قواعد السلف الذهبية في الإيمان بالقضاء والقدر
- إن الإيمان بربوبية الله لا يقبل حتى يتم الإيمان بقضائه وقدره.
- والله سبحانه قدَّر الإيمان والطاعات وأسبابها وأحبها، والكفر والمعاصي وأسبابها وكرهها.
- وقدرة الله الشاملة، وعلمه التام، وخلقه لكل شيء، وحكمته البالغة، أصول الإيمان بالقدر والتسليم له.
- والشر في مقدورات الله راجع إلى مفعولاته، لا إلى ذاته المقدسة وصفاته العلا، ويكون بسبب ظلم العبد وبغيه وجهله، ومن ثم يستحيل إضافة الشر إليه سبحانه.
- ولا يتم الإيمان بالقدر حتى يتيقن العبد أن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وما أصابه لم يكن ليخطئه، إذ المقادير قد كتبت قبل الخلق بخمسين ألف عام، ثم رفعت الأقلام وجفَّت الصحف.
- ولا نجاة من النيران ولا قَبول للطاعات قبل القيام بهذا الأصل، وتحقيقه وفق مراد الرب سبحانه، وبيان رسول - ﷺ -، بفهم صحابته الكرام نقلة وحيه، وشريعته.
- ولا يعني الإيمان بالقدر والتسليم له: القعود عن أخذ الأسباب، وفعل السنن، المؤدية إلى حصول النفع واجتناب الضر، بل ينبغي فعل الأسباب والأخذ بالسنن، مع الاعتماد والتوكل على الله حتى يتم للعبد توحيده وتتحقَّق له عبوديته المخلوق من أجلها.
[ ١٨٩ ]
قال الشيخ سليمان بن عبد الله في شرحه لكتاب التوحيد:
«باب ما جاء في منكري القدر
[الشرح]
أي: من الوعيد. والقدر بالفتح والسكون: ما يقدره الله من القضاء.
ولما كان توحيد الربوبية لا يتم إلاَّ بإثبات القدر، قال القرطبي: القدر مصدر قدرت الشيء بتخفيف الدال أقدره وأقدره قدرًا وقدرًا إذا حصلت بمقداره، ويقال فيه: قدرت أقدر تقديرًا مشدد الدال، فإذا قلنا: إن الله تعالى قدر الأشياء، فمعناه: أنه تعالى علم مقاديرها وأحوالها وأزمانها قبل إيجادها، ثم أوجد منها ما سبق في علمه أنه يوجد على نحو ما سبق في علمه، فلا محدث في العالم العلوي والسفلي، إلاَّ هو صادر عن علمه تعالى وقدرته وإرادته، هذا هو المعلوم من دين السلف الماضين، الذي دلَّت عليه البراهين.
ذكر المصنف ما جاء في الوعيد فيمن أنكره، تنبيهًا على وجوب الإيمان، ولهذا عدّه النبي - ﷺ - من أركان الإيمان كما ثبت في حديث جبريل - ﵇ - لما سئل عن الإيمان، فقال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره»، قال: صدقت.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الله تعالى كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة»، قال: وعرشه على الماء.
وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «كل شيء بقدر حتى العجز والكيس» رواهما مسلم في صحيحه.
وعن علي - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يؤمن عبد حتى يؤمن
[ ١٩٠ ]
بأربع: يشهد أن لا إله إلاَّ الله وأني رسول الله بعثني بالحق، ويؤمن بالموت، والبعث بعد الموت، ويؤمن بالقدر»، رواه الترمذي، وابن ماجه، والحاكم في مستدركه، والأحاديث في ذلك كثيرة جدًا قد أفردها العلماء بالتصنيف.
قال البغوي في «شرح السنَّة»: الإيمان بالقدر فرض لازم، وهو أن يعتقد أن الله تعالى خالق أعمال العباد خيرها وشرها، كتبها عليهم في اللوح المحفوظ قبل أن يخلقهم. قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]، فالإيمان والكفر، والطاعة والمعصية كلها بقضاء الله وقدره وإرادته ومشيئته، غير أنه يرضى الإيمان والطاعة ووعد عليهما الثواب، ولا يرضى الكفر والمعصية وأوعد عليهما بالعقاب
(أصول أهل السنَّة في كيفية الإيمان بالقضاء والقدر، مع استعراض لمذهب القدرية ولوازمه الفاسدة، وبيان بطلانه)
قال شيخ الإسلام: مذهب أهل السنة في هذا الباب وغيره ما دل عليه الكتاب والسنَّة، وكان عليه السابقون الأوَّلون من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان وهو أن الله خالق كل شيء وربه ومليكه، وقد دخل في ذلك جميع الأعيان القائمة بأنفسها، وصفاتها القائمة بها، من أفعال العباد، وغير أفعال العباد، وأنه سبحانه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فلا يكون في الوجود شيء إلاَّ بمشيئته وقدره، لا يمتنع عليه شيء شاءه، بل هو قادر على كل شيء، ولا يشاء شيئًا إلاَّ وهو قادر عليه، وأنه سبحانه يعلم ما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون، فقد دخل في ذلك أفعال العباد وغيرها، وقد قدَّر مقادير الخلائق قبل أن يخلقهم، قدر أرزاقهم وآجالهم وأعمالهم، وكتب ذلك وكتب ما يصيرون إليه من سعادة وشقاوة، فهم يؤمنون بخلقه لكل شيء، وقدرته على كل شيء، ومشيئته لكل ما كان،
[ ١٩١ ]
وعلمه بالأشياء قبل أن تكون، وتقديره لها وكتابته إياها قبل أن تكون.
وغلاة القدرية ينكرون علمه المتقدم وكتابته السابقة، ويزعمون أنه أمر ونهى، وهو لا يعلم من يطيعه ممن يعصيه، بل الأمر أنُف، أي: مستأنف. وهذا القول أول ما حدث في الإسلام، بعد انقراض عصر الخلفاء الراشدين، وبعد إمارة معاوية بن أبي سفيان، في زمن الفتنة، التي كانت بين ابن الزبير وبني أمية، في آخر عصر عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وغيرهما من الصحابة.
وكان أول من ظهر ذلك عنه بالبصرة: معبد الجهني، فلما بلغ الصحابة قول هؤلاء تبرءوا منهم، وأنكروا مقالتهم، ثم لما كثر خوض الناس في القدر، صار جمهورهم يقر بالعلم المتقدم، والكتاب السابق، ولكن ينكرون عموم مشيئة الله، وعموم خلقه وقدرته، ويظنون أنه لا معنى لمشيئته إلاَّ أمره، فما شاء فقد أمره به، وما لم يشأ لم يأمر به، فلزمهم أنه قد يشاء ما لا يكون، ويكون ما لا يشاء. وأنكروا أن يكون الله خالقًا لأفعال العباد، أو قادرًا عليها، أو أن يخص بعض عباده من النعم مما يقتضي إيمانهم به، وطاعتهم له.
وزعموا أن نعمته التي بما (١) يمكن الإيمان والعمل الصالح
على الكفار كأبي جهل، وأبي لهب، مثل نعمته بذلك على أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، بمنزلة رجل دفع إلى والديه بمال قسمه بينهم بالسوية، ولكن هؤلاء أحدثوا أعمالهم الصالحة، وهؤلاء أحدثوا أعمالهم الفاسدة،
من غير نعمة خصَّ الله بها المؤمنين، وهذا قول باطل، وقد قال
الله تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم
بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات:
١٧]. وقال: ﴿كِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ
_________________
(١) هكذا بالأصل ولعلها، بها.
[ ١٩٢ ]
الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحجرات: ٧، ٨].
وقال ابن القيم ما معناه: مراتب القضاء والقدر أربع مراتب:
الأولى: علم الرب سبحانه بالأشياء قبل كونها.
الثانية: كتابة ذلك عنده في الأزل قبل خلق السموات والأرض.
الثالثة: مشيئته المتناولة لكل موجود، فلا خروج لكائن كما لا خروج له عن علمه.
الرابعة: خلقه لها وإيجاده وتكوينه، فالله خالق كل شيء، وما سواه مخلوق.
قال: وقال ابن عمر، والذي نفس ابن عمر بيده لو كان لأحدهم مثل أحد ذهبًا ثم أنفقه في سبيل الله ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر. ثم استدل بقول النبي - ﷺ -: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره» رواه مسلم
(شبهة وجوابها)
فإن قلت: كيف قال: «وتؤمن بالقدر خيره وشره»، وقد قال في الحديث: «والشر ليس إليك».
قيل: إثبات الشر في القضاء والقدر إنما هو بالإضافة إلى العبد، والمفعول إن كان مقدرًا عليه، فهو بسب جهله وظلمه وذنوبه، لا إلى الخالق، فله في ذلك من الحِكَم ما تقصر عنه أفهام البشر، لأن الشر إنما هو بالذنوب وعقوباتها في الدنيا والآخرة، فهو شر بالإضافة إلى العبد، أما بالإضافة إلى الرب ﷾، فكله خير وحكمة، فإنه صادر عن حكمه وعلمه، وما كان كذلك فهو خير محض بالنسبة إلى الرب ﷾، إذ هو موجب
[ ١٩٣ ]
أسمائه وصفاته، ولهذا قال: «والشر ليس إليك»، أي: تمتنع إضافته إليك بوجه من الوجوه، فلا يضاف الشر إلى ذاته وصفاته، ولا أسمائه ولا أفعاله، فإن ذاته منزهة عن كل شر، وصفاته كذلك، إذ كلها صفات كمال، ونعوت جلال، لا نقص فيها بوجه من الوجوه، وأسماؤه كلها حسنى، ليس فيها اسم ذم ولا عيب، وأفعاله حكمة ورحمة ومصلحة وإحسان وعدل، لا تخرج عن ذلك ألبتة، وهو المحمود على ذلك كله، فتستحيل إضافة الشر إليه
وحاصله: أن الشر راجع إلى مفعولاته، لا إلى ذاته وصفاته، ويتبَّين ذلك بمثال - ولله المثل الأعلى -: لو أن ملكًا من ملوك العدل كان معروفًا بقمع المخالفين وأهل الفساد، مقيمًا للحدود والتعزيزات الشرعية على أرباب أصحابها، ولعدُّوا ذلك خيرًا يحمده عليه الملوك، ويمدحه الناس ويشكرونه على ذلك، فهو خير بالنسبة إلى الملوك، يمدح ويثنى به ويشكر عليه، وإن كان شرًا بالنسبة إلى من أقيم عليه، فرب العالمين أولى بذلك، لأن له الكمال المطلق من جميع الوجوه والاعتبارات.
وأيضًا فلولا الشر هل كان يعرف الخير، فإن الضد لا يعرف إلاَّ بضده، فإن لم تحط به خبرًا فاذكر كلام ابن عقيل (١) في الباب الذي قبل هذا، وأسلم تسلم، والله أعلم» (٢).
_________________
(١) قال ابن عقيل: الواحد من العوام إذا رأى مراكب مقلَّدة بالذهب والفضة، ودارًا مشيَّدة مملوءة بالخدم والزينة؛ قال: انظر إلى إعطائهم مع سوء أفعالهم، ولا يزال يعلنهم ويذم معطيهم حتى يقول: فلان يصلي الجماعات والجمع، ولا يؤذي الذر، ولا يأخذ ما ليس له، ويؤدي الزكاة إذا كان له مال، ويحج ويجاهد، ولا ينال خلة بقلبه، ويظهر الإعجاب، كأنه ينطق: إنه لو كانت الشرائع حقًا، لكان الأمر بخلاف ما ترى، وكان الصالح غنيًا، والفاسق فقيرًا؟. اهـ.
(٢) «تيسير العزيز الحميد»: (٤٦٢ - ٤٦٩).
[ ١٩٤ ]