دلالة أسماء الله الحسنى وصفاته العلا على أنه المعبود وحده بلا شريك
أسماء الله الحسنى، وصفاته العلا يدلاَّن: على كماله وجلاله وعظمته، وأنه هو المعبود وحده، لا شريك له في ربوبيته وألوهيته، وأن العبادة لا يصلح منها شيء لملّك مقرَّب، ولا نبيٍّ مرسل فضلًا عمَّن دونها، ومن ثم نستطيع الجزم بأن المشركين لم يقدروا الله حق قدره، لما وقعوا في عبادة غيره، وعدلوا به سواه، مع أن الفرق بين عبادة الخالق وعبادة المخلوق، كالفرق بين الخالق وأسمائه وصفاته، والمخلوق وأسمائه وصفاته.
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتابه التوحيد، وعبد الرحمن بن حسن ﵏ جميعًا في شرحه عليه:
ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧].
[الشرح]
قوله: باب قول الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧]، أي: من الأحاديث والآثار في معنى هذه الآية الكريمة.
قال العماد ابن كثير رحمه الله تعالى: يقول تعالى: «ما قدر المشركون الله حق قدره حتى عبدوا معه غيره، وهو العظيم الذي لا أعظم منه، القادر على كل شيء، المالك لكل شيء، وكل شيء تحت قهره وقدرته».
[ ١٨٤ ]
قال مجاهد: نزلت في قريش. وقال السدي: ما عظَّموه حق عظمته. وقال محمد بن كعب: لو قدروه حقَّ قدره ما كذَّبوه. وقال على بن أبي طلحة: ناقلًا عن ابن عباس: هم الكفار الذين لم يؤمنوا بقدرة الله عليهم، فمن آمن أن الله على كل شيء قدير فقد قدَّر الله حق قدره، ومن لم يؤمن بذلك فلم يقدِّر الله حق قدره.
وقد ورد أحاديث كثيرة متعلقة بهذه الآية، الطريق فيها وفي أمثالها مذهب السلف؛ وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تحريف، وذكر حديث ابن مسعود ما ذكره المصنف ﵀ في هذا الباب قال: ورواه البخاري في غير موضع من صحيحه، والإمام أحمد، ومسلم، والترمذي، والنسائي، كلهم من حديث سليمان بن مهران، وهو الأعمش، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن ابن مسعود بنحوه.
قال الإمام أحمد: حدثنا معاوية حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: جاء رجل من أهل الكتاب إلى النبي - ﷺ - قال: «يا أبا القاسم أبلغك أن الله تعالى يجعل الخلائق على أصبع، والسموات على إصبع، وسائر الخلائق على إصبع، فيقول: أنا الملك؟ فضحك رسول الله - ﷺ - حتى بدت نواجذه لفول الحبر. قال: وأنزل الله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]». وهكذا رواه البخاري، ومسلم، والنسائي من طرق عن الأعمش به
(دلالة صفات الله على كماله، وعظمته، وقدرته، ووحدانيته، في ربوبيته وألوهيته)
قلت: وهذه الأحاديث وما في معناها تدل على عظمة الله، وعظيم قدرته، وعظم مخلوقاته.
[ ١٨٥ ]
وقد تعرف ﷾ إلى عباده بصفاته، وعجائب مخلوقاته، وكلها تعرف وتدل على كماله، وأنه هو المعبود وحده لا شريك له في ربوبيته وإلهيته، وتدل على إثبات الصفات له على ما يليق بجلال الله وعظمته، إثباتًا بلا تمثيل، وتنزيهًا بلا تعطيل، وهذا هو الذي دلت عليه نصوص الكتاب والسنَّة، وعليه سلف الأمة وأئمتها، ومن تبعهم بإحسان، واقتفى أثرهم على الإسلام والإيمان.
وتأمل ما في هذه الأحاديث الصحيحة من تعظيم النبي - ﷺ - ربه بذكر صفات كماله، على ما يليق بعظمته وجلاله، وتصديقه اليهود فيما أخبروا به عن الله من الصفات، التي تدل على عظمته.
وتأمل ما فيها من إثبات علو الله تعالى على عرشه، ولم يقل النبي - ﷺ - في شيء منها: إن ظاهرها غير مراد، وإنها تدل على تشبيه صفات الله بصفات خلقه، فلو كان هذا حقًا بلغه أمين أمته، فإن الله أكمل به الدين، وأتم به النعمة، فبلّغ البلاغ المبين، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم إلى يوم الدين، وتلقَّى الصحابة - ﵃ - عن نبيهم - ﷺ - ما وصف به ربه من صفات كماله ونعوت جلاله، فآمنوا به وآمنوا بكتاب الله، وما تضمنه من صفات ربهم جلَّ وعلا، كما قال تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧]» (١).
* * *
_________________
(١) فتح المجيد (٤٩٣ - ٤٩٩).
[ ١٨٦ ]