الغلو: من أعظم أسباب المروق من الإسلام، ولذا فهو أصل شرك الأوَّلين، والآخرين
قال الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله تعالى:
«وقال الشيخ تقي الدين في الرسالة السنية لما ذكر حديث الخوارج ومروقهم من الدين، وأمره - ﷺ - بقتالهم قال: فإذا كان على عهد رسول الله - ﷺ - وخلفائه، ممن انتسب إلى الإسلام، من قد مرق منه مع عبادته العظيمة، فليعلم أن المنتسب إلى الإسلام والسنة في هذه الأزمان قد يمرق أيضًا من الإسلام وذلك بأسباب:
منها: الغلو في بعض المشايخ، بل الغلو في علي ابن أبي طالب، بل الغلو في المسيح ونحوه، فكل من غلا في نبي أو رجل صالح، وجعل فيه نوعًا من الإلهية مثل أن يقول: يا سيدي فلان انصرني، أو أغثني، أو ارزقني، أو اجبرني، أو أنا في حسبك، أو نحو هذه الأقوال، فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبه، فإن تاب وإلاَّ قتل، فإن الله تعالى إنما أرسل الرسل، وأنزل الكتب ليعبد وحده لا يجعل معه إله آخر، والذين يدعون من دون الله آلهة أخرى مثل المسيح والملائكة والأصنام لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق، أو تنزل المطر، أو تنبت النبات، وإنما كانوا يعبدونهم، أو يعبدون قبورهم، أو صورهم ويقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، ويقولون: ﴿هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ﴾ [يونس: ١٨]» (١).
_________________
(١) «عقيدة الموحدين» رسالة الكلمات النافعة في المكفِّرات الواقعة: (٢٢٩ - ٢٣١).
[ ٢٣٦ ]
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتابه التوحيد، وعبد الرحمن بن حسن في شرحه عليه رحمهما الله تعالى:
(باب) ما جاء أن سبب كفر بني آدم
وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين
وقول الله تعالى ﷿: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقِّ﴾ [النساء: ١٧١].
في الصحيح عن ابن عباس ﵄ في قول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدًّا وَلاَ سُوَاعًا وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣].
قال: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح. فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا، ولم تعبد. حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم عبدت».
وقال ابن القيم: قال غير واحد من السلف: لما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوَّروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم.
وعن عمر أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله» أخرجاه.
وقال: قال رسول الله - ﷺ -: «إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو».
ولمسلم عن ابن مسعود أن رسول الله - ﷺ - قال: «هلك المتنطعون»، قالها ثلاثًا.
[الشرح]
قوله: «باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين».
وقوله: «تركهم» بالجر عطفًا على المضاف إليه. وأراد المصنف ﵀
[ ٢٣٧ ]
تعالى بيان ما يؤول إليه الغلو في الصالحين من الشرك بالله في الإلهية، الذي هو أعظم ذنب عصي الله به، وهو ينافي التوحيد الذي دلت عليه كلمة الإخلاص: شهادة أن لا إله إلاَّ الله.
قوله: وقوله الله ﷿: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ [النساء: ١٧١].
الغلو: هو الإفراط في التعظيم بالقول والاعتقاد، أي: لا ترفعوا المخلوق عن منزلته التي أنزل الله فتنزلوه المنزلة التي لا تنبغي إلاَّ بالله
قوله: في الصحيح عن ابن عباس ﵄ في قول الله تعالى:
﴿وَقَالُوا لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدًّا وَلاَ سُوَاعًا وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣]، قال: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا وسموها بأسمائهم، ففعلوا، ولم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم عبدت
قوله: «حتى إذا هلك أولئك»، أي: الذين صوَّروا تلك الأصنام.
قوله: «ونسي العلم» ورواية البخاري: «وينسخ» وللكشميهني: «ونسخ العلم»، أي: درست آثاره بذهاب العلماء، وعم الجهل حتى صاروا لا يميزون بين التوحيد والشرك، فوقعوا في الشرك ظنًا منهم أنه ينفعهم عند الله
قال القرطبي: وإنما صوَّر أوائلهم الصور ليتأسوا بهم، ويتذكروا أفعالهم الصالحة. فيجتهدوا كاجتهادهم، ويعبدوا الله عند قبورهم. ثم خلفهم قوم جهلوا مرادهم، فوسوس لهم الشيطان أن أسلافهم كانوا يعبدون هذه الصور ويعظمونها. اهـ.
قوله: وقال رسول الله - ﷺ -: «إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم
[ ٢٣٨ ]
الغلو».
هذا الحديث ذكره المصنف بدون ذكر راويه، وقد رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه من حديث ابن عباس.
وهذا لفظ رواية أحمد: عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «غداة جمع: هلم القط لي»، فلقطت له حصيات هن حصى الخذف، فلما وضعهن في يده قال: «نعم بأمثال هؤلاء فارموا. وإياكم والغلو في الدين، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين».
قال شيخ الإسلام: هذا عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال، وسبب هذا اللفظ العام رمي الجمار، وهو داخل فيه، مثل الرمي بالحجارة الكبار، بناء على أنه أبلغ من الصغار، ثم علَّل بما يقتضي مجانبة هدي من كان قبلنا إبعادًا عن الوقوع فيما هلكوا به، فإن المشارك لهم في بعض هديهم يخاف عليه من الهلاك» (١).
* * *
_________________
(١) «فتح المجيد»: (٢١٤ - ٢٢٢).
[ ٢٣٩ ]