الرد على أشهر شبهات علماء المشركين
لقد قطع، وقرَّر بعض علماء المشركين بأن دعاء الموتى، والاستغاثة بهم في الشدائد، من أنواع الشرك العملي الأصغر، الذي لا يكفر به صاحبه إلاَّ أن يستحلَّه، هذا من حيث الفعل والقول، وأما بالنظر إليه من حيث الاعتقاد، فهو كالطيرة التي هي من الشرك الأصغر بغير خلاف.
قال الإمام العلامة الشيخ حمد بن ناصر رحمه الله تعالى في التصدي لبيان هذا الافتراء العظيم:
فيقال لمن أنكر أن يكون دعاء الموتى، والاستغاثة بهم في الشدائد شركًا أكبر: أخبرنا عن هذا الشرك الذي عظمه الله، وأخبر أنه لا يغفره أتظن أن الله يحرمه هذا التحريم، ولا يبينه لنا؟ ومعلوم أن الله سبحانه نزل كتابه تبيانًا لكل شيء، وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين.
(الشرك وبيان حرمته من أعظم الأمور وضوحًا في كتاب الله تعالى)
وقد أخبر في كتابه: أنه أكمل لنا الدين، وأتم علينا النعمة، ورضي لنا الإسلام دينًا، فكيف يجوز أن يترك بيان الشرك الذي هو أعظم ذنب عصي الله به سبحانه؟! فإذا أصغى الإنسان إلى كتاب الله وتدبره، وجد فيه الهدى والشفاء ﴿وَمَن يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الرعد: ٣٣]، ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾ [النور: ٤٠].
وقال أيضًا: قد أمرنا الله سبحانه بدعائه وسؤاله، وأخبر أنه يجيب دعوة الداع إذا دعاه، وأمرنا أن ندعوه خوفًا وطمعًا، فإذا سمع الإنسان قوله تعالى:
[ ٣٢٣ ]
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، وقوله: ﴿ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥]، وأطاع الله ودعاه، وأنزل به حاجته، وسأله تضرعًا وخفية، فمعلوم أن هذا عبادة، فيقال: فإن دعا في تلك الحاجة نبيًا، أو ملكًا، أو عبدًا صالحًا، هل أشرك في هذه العبادة؟ فلا بد أن يقر بذلك إلاَّ أن يكابر ويعاند.
ويقال أيضًا: إذا قال الله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]، وأطعت الله، ونحرت له، هل هذا عبادة؟ فلا بد أن يقول: نعم، فيقال له: فإذا ذبحت لمخلوق نبي أو ملك أو غيرهما، هل أشركت في هذه العبادة؟ فلا بد أن يقول: نعم إلاَّ أن يكابر ويعاند، وكذلك السجود عبادة، فلو سجد لغير الله لكان شركًا.
ومعلوم: أن الله ﷾، ذكر في كتابه النهي عن دعاء غيره، وتكاثرت نصوص القرآن على النهي عن ذلك، أعظم مما ورد في النهي عن السجود لغير الله.
فإذا كان من سجد لقبر نبي، أو ملك أو عبد صالح، لا يشك أحد في كفره، وكذلك لو ذبح له القربان، لم يشك أحد في كفره، لأنه أشرك في عبادة الله غيره، فيقال: السجود عبادة، وذبح القربان عبادة، والدعاء عبادة، فما الفارق بين السجود والذبح، وبين الدعاء إذ الكل عبادة، والدعاء عبادة؟ وما الدليل على أن السجود لغير الله والذبح لغير الله شرك أكبر، وما الدعاء بما لا يقدر عليه إلاَّ الله شرك أصغر؟
ويقال أيضًا: قد ذكر أهل العلم من أهل كل مذهب، باب حكم المرتد، وذكروا فيه أنواعًا كثيرة، كل نوع منها يكفر به الرجل، ويحل دمه وماله، ولم يرد في واحد منها ما ورد في الدعاء، بل لا نعلم نوعًا من أنواع الكفر والردة ورد فيه من النصوص مثل ما ورد في دعاء غير الله، بالنهي عنه والتحذير من فعله، والوعيد عليه
[ ٣٢٤ ]
(الأدلة على كفر من دعا غير الله)
وأما كلام العلماء: فنشير إلي قليل من كثير، ونذكر كلام من حكى الإجماع على ذلك، قال في الإقناع وشرحه: من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم، ويتوكل عليهم، ويسألهم، كفر إجماعًا، لأن هذا كفعل عابدي الأصنام، قائلين: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]. انتهى.
وقال الشيخ تقي الدين ﵀: وقد سئل عن رجلين تناظراـ فقال أحدهما: لا بد لنا من واسطة بيننا وبين الله، فإنا لا نقدر أن نصل إليه إلاَّ بذلك.
(يجوز إثبات الواسطة بين الخالق والمخلوق باعتبار ولا يجوز باعتبار آخر)
فأجاب بقوله: إن أراد بذلك أنه لا بد من واسطة تبلغنا أمر الله، فهذا حق.
فإن الخلق لا يعلمون ما يحبه الله ويرضاه، وما أمر به وما نهى عنه إلاَّ بالرسل، الذين أرسلهم الله إلى عباده، وهذا مما أجمع عليه أهل الملل من المسلمين واليهود والنصارى، فإنهم يثبتون الوسائط بين الله وبين عباده، وهم الرسل الذين بلغوا عن الله أوامره ونواهيه، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥]، ومن أنكر هذه الوسائط فهو كافر بإجماع أهل الملل.
وإن أراد بالواسطة: أنه لا بد من واسطة يتخذها العباد بينهم وبين الله، في جلب المنافع ودفع المضار، مثل أن يكون واسطة في رزق العباد، ونصرهم وهداهم، يسألونه ذلك، ويرجعون إليه، فهذا من أعظم الشرك الذي كفر الله به المشركين، حيث اتخذوا من دون الله أولياء وشفعاء، يجتلبون بهم المنافع، ويدفعون بهم المضار، لكون الشفاعة لم يأذن الله له فيها
قال تعالى: ﴿وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٨٠]، فبين الله ﷾ أن اتخاذ
[ ٣٢٥ ]
الملائكة والنبيين أربابًا كفر، فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط، يدعوهم ويتوكل عليهم، ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار، مثل أن يسألهم غفران الذنوب، وهداية القلوب، وتفريج الكربات، وسد الفاقات، فهو كافر بإجماع المسلمين
فمن أثبت الوسائط: بين الله وبين خلقه، كالحجَّاب الذين بين الملك ورعيته، بحيث يكونون هم يرفعون إلى الله حوائج خلقه، وأن الله تعالى إنما يهدي عباده ويرزقهم بتوسطهم، بمعنى: أن الخلق يسألونهم، وهم يسألون الله، كما أن الوسائط عند الملوك، يسألون الملوك حوائج الناس بقربهم منهم، والناس يسألون أدبًا منهم أن يباشروا سؤال الملك، أو لأن طلبهم من الوسائط أنفع لهم من طلبهم من الملك، لكونهم أقرب إلى الملك من الطلب.
فمن أثبتهم وسائط على هذا الوجه، فهو كافر مشرك، يجب أن يستتاب، فإن تاب وإلاَّ قتل، وهؤلاء مشبِّهون شبَّهوا الخالق بالمخلوق، وجعلوا لله أندادًا، وفي القرآن من الرد على هؤلاء، ما لا تتسع له هذه الفتوى
وأما قوله الثاني: إن نظر فيه من حيثية القول، فهو كالحلف بغير الله، وقد ورد أنه شرك وكفر، ثم أوَّلوه بالأصغر، وإن نظر فيه من حيثية الاعتقاد، فهو كالطيرة وهي من الأصغر.
(الفرق بين دعاء غير الله، والحلف بغيره سبحانه)
فنقول: هذا كلام باطل، وليس يخفى ما بينهما من الفرق، فأي مشابهة بين من وحَّد الله وعبده، ولم يشرك معه أحدًا من خلقه، وأنزل حاجاته كلها بالله، واستغاث به في تفريج كرباته، وإغاثة لهفاته، لكنه حلف بغير الله يمينًا مجردة لم يقصد بها تعظيمه على ربه، ولم يسأله ولم يستغث به، وبين من
[ ٣٢٦ ]
استغاث بغير الله، وسأله جلب الفوائد وكشف الشدائد؟!
فإن هذا صرف مخ العبادة، الذي هو لبها وخالصها لغير الله، وأشرك مع الله غيره في أجلِّ العبادات وأفضل القربات التي أمرنا الله بها في غير موضع من كتابه، وأخبر النبي - ﷺ - أنه هو العبادة، كما تقدم في حديث النعمان بن بشير «أن الدعاء هو العبادة»، وفي حديث أنس «الدعاء مخ العبادة»، وأخبر النبي - ﷺ -: أن الله يحب الملحِّين فيه، وأن من لم يسأل الله يغضب عليه.
ففي الترمذي عن ابن مسعود عن النبي - ﷺ -: «سلوا الله من فضله، فإن الله يحب أن يُسأل». وفيه أيضًا: «إن الله يحب الملحِّين في الدعاء». وفيه أيضًا: «من لم يسأل الله يغضب عليه». وفي الترمذي وابن ماجه، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ليس شيء أكرم على الله من الدعاء».
وأما الحلف: فلم يأمرنا الله به، بل أمرنا بحفظه، فقال: ﴿وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، قيل المعنى: لا تحلفوا، وقيل: لا تحنثوا، ولا يرد على هذا ما روي عن النبي - ﷺ - أنه حلف في مواضع، فاليمين تستحب إذا كان فيها مصلحة راجحة، وعلى هذا حمل العلماء ما روي في ذلك عن النبي - ﷺ -، فهو يحلف لمصالح مطلوبة للأمة، كزيادة إيمانهم، وطمأنينة قلوبهم، كما أمره الله بذلك في ثلاثة مواضع من كتابه، وأما الحلف لغير مصلحة فليس مشروعًا، بل يباح إذا كان صادقًا.
وأما الدعاء: فهو محبوب مشروع لله، بل سمَّاه الله في كتابه: الدين، وأمر بإخلاصه له، وسمَّاه رسوله - ﷺ - العبادة، ومخ العبادة، فكيف يقال: هو الحلف (١)؟
_________________
(١) هكذا في الأصل، ولعلها: كالحلف.
[ ٣٢٧ ]
فمن صرف الدعاء لغير الله، فقد أشرك في الدين الذي أمر الله بإخلاصه، وفي العبادة التي أمر الله بها.
وأيضًا: فإن الداعي راغب راهب، فالعبد يدعو ربه رغبًا ورهبًا، ويتوكل عليه في حصول مطلوبه، ودفع مرهوبه، فإذا طلب فوائده، وكشف شدائده من غير الله، فقد أشرك مع الله في الرغبة والرهبة، والرجاء والتوكل، فإن هذا من لوازم الدعاء، وهو من العبادة التي أمر الله بها، كقوله تعالى: ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح: ٨]، وقوله تعالى: ﴿فَإيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [النحل: ٥١]، وقال: ﴿وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣]
(الشرك أسبق تحريمًا من الحلف بغير الله)
ويقال أيضًا: من المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام، أن الله تعالى بعث محمدًا - ﷺ - يدعو إلى التوحيد، وينهى عن الإشراك، فكان أول آية أرسله الله بها ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ١ - ٥].
فأنذر عن الشرك، وهجر الأوثان، وكبَّر الله، وعظمه بالتوحيد.
فاستجاب له من استجاب من المسلمين، وصبروا على الأذى من قومهم، وقاسوا الشدائد العظيمة، فهاجروا وأخرجوا من ديارهم، وأوذوا في الله، وتميز الكافر من المسلم. ومات من المسلمين من استوجب الجنة، ومات من الكفار من استوجب النار، هذا كله قبل النهي عن الحلف بغير الله.
فالاستغاثة بأهل القبور، واستنجادهم واستنصارهم، لم يبح في شرائع الرسل كلهم، بل بعث الله جميع رسله بالنهي عن ذلك، والأمر بعبادته وحده لا شريك له.
وأما الحلف: فكان الصحابة يحلفون بآبائهم، ويحلفون بالكعبة وغير
[ ٣٢٨ ]
ذلك، ولم ينهوا عن ذلك إلاَّ بعد مدة طويلة، فقال لهم النبي - ﷺ -: «إن الله تعالى ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم»، وقال: «من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت».
ومن لا يميز بين دعاء الميت والحلف به، لا يعرف الشرك الذي بعث الله محمدًا - ﷺ -، ينهى عنه، ويقاتل أهله.
وأي جامع بين الحلف والاستغاثة؟ فالمستغيث طالب سائل، والحالف لم يطلب ولم يسأل، فإن كان الجامع بينهما عند القائل باتحادهما: أن كلًا منهما قول باللسان.
فيقال له: والإنكار والدعوات، وقول الزور وقذف المحصنات، كل ذلك قول باللسان، ولو قال أحد: إنها ألفاظ متقاربة لعُدَّ من المجانين.
وإن أراد هذا القائل اتحادهما في المعنى، فهذا باطل كما تقدَّم بيانه، وأي مشابهة بين من جعل لله ندا من خلقه، يدعوه ويرجوه، ويستنصره ويستغيث به، وبين من لا يدعو إلاَّ الله وحده لا شريك له، وأخلص له في عبادته؟
فالأول: أشرك مع الله في قوله وفعله واعتقاده، بخلاف الحالف، بل لو اعتقد الحالف تعظيم المخلوق على الخالق، لصار مشركًا شركًا أكبر كما تقدم
(الرد على من سوى بين دعاء غير الله، والطيرة في الحكم)
وأما قوله: وإن نظر فيه من جهة الاعتقاد، فهو كالطيرة، فهذا كلام باطل أيضًا، يظهر بطلانه مما تقدم، فيقال: وأين الجامع بين شرك من جعل بينه وبين الله واسطة يدعوه ويسأله قضاء حاجاته، وكشف كرباته، ويقول: هذا وسيلتي إلى الله، وباب حاجتي إليه، وبين من عبد الله وحده لا شريك له، ودعاه خوفًا وطمعًا، وأنزل به حاجاته كلها، وتبرَّأ من عبادة كل معبود سواه
[ ٣٢٩ ]
ولكن وقع في قلبه شيء من الطيرة؟ فالأول: هو دين أبي جهل وأصحابه، وهو دين أعداء الرسل، من لدن نوح إلى يومنا هذا» (١).
* * *
* لقد قرر كثير من أساطين الشرك لأتباعهم ومريديهم، وأصَّلوا لهم: أن زبدة الرسالة تتمثل في مجرد التلفظ بكلمة التوحيد، ولا أدلّ على ذلك من أن النبي - ﷺ - لم يطالب قومه بتحقيق معناها، بل وعلى ذلك الدرب سار صحابته الكرام في فتوحاتهم لبلاد العجم، فقد قنعوا منهم بمجرَّد النطق دون العلم والعمل، هكذا زعموا!!!
ومن ثم فمن وقع في حقيقة الكفر، وصريح الشرك، ووالى أصحابه، وذبَّ عنهم فما زال مسلمًا معصوم الدم والمال، وذلك لعدم مساسه بحقوق الشهادتين، التي لا حق لها إلاَّ مجرَّد التلفظ بها!!!
﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف: ٥].
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كشف هذه الشبهة الخبيثة:
«لكن: العجب العُجاب، استدلاله (٢): أن رسول الله - ﷺ - دعا الناس إلى قول: لا إله إلاَّ الله، ولم يطالبهم بمعناها، وكذلك أصحاب رسول الله - ﷺ - فتحوا بلاد الأعاجم، وقنعوا منهم بلفظها، إلى آخر كلامه، فهل يقول هذا الكلام من يتصور ما يقول؟!
فنقول، أولًا: هو الذي نقض كلامه، وكذبه، بقوله: دعاهم إلى ترك عبادة الأوثان، فإذا كان لم يقنع منهم إلاَّ بترك عبادة الأوثان، تبين أن النطق بها لا ينفع، إلاَّ بالعمل بمقتضاها، وهو: ترك الشرك، وهذا هو المطلوب،
_________________
(١) «الدرر السنية»: (١١/ ١٨ - ٤١).
(٢) «أحد المنافحين عن الشرك والمشركين.
[ ٣٣٠ ]
ونحن إنما نهينا عن الأوثان، المجعولة على قبر الزبير وطلحة وغيرهما، في الشام وغيره.
فإن قلتم: ليس هذا من الأوثان، وإن دعاء أهل القبور، والاستغاثة بهم في الشدائد، ليست من الشرك، مع كون المشركين الذين في عهد رسول الله - ﷺ -، يخلصون لله في الشدائد، ولا يدعون أوثانهم، فهذا: كفر، وبيننا وبينكم: كلام العلماء، من الأولين، والآخرين، الحنابلة وغيرهم.
وإن أقررتم: أن ذلك كفر، وشرك، وتبيَّن أن قول: لا إله إلاَّ الله، لا ينفع إلاَّ مع ترك الشرك، فهذا هو المطلوب، وهو الذي نقول، وهو الذي أكثرتم النكير فيه، وزعمتم أنه لا يخرج إلاَّ من خراسان، وهذا القول، كما في أمثال العامة: لا وجه سمح، ولا بنت رجال، لا أقول صواب، بل خطأ ظاهر، وسب لدين الله وهو أيضًا: متناقض، يكذب بعضه بعضًا، لا يصدر إلاَّ ممن هو أجهل الناس.
وأما دعواه: أن الصحابة لم يطلبوا من الأعاجم، إلاَّ مجرد هذه الكلمة، ولم يعرفوهم بمعناها، فهذا قول من لا يفرق بين دين المرسلين، ودين المنافقين، الذين هم في الدرك الأسفل من النار، فإن المؤمنين يقولونها، والمنافقين يقولونها، لكن المؤمنين يقولونها، مع معرفة قلوبهم بمعناها، وعمل جوارحهم بمقتضاها، والمنافقون يقولونها من غير فهم لمعناها، ولا عمل بمقتضاها، فمن أعظم المصائب، وأكبر الجهل من لا يعرف الفرق، بين الصحابة والمنافقين» (١).
وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن - رحمهما الله تعالى -:
«ومجرد التلفظ من غير التزام لما دلت عليه كلمة الشهادة، لا يجدي
_________________
(١) «الدرر السنية»: (٢/ ٤٥ - ٤٧).
[ ٣٣١ ]
شيئًا، والمنافقون يقولونها، وهم في الدرك الأسفل من النار، نعم إذا قالها المشرك ولم يتبين منه ما يخالفها، فهو ممن يكف عنه بمجرد القول، ويحكم بإسلامه.
وأما إذا تبين منه وتكرر، عدم التزام ما دلت عليه، من الإيمان بالله وتوحيده، والكفر بما يعبد من دونه، فهذا لا يحكم له بالإسلام، ولا كرامة له، ونصوص الكتاب والسنة، وإجماع الأمة يدل على هذا» (١).
* * *
* وقرَّر بعضهم أن الشرك إذا وقع مع الخطأ والتأويل فهو مغفور لصاحبه، ويجب على المسلمين أن ينظموه في سبيل الأخوَّة الإيمانية، لعدم إخلاله بحقوقها:
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمهما الله تعالى:
ثم إن الجاهل المرتاب، قال في أوراقه قولًا، قد تقدم الجواب عنه، ولا بد من ذكره، قال: فإذا قال المسلم: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠].
يقصد من سبقه من قرون الأمة بالإيمان، وإن كان قد أخطأ في تأويل تأوَّله، أو قال كفرًا، أو فعله، وهو لا يعلم أنه يضاد الشهادتين، فإنه من إخوانه الذين سبقوه بالإيمان.
فأقول: انظر إلى هذا التهافت والتخليط، والتناقض، ولا ريب أن الكفر ينافي الإيمان، ويبطله، ويحبط الأعمال بالكتاب، والسنة، وإجماع المسلمين، قال الله تعالى: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٥].
_________________
(١) «الدرر السنية»: (١٢/ ٢٧٣ - ٢٧٤).
[ ٣٣٢ ]
ويقال: وكل كافر قد أخطأ، والمشركون لا بد لهم من تأويلات، ويعتقدون أن شركهم بالصالحين، تعظيم لهم، ينفعهم ويدفع عنهم، فلم يعذروا بذلك الخطأ، ولا بذلك التأويل، بل قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: ٣].
وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ اللهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ٣٠]، وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٥].
فأين ذهب عقل هذا عن هذه الآيات، وأمثالها من الآيات المحكمات؟!، والعلماء رحمهم الله تعالى سلكوا منهج الاستقامة، وذكروا باب حكم المرتد، ولم يقل أحد منهم: أنه إذا قال كفرًا، أو فعل كفرًا، وهو لا يعلم أنه يضاد الشهادتين، أنه لا يكفر لجهله.
وقد بيَّن الله في كتابه: أن بعض المشركين جهال مقلِّدون فلم يدفع عنهم عقاب الله بجهلهم وتقليدهم، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ﴾ [الحج: ٣]، إلى قوله: ﴿إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [الحج: ٤].
ثم ذكر الصنف الثاني: وهم المبتدعون، بقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ﴾ [الحج: ٨]، فسلبهم العلم والهدى، ومع ذلك فقد اغترَّ بهم الأكثرون، لما عندهم من الشبهات والخيالات، فضلُّوا وأضلوا، كما قال تعالى في آخر السورة: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن
[ ٣٣٣ ]
دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُم بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ﴾ [الحج: ٧١]، وتقرير هذا المقام، قد سلف في كلام العلامة ابن القيم، وكلام شيخ الإسلام» (١).
ولقد نص أعضاء لجنة الفتوى الدائمة على أن:
«المخطئ المعذور: من أخطأ في المسائل النظرية الاجتهادية، لا من أخطأ فيما ثبت بنص صريح، ولا فيما هو معلوم من الدين بالضرورة.
وبالله التوفيق، وصلَّى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلَّم.
اللجنة العلمية للبحوث العلمية والإفتاء
نائب رئيس اللجنة الرئيس
عبد الرزاق عفيفي عبد العزيز بن عبد الله بن باز» (٢)
* * *
* وعلَّل بعض علماء المشركين باستحالة وقوع الشرك - لا سيما بين أهل الجزيرة العربية - بقول النبي - ﷺ -: «إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب».
قال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين رحمه الله تعالى في بيان هذا الاشتباه - في أثناء تصديه لبعض المجادلين عن المشركين -:
وأما قوله - ﷺ -: «إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب» فقد يحتج بهذا الحديث من زعم أن هذه الأمور الشركية التي تفعل عند القبور، ومع الجن مثل سؤالهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، والاستعاذة بهم، والتقرب إليهم بالذبح لهم والنذر لهم، وغير ذلك من أنواع
_________________
(١) «الدرر السنية»: (١١/ ٤٧٨، ٤٧٩).
(٢) «فتاوى اللجنة الدائمة»: (٢/ ٣٩).
[ ٣٣٤ ]
العبادة، ليست عبادة لهم ولا شركًا.
فيقال أولًا: إن النبي - ﷺ - نسب الإياس إلى الشيطان، ولم يقل: إن الله آيسه، فالإياس الصائر من الشيطان لا يلزم تحقيقه واستمراره، ولكن عدو الله لما رأى ما ساءه من ظهور الإسلام في جزيرة العرب وعلوه، يئس من ترك المسلمين دينهم الذي أكرمهم الله به، ورجوعهم إلى الشرك الأكبر، وهذا كما أخبر الله سبحانه عن الكفار، في قوله: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ﴾ [المائدة: ٣].
قال المفسرون: لما رأى الكفار ظهور الإسلام في أرض العرب وتمكنه فيها، يئسوا من رجوع المسلمين عن الإسلام إلى الكفر، قال ابن عباس وغيره من المفسرين: يئسوا أن يراجعوا دينهم، قال ابن كثير: وعلى هذا يرد الحديث الثابت في الصحيح أن رسول الله - ﷺ - قال: «إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم»، يعنى: أن إياس الشيطان مثل إياس الكفار، وأن الكل يئس من ارتداد المسلمين وتركهم دينهم، ولا يلزم من ذلك امتناع وجود الكفر في أرض العرب.
(الأدلة على وقوع الكفر في جزيرة العرب)
ولهذا قال ابن رجب على الحديث: يئس أن تجتمع الأمة على الشرك الأكبر، يوضح ذلك ما حصل من ارتداد أكثر أهل الجزيرة بعد موت النبي - ﷺ -، وقتال الصديق والصحابة لهم على اختلاف تنوعهم في الردة، قال أبو هريرة: لما مات النبي - ﷺ - وكفر من كفر من العرب، وردة بني حنيفة مشهورة.
وقول النبي - ﷺ -: «إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون»، معناه: أنه يئس أن يطيعه المصلون في الكفر بجميع أنواعه، لأن طاعته في ذلك هي
عبادته، قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ
[ ٣٣٥ ]
مُّبِينٌ﴾ [يس: ٦٠].
ومن استدل بالحديث على امتناع وجود كفر في جزيرة العرب، فهو ضال مضل، فماذا يقول هذا الضال في الذين قاتلهم الصديق - ﵁ - والصحابة من العرب، وسمُّوهم: مرتدين كفارًا؟! فلازم دعوى هذا الضال: أنه لم يكفر أحد من العرب بعد موته - ﷺ -، وأن الصحابة أخطؤوا في قتالهم، والحكم عليهم بالردة.
وقد ثبت في الحديث الصحيح، عن النبي - ﷺ - أنه قال: «لا تقوم الساعة حتى تُعبد اللات والعزى» ومكانهما معلوم، وقال - ﷺ -: «لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس عند ذي الخلصة» وهو صنم لدوس رهط أبي هريرة، بعث رسول الله - ﷺ - جرير بن عبد الله البجلي وهدمه، وفي الحديث الصحيح من خبر الدجال: أنه لا يدخل المدينة، بل ينزل بالسبخة، فترجف المدينة ثلاث رجفات، فيخرج منها كل كافر ومنافق، فأخبر أن في المدينة إذ ذاك كفارًا ومنافقين» (١).
* * *
* وأخيرًا لا آخرًا، نص جمهورهم على أن من نطق بالشهادتين، مريدًا بهما الإسلام. قد يجوز تكفيره بحال:
ورد على الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب - رحمهم الله تعالى - سؤال جاء فيه: ما حكم من يقول: إن من تكلم بالشهادتين لم يجز تكفيره؟
فأجاب ﵀ بقوله: «وأما قول، من يقول: إن من تكلَّم بالشهادتين ما يجوز تكفيره، وقائل هذا القول لا بد أن يتناقض، ولا يمكنه طرد قوله في
_________________
(١) «الدرر السنية»: (١٢/ ١٣١ - ١٣٣)، ويراجع في هذا المعنى أيضًا رسالة قيمة للشيخ أبي بطين في الدرر السنية: (١٢/ ١١٣ - ١١٩).
[ ٣٣٦ ]
مثل: من أنكر البعث، أو شك فيه مع إتيانه بالشهادتين، أو أنكر نبوة أحد من الأنبياء الذين سماهم الله في كتابه، أو قال: الزنا حلال، أو نحو ذلك، فلا أظن يتوقف في كفر هؤلاء وأمثالهم، إلاَّ من يكابر ويعاند.
فإن كابر وعاند وقال: لا يضر شيء من ذلك، ولا يكفر به من أتى بالشهادتين وصلَّى وصام، لا يجوز تكفيره، وإن عبد غير الله فهو كافر، ومن شك في كفره فهو كافر، لأن قائل هذا القول مكذب لله ورسوله وإجماع المسلمين كما قدمنا، ونصوص الكتاب والسنة في ذلك كثيرة، مع الإجماع القطعي، الذي لا يستريب فيه من له أدنى نظر في كلام العلماء، لكن التقليد والهوى يعمي ويصم ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾
[النور: ٤٠]» (١).
* * *
_________________
(١) "الدرر السنية" (١٠/ ٢٥٠، ٢٥١).
[ ٣٣٧ ]