تعريف دار الشرك، وواجب المسلمين نحوها
إذا صار الشرك وتوابعه، فاشيًا في بلد، وبات التحاكم والدعوة فيها لغير الكتاب والسنة، أصبحت الدار دار كفر وشرك بإجماع العلماء المستند لقواعد التنزيل.
فالقرآن كله دالّ على ذلك، ومن ثمّ توجَّب على أهلها من المسلمين: البراءة والإنكار لمعتقد أهل الكفر والضلال، وإلاَّ فالفرار الفرار (١).
قال الشيخ حمد بن عتيق في جوابه لمن ناظره في حكم أهل مكة، وما يقال في البلد نفسه؟
فأجاب بقوله: ﴿قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢]، جرت المذاكرة في كون مكة بلد كفر، أم بلد إسلام.
فنقول وبالله التوفيق: قد بعث الله محمدًا - ﷺ - بالتوحيد الذي هو دين جميع الرسل، وحقيقته: هو مضمون شهادة أن لا إله إلاَّ الله، وهو أن يكون الله معبود الخلائق، فلا يتعبَّدون لغيره بنوع من أنواع العبادة، ومخ العبادة هو: الدعاء، ومنها: الخوف والرجاء والتوكل والإنابة والذبح والصلاة وأنواع العبادة كثيرة، وهذا الأصل العظيم هو شرط في صحة كل عمل.
والأصل الثاني: هو طاعة النبي - ﷺ - في أمره، وتحكيمه في دقيق الأمور
_________________
(١) أخي القارئ: نحب أن نلفت نظرك الكريم إلى أن أحكام الديار والقتال، سنفرد لكل منهما فصلًا مفصلًا - إن شاء الله - في كتاب الأحكام المترتبة على التوحيد والشرك. ولكني آثرت ذكرهما ههنا بنوع من الاختصار، حفاظًا على الوحدة الموضوعية، وحتى تكتمل الصورة بوضوح في معنى الشرك، والأحكام المترتبة عليه، بدلًا من أن تخرج باهتة بلا مضمون، ودون واقع عملي محسوس ملموس.
[ ٣٦٠ ]
وجليلها، وتعظيم شرعه ودينه، والإذعان لأحكامه في أصول الدين وفروعه.
(فالأول): ينافي الشرك ولا يصح مع وجوده.
(والثاني): ينافي البدع ولا يستقيم مع حدوثها، فإذا تحقق وجود هذين الأصلين علمًا وعملًا ودعوة، وكان هذا دين أهل البلد، أي بلد كان بأن عملوا به، ودعوا إليه، وكانوا أولياء لمن دان به، ومعادين لمن خالفه فهم موحِّدون.
وأما إذا كان الشرك فاشيًا مثل: دعاء الكعبة والمقام والحطيم، ودعاء الأنبياء والصالحين، وإفشاء توابع الشرك مثل: الزنا والربا وأنواع الظلم ونبذ السنن وراء الظهر، وفشو البدع والضلالات، وصار التحاكم إلى الأئمة الظلمة ونواب المشركين، وصارت الدعوة إلى غير القرآن والسنة، وصار هذا معلومًا في أي بلد كان، فلا يشك من له أدنى علم أن هذه البلاد محكوم عليها بأنها: بلاد كفر وشرك، لا سيما إذا كانوا معادين أهل التوحيد، وساعين في إزالة دينهم وفي تخريب بلاد الإسلام.
وإذا أردت إقامة الدليل على ذلك وجدت القرآن كله، فيه، وقد أجمع عليه العلماء فهو معلوم بالضرورة عند كل عالم.
وأما قول القائل ما ذكرتم من الشرك إنما هو من الأفاقية (١)، لا من أهل البلد.
فيقال له أولًا: هذا إما مكابرة، وإما عدم علم بالواقع.
فمن المتقرر أن أهل الآفاق تبع لأهل تلك البلاد في دعاء الكعبة والمقام والحطيم، كما يسمعه كل سامع ويعرفه كل موحد.
ويقال ثانيًا: إذا تقرر وصار هذا معلومًا فذاك كاف في المسألة، ومن الذي فرق في ذلك، ويا لله العجب إذا كنتم تخفون توحيدكم في بلادكم، ولا تقدرون أن تصرِّحوا بدينكم، وتخافتون بصلاتكم لأنكم علمت عداوتهم
_________________
(١) أي: الذين يأتون إلى مكة المكرمة زائرين، لا أهل البلد الأصليين.
[ ٣٦١ ]
لهذا الدين، وبغضهم لمن دان به، فكيف يقع لعاقل إشكال، أرأيتم لو قال رجل منكم لمن يدعو الكعبة أو المقام أو الحطيم، ويدعو الرسول والصحابة: يا هذا لا تدع غير الله، أو أنت مشرك، هل تراهم يسامحونه أم يكيدونه؟ فليعلم المجادل أنه ليس على توحيد الله، فوالله ما عرف التوحيد ولا تحقق بدين الرسول - ﷺ -. أرأيت رجلًا عندهم قائلًا لهؤلاء: راجعوا دينكم أو اهدموا البناءات التي على القبور، ولا يحل لكم دعاء غير الله، هل ترى يكفيهم فيه فعل قريش بمحمد - ﷺ - لا والله لا والله.
وإذا كانت الدار: دار إسلام - لأي شيء - لِمَ تدعوهم إلى الإسلام وتأمرهم بهدم القباب واجتناب الشرك وتوابعه؟
فإن يكن قد غرَّكم أنهم يصلون أو يحجون أو يصومون ويتصدَّقون، فتأملوا: الأمر من أوله، وهو أن التوحيد قد تقرر في مكة بدعوة إسماعيل بن إبراهيم الخليل ﵉، ومكث أهل مكة عليه مدة من الزمان، ثم إنه فشا فيهم الشرك بسبب عمرو بن لحي، وصاروا مشركين، وصارت البلاد بلاد شرك، مع أنه قد بقي معهم أشياء من الدين، وكما كانوا يحجُّون ويتصدقون على الحاج وغير الحاج.
وقد بلغكم شعر عبد المطلب (١) الذي أخلص فيه في قصة الفيل، وغير
_________________
(١) قام عبد المطلب، فأخذ بحلقة باب الكعبة، وقام معه نفر من قريش يدعون الله، ويستنصرونه على أبرهة، فقال عبد المطلب، وهو آخو بحلقة باب الكعبة. يا رب لا أرجو لهم سواكا يا رب فامنع منهم حماكا إن عدو البيت من عاداكا امنعهم أن يخربوا فناكا وله شعر آخر في هذا الأمر، لا يدعو فيه إلاَّ الله وحده، ولا يستنصر فيه أحدًا سواه. انظر: الكامل في التاريخ للإمام ابن الأثير: (١/ ٣٤٣، ٣٤٤) ذكر أمر الفيل: تحقيق عبد الله القاضي - دار الكتب العلمية - الطبعة الثانية ١٤١٥ هـ، ١٩٩٥ م.
[ ٣٦٢ ]
ذلك من البقايا ولم يمنع الزمان - أي: أن وقتهم وقت فترة والله أعلم - ذلك من تكفيرهم وعداوتهم، بل الظاهر عندنا وعند غيرنا أن شركهم اليوم أعظم من ذلك الزمان، بل قبل هذا كله أنه مكث أهل الأرض بعد آدم عشرة قرون على التوحيد، حتى حدث فيهم الغلو في الصالحين فدعوهم مع الله فكفروا، فبعث الله إليهم نوحًا - ﵇ - يدعو إلى التوحيد.
فتأمل ما قص الله عنهم، وكذا ما ذكر الله عن هود - ﵇ - أنه دعاهم إلى إخلاص العبادة لله لأنهم لم ينازعوه في أصل العبادة، وكذلك إبراهيم دعا قومه إلى إخلاص التوحيد وإلاَّ فقد أقروا لله بالإلهية.
وجماع الأمر أنه إذا ظهر في بلد دعاء غير الله، وتوابع بذلك، واستمر أهلها عليه، وقاتلوا عليه، وتقررت عندهم عداوة أهل التوحيد، وأبوا عن الانقياد للدين فكيف لا يحكم عليهما بأنها بلد كفر؟
ولو كانوا لا ينتسبون لأهل الكفر، وأنهم منهم بريئون مع مسبتهم لهم، وتخطئتهم لمن دان به، والحكم عليهم بأنهم خوارج أو كفار، فكيف إذا كانت هذه الأشياء كلها موجودة؟ فهذه مسألة عامة كلية.
وأما القضايا الجزئية فنقول: قد دل القرآن والسنَّة على أن المسلم إذا حصلت منه موالاة أهل الشرك، والانقياد لهم، ارتد بذلك عن دينه.
فتأمل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٥، ٢٦]، مع قوله: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]، وأمعن النظر في قوله تعالى ﴿فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠]» (١).
_________________
(١) «مجموع الرسائل والمسائل النجدية»: (١/ ٧٤٢ - ٧٤٥).
[ ٣٦٣ ]