قد دل الكتاب والسنة وآثار سلف الأمة على جنس المشروع المستحب في ذكر الله ودعائه كسائر العبادات. وبين النبي ﷺ مراتب الأذكار كقوله في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم وغيره عن سمرة بن جندب ﵁: «أفضل الكلام بعد القرآن أربع وهن من القرآن سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر لا يضرك بأيهن بدأت» (^١).
وفي صحيحه عن أبي ذر ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ أي الكلام أفضل؟ قال: «ما اصطفى الله لملائكته سبحان الله وبحمده» (^٢)، وفي كتاب الذكر لابن أبي الدنيا وغيره مرفوعا إلى النبي ﷺ: «أفضل الذكر: لاإله إلا الله، وأفضل الدعاء: الحمد لله» (^٣).
_________________
(١) هذا الحديث بهذه الألفاظ أورده البخاري معلقا في كتاب الأيمان والنذور (١١/ ٥٦٦)، ورواه مسلم موصولا بلفظ أحب بدلا من أفضل كذا في كتاب الآداب حديث رقم ١٢/ ٤/ ١٦٨٥)، ورواه الإمام أحمد (٥/ ٢٠١).
(٢) رواه مسلم: الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل سبحان الله وبحمده (٤/ ١٢٠٩٣ ح ٨٤، والترمذي في كتاب الدعوات، باب أي الكلام أحب إلى الله (٥/ ٥٣٧) ح ٣٥٩٣، وقال حسن صحيح وأحمد (٥/ ١٤٨).
(٣) رواه الترمذي في الدعوات، باب أن دعوة المسلم مستجابة ح ٣٣٨٣، وابن ماجه: الأدب، باب فضل الحامدين (٢/ ١٢٤٩ ح ٣٨٠٠) وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم ١١١٥، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم ١٤٩٧، وعزاه للخرائطي في فضيلة الشكر.
[ ١١٦ ]
وفي الموطأ وغيره حديث طلحة بن عبد الله بن كريز عن النبي ﷺ: «أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير» (^١).
وفي السنن حديث الذي قال: يا رسول الله إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئا فعلمني ما يجزئني في صلاتي فقال: قل: «سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر» (^٢).
ولهذا قال الفقهاء: إن من عجز عن القراءة في الصلاة انتقل إلى هذه الكلمات الباقيات الصالحات. وإنما الغرض من الذكر والدعاء ما ليس بمشروع الجنس أو هو منهي عنه أو عن صفته كما قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥].
وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، فلا يدعى إلى بأسمائه الحسنى.
ومن المنهي عنه: ما كانوا يقولونه في الجاهلية في تلبيتهم:
_________________
(١) رواه مالك في الموطأ: القرآن، باب ما جاء في الدعاء (١/ ٢١٤) ح ٣٢، والترمذي كتاب الدعوات، باب في دعاء يوم عرفة حديث رقم ٣٥٨٥، وحسنه الألباني في صحيح الجامع برقم ١١١٣، وفي الصحيحة برقم ١٥٠٣.
(٢) رواه أبو داود كتاب الصلاة، باب ما يجزئ الأمي والأعجمي من القراءة حديث رقم (٨٣٢)، والنسائي (٢/ ١٤٣) ح ٣٨٠٠، وأحمد (٤/ ٣٥٦)، وحسنه الشيخ الألباني كما في صحيح سنن أبي داود (١/ ٢٣٥) ح ٨٣٢، وكذا المشكاة برقم (٢٢٥٢).
[ ١١٧ ]
لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك. ومثل قول بعض الأعراب للنبي ﷺ: «إنا نستشفع بالله عليك، فقال النبي ﷺ: شأن الله أعظم من ذلك: إن الله لا يستشفع به على أحد من خلقه» (^١)، ومثل ما كانوا يقولون في أول الإسلام: السلام على الله قبل عباده. فقال النبي ﷺ: «إن الله هو السلام، فإذا قعد أحدكم فليقل: التحيات لله والصلوات والطيبات» (^٢).
وكذلك الدعاء المكروه مثل الدعاء ببغي أو قطيعة رحم أو دعاء منازل الأنبياء أو دعاء الأعرابي الذي قال: اللهم ما كانت معذبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا (^٣)، ومثل قوله ﷺ للمصابين بميت لما صاحوا: (لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير؛ فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون) (^٤). وقد قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ وقال تعالى: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: ١١].
_________________
(١) رواه أبو داود في سننه كتاب السنة، باب في الجهمية (١٣/ ١١، ١٢) ح (٤٧٠ العون)، وضعفه الشيخ الألباني كما في ضعيف الجامع برقم (٦١٥٠).
(٢) رواه البخاري في صحيحه كتاب الأذان، باب التشهد في الآخرة (٢/ ٣١١) ح ٨٣١، ومسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب التشهد في الصلاة (١/ ٣٠١) ح ٥٥.
(٣) أخرجه أحمد في المسند (٣/ ١٠٧)، ومسلم: في الذكر والدعاء، باب كراهة الدعاء بتعجيل العقوبة حديث رقم ٢٣، والترمذي في الدعوات، باب ما جاء في عقد التسبيح باليد حديث رقم ٣٤٨٧، وقال حسن صحيح غريب.
(٤) رواه مسلم في صحيحه كتاب الجنائز، باب في إغماض الميت والدعاء له إذا حضر (٢/ ٦٣٤) ح (٧).
[ ١١٨ ]
وإنما الغرض هنا أن الشرع لم يستحب من الذكر إلا ما كان كلاما تاما مفيدا مثل (لا إله إلا الله) ومثل (الله أكبر) ومثل (سبحان الله والحمد لله) ومثل (لا حول ولا قوة إلا بالله) ومثل (تبارك اسم ربك) و(تبارك الذي بيده الملك) و(سبح لله ما في السموات والأرض) ومثل (تبارك الذي نزل الفرقان).
[ ١١٩ ]