إذا تعذر علو التوحيد، وإظهار البراءة من المشركين في بلد، أصبحت دار كفر وشرك، ووجب على الموحدين الهجرة منها، ليتمكنوا من إقامة دينهم، وإظهار البراءة من أعدائهم
قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن رحمهما الله تعالى:
عما يقال في الهجرة من بين ظهراني المشركين، من البادية والحاضرة، وفضلها؟ وما الواجب منها؟ وما المستحب؟ وهل بين بادية نجد وغيرهم، كعنزة والظفير، ومن والاهم من بادية الشمال والجنوب، إلى ما لا يخفى على المسؤول؟
(حكم الهجرة، وفضلها، ودرجاتها)
فأجاب: الهجرة من واجبات الدين، ومن أفضل الأعمال الصالحة، وهي سبب لسلامة دين العبد، وحفظ لإيمانه، وهي أقسام، هجر: المحرمات، التي حرمها الله في كتابه، وحرمها رسول الله - ﷺ - على جميع المكلفين، وأخبر أن: «من هجرها فقد هجر ما حرمه الله عليه»، وقد أخبر - ﷺ - فيما صح عنه: «المهاجر من هجر ما نهى الله عنه».
وهذا أمر مجمل شامل لجميع المحرمات، القولية والفعلية.
(حكم الإقامة في ديار الكفر)
القسم الثاني: الهجرة من كل بلدة، تظهر فيها شعائر الشرك وأعلام الكفر، ويعلن فيها بالمحرمات، والمقيم فيها لا يقدر على إظهار دينه، والتصريح بالبراءة من المشركين وعداوتهم، ومع هذا يعتقد كفرهم، وبطلان ما هم عليه، لكن إنما جلس بين ظهرانيهم، شحًا بالمال والوطن، فهذا
[ ١٧٤ ]
عاص ومرتكب محرمًا، وداخل في حكم الوعيد.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا * إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٩٧ - ٩٩].
فلم يعذر الله إلاَّ المستضعف، الذي لا يقدر على التخلص من أيدي المشركين ولو قدر ما عرف سلوك الطريق وهدايته، إلى غير ذلك من الأعذار.
(حكم الخروج في صفوف المشركين لقتال المسلمين)
وقال - ﷺ -: «من جامع المشرك أو سكن معه فإنه مثله»، فلا يقال إنه بمجرد المجامعة والمساكنة يكون كافرًا، بل المراد: أن من عجز عن الخروج من بين ظهراني المشركين، وأخرجوه معهم كرهًا، فحكمه حكمهم في القتل، وأخذ المال لا في الكفر، وأما إن خرج معهم لقتال المسلمين طوعًا واخيتارًا، أو أعانهم ببدنه وماله، فلا شك أن حكمه حكمهم في الكفر.
(الأدلة على حرمة الإقامة بين أظهر المشركين، لا سيما عند العجز عن إقامة الدين)
وفي القرآن الكريم والسنَّة النبوية ما يدل - من في قلبه حياة - على المنع من ذلك، وكلام العلماء مرشد إلى ذلك، فإنهم صرَّحوا بالنهي عن إقامة المسلم بين أظهر المشركين من غير إظهار دينه، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ [هود: ١١٣]، وقال: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [المائدة: ٨٠]، إلى قوله: ﴿وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٨١].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧]، إلى
[ ١٧٥ ]
قوله: ﴿وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦]، قال ابن كثير في الكلام على هذه الآية، وهذه الآية: عامة في كل من أقام بين أظهر المشركين، وهو قادر على الهجرة، وليس متمكنًا من إقامة الدين، فهو مرتكب حرامًا بالإجماع، ونص هذه الآية، والآيات في هذا المعنى كثيرة يعرفها من قرأ القرآن وتدبره.
وفي الأحاديث المأثورة عن النبي - ﷺ - ما يدل على ما دل عليه القرآن، مثل قوله - ﷺ -: «من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله»، وقوله - ﷺ -: «ولا تستضيئوا بنار المشركين». وحديث بهز بن حكيم: «أن تفر من شاهق إلى شاهق بدينك».
قال ابن كثير معناه: لا تقاربوهم في المنازل، بحيث تكونوا معهم في بلادهم، بل تباعدوهم، وتهاجروا من بلادهم، ولهذا روى أبو داود فقال: «لا تراءى ناراهما».
وفي قصة إسلام جرير لما قال: يا رسول الله، بايعني واشترط، فقال: «أن تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتفارق المشركين»، وعن عبد الله بن عمرو، أنه قال: من بنى بأرض المشركين، وصنع نيروزهم ومهرجانهم، وتشبَّه بهم حتى يموت، حُشِر معهم يوم القيامة.
وكلام العلماء في المنع من الإقامة عند المشركين، وتحريم مجامعتهم، ووجوب مباينتهم، كثير معروف، خصوصًا أئمَّة هذه الدعوة الإسلامية، كالشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأولاده، وأولادهم، وأتباعهم من أهل العلم والدين، ففي كتبهم من ذلك ما يكفي ويشفي من ﴿كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧].
فمن ذلك ما قال الشيخ: عبد الطيف، في بعض رسائل: إن الإقامة ببلد يعلو فيها الشرك، والكفر، ويظهر فيها دين الإفرنج، والروافض، ونحوهم
[ ١٧٦ ]
من المعطلة للربوبية والألوهية، وترفع فيها شعائرهم، ويهدم الإسلام والتوحيد، ويعطل التسبيح والتكبير والتحميد، وتقلع قواعد الملة والإيمان، ويحكم بينهم بحكم الإفرنج واليونان، ويشتم السابقون من أهل بدر وبيعة الرضوان.
فالإقامة بين ظهرانيهم - والحالة هذه - لا تصدر عن قلب باشره حقيقة الإسلام والإيمان والدين، وعرف ما يجب من حق الله في الإسلام على المسلمين، بل لا يصدر عن قلب رضي بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًا، فإن الرضا بهذه الأصول الثلاثة قطب رحى الدين، وعليه تدور حقائق العلم واليقين، وذلك يتضمن من محبة الله وإيثار مرضاته، والغيرة لدينه والانحياز إلى أوليائه، ما يوجب البراءة كل البراءة، والتباعد كل التباعد عمَّن تلك نحلته، وذلك دينه، بل نفس الإيمان المطلق في الكتاب والسنة، لا يجامع هذه المنكرات. انتهى كلامه ﵀.
وأما السؤال عن حكم المقيم في بلدان المشركين، من المنتسبين إلى الإسلام، فهذا الجنس من الناس مشتركون في فعل ما نهى الله عنه ورسوله، إلاَّ من عذره القرآن في قوله: ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ [النساء: ٩٨]، ثم هم مختلفون في المراتب، متفاوتون في الدرجات بحسب أحوالهم، وما يحصل منهم من موالاة المشركين والركون إليهم، فإن ذلك قد يكون كفرًا وقد يكون دونه، قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٢]» (١).
* * *
_________________
(١) «الدرر السنية»: (٨/ ٤٥٥ - ٤٦٢).
[ ١٧٧ ]