الفرق بين الشفاعة المثبتة، والمنفية في القرآن العظيم
لقد أثبت القرآن الشفاعة في موضع، ونفاها في آخر، ليتجلَّى بذلك الإثبات والنفي: الفرق بين حقيقة التوحيد والشرك.
والشفاعة المثبتة هي شفاعة العبد، المملوك، المربوب، المأمور من قبل سيده أن يشفع فيمن حقَّقوا شروطها، واجتنبوا موانعها.
والشفاعة المنفية: هي شفاعة الشريك، والمعاون، والوزير لأن الله سبحانه واحد في صفاته، وأفعاله، وربوبيته، وألوهيته، لا سميَّ له، ولا ند، ولا نظير. ومن ثم كان أسعد الناس بالشفاعة: أهل التوحيد الخلص، الذين جرَّدوه من شوائب الشرك ومتعلَّقاته، وأما أهل الشرك والتنديد فليس لهم منها أدنى نصيب:
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمهما الله تعالى:
«الشفاعة نوعان: شفاعة منفية في القرآن، وهي الشفاعة للكافر والمشرك. قال تعالى: ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، وقال: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٣٨]، وقال: ﴿وَاتَّقُواْ يَوْمًا لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ﴾ [البقرة: ٤٨]، ونحو هذه الآيات كقوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨].
يخبر تعالى على أن من اتخذ هؤلاء شفعاء عند الله، أنه لا يعلم أنهم يشفعون له بذلك وما لا يعلمه لا وجود له، فنفى وقوع هذه الشفاعة، وأخبر
[ ٢٩٧ ]
أنها شرك بقوله: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾، إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: ٣].
فأبطل شفاعة من اتخذ شفيعًا يزعم أنه يقرِّبه إلى الله وهو يبعده عنه وعن رحمته ومغفرته، لأنه جعل لله شريكًا يرغب إليه ويرجوه ويتوكل عليه ويحبه، كما يحب الله تعالى أو أعظم.
(النوع الثاني): الشفاعة التي أثبتها القرآن، وهي خالصة لأهل الإخلاص وقيَّدها تعالى بأمرين:
الأول: إذنه للشافع أن يشفع، كما قال تعالى: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. وإذنه تعالى لا يصدر إلاَّ إذا رحم عبده الموحد المذنب، فإذا رحمه تعالى أذن للشافع أن يشفع له.
الأمر الثاني: رضاه عمَّن أذن للشافع أن يشفع فيه، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨].
فالإذن بالشفاعة له بعد الرضا، كما في هذه الآية، وهو سبحانه لا يرضى إلاَّ التوحيد» (١).
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتابه التوحيد، وحفيده عبد الرحمن بن حسن ﵏ جميعًا في شرحه عليه أثناء الحديث عن الشفاعة:
قال: وقوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ * وَلاَ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٢، ٢٣].
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في الكلام على هذه الآيات: وقد قطع الله
_________________
(١) «قرة عيون الموحِّدين»: (ص ٩٧).
[ ٢٩٨ ]
الأسباب التي يتعلق بها المشركون جميعها، فالمشرك إنما يتخذ معبوده لما يحصل له من النفع، والنفع لا يكون إلاَّ ممن فيه خصلة من هذه الأربع: إما مالك لما يريد عابده منه، فإن لم يكن مالكًا كان شريكًا للمالك، فإن لم يكن شريكًا له كان معينًا له وظهيرًا، فإن لم يكن معينًا ولا ظهيرًا كان شفيعًا عنده.
فنفى الله سبحانه المراتب الأربع نفيًا مرتبًا، منتقلًا من الأعلى إلى الأدنى، فنفى: الملك والشركة والمظاهرة والشفاعة التي يطلبها المشرك، وأثبت شفاعة لا نصيب فيها لمشرك، وهي الشفاعة بإذنه.
فكفى بهذه الآية نورًا وبرهانًا وتجريدًا للتوحيد، وقطعًا لأصل الشرك ومواده لمن عقلها.
والقرآن مملوء من أمثالها ونظائرها، ولكن أكثر الناس لا يشعرون بدخول الواقع تحته وتضمُّنه له، ويظنونها في نوع وقوم قد خلوا من قبل ولم يعقبوا وارثًا، فهذا هو الذي يحول بين القلب وبين فهم القرآن.
ولعمر الله، إن كان أولئك قد خلوا فقد ورثهم من هو مثلهم أو شر منهم أو دونهم، وتناول القرآن لهم كتناوله لأولئك
وهذا الذي ذكره الإمام في معنى الآية هو حقيقة دين الإسلام، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥].
قوله: قال أبو العباس هذه كنية شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحرَّاني إمام المسلمين ﵀.
(نفى الله عما سواه كل علائق المشركين)
قوله: نفى الله عما سواه كل ما يتعلق به المشركون، فنفى أن يكون لغيره ملك أو قسط منه، أو يكون عونًا لله. فلم يبق إلاَّ الشفاعة، فبين أنها لا
[ ٢٩٩ ]
تنفع إلاَّ لمن أذن له الرب، كما قال تعالى عن الملائكة: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨].
فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون، هي منتفية يوم القيامة، كما نفاها القرآن، وأخبر النبي - ﷺ -: «أنه يأتي فيسجد لربه ويحمده»، لا يبدأ بالشفاعة أوَّلًا. ثم يقال له: «ارفع رأسك وقل تسمع، وسل تعط، واشفع تشفع». قال له أبو هريرة: من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: «من قال لا إله إلاَّ الله خالصًا من قلبه».
فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن الله، ولا تكون لمن أشرك بالله، وحقيقتها: أن الله ﷾ هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص، فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع ليكرمه، وينال المقام المحمود.
فالشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك، ولهذا أثبت الشفاعة بإذنه في مواضع، وقد بيَّن النبي - ﷺ - أنها لا تكون إلاَّ لأهل التوحيد والإخلاص. انتهى.
قوله: وقال أبو هريرة إلى آخره. هذا الحديث رواه البخاري والنسائي عن أبي هريرة ورواه أحمد وصححه ابن حبان وفيه: «وشفاعتي لمن قال لا إله إلاَّ الله مخلصًا، يصدق قلبه لسانه، ولسانه قلبه»، وشاهده في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجَّل كل بني دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات لا يشرك بالله شيئًا».
وقد ساق المصنف ﵀ كلام شيخ الإسلام هنا، فقام مقام الشرح والتفسير لما في هذا الباب من الآيات، وهو كاف واف بتحقيق مع الإيجاز. والله أعلم.
وقد عرف الإخلاص بتعريف حسن فقال: «الإخلاص محبة الله وحده
[ ٣٠٠ ]
وإرادة وجهه». اهـ.
وقال ابن القيم ﵀ في معنى حديث أبي هريرة: تأمل هذا الحديث كيف جعل أعظم الأسباب التي تنال بها شفاعته تجريد التوحيد، عكس ما عند المشركين أن الشفاعة تنال باتخاذهم شفعاء وعبادتهم وموالاتهم، فقلب النبي - ﷺ - ما في زعمهم الكاذب، وأخبر أن سبب الشفاعة تجريد التوحيد، فحينئذ يأذن الله للشافع أن يشفع.
ومن جهل المشرك: اعتقاده أن من اتخذ وليّا أو شفيعًا أنه يشفع له وينفعه عند الله، كما يكون خواص الولاة والملوك تنفع من والاهم، ولم يعلموا أنه لا يشفع عنده أحد إلاَّ بإذنه في الشفاعة، ولا يأذن في الشفاعة إلاَّ لمن يرضى قوله وعمله، كما قاله في الفصل الأول: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وفي الفصل الثاني: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]، وبقى فصل ثالث، وهو أنه لا يرضى من القول والعمل إلاَّ توحيده واتباع رسوله - ﷺ -، فهذه ثلاثة فصول تقطع شجرة الشرك من قلب من عقلها ورعاها. اهـ.
وذكر أيضًا رحمه الله تعالى أن الشفاعة ستة أنواع:
الأول: الشفاعة الكبرى، التي يتأخر عنها أولو العزم عليهم الصلاة والسلام حتى تنتهي إليه - ﷺ - فيقول: «أنا لها»، وذلك حين يرغب الخلائق إلى الأنبياء ليشفعوا لهم إلى ربهم حتى يريحهم من مقامهم في الموقف، وهذه شفاعة يختص بها ولا يشركه فيها أحد.
الثاني: شفاعته لأهل الجنة في دخولها. وقد ذكرها أبو هريرة في حديثه الطويل المتفق عليه.
الثالث: شفاعته لقوم من العصاة من أمته قد استوجبوا النار بذنوبهم،
[ ٣٠١ ]
فيشفع لهم أن لا يدخلوها.
الرابع: شفاعته في العصاة من أهل التوحيد، الذين يدخلون النار بذنوبهم. والأحاديث بها متواترة عن النبي - ﷺ -. وقد أجمع عليها الصحابة وأهل السنة قاطبة، وبدَّعوا من أنكرها، وصاحوا به من كل جانب، ونادوا عليه بالضلال.
الخامس: شفاعته لقوم من أهل الجنة في زيادة ثوابهم ورفعة درجاتهم، وهذه مما لم ينازع فيها أحد.
وكلها مختصة بأهل الإخلاص الذين لم يتخذوا من دون الله وليّا ولا شفيعًا، كما قال تعالى: ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ﴾ [الأنعام: ٥١].
السادس: شفاعته في بعض أهله الكفار من أهل النار، حتى يخفَّف عذابه، وهذه خاصة بأبي طالب وحده» (١).
* * *
_________________
(١) «فتح المجيد»: (ص ٢٠١ - ٢٠٨).
[ ٣٠٢ ]