كيف دخل الشرك في الأمة؟
لقد فتح الشيطان بابًا للشرك كان مغلقًا، عندما لبس على الناس دينهم، فزَّين لهم أن الأحكام في الإسلام، دائرة مع الأسماء، وأن الحقائق والمعاني لا دخل لها في تعليل الأحكام، فعاد بذلك كل لون من ألوان الشرك، في اسم غير اسمه، ومقصد غيره مقصده.
قال الشيخ محمد بن عبد اللطيف رحمهما الله تعالى:
«وقد دخل كثير من هذه الأمة في الشرك بالله، والتعلق على ما سواه، ويسمُّون ذلك توسلًا، وتشفعًا، وتغيير الأسماء، لا اعتبار به، ولا تزول حقيقة الشيء، ولا حكمه بزوال اسمه، وانتقاله في عرف الناس باسم آخر.
(تغيير الأسماء: لا يغيِّر الأحكام المترتبة على معانيها)
ولما علم الشيطان: أن النفوس تنفر من تسمية ما يفعله المشركون تألهًا، أخرجه في قالب آخر تقبله النفوس، وقد جاء عن النبي - ﷺ - أنه قال: «ليشربن أناس من أمتي الخمر، يسمُّونها بغير اسمها»، وكذلك من زنى، وسمَّى ما فعله: نكاحًا، فتغيير الأسماء، لا يزيل الحقائق، وكذا من ارتكب شيئًا، من الأمور الشركية فهو مشرك، وإن سمى ذلك توسلًا، وتشفعًا.
يوضح ذلك: ما ذكر الله في كتابه، عن اليهود، والنصارى، بقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ ﴾ [التوبة: ٣١]، وروى الإمام أحمد، والترمذي، وغيرهما: أن عدي بن حاتم، قدم على النبي - ﷺ - وكان قد تنصَّر في الجاهلية، فسمع النبي - ﷺ - يقرأ هذه الآية: ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ
[ ٢٣٣ ]
وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ ﴾ [التوبة: ٣١]، قال: يا رسول الله، إنهم لم يعبدوهم، فقال - ﷺ -: «بلى إنهم حرَّموا عليهم الحلال، وحلَّلوا لهم الحرام، فذاك عبادتهم إياهم».
وقال ابن عباس، وحذيفة بن اليمان، في تفسير هذه الآية: إنهم اتبعوهم فيما حلَّلوا وحرَّموا. فهؤلاء الذين أخبر الله عنهم في هذه الآية، لم يسموا أحبارهم، ورهبانهم، أربابًا ولا آلهة، ولا كانوا يظنون أن فعلهم هذا معهم عبادة لهم، ولهذا قال عدي: إنهم لم يعبدوهم.
وحكم الشيء تابع لحقيقته، لا لاسمه، ولا لاعتقاد فاعله، فهؤلاء كانوا يعتقدون أن طاعتهم في ذلك، ليست بعبادة لهم، فلم يكن ذلك عذرًا لهم، ولا مزيلًا لاسم فعلهم، ولا لحقيقته وحكمه» (١).
قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن رحمهما الله تعالى:
«وتلطف الشيطان في كيد هؤلاء الغلاة في قبور الصالحين، بأن دسَّ عليهم تغيير الأسماء والحدود الشرعية، والألفاظ اللغوية، فسموا الشرك وعبادة الصالحين: توسُّلًا ونداء، وحسن اعتقاد في الأولياء، وتشفعًا بهم، واستظهارًا بأرواحهم الشريفة، فاستجاب له صبيان العقول، وخفافيش البصائر، وداروا مع الأسماء، ولم يقفوا مع الحقائق.
فعادت عبادة الأولياء والصالحين، ودعاء الأوثان والشياطين، كما كانت قبل النبوَّة، وفي زمان الفترة حذو النعل بالنعل، وحذو القذَّة بالقذَّة، وهذا من أعلام النبوَّة، كما ذكره غير واحد، ولم يزل ذلك في ظهور وازدياد، حتى عمَّ ضرره، وبلغ شرره الحاضر والباد» (٢).
_________________
(١) «الدرر السنية»: (١/ ٥٦٧ - ٥٦٩).
(٢) «الدرر السنية»: (١٢/ ٢٨٣).
[ ٢٣٤ ]
وقال الشيخ أبو بطين رحمه الله تعالى:
«إن موالاة الله بعبادته، والبراءة من كل معبود سواه، هو معنى: لا إله إلاَّ الله، إذا تبين ذلك، فمن صرف لغير الله شيئًا من أنواع العبادة المتقدم تعريفها، كالحب والتعظيم، والخوف، والرجاء، والدعاء، والتوكل، والذبح، والنذر، وغير ذلك، فقد عبد ذلك الغير، واتخذه إلهًا، وأشركه مع الله في خالص حقه، وإن فرَّ من تسمية فعله ذلك تألهًا وعبادة وشركًا.
ومعلوم عند كل عاقل: أن حقائق الأشياء، لا تتغير بتغير أسمائها، فلو سمى: الزنا، والربا، والخمر، بغير أسمائها، لم يخرجها تغيير الاسم، عن كونها: زنًا، وربًا، وخمرًا، ونحو ذلك.
ومن المعلوم: أن الشرك، إنما حرم لقبحه في نفسه، وكونه متضمنًا مسبَّة الرب وتنقُّصه وتشبيهه بالمخلوقين، فلا تزول هذه المفاسد، بتغيير اسمه، كتسميته: توسلًا، وتشفعًا، وتعظيمًا للصالحين، وتوقيرًا لهم ونحو ذلك، فالمشرك: مشرك، شاء أم أبى، كما أن الزاني: زان، شاء أم أبى، والمرابي: مراب، شاء أم أبى» (١).
وقال الشيخ أبو بطين أيضًا رحمه الله تعالى:
«قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: ومن ذبح للشيطان ودعاه واستعان به، وتقرَّب إليه بما يحبه، فقد عبده، وإن لم يسم ذلك عبادة، ويسميه استخدامًا من الشيطان له» (٢).
* * *
_________________
(١) «الدرر السنية»: (٢/ ٢٩٨، ٢٩٩).
(٢) «الدرر السنية»: (١٢/ ٩١).
[ ٢٣٥ ]