هل يشرع الذكر باسم الله مفردا؟
فأما الاسم المفرد مظهرا مثل: «الله» «الله» أو «مضمرًا» مثل «هو» «هو» فهذا ليس بمشروع في كتاب ولا سنة، ولا هو مأثور أيضا عن أحد من سلف الأمة، ولا عن أعيان الأمة المقتدي بهم، وإنما لهج به قوم من ضلال المتأخرين.
وربما اتبعوا فيه حال شيخ مغلوب فيه (^١)، مثلما يروى عن الشبلي أنه كان يقول: «الله، الله» فقيل له: لم لا تقول لا إله إلا الله؟ فقال: أخاف أن أموت بين النفي والإثبات. وهذه من زلات الشبلي التي تغفر له لصدق إيمانه، وقوة وجده، وغلبة الحال عليه، فإنه كان
_________________
(١) ولذا ترى المفتونين بهؤلاء المشايخ يحاولون دأبًا إيجاد مخرج لمثل هذه التصرفات التي صدرت من هؤلاء الأكابر زعمًا، حيث يقول المقري في إضاءة الدجنة: وموهم المحذور من كلام … قوم من الصوفية الأعلام جريًا على عرفهم المخصوص … يُرجعُ بالتأويل للمنصوص وما يفوهون به في الشطح … فقيل غير مقتض للقدح وَهْوَ إلى التأويل ذو انتحال … أو أنهم قد غلبوا في الحال وقيل بل يناط حكم الظاهر … بهم صيانة لشرعٍ طاهر ونحوه كلام ابن بون في الوسيلة، وما هذا إلا نتيجة ضعف الاتباع للنبي ﷺ عند أهل البدع والله المستعان.
[ ١٢٠ ]
ربما يجن ويذهب إلى المارستان، ويحلق لحيته، وله أشياء من هذا النمط التي لا يجوز الاقتداء به فيها، وإن كان معذورا أو مأجورا، فإن العبد لو أراد أن يقول: «لا إله إلا الله»، ومات قبل كمالها لم يضره ذلك شيئا، إذ الأعمال بالنيات، بل يكتب له ما نواه. وربما غلا بعضهم في ذلك حتى يجعلوا ذكر الاسم المفرد للخاصة، وذكر الكلمة التامة للعامة، وربما قال بعضهم: «لا إله إلا الله» للمؤمنين، و«الله» للعارفين، و«هو» للمحققين، وربما اقتصر أحدهم في خلوته أو في جماعته على «الله، الله، الله» أو على «هو» أو «يا هو» و«لا هو إلا هو».
وربما ذكر بعض المصنفين في الطريق تعظيم ذلك. واستدل عليه تارة بوجد، وتارة برأي، وتارة بنقل مكذوب، كما يروي بعضهم أن النبي ﷺ لقن علي بن أبي طالب ﵁ أن يقول: «الله، الله، الله». فقالها النبي ﷺ ثلاثا، ثم أمر عليا فقالها ثلاثا. وهذا حديث موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث، وإنما كان تلقين النبي ﷺ للذكر المأثور عنه، ورأس الذكر «لا إله إلا الله» وهي الكلمة التي عرضها على عمه أبي طالب حين الموت «وقال: يا عم قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله» (^١)، وقال: إني لأعلم كلمة لا يقولها عبد عند الموت إلا وجد روحه لها روحا» (^٢)،
_________________
(١) رواه البخاري في صحيحه كتاب مناقب الأنصار، باب قصة أبي طالب (٧/ ١٩٣ ح ٣٨٨٤)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت حديث رقم ٣٩، والإمام أحمد (٥/ ٤٣٣).
(٢) أخرجه أحمد في المسند (١/ ٢٧، ٣٨)، وابن ماجه في سننه كتاب الأدب، باب فضل لا إله إلا الله حديث رقم ٣٧٩٥، وصححه العلامة الألباني في صحيح الجامع برقم ٢٤٨٨.
[ ١٢١ ]
وقال: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» (^١).
وقال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إلا الله، وأن محمدا رسول الله؛ فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله» (^٢).
والأحاديث كثيرة في هذا المعنى.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في الجنائز باب في التلقين حديث رقم ٣١٠٠، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم ٦٣٥٥، وفي إرواء الغليل برقم ٦٨٧.
(٢) رواه البخاري في الإيمان، باب ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ الآية حديث رقم ٢٥، ومسلم في الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله حديث رقم ٣٤، ٣٦.
[ ١٢٢ ]