شروط صحة الإسلام وقبوله
قال الإمام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله تعالى -:
اعلم رحمك الله: أن دين الله يكون على القلب بالاعتقاد، وبالحب والبغض، ويكون على اللسان بالنطق وترك النطق بالكفر، ويكون على الجوارح بفعل أركان الإسلام، وترك الأفعال التي تكفر، فإذا اختل واحدة من هذه الثلاث، كفر وارتدَّ.
مثال عمل القلب: أن يظن أن هذا الذي عليه أكثر الناس من الاعتقاد في الأحياء والأموات حق، ويستدل بكون أكثر الناس عليه، فهو كافر مكذِّب للنبي - ﷺ -، ولو لم يتكلَّم بلسانه، ولم يعمل إلاَّ بالتوحيد، وكذلك إذا شط، لا يدري من الحق معه، فهذا لو لم يكذب فهو لم يصدق النبي - ﷺ -، فهو يقول عسى الله أن يبيِّن الحق، فهو في شك، فهو مرتد ولو لم يتكلَّم إلاَّ بالتوحيد.
ومثال اللسان: أن يؤمن بالحق ويحبه، ويكفر بالباطل ويبغضه، ولكنه تكلَّم مداراة لأهل الأحساء، ولأهل مكة أو غيرهم بوجوههم، خوفًا من شرِّهم؛ وإما أن يكتب لهم كلامًا يصرِّح لهم بمدح ما هم عليه، أو بذكر أنه ترك ما هو عليه، ويظن أنه ماكر بهم، وقلبه موقن أنه لا يضره، وهذا أيضًا لغروره.
وهو معنى قول الله تعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِاللهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾، إلى قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ﴾ [النحل: ١٠٦، ١٠٧]، فقط لا لتغير عقائدهم.
[ ٤٧ ]
فمن عرف هذا، عرف أن الخطر، خطر عظيم شديد، وعرف شدة الحاجة للتعلم والمذاكرة، وهذا معنى قوله في الإقناع في الردة، نطقًا أو اعتقادًا أو شكًا أو فعلًا، والله أعلم» (١).
وقال عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين - رحمه الله تعالى -:
«الإقرار بتوحيد الربوبية، وهو أنَّ الله سبحانه خالق كل شيء ومليكه ومدبِّره، فهذا يُقرُّ به المسلم والكافر ولا بد منه، لكن لا يصير الإنسان به مسلمًا حتى يأتي بتوحيد الألوهية الذي دعت إليه الرسل، وأبى عن الإقرار به المشركون، وبه يتميَّز المسلم من المشرك، وأهل الجنة من أهل النار» (٢).
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله - رحمهما الله تعالى -:
«فاعلم أن العلماء أجمعوا على أن من صرف شيئًا من نوعي الدعاء لغير الله فهو مشرك، ولو قال: لا إله إلاَّ الله محمد رسول الله وصلَّى وصام، إذ شرط الإسلام مع التلفظ بالشهادتين: أن لا يعبد إلاَّ الله، فمن أتى بالشهادتين، وعبد غير الله، فما أتى بهما حقيقة، وإن تلفظ بهما، كاليهود الذين يقولون: لا إله إلا الله وهم مشركون.
ومجرد التلفظ بالشهادتين لا يكفي في الإسلام بدون العمل بمعناها، واعتقادها إجماعًا» (٣).
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن - رحمه الله تعالى -:
«فلا إله إلاَّ الله، هي: كلمة الإسلام لا يصح إسلام أحد إلاَّ بمعرفة ما
_________________
(١) «الدرر السنية»: (١٠/ ٨٧، ٨٨).
(٢) «عقيدة الموحدين والرد على الضلاَّل والمبتدعين» رسالة الانتصار لحزب الله الموحِّدين: (ص ١١).
(٣) «تيسير العزيز الحميد»: (ص ١٥٤، ١٥٥).
[ ٤٨ ]
وضعت له، ودلَّت عليه، وقَبوله، والانقياد للعمل به، وهي كلمة الإخلاص المنافي للشرك، وكلمة التقوى» (١).
وسُئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء «فتوى رقم ١٠٦٨٤»:
س: ما هو الحدُّ الفاصل بين الكفر والإسلام، وهل من ينطق بالشهادتين ثم يأتي بأفعال تناقضهما يدخل في عداد المسلمين رغم صلاته وحياته؟
ج: الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه وبعد:
الحد بين الكفر والإسلام النطق بالشهادتين مع الصدق والإخلاص والعمل بمقتضاهما، فمن تحقق فيه ذلك فهو مسلم مؤمن. أما من نافق فلم يصدق ولم يخلص فليس بمؤمن، وكذا من نطق بهما وأتى بما يناقضهما من الشرك، مثل من يستغيث بالأموات في الشدَّة أو الرخاء، ومن يؤثر الحكم بالقوانين الوضعية على الحكم بما أنزل الله تعالى، ومن يهزأ بالقرآن أو ما ثبت من سنَّة رسول الله - ﷺ - فهذا كافر وإن نطق بالشهادتين وصلَّى وصام.
وبالله التوفيق وصلَّى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو نائب رئيس اللجنة الرئيس
عبد الله بن غديان عبد الرزاق عفيفي عبد العزيز بن عبد الله بن باز (٢)
* * *
_________________
(١) «الدرر السنية»: (٢/ ٢٤٦).
(٢) «فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء»: (٢/ ٤٥، ٤٦).
[ ٤٩ ]