معنى الطاغوت وبعض أفراده
قال عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين:
«وأما تعريف الطاغوت: فهو مشتق من طغا، وتقديره طغووت، ثم قلبت الواو ألفًا، قال النحويُّون: وزنه فعلوت، والتاء زائدة، وقال الواحدي: قال جميع أهل اللغة: الطاغوت: كل ما عبد من دون الله، يكون واحدًا وجمعًا، ويذكر ويؤنث، قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ﴾ [النساء: ٦٠]، فهذا في الواحد.
وقال تعالى في الجمع: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة: ٢٥٧].
وقال في المؤنث: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا﴾ [الزمر: ١٧]، قال: ومثله في أسماء الفلك يكون واحدًا وجمعًا ومذكرًا ومؤنثًا.
قال: قال الليث وأبو عبيدة والكسائي وجماهير أهل اللغة: الطاغوت كل ما عبد من دون الله، وقال الجوهري: الطاغوت الكاهن والشيطان وكل رأس في الضلال، وقال مالك وغير واحد من السلف والخلف: كل ما عبد من دون الله فهو طاغوت، وقال عمر بن الخطاب - ﵁ - وابن عباس ﵄ وكثير من المفسرين: الطاغوت الشيطان.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: وهو قول قوي جدًا، فإنه يشتمل كل ما عليه أهل الجاهلية من: عبادة الأوثان والتحاكم إليها والاستنصار بها.
وقال الواحدي عند قول الله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١]:
[ ١٢١ ]
كل معبود من دون الله فهو جبت وطاغوت؛ قال ابن عباس في رواية عطية: الجبت الأصنام، والطاغوت تراجمة الأصنام الذين يكونون بين أيديها يعبرون عنه الكذب ليضلوا الناس، وقال في رواية الوابي: الجبت الكاهن، والطغوت الساحر.
وقال بعض السلف في قوله سبحانه: ﴿يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٦٠]، إنه كعب بن الأشرف. وقال بعضهم: حيّ بن أخطب. وإنما استحقَّا هذا الاسم لكونهما من رءوس الضلال، ولإفراطهما في الطغيان وإغوائهما الناس، ولطاعة اليهود لهما في معصية الله، فكل من كان بهذه الصفة فهو طاغوت.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٦٠]، ولما ذكر ما قيل إنها نزلت فيمن طلب التحاكم إلى كعب بن الأشرف أو إلى حكم الجاهلية وغير ذلك، قال: والآية أعم من ذلك كله، فإنها ذامة، لمن عدل عن الكتاب والسنَّة وتحاكم إلى ما سواهما من الباطل، وهو المراد بالطاغوت ههنا.
فتحصَّل من مجموع كلامهم رحمهم الله تعالى أن اسم «الطاغوت» يشمل كل معبود من دون الله، وكل رأس في الضلال يدعو إلى الباطل ويحسنه، ويشمل أيضًا كل من نصبه الناس للحكم بينهم بأحكام الجاهلية المضادة لحكم الله ورسوله، ويشمل أيضًا الكاهن والساحر وسدنة الأوثان إلى عبادة المقبورين وغيرهم بما يكذبون من الحكايات المضلَّة للجهَّال، الموهمة أن المقبور ونحوه يقضي حاجة من توجه إليه وقصده، وأنه فعل كذا وكذا مما هو كذب أو من فعل الشياطين، ليوهموا الناس أن المقبور ونحوه يقضي حاجة من قصده، فيوقعهم في الشرك الأكبر وتوابعه.
[ ١٢٢ ]
وأصل هذه الأنواع كلها وأعظمها الشيطان، فهو الطاغوت الأكبر، والله ﷾ أعلم، وصلَّى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا» (١).
وسئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:
السؤال الثالث من الفتوى رقم (٨٠٠٨):
س: ما معنى الطاغوت عمومًا، مع الإشارة إلى تفسير ابن كثير لآية النساء: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ٦٠].
المراد هنا توضيح أمرين:
الأول: ما معنى الطاغوت عمومًا، وهل يدخل كما قال ابن كثير طاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه دون الله لكي نصل إلى تفسير الحاكم والمتحاكمين إليه حال كونه لا يحاكم بشرعه سبحانه.
الثاني: معنى قوله ﴿يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ﴾ قال بعضهم الإرادة هنا لا تحصل إلاَّ بالباطن ولا يعلم أحد به لذا فلا يحكم بكفر المتحاكم إلاَّ بتوافر شرط العلم بالإرادة الباطنية وهو غير حاصل، الإرادة محمولة على المعنى الظاهرة، الاستدلال بحديث الرسول - ﷺ - بالرضا والمتابعة، أي: ذلك صواب.
الحمد لله وحده والصلاة والسَّلام على رسوله وآله وصحبه وبعد:
ج: أولًا: معنى الطاغوت العام: هو كل ما عبد من دون الله مطلقًا، تقربًا إليه بصلاة أو صيام أو نذر أو ذبيحة أو لجوء إليه، فيما هو من شأن الله، لكشف ضر، أو جلب نفع، أو تحكيمًا له بدلًا من كتاب الله وسنَّة رسوله - ﷺ - ونحو ذلك.
_________________
(١) «مجموعة التوحيد»: (ص ٤٩٨ - ٥٠٠).
[ ١٢٣ ]
والمراد بالطاغوت في الآية: كل ما عدل عن كتاب الله تعالى وسنَّة نبيه - ﷺ -، إلى التحاكم إليه من: نظم وقوانين وضعية، أو تقاليد وعادات متوارثة، أو رؤساء قبائل ليفصل بينهم بذلك، أو بما يراه زعيم الجماعة، أو الكاهن. ومن ذلك يتبين: أن النظم التي وضعت ليتحاكم إليها مضاهاة لتشريع الله داخلة في معنى الطاغوت.
لكن من عبد من دون الله وهو غير راض بذلك كالأنبياء والصالحين لا يسمَّى طاغوتًا وإنما الطاغوت الشيطان الذي دعاهم إلى ذلك وزينه لهم من الجن والإنس.
ثانيًا: المراد بالإرادة في قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ﴾: ما صحبه فعل، أو قرائن وأمارات تدل على القصد والإرادة، بدليل ما جاء في الآية التي بعد هذه الآية: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا﴾ [النساء: ٦١]، ويدل على ذلك أيضًا: سبب النزول الذي ذكره ابن كثير وغيره في تفسير هذه الآية، وكذلك المتاعبة دليل الرضا، وبذلك يزول الإشكال القائل: إن الإرادة أمر باطن فلا يحكم على المريد إلاَّ بعلمها منه وهو غير حاصل.
وبالله التوفيق، وصلَّى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلَّم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو عضو نائب رئيس اللجنة الرئيس
عبد الله بن قعود عبد الله بن غديان عبد الرزاق عفيفي عبد العزيز بن عبد الله بن باز (١)
* * *
_________________
(١) «فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء»: (١/ ٥٤٢، ٥٤٣).
[ ١٢٤ ]