• القائلون بأن لفظ الجلالة هو اسم الله الأعظم:
والذي يهمنا هو قول من قال إن لفظ الجلالة هو الاسم الأعظم، وهذا مروي عن ابن عباس (^١) ﵄ والشعبي (^٢) وجابر (^٣) بن زيد وابن المبارك (^٤) وأبي حنيفة (^٥)
والطحاوي (^٦)، وابن العربي (^٧)، وعبد القادر الجيلاني (^٨)، والطرطوشي وقال: (وبهذا المذهب قال معظم العلماء) (^٩) وإليه أشار الخطابي (^١٠)، والقرطبي (^١١). وقال السفاريني
_________________
(١) أخرجه ابن مردويه كما في الدر المنثور (١/ ٢٣).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١٠/ ٢٧٣) و(١٤/ ٣٢) والدارمي في الرد على المريسي (١/ ١٦٨) السيوطي في الدر المنثور (١/ ٢٤) من طريق ابن أبي شيبة ونسبه في الدر المنظم (١/ ٣٩٥ الحاوي) إلى ابن أبي الدنيا في الدعاء.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١٠/ ٢٧٣) و(١٤/ ٣٢) والدارمي في الرد على المريسي (١/ ١٦٩) وعزاه السيوطي في الدر المنثور (١/ ٢٣) إلى البخاري في تاريخه وابن الضريس في فضائله وابن أبي حاتم في تفسيره.
(٤) الدعاء المأثور وآدابه للطرطوشي (ص ٩٧).
(٥) شرح مشكل الآثار (١/ ١٦٢).
(٦) شرح مشكل الآثار (١/ ١٦١).
(٧) أحكام القرآن (٢/ ٨٠٨).
(٨) فتح الله بخصائص الاسم "الله" (ص ٥٧٨).
(٩) الدعاء المأثور وآدابه (ص ٩٦).
(١٠) شأن الدعاء (ص ٢٥).
(١١) الجامع لأحكام القرآن (١/ ١٠٢).
[ ١٠٥ ]
(عند أكثر أهل العلم) (^١)، ورجحه المباركفوري (^٢)، والأشقر (^٣)، وهو مفهوم كلام الحمود (^٤)، ورجحه الشيخ عبد الله الغصن (^٥).
واستدلوا على ذلك بأدلة منها:
١ - أن لفظ الجلالة (الله) هو الاسم المذكور في كل الأحاديث الواردة (^٦). قال أبو جعفر: (فهذه الآثار قد رويت عن رسول الله ﷺ متفقة في اسم الله الأعظم أنه الله جل وعز (^٧).
وقد جاء لفظ الجلالة الله في بعضها ولفظ اللهم في بعضها الآخر. ولا خلاف أن لفظة اللهم معناها يا الله ولهذا لا تستعمل إلا في الطلب (^٨). فلما حذفوا الياء من أول الحرف زادوا الميم في آخره ليرجع المعنى الذي في يا الله (^٩).
٢ - لأن هذا الاسم هو المأثور عن السلف ﵃ كابن عباس وجابر بن زيد والشعبي وابن مبارك وعليه جمهور العلماء بعدهم.
٣ - لما لهذا الاسم من الخصائص والمزايا المعنوية واللفظية ما لا يوجد في غيره (^١٠).
مناقشة أدلة القائلين بأن الاسم الأعظم لفظ الجلالة (الله):
١ - أما الاستدلال بأن لفظ الجلالة هو الاسم المشترك بين جميع الأحاديث الواردة سواء كان وروده بلفظ الجلالة (الله) أو بلفظ
_________________
(١) لوامع الأنوار البهية (١/ ٣٥).
(٢) تحفة الأحوذي (٩/ ٤٤٦).
(٣) أسماء الله وصفاته في معتقد أهل السنة والجماعة (ص ٨٧).
(٤) النهج الأسمى (١/ ٥٧).
(٥) أسماء الله الحسنى (ص ٩٦).
(٦) تحفة الأحوذي (٩/ ٤٤٦).
(٧) شرح مشكل الآثار (١/ ١٦١).
(٨) جلاء الأفهام (ص ١٠٩).
(٩) شرح مشكل الآثار (١/ ١٦٥).
(١٠) وقد تقدم ذكرها.
[ ١٠٦ ]
اللهم ففيه نظر. وذلك أن هذا اللفظ لم يرد في جميع النصوص التي ذكر النبي ﷺ أن الاسم الأعظم فيها ومن ذلك حديث أسماء بنت يزيد (^١)، فلفظ الجلالة لم يرد في الآية التالية وهي قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة آية ١٦٣].
وإله ليس مرادفا للفظ الجلالة (الله) وإن كان هو أصل اشتقاقه، ولذا فليس لهذا الاسم من الخصائص ما للفظ الجلالة (الله)، فـ (إله) تطلق على غير الله تعالى كقوله ﷿: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ [المؤمنون آية: ٩١].
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [القصص آية: ٨٨]، وقوله: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾ [طه آية: ٩٧].
٢ - وأما الاستدلال بأنه المأثور عن السلف رضوان الله عليهم فلم يؤثر عن أحد من الصحابة إلا عن ابن عباس ﵄ فيما ذكر، وقد أثر عنه غيره مثل الحي القيوم (^٢) ورب رب (^٣) وغير ذلك.
_________________
(١) ولفظه قالت ﵂: إن النبي ﷺ قال: (اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة آية ١٦٣]، وفاتحة سورة آل عمران ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران آية ١ - ٢]، وسبق تخريجه.
(٢) ذكره الرازي في لوامع البينات (ص ٣١٠)، وهذا المذهب رجحه ابن قيم الجوزية حيث قال في نونيته. اسم الإله الأعظم اشتمل على اسم الحي والقيوم مقترنان. فالكل مرجعها إلى الاسمين يدري ذاك ذو بصر بهذا الشأن. شرح النونية لابن عيسى (١/ ٢٥٩) وقال في زاد المعاد (١/ ٢٠٤): (ولهذا كان اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى هو اسم الحي القيوم). وذكر عن شيخ الإسلام أنه كان يشير إلى أنهما الاسم الأعظم. مدارج السالكين (١/ ٤٤٨).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه كتاب الدعاء باب اسم الله الأعظم (١٠/ ٢٧٣ برقم ٩٤١٤)، وفي الرقائق (١٤/ ٣٢ برقم ١٧٤٥٩)، والحاكم في المستدرك (١/ ٥٠٥) بإسناديهما إلى هشام بن أبي رقية وهو تابعي ثقة ذكره العجلي في تاريخ الثقات (٤٥٧)، وابن حبان في ثقاته (٥/ ٥٠١)، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٩/ ٥٧). انظر الفتح (١١/ ٢٢٨).
[ ١٠٧ ]
٣ - وأما الاستدلال بالخصائص والمزايا التي تميز بها لفظ الجلالة، فلا شك أن هذه المزايا والخصائص صحيحة، وتدل على شرف هذا الاسم، لكن لا يلزم من ذلك أنها تدل على أنه الاسم الأعظم المعني في الأحاديث الواردة.
٤ - ثم لو كان الاسم الأعظم هو لفظ الجلالة لكان هذا واقعا من كل داعٍ، لأن غالب الداعين لا يخلو دعاؤهم من قول اللهم كما هو معلوم. وعليه فلا معنى لهذا التشويق للدعاء بالاسم الأعظم ما دام واقعا مَدْعُوًا به عند أكثر الداعين.
٥ - وأيضا لو كان الاسم الأعظم هو لفظ الجلالة لما كان لتخصيصه ببعض السور معنى، كما في حديث أبي أمامة (^١)، ولا معنى أيضا لتخصيصه ببعض الآيات كما في حديث أسماء، لأنه قل أن توجد آية أو سورة في القرآن إلا وقد ورد فيها لفظ الجلالة.
_________________
(١) ولفظه عنه ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إن اسم الله الأعظم لفي سور من القرآن ثلاث؛ البقرة، وآل عمران، وطه) وسبق تخريجه.
[ ١٠٨ ]