة والملوك بعثُ دعاة إلى الناس يَدعونهم إلى إخلاص التوحيد لله، فمَن رجع وأقرَّ حقن عليه دمه وماله وذراريه، ومَن أصَرَّ فقد أباح الله منه ما أباح لرسوله ﷺ من المشركين.
فإن قلت: الاستغاثة قد ثبتت في الأحاديث، فإنَّه قد صَحَّ أنَّ العباد يوم القيامة يستغيثون بآدم أبي البشر، ثمَّ بنوح، ثمَّ بإبراهيم، ثم بموسى، ثم بعيسى، وينتهون إلى محمد ﷺ بعد اعتذار كلِّ واحد من الأنبياء، فهذا دليلٌ على أنَّ الاستغاثة بغير الله ليست بمنكر.
قلت: هذا تلبيس، فإنَّ الاستغاثة بالمخلوقين الأحياء فيما يقدرون عليه لا يُنكرُها أحد، وقد قال الله تعالى في قصة موسى مع الإسرائيلي والقبطي: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾، وإنَّما الكلام في استغاثة القبوريِّين وغيرهم بأوليائهم، وطلبهم منهم أمورًا لا يقدر عليها إلَاّ الله تعالى، مِن عافية المريض وغيرها" (^١).
_________________
(١) المصدر السابق (ص: ٦٤ - ٦٧).
[ ٤٥ ]
وقال أيضًا: "نعم استغاثةُ العِباد يوم القيامة وطَلبهم من الأنبياء إنَّما يدعون الله تعالى ليفصِلَ بين العباد بالحساب حتَّى يُريحَهم من هَوْل الموقف، وهذا لا شكَّ في جوازه، أعنِي طلبَ دعاء الله تعالى من بعض عباده لبعض، بل قد قال ﷺ لعمر ﵁ لَمَّا خَرَج معتمرًا: «لا تنسنا يا أُخَيَّ من دعائك»، وأَمَرَنا سبحانه أن ندعو للمؤمنين ونستغفر لهم في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ﴾، وقد قالت أم سُليم ﵂: "يا رسولَ الله! خادمُك أنس، ادعُ الله له"، وقد كان الصحابة ﵃ يطلبون الدعاءَ منه ﷺ وهو حي، وهذا أمرٌ متفق على جوازه،
والكلام في طلب القبوريِّين من الأموات أو من الأحياء الذين لا يَملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا، ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا أن يشفوا مرضاهم، ويردُّوا غائبَهم، وينفسوا عن حبلاهم، وأن يسقوا زرعَهم، ويُدِرُّوا ضروعَ مواشيهم، ويحفظوها من العين، ونحو ذلك من المطالب التي لا يقدر عليها أحدٌ إلَاّ الله تعالى.
هؤلاء هم الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾، ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾، فكيف يطلب الإنسانُ من الجماد أو من حي - الجماد خير منه - لأنَّه لا تكليفَ عليه.
وهذا يبيِّن ما فعله المشركون الذين حكى الله ذلك عنهم في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا﴾ الآية، وقال: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾.
فهؤلاء القبوريُّون والمعتقدون في جُهَّال الأحياء وضُلَاّلهم سَلَكوا مَسالكَ المشركين حَذو القُذَّة بالقُذَّة، فاعتقدوا فيهم ما لا يجوز أن يُعتقد إلَاّ في الله، وجعلوا لهم جُزءًا من المال، وقَصدوا قبورَهم من ديارهم البعيدة للزيارة، وطافوا حول قبورهم وقاموا خاضعين عند قبورهم، وهتفوا بهم عند الشدائد، ونحروا تقربًا إليهم. وهذه هي أنواع العبادات التي عرفناك" (^١).
وقال أيضًا: "وكذلك أصحابه [أي: النبي ﷺ] من بعده لا يُعلم عن أحدٍ منهم أنَّه استغاث به ﵌ بعد موته، ولا يمكن أحدٌ يأتي بحرفٍ واحدٍ عن أصحابه أنَّه قال: يا رسول الله، ويا محمد مستغيثًا به عند شدة نزلت به.
بل كلٌّ يرجع عند الشدائد إلى الله تعالى، حتى عُبّاد الأصنام إذا مسهم الضر في البحر ضلّ من يدعون إلا إياه، وهذا خليل الله إبراهيم لما أُرمي به إلى النار لاقاه جبريل في الهواء فقال له: هل من حاجة؟ قال: أما إليك فلا.
وهذه الأدعية النبوية المأثورة قد ملأت كتب الحديث ليس منها حرفٌ واحدٌ فيه استغاثةٌ بمخلوق وسؤالٌ بحقه" (^٢).
_________________
(١) المصدر السابق (ص: ٦٨).
(٢) الإنصاف في حقيقة الأولياء ومالهم من الكرامات والألطاف (ص: ٩١) ط/عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية.
[ ٤٦ ]