لقد تفاني هذا الشخص في الدعوة إلى القومية العربية بخصوصها، وأعاد وأبدى فيها، وجعلها دينه ومصدر إلهامه، عليها يوالي وعليها يعادي -لحاجة في نفس يعقوب- وغرضه ربط العرب بها بدلًا عن ربطهم بدينهم، وربطهم كذلك بالغرب قلبًا وقالبًا، ومن الغرائب أن بعض الباحثين يذكر أن لغته الأصلية الأولى هي التركية وليست العربية، فما الذي حمله على هذا التقديس للعربية والتعصُّب لها؟
وقد تأثَّر في دعواه إلى القومية بالقوميين الأوربيين وحذا حذوهم، إلّا أنه كان يرى أن القومية ترتكز على أمرين هما وحدة الأمة ووحدة التاريخ دون ما سواهما، خصوصًا الدين الذي تواطأ على إبعاده جميع القوميين، تنقَّل في مناصب مختلفة، أهمها شغله وزارة التربية، وقد وصف بأنَّه فيلسوف الفكرة القومية العربية، ومرجع القوميين العرب، وقد جدَّ في دعوته إلى القومية بحذر شديد، فكان يساير الحكام والمذاهب المختلفة الملحدة وغير الملحدة، مع غمزه في دين الإسلام، وتفضيل رباط القومية على رابطة الإسلام، وأنَّ الإيمان بالقومية العربية يجب أن تكون في حسبان كل عربي، وأن تجتمع الكلمة عليها قبل كل شيء، وأن انضمام الأقوام الذين يتكلَّمون لغة واحدة وتاريخهم واحد وآمالهم والآمهم واحدة يجب أن يجعلوا القومية هي الرباط العام بينهم، ويجب
[ ٢ / ٩٦٣ ]
أن تقوم دولتهم وثقافتهم عليها. وأنحى بالَّلائمة في تأخُّر ظهور القومية إلى تمسُّك الناس بحكامهم، ولم يقل بدينهم حذرًا منه حسب تعاليم الأديان، وكان هؤلاء يعيقون تطلع الشعوب إلى الانضواء تحت راية القومية لئلَّا يضعف الولاء للحكام -حسب زعمه، وكان دائمًا يثير الحماس في نفوس العرب ويبشرهم بأنَّ النصر سيكون في النهاية للقومية، وأنها ستكون هي الرباط الوحيد بين الشعوب، وليس الإسلام الذي يطلب أن تقوم الشعوب -بزعمه- على التعصُّب له، بعد أن تعقَّدت الأمور وظهرت النوازع السياسية المختلفة وتغيِّر مفاهيم الناس.
[ ٢ / ٩٦٤ ]