فهؤلاء يقولون بأن الأسماء جامدة لا معاني لها وأنها كالأعلام المحضة التي لم توضع لمسماها باعتبار معنى قائم به، فقالوا: إن الله سميع بلا سمع، وبصير بلا بصر، وعزيز بلا عزة.
واستند هؤلاء في زعمهم بأمرين:
أولًا: في القاعدة النحوية التي وضعها النحاة لأنفسهم في التفريق بين الاسم والصفة، فالنحاة يفرقون بين الإسم والصفة، فحقيقة الاسم عندهم: هو كل لفظ جعل للدلالة على المعنى إن لم يكن مشتق، فإن كان مشتقًا فليس باسم وإنما هو صفة.
قال ابن حزم: «إننا لا نفهم من قولنا: قدير وعالم إذا أردنا بذلك الله تعالى إلا ما نفهم من قولنا الله فقط، لأن كل ذلك أسماء أعلام لا مشتقة من صفة أصلًا» (^٣).
الرد على ذلك: هذه القاعدة أسسها سيبويه ليرتب عليها قانونًا من الصناعة في التصريف والجمع والتصغير والحذف والزيادة والنسبة وغير كلك من الأبواب (^٤).
_________________
(١) شرح العقيدة الأصفهانية ص ٧٦.
(٢) مختصر الصواعق ٢/ ١٨٩.
(٣) الفصل (٢/ ١٢١، ١٢٩، ١٦٥) وقد سبق بيان ذلك في (ص ١٣).
(٤) أحكام القرآن لابن عربي ٢/ ٨٠٢، ٨٠٣.
[ ٤٤ ]
ولكن مسألة التفريق بين الوصفية والعلمية لا تنطبق على أسماء الله، «لأن أسماء الله الحسنى أعلام وأوصاف، والوصف بها لا ينافي العلمية، بخلاف أوصاف العباد فإنها تنافي علميتهم» (^١) وذلك لسببين:
السبب الأول: أن أوصاف الخالق مختصة به، فلذلك لا تنافي بينها وبين العلمية المحضة. بخلاف أوصاف العباد فهي مشتركة بينهم فنافتها العلمية المحضة.
وشرح ذلك: أن الاسم وظيفته الاختصاص والتعيين ولذلك قالوا في تعريفه: هو اللفظ الموضوع للشيء تعيينًا له وتمييزًا. وبالتالي لا يمكن للصفات أن تؤدي هذه الوظيفة بالنسبة للمخلوق لأن صفات العباد مشتركة بينهم فيتعذر بذلك الاختصاص الذي هو وظيفة الاسم.
ولذلك إذا سمى الإنسان بوصف من الأوصاف مثل كريم، وشجاع، وجميل فإن هذه الألفاظ تتجرد من خصائص الوصفية ويصبح لها خصائص العلمية.
السبب الثاني: لا تقاس أسماء الله بأسماء المخلوق، لأن أسماء الخلق مخلوقة مستعارة وليست أسماؤهم نفس صفاتهم، بل قد تكون مخالفة لصفاتهم، وأسماء الله وصفاته ليس شيء منها مخالفًا لصفاته، ولا شيء من صفاته مخالفًا لأسمائه.
فمن ادعى أن صفة من صفات الله مخلوقة أو مستعارة فقد كفر وفجر، لأنك إذا قلت «الله» فهو «الله» وإذا قلت «الرحمن» فهو
_________________
(١) بدائع الفوائد ١/ ١٦٢.
[ ٤٥ ]
«الرحمن» وهو «الله» فإذا قلت «الرحيم» فهو كذلك، وإذا قلت «حكيم - عليم - حميد - مجيد - متكبر - قاهر - قادر» فهو كذلك هو «الله» سواء لا يخالف اسم له صفته ولا صفته اسمًا، فهذا في حق الخالق.
وأما في حق المخلوق فقد يسمى الرجل حكيمًا وهو جاهل، وحكمًا وهو ظالم، وعزيزًا وهو حقير، وكريمًا وهو لئيم، وصالحًا وهو طالح، وسعيدًا وهو شقي، ومحمودًا وهو مذموم، وحبيبًا وهو بغيض، وأسدًا وحمارًا وكلبًا وجديًا وكليبًا وهرًا وحنظلة وعلقمة، وليس كذلك.
والله تعالى وتقدس اسمه كل أسمائه سواء، ولم يزل كذلك، كان خالقًا قبل المخلوقين، ورازقًا قبل المرزوقين، وعالمًا قبل المعلومين، وسميعًا قبل أن يسمع أصوات المخلوقين، وبصيرًا قبل أن يرى أعيانهم مخلوقة (^١).
وبهذين السببين يتأكد التفريق بين أسماء الخالق وأسماء المخلوقين وأن أسماء الله مشتقة من صفاته وليست أعلامًا جامدة لا تدل على معنى.
ثانيًا: نفيهم لقيام الصفات بالله تعالى لاعتقادهم أن الصفات أعراض وأن قيام العرض به يقتضي حدوثه (^٢).
ومن أجل ذلك كان قول المعتزلة ومن وافقهم في الله: إنه قديم، واحد، ليس معه في القدم غيره، فلو قامت به الصفات لكان
_________________
(١) الرد على المريسي ص ٣٦٥.
(٢) مجموع الفتاوى ٦/ ١٤٧ - ١٤٨، ٣٥٩.
[ ٤٦ ]
معه غيره، ولكان جسمًا، إذ إن ثبوت الصفات تقتضي كثرة، وتعدادًا في ذاته، وتقتضي أنه جسم، وذلك خلاف التوحيد.
بالإضافة إلى زعمهم أن الصفات لا تقوم إلا بأجسام، فهم -أيضًا- يزعمون أن في إثبات الصفات قول بكثرة وتعدد ذات الله، لأنهم يقولون: إن من أثبت لله صفة أزلية قديمة، فقد أثبت الإلهين. كما اعتقدوا أن الصفات لو شاركته في القدم لشاركته في الألوهية (^١).
فهم يزعمون أن توحيد الله وتنزيهه متوقف على أنه ليس بجسم، وكونه ليس بجسم موقوف على عدم قيام الأعراض والحوادث التي هي الصفات والأفعال، ونفي ذلك عندهم موقوف على ما يلي عليه حدوث الأجسام، والذي دلهم على حدوث الأجسام أنها لا تخلو من الحوادث، وما لا يخلو من الحوادث لا يسبقها، وما لا يسبق الحوادث فهو حادث.
ويزعمون أيضا أن الأجسام لا تخلو من الأعراض، والأعراض لا تبقى زمانين؛ فهي حادثة، فإذا لم تخل الأجسام منها لزم حدوثها.
ويزعمون أيضًا أن الأجسام مركبة من الجواهر المفردة، والمركب مفتقر إلى جزئيه، وجزؤه غيره، وما افتقر إلى غيره لم يكن إلا حادثًا مخلوقًا، فالأجسام متماثلة، فكل ما صح على بعضها صح على جميعها، وقد صح على بعضها التحليل، والتركيب،
_________________
(١) انظر: الملل للشهرستاني ١/ ٤٤ - ٤٦، مقالات الإسلاميين ١/ ٢٤٥، منهاج السنة ٢/ ١٦٩.
[ ٤٧ ]
والاجتماع، والافتراق، فيجب أن يصح على جميعها (^١).
والمعتزلة يقولون: إننا بهذا الطريق أثبتنا حدوث العالم، ونفي كون الصانع جسمًا وإمكان المعاد.
الرد عليهم: مما تقدم نعلم أن المعتزلة بنوا دليلهم في نفي الصفات على أن القديم لا يكون محلًا للصفات والحركات، فلا يكون جسمًا ولا متحيزًا؛ لأن الصفات أعراض وهم يستدلون على حدوث الجسم بحدوث الأعراض والحركات، وأن الجسم لا يخلو منها، وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث.
فهم بهذا القول نفوا صفات البارئ، وجعلوا نفيها يتوقف عليه ثبوت الصانع، وحدوث العالم، فإذا جاء في القرآن والسنة ما يدل على إثبات الصفات لم يكن القول بموجبه.
والمتدبر لحجج المعتزلة يرى فيها الأمور التالية:
أولًا: أنهم يستدلون لأقوالهم بعبارات مبتدعة، وفيها الكثير من الاشتباه والإجمال، وذلك كلفظ العرض، والجسم، والحيز، والمركب، وغير ذلك، فهم يتكلمون بالمتشابه من الكلام ليخدعوا به جهال الناس بما يشبهون عليه، وهذه الألفاظ المجملة تتضمن معاني باطلة، ومعاني أخرى صحيحة، فهم بهذا ينفون كلا المعنيين الحق والباطل.
وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ما في هذه الألفاظ من معانٍ، وما تدل عليه من عبارات (^٢)، وكيف استعملها هؤلاء المعطلة
_________________
(١) انظر: مختصر الصواعق ١/ ٢٥٤.
(٢) انظر: شرح ابن تيمية لهذه العبارات في نقض تأسيس الجهمية ١/ ٥٠٤، ٥١١، وفي مجموع الفتاوى ٥/ ٤١٨ - ٤٣٠.
[ ٤٨ ]
في نفي صفات البارئ ﷿، حيث ادعوا أن هذه الأمور من مستلزمات الجسمية، والله منزه عن ذلك، وقد بين شيخ الإسلام أن استعمال هذه الألفاظ نفيًا وإثباتًا لم يرد عن السلف، ولا جاء به أثر صحيح، ولم يستعملها الأقدمون بالمعنى الاصطلاحي الذي اتفق عليه هؤلاء، بل جميعهم معترفون بأن العلو صفة كمال، كما أن السفل صفة نقص، وما ثبت لله من العلو فهو العلو المناسب لكمال ذاته، المنزهة عن اعتبارات المحدثين ومماثلتهم.
ومعلوم أن القول بأن العلو يستلزم هذه المعاني المبهمة إنما هو مأخوذ من قياس الغائب على الشاهد، ومحاولة تطبيق الاعتبارات الإنسانية على الصفات الإلهية وهذا قياس خاطئ إذ ليس معنى كونه في السماء أن السماء تحويه، وتحيط به، وتحصره، أو هي محمل وظرف له، بل هو سبحانه محيط بكل شيء، وسع كرسيه السموات والأرض، وهو فوق كل شيء، وعلا كل شيء (^١).
ثانيًا: إن ما استدل به المعتزلة لا أصل له من الكتاب أو السنة بل هو مأخوذ من كلام الفلاسفة الذين يزعمون أن للعالم صانعًا ليس بعالم ولا قادر ولا حي (^٢).
كما أن مذهب المعتزلة في الذات قريب من مذهب اليونان القائلين بأن ذات الله واحدة، لا كثرة فيها بوجه من الوجوه (^٣).
ثالثًا: أن أصل هذه القاعدة التي اعتمد عليها المعتزلة في نفي
_________________
(١) انظر: كتاب: موقف ابن تيمية من قضية التأويل ص ٣٨١ - ٣٨٥.
(٢) مقالات الإسلاميين ٢/ ١٧٧، وموقف المعتزلة من السنة النبوية ص ٥٣.
(٣) موقف المعتزلة من السنة النبوية ص ٥٣.
[ ٤٩ ]
الصفات إنما هي مأخوذة من قولهم في دليل حدوث العالم (^١)، الذي أثبتوا فيه حدوث العالم بحدوث الأجسام وهذا دليل قد بين الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر: أنه دليل محرم في شرائع الأنبياء، ولم يستدل به أحد من الرسل ولا أتباعهم (^٢)، فهي بهذا طريق يحرم سلوكها لما فيها من لخطر والتأويل، وما يلزم عليها من لوازم باطلة؛ لأنها مستلزمة لنفي الصانع بالكلية، وهي مستلزمة لنفي صفاته، ونفي أفعاله، ونفي المبدأ والمعاد، فهذه الطريق لا تتم إلا بنفي سمع الرب، وبصره، وقدرته، وحياته، وإرادته، وكلامه، فضلًا عن نفي علوه على خلقه، ونفي الصفات الخبرية من أولها إلى آخرها، فلو صحت هذه الطريقة لنفت الصانع، وأفعاله، وصفاته، وكلامه، وخلقه للعالم، وتدبيره له، وما يثبته أصحاب هذه الطريقة من ذلك لا حقيقة له، بل هو لفظ لا معنى له، وبهذه الطريقة قالت الجهمية بفناء الجنة والنار، وأن الله بذاته في كل مكان، وقال إخوانهم: إنه ليس داخل العالم، ولا خارج العالم، وقالوا بخلق القرآن، إلى غير ذلك من اللوازم الباطلة (^٣).
وأما قولهم: بأن ثبوت الصفات يستلزم تعدد القدماء.
فهذه العلة عليلة بل ميتة لدلالة السمع والعقل على بطلانها.
أما السمع: فلأن الله تعالى وصف نفسه بأوصاف كثيرة مع أنه الواحد الأحد، فقال تعالى ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ
_________________
(١) انظر الكلام على دليل حدوث العالم في: مجموع الفتاوى ١٣/ ١٥٣.
(٢) انظر كتاب: رسالة أهل الثغر ص ١٦٤ - ١٧٢ تحقيق عبدالله شاكر الجنيدي، رسالة ماجستير من قسم الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية.
(٣) مختصر الصواعق ١/ ٢٥٦، ٢٥٧، ودرء تعارض العقل والنقل ١/ ٣٨ - ٤٠.
[ ٥٠ ]
وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٦)﴾ [البروج ١٢ - ١٦].
وقال تعالى ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ [الأعلى ١ - ٥].
وأما العقل: فلأن الصفات ليست ذوات بائنة من الموصوف حتى يلزم من ثبوتها التعدد، وإنما هي صفات من اتصف بها فهي قائمة به، وكل موجود فلا بد له من تعدد صفاته (^١).
فبهذا يعلمُ ضلال من سلبوا أسماء الله تعالى معانيها فنفي معاني أسمائه الحسنى من أعظم الإلحاد فيها، قال تعالى ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف ١٨٠].
_________________
(١) القواعد المثلى ص ٨.
[ ٥١ ]