وجوب قتال المشركين حتى يكون الدين كله لله
يجب قتال المشركين، حتى ينخلعوا من الشرك، ويُخلصوا أعمالهم لله، ويلتزموا أحكامه، فإن أبوا ذلك، أو بعضه قوتلوا إجماعًا، وعلى ذلك جرد النبي - ﷺ - وأصحابه سيوف الجهاد لقتال المشركين، فالقتال دائر مع الشرك حيث دار، حتى يكون الدين كله لله، ويلنزم العباد دين الله القويم، ويسلكوا صراطه المستقيم.
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمهما الله تعالى:
قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه﴾ [الأنفال: ٣٩]، وقال: ﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥].
أمر بقتالهم حتى يتوبوا من الشرك ويخلصوا أعمالهم لله تعالى، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإن أبوا عن ذلك أو بعضه قوتُلوا إجماعًا.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة مرفوعًا: «أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاَّ الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلاَّ بحقها وحسابهم على الله».
وفي الصحيحين عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاَّ الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلاَّ بحقها وحسابهم على الله»، وهذان الحديثان تفسير الآيتين: آية الأنفال، وآية براءة.
[ ٣٦٤ ]
وقد أجمع العلماء على أن من قال: «لا إله إلاَّ الله»، ولم يعتقد معناها ولم يعمل بمقتضاها، أنه يقاتل حتى يعمل بما دلت عليه من النفي والإثبات.
قال أبو سليمان الخطابي ﵀ في قوله: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاَّ الله»: معلوم أن المراد بهذا أهل عبادة الأوثان، دون أهل الكتاب، لأنهم يقولون: «لا إله إلاَّ الله» ثم يقاتلون ولا يرفع عنهم السيف.
وقال القاضي عياض: اختصاص عصمة المال والنفس بمن قال: «لا إله إلاَّ الله» تعبير عن الإجابة إلى الإيمان، وأن المراد بذلك مشركو العرب وأهل الأوثان، فأما غيرهم ممن يقر بالتوحيد، فلا يكتفى في عصمته بقول: «لا إله إلاَّ الله» إذ كان يقولها في كفره. انتهى ملخصًا.
وقال النووي: لا بد مع هذا من الإيمان بجميع ما جاء به الرسول - ﷺ - كما جاء في الرواية «ويؤمنوا بي وبما جئت به».
وقال شيخ الإسلام، لما سئل عن قتال التتار فقال: كل طائفة ممتنعة عن التزام شرائع الإسلام الظاهرة من هؤلاء القوم أو غيرهم فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا شرائعه، وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين وملتزمين ببعض شرائعه، كما قاتل أبو بكر والصحابة - ﵁ - مانعي الزكاة، وعلى هذا اتفق الفقهاء بعدهم.
قال: فأيما طائفة امتنعت عن بعض الصلوات المفروضات، أو الصيام، أو الحج، أو عن التزام تحريم الدماء، أو الأموال أو الخمر أو الميسر أو، نكاح ذوات المحارم، أو عن التزام جهاد الكفار، أو غير ذلك من التزام واجبات الدين ومحرماته التي لا عذر لأحد في جحودها أو تركها، التي يكفر
الواحد بجحودها، فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها، وإن كانت مقرة
[ ٣٦٥ ]
بها، وهذا مما لا أعلم فيه خلافًا بين العلماء. قال: وهؤلاء عند المحققين ليسوا بمنزلة البغاة، بل هم خارجون عن الإسلام. انتهى» (١).
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى:
«اعلم وفَّقنا الله وإياك للإيمان بالله ورسوله: أن الله سبحانه قال في كتابه: ﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ﴾
[التوبة: ٥].
فتأمل هذا الكلام: أن الله أمر بقتلهم وحصرهم، والقعود لهم كل مرصد، إلى أن يتوبوا من الشرك، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، وأيضًا فقد قال - ﷺ -: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلاَّ الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلاَّ بحق الإسلام، وحسابهم على الله تعالى».
فهذا كلام رسوله - ﷺ -، وقد أجمع العلماء عليه من كل مذهب، وخالف ذلك من هؤلاء الجهال، الذين يسمون العلماء، فقالوا: من قال لا إله إلاَّ الله، فهو المسلم حرام الدم والمال، وقد بيَّن النبي - ﷺ - الإسلام من حديث جبريل - لما سأله عن الإسلام - فقال: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلاَّ الله، وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا» فهذا تفسير رسول الله - ﷺ -.
وهؤلاء يقولون: إن البدو إسلام، لأنهم يقولون: لا إله إلاَّ الله، فمن سمع كلامهم، وسمع كلام رسول الله - ﷺ - فلا بد له من أحد أمرين، إما أن يصدق الله ورسوله، ويتبرأ منهم ويكذبهم، وإما أن يصدقهم، ويكذب الله ورسوله، فنعوذ بالله من ذلك، والله أعلم
_________________
(١) «فتح المجيد»: (ص ١١٢، ١١٣).
[ ٣٦٦ ]
وقال أيضًا الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى:
الذي أقروا أن التوحيد أكبر من كل كبير، واختلفوا هل نقاتل من لم يتركه، وإذا قال لا إله إلاَّ الله وانتسب إلى الملة، فحكم الكتاب بينهم بقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه﴾ [الأنفال: ٣٩]، وقال الله تعالى: ﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾
[التوبة: ٥]» (١).
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله رحمهما الله تعالى، مبينًا سبب قتال المشركين في أثناء شرحه على كتاب التوحيد:
قوله: «من قال لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله»، اعلم أن النبي - ﷺ - في هذا الحديث علق عصمة والمال والدم بأمرين:
الأول: قول لا إله إلاَّ الله.
الثاني: الكفر بما يعبد من دون الله، فلم يكتف باللفظ المجرد عن المعنى، بل لا بد من قولها والعمل بها.
قلت: وقد أجمع العلماء على معنى ذلك، فلا بد في العصمة من الإتيان بالتوحيد، والتزام أحكامه، وترك الشرك، كما قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه﴾ [الأنفال: ٣٩]، والفتنة هنا: الشرك، فدل على أنه إذا وجد الشرك، فالقتال باق بحاله كما قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً﴾ [الأنفال: ٣٩].
وقال تعالى: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥].
فأمر بقتالهم على فعل التوحيد وترك الشرك، وإقامة شعائر الدين
_________________
(١) الدرر السنية (٩/ ٢٣٧، ٢٣٨).
[ ٣٦٧ ]
الظاهر، فإذا فعلوها خلي سبيلهم، ومتى أبوا عن فعلها أو فعل شيء منها، فالقتال باق بحاله إجماعًا، ولو قالوا: لا إله إلاَّ الله.
وكذلك النبي - ﷺ - علَّق العصمة بما علَّقها الله به في كتابه كما في هذا الحديث. وفي «صحيح مسلم»، عن أبي هريرة مرفوعًا: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاَّ الله ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلاَّ بحقها وحسابهم على الله».
وفي «الصحيحين» عنه قال: لما توفي رسول الله وكفر من كفر من العرب، فقال عمر بن الخطاب لأبي بكر: كيف تقاتل الناس، وقد قال رسول الله - ﷺ -: «أمرت أن اقتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاَّ الله، فمن قال: لا إله إلاَّ الله، فقد عصم مني ماله ونفسه إلاَّ بحقه وحسابه على الله»؟، فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه إلى رسول الله - ﷺ - لقاتلتهم على منعه. فقال عمر بن الخطاب: فوالله ما هو إلاَّ أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق. لفظ مسلم.
فانظر كيف فهم صدِّيق الأمة أن النبي - ﷺ - لم يرد مجرد اللفظ بهما من غير إلزام لمعناها وأحكامها، فكان ذلك هو الصواب، واتفق عليه الصحابة، ولم يختلف فيه منهم اثنان إلاَّ ما كان من عمر حتى رجع إلى الحق. وكان فهم الصديق هو الموافق لنصوص القرآن والسنة» (١).
* * *
_________________
(١) «تيسير العزيز الحميد»: (ص ٩٩ - ١٠١).
[ ٣٦٨ ]