لاعتقادهم بعدم تفضيل اسم من أسماء الله تعالى على آخر، وقد تأول هؤلاء الأحاديث الواردة السابقة فحملوها على وجوه:
الوجه الأول: من قال بأن معنى " الأعظم " هو " العظيم " وأنه لا تفاضل بين أسماء الله تعالى.
ذهب كل من الإمام أبي جعفر الطبري (^١)، وأبي الحسن الأشعري وجماعة بعدهما كأبي حاتم ابن حبان والقاضي أبي بكر الباقلاني (^٢) إلى نفي أن يكون لله تعالى اسم أعظم، له مزايا وخصائص تميزه عن غيره من سائر الأسماء.
_________________
(١) جامع البيان (١/ ٤٨١).
(٢) انظر: فتح الباري (١١/ ٢٢٧).
[ ٨٨ ]
وقالوا: لا يجوز تفضيل بعض الأسماء على بعض، ونسب ذلك بعضهم لمالك لكراهيته أن تعاد سورة أو تردد دون غيرها من السور، لئلا يظن أن بعض القرآن أفضل من بعض (^١).
• واحتجوا لذلك بما يلي:
١ - يلزم من القول بأن لله تعالى اسما أعظم أن ما عداه مفضول والمفضول مظنة النقص والعيب. وليس في أسماء الله تعالى مفضول، بل كلها حسنى. فانتفى تخصيص أحد هذه الأسماء بالأعظمية والأفضلية على غيره.
٢ - أن الاسم كلمة مركبة من حروف مخصوصة، اصطلحوا على جعلها معرفة للمسمى، فعلى هذا: الاسم لا يكون له في ذاته شرف ومنقبة، وإنما شرفه ومنقبته بشرف المسمى. وأشرف الموجودات وأكملها هو الله ﷾. وكل اسم ذكر العبد ربه به على ما يكون عارفا بعظمة الرب فذلك الاسم هو الاسم الأعظم (^٢).
٣ - لو كان الاسم الأعظم موجودًا لدعا به النبي ﷺ في المواقف الصعبة كيوم بدر ويوم الأحزاب وغيرها. ولأجابه الله تعالى في كل ما دعاه ومن ذلك دعاؤه لأمته ﷺ ثلاث دعوات فاستجاب الله تعالى له اثنتين ومنعه الثالثة. كما في حديث سعد بن أبي وقاص قال: قال النبي ﷺ: (سألت ربي ثلاثا فأعطاني ثنتين ومنعني واحدة؛ سألت ربي ألا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها، وسألته ألا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته ألا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها) (^٣).
_________________
(١) انظر: فتح الباري (١١/ ٢٢٧).
(٢) لوامع البينات للرازي (ص ٩٢).
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (١/ ١٧٥)، ومسلم في صحيحه كتاب الفتن باب هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض ح ٢٨٩٠ (٤/ ٢٢١٦)، وأخرجه الترمذي في الفتن باب ما جاء في سؤال النبي ﷺ ثلاثا في أمته؛ ح ٢١٧٥ (٤/ ٤٧١) من حديث خباب بن الأرت وقال حسن غريب صحيح.
[ ٨٩ ]
فلو كان هناك اسم أعظم لسأل به النبي ﷺ ما منع منه وهو الرحيم بأمته ﵊.
٤ - وذهب بعضهم إلى أن ذلك راجع إلى حالة الداعي وليس إلى اسم بعينه.
• كما روي عن جعفر الصادق ﵀ أنه قال: (إن كل اسم من أسمائه تعالى يكون في غاية العظمة إلا أن الإنسان إذا ذكر اسم الله عند تعلق قلبه بغير الله لم ينتفع به، وإذا ذكره عند انقطاع طمعه من غير الله كان ذلك الاسم الأعظم) (^١).
روي ذلك عنه في قصة مفادها أن رجلا سأله عن الاسم الأعظم فأمره أن يغتسل بماء شديد البرودة والزمان شتاء ففعل، فلما أراد أن يخرج منع من الخروج فتضرع إلى المانع حتى انقطع رجاؤه منه، ثم تضرع إلى الله تعالى فخلى سبيله، فجاء إلى جعفر الصادق فقال: الآن علمني اسم الله الأعظم؟ فقال جعفر: يا هذا إنك قد تعلمت الاسم الأعظم، ودعوت الله به، وأجابك. فقال: وكيف ذلك؟ فذكر له الكلام المذكور آنفا.
• وروي نحو هذا عن الجنيد في امرأة فقدت ابنها فترددت إليه تسأله أن يدعو لها ليعود ابنها، وهو في كل مرة يقول لها: اذهبي واصطبري. فقالت مرة: عيل صبري، وما بقيت لي طاقة فادع لي.
_________________
(١) لوامع البينات.
[ ٩٠ ]
فقال لها الجنيد: (إن كان كما قلت فاذهبي فقد رجع ابنك) فمضت، ثم عادت تشكر الله فقيل للجنيد: بم عرفت ذلك؟ قال: قال الله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل آية ٦٢] (^١).
• وروي عن أبي يزيد البسطامي أن رجلا قال له: أخبرني عن اسم الله الأعظم؟ فقال: (اسم الله الأعظم ليس له حد محدود، ولكن فرِّغ قلبك لوجه الله لوحدانيته فإذا كنت كذلك فاذكر أي اسم شئت (^٢).
• قال الفخر الرازي بعد ذكر هذه الآثار: (واعلم أنه ظهر من هذا الكلام أن العبد كلما كان انقطاع قلبه عن الخلق أتم، كان الاسم الذي به يذكر الله ﷿ أعظم) (^٣).
وحملوا ما ورد في ذلك من الآثار على أن المراد بالأعظم العظيم وأن أسماء الله كلها عظيمة وعبارة أبي جعفر الطبري: (اختلفت الآثار في تعيين الاسم الأعظم، والذي عندي أن الأقوال كلها صحيحة، إذ لم يرد في خبر منها أنه الاسم الأعظم، ولا شيء أعظم منه) (^٤).
الوجه الثاني: أن المراد بالأحاديث السابقة بيان مزيد ثواب من دعا بذلك الاسم.
• قال الحافظ ابن حجر: (فكأنه يقول كل اسم من أسمائه تعالى يجوز وصفه بكونه أعظم، فيرجع إلى معنى عظيم كما تقدم) (^٥).
_________________
(١) لوامع البينات (ص ٩٣).
(٢) لوامع البينات (ص ٩٣)، وانظر حلية الأولياء (١٠/ ٣٩)، وسير أعلام النبلاء (١٣/ ٨٧).
(٣) لوامع البينات (ص ٩٣).
(٤) فتح الباري (١١/ ٢٢٧).
(٥) فتح الباري (١١/ ٢٢٧).
[ ٩١ ]
• وقال ابن حبان: (الأعظمية الواردة في الأخبار إنما يراد بها مزيد ثواب الداعي بذلك، كما أطلق ذلك في القرآن والمراد به مزيد ثواب القاري (^١).
الوجه الثالث: أن المراد بالاسم الأعظم حالة يكون عليها الداعي، وهي تشمل كل من دعا الله تعالى بأي اسم من أسمائه، إن كان على تلك الحال.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: وقيل: المراد بالاسم الأعظم: كل اسم من أسماء الله تعالى دعا العبد به مستغرقًا بحيث لا يكون في فكره حالتئذ غير الله تعالى، فإن من تأتَّى له ذلك: اأستجيب له، ونقل معنى هذا عن جعفر الصادق، وعن الجنيد، وعن غيرهما (^٢).