والحاصل أن أسماء الله كثيرة لا تحصر ولا تحد بعدد، وهي متفاضلة غير متساوية في الفضل بعضها أفضل من بعض، وإن كانت أسماء لمسمى واحد، والأدلة على تفاضل أسماء الله متعددة،
الدليل الأول: أن النصوص تدل على أن بعض أسمائه سبحانه أفضل من بعض، ففي الآثار ذكر اسمه الأعظم سبحانه وقد وردت روايات متعددة في ذكر الاسم الأعظم، ففي روايات بقول ﷺ: «لقد سأل الله باسمه الأعظم (^١) وفي أخرى: «دعا الله باسمه الأعظم (^٢)، وفي أخرى: لقد دعا الله باسمه العظيم (^٣)، وفي أخرى: (اسم الله الأعظم في كذا (^٤)، وفي رواية: «باسمه الأعظم الأكبر (^٥)، وفي رواية: أسألك باسمك الأعلى الأعز الأجل الأگرم (^٦)، على اختلاف في تعيين الاسم الأعظم ما هو؟ وهي مسألة للناس فيها خلاف معروف في كتب أهل العلم (^٧).
_________________
(١) انظر مسند أحمد ٥/ ٣٤٩، ٣٥٠، ٣٦٠، وسنن ابن ماجة ٢/ ١٢٦٨، وسنن الترمذي - مع التحفة، ٩/ ٤٥٥.
(٢) انظر سنن الترمذي - مع التحفة. ٩/ ٥٢٩، والمستدرك ١/ ٥٠٤
(٣) انظر سنن أبي داود ٢/ ٨٠، وسنن النسائي ٣/ ٥٢.
(٤) انظر المسند ٦/ ٤٦١، وسنن الدارمي ٢/ ٤٥٠، وسنن ابن ماجة ٢/ ١٢٦٧، وسنن أبي داود ٢/ ٨٠ وسنن الترمذي - مع التحفة. ٤٤٧/ ٩
(٥) أخرجها الحاكم في المستدرك ١/ ٥٠٤.
(٦) أخرجه الطبراني، انظر مجمع الزوائد ١٠/ ١٥٦.
(٧) انظر مشكل الآثار للطحاوي ١/ ٦١ - ٦٤، وفتح الباري ١١/ ٢٢٤ فقد ذكر أربعة عشر قولًا في تعيين الاسم الأعظم.
[ ٧٧ ]
ففي هذه الروايات دلالة ظاهرة على تفاضل الأسماء الحسني، لدلالتها على أن في الأسماء الحسنى اسم اعظم يفضلها فهو أعظمها.
الدليل الثاني: ومن الأدلة على تفاضل أسمائه سبحانه قوله ﷺ: «إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحد، من أحصاها دخل الجنة» (^١)، فخص النبي ﷺ في هذا الحديث الأسماء التسعة والتسعين بهذه الفضيلة، وهي أن من أحصاها دخل الجنة، فاختصت بهذه الفضيلة.
وأسماء الله غير محصورة في هذا العدد فله سبحانه أسماء غيرها إذ هذه هي دلالة الحديث التي نقل النووي الاتفاق عليها في قوله: "واتفق العلماء على أن هذا الحديث ليس فيه حصر لأسمائه ﷾، فليس معناه أنه ليس له أسماء غير هذه التسعة والتسعين، وإنما مقصود الحديث أن هذه التسعة والتسعين من أحصاها دخل الجنة فالمراد الإخبار عن دخول الجنة بإحصائها" (^٢).
وقد مثل العلماء لهذا بقول من يملك الف مملوك: إن لي مائة مملوك أعددتهم للجهاد فليس قوله هذا مانع من أن له غيرهم معدون لغير الجهاد، فلا دلالة في الحديث لمن احتج به على حصر الأسماء الحسنى في هذا العدد وأنه ليس له من الأسماء إلا هذا العدد فقط،
_________________
(١) متفق عليه، انظر صحيح البخاري مع الفتح ٥/ ٣٥٤، وصحيح مسلم ٢٠٦٣/ ٤.
(٢) شرح مسلم ٥/ ١٧، وانظر المقصد الأسنى ١٣١، والفتاوى ٦/ ٣٨١، وبدائع الفوائد ١/ ١٦٦.
[ ٧٨ ]
كما فعله ابن حزم (^١).
الدليل الثالث: ومن الأدلة على تفاوت أسماء الله في الفضل: حديث: (وأسالك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندكأ (^٢)، وفي الموطأ عن كعب الأحبار في دعائه: (… وبأسماء الله الحسنى كلها ما علمت منها وما لم أعلم» (^٣).
ففي هذا دلالة على تفاوتها وعلى اختصاص كل منها بخصيصة.
ثم أن كل دليل من كتاب وسنة دل على تفاضل صفات الله التي تدل عليها أسماؤه، هو دليل على تفاضل تلك الأسماء، لتفاضل دلالتها، لأن الاسم يراد لمعناه لا لحروفه.
الدليل الرابع: وجوه تفاضل أسماء الله:
الناظر في أسماء الله يجد أنها تتفاوت من وجوه عدة يظهر بها تفاضلها، فمن ذلك:
أن أسماءه تعالى منها ما يطلق عليه مفردًا ومقترنًا بغيره، وهو غالب الأسماء، كالقدير والسميع والبصير والعزيز والحكيم، وهذا پسوغ أن يدعا به مفردًا ومقترنًا بغيره، فتقول: يا عزيز، يا حليم، يا
_________________
(١) انظر المحلى ١/ ٣٠، والدرة ٢٤٢.
(٢) أخرجه أحمد في المسند ١/ ٣٩١ - ٤٥٢، وابن أبي شيبة ١٠/ ٥٣، وأبو يعلى ٥/ ٣٥، والطبراني في الكبير ١٠/ ٢١٩، وصححه ابن حبان - الإحسان ٢/ ١٦٠ والحاكم ١/ ٥٠٩، وضعفه الدارقطني في العلل ٥/ ٢٠١. وانظر السلسلة الصحيحة ح ١٩٨.
(٣) الموطأ ٩٥٣
[ ٧٩ ]
غفور، يا رحمن يا رحيم، وأن يفرد كل اسم، وكذلك في الثناء عليه والخبر عنه بما يسوغ لك الإفراد والجمع، ومنها ما لا يطلق عليه بمفرده بل مقرونا بمقابله كالمانع والضار والمنتقم، فلا يجوز أن يفرد هذا عن مقابله، فإنه مقرون بالمعطي والنافع والعفو، فهو المعطي المانع، الضار النافع، المنتقم العفو، المعز المذل، لأن الكمال في اقتران كل اسم من هذه بما يقابله، لأنه يراد به أنه المنفرد بالربوبية وتدبير الخلق والتصرف فيهم عطاءً ومنعا ونفعًا وضرًا وعفوا وانتقاما، وأما أن يثني عليه بمجرد المنع والانتقام والإضرار فلا يسوغ، فهذه الأسماء المزدوجة تجري الأسماء منها مجرى الاسم الواحد، الذي يمتنع فصل بعض حروفه عن بعض، فهي وإن تعددت، جارية مجرى الأسم الواحد، والله لم تجيء مفردة، ولم تطلق عليه الا مقترنة، فاعلمه، فلو قلت يا مذل يا ضار يا مانع واخبرته عنه بذلك لم تكن مثنيًا عليه ولا حامدًا له حتي تذكر مقابلها (^١)، فهذا وجه من وجوه تناولها يظهر به تفاضلها فليس الإسم الدال على الكمال بمفرده مساويًا للذي لا يدل على الكمال إلا باقترانه بمقابله
الدليل الخامس: أن من أسمائه سبحانه ما يدل على صفة واحدة كالسميع والبصير، ومنها ما يدل على صفات عديدة لا تختص بصفة معينة كالمجيد والعظيم:
فإن المجيد من اتصف بصفات متعددة من صفات الكمال، وهو موضوع لبلوغ النهاية في كل محمود، ولنبل الشرفي بكرم الفعال، وللكثرة، ولذا قالوا: استمجد المرخ والعفار أي استشرا
_________________
(١) بدائع الفوائد (١/ ٦٧) وانظر تفسير الرازي ١٥/ ٦٧.
[ ٨٠ ]
من النار حتى تناهيا في ذلك حتى إنه يقبس منهما (^١)، وكذا العظيم من اتصف بصفات كثيرة من صفات الكمال، وكذلك الصمد، قال ابن عباس أرضي الله عنهما: «الصمد، السيد الذي كمل في سؤدده والشريف الذي كمل في شرفه، والعظيم الذي قد كمل في عظمته والحليم الذي قد كمل في حلمه، والغني الذي قد كمل في غناه والجبار الذي قد كمل في جبروته، والعالم الذي قد كمل في علمه والحكيم الذي قد كمل في حكمه، وهو الذي قد كمل في أنواع
الشرف والسؤدد (^٢)، فهذا وجه من وجوه تفاوت أسماء الله، وهو دال على تفاضلها فليس الاسم المتضمن الصفات عديدة كالدال على صفة واحدة.
ومن ذلك:
أن من الأسماء ما يتضمن سلب صفة نقص عن الله، وهي الصفة المقابلة للصفة التي يثبتها الاسم، كالبصير مثلا فيها سلب صفة نقص عن الله وهي العمي ﷾ وتنزه وتقدس.
ومنها ما يرجع إلى التنزيه المحض من كل نقص وعيب جملة وتفصيلا فيكون متضمنا للكمال المحض كالقدوس والسلام، وهو وجه قريب من سابقه.
ومن ذلك:
أن من أسمائه سبحانه ما يدل على صفة بعينها، ومنها ما يدل
_________________
(١) انظر: تهذيب اللغة ٩٨٢١٠، والصحاح ٢/ ٥٣٦، ومعجم مقاييس اللغة ٥/ ٢٩٧.
(٢) أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات ص: ٧٨، وغيره، انظر الدر المنثور ٦/ ٤١٥.
[ ٨١ ]
على تلك الصفة وزيادة، كالعليم يدل على صفة العلم مطلقا، والخبير يدل على علمه بالأمور الباطنة، وكذلك الغني هو الذي استغنى بنفسه عن كل شيء فلا يحتاج إلى شيء، والملك أيضا لا يحتاج إلى شيء ولكنه يحتاج إليه كل شيء، فيكون الملك مفيد معنى الغني وزيادة (^١).
ويدل على تفاوت الأسماء الحسنى في الفضل، وجود أسماء منها دالة على صفة واحدة، واشتقاقها واحد، مع الاختلاف في مبانيها، مثل: القدير المقتدر القادر، والغفور الغفار الغافر، والرحمن الرحيم، ونحو ذلك فإن كلا منها معدود اسما مستقلا، وهي متغايرة متفاضلة، دل على تفاضلها صيغ مبانيها، فإن فعال وفعيل وفعلان صيغ مبالغة و(فعال) أبلغ من (فاعل)، ثم (فعلان) أبلغ من (فعيل)، ولذا ذكر ابن جرير أنه لا تمانع بين أهل العلم بلغات العرب أن الرحمن أبلغ من الرحيم (^٢)، وهو مذهب أكثر العلماء (^٣).
فهذه بعض أدلة ووجوه تفاضل أسماء الله فيما بينها، فبعضها أفضل من بعض وهي كلها فاضلة في غاية التمام والكمال ليس فيها نقص، ولذا فإن قولنا بأنها متفاضلة غير قادح في كونها فاضلة كلها متوافرة في الكمال، لأن التفاضل بينها دلالة النصوص كما أرايت ولان التفاضل بين الأشياء الفاضلة الكاملة لا يستلزم نقص المفضول (^٤).
_________________
(١) انظر المقصد الأسنى ص: ٢٢.
(٢) تفسير الطبري ١/ ٤٢.
(٣) انظر البرهان في علوم القرآن ٢/ ٥٠٤، ومعترك الأقران ١/ ٤١٢.
(٤) المصدر بشيء من التصرف مباحث المفاضلة في العقيدة ٦٦ - ٧٦
[ ٨٢ ]